ملحمة سليل الخوف الفصل 15 — ملحمة سليل الخوف 15

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 15 — ملحمة سليل الخوف 15 باللغة العربية على مانجا تايم.

أمسك نومريس بمقبض السيف واستله ببطء، ليرتفع صريرٌ حاد أعلن عن خروج الشفرة من غمدها.

كان العجوز مأخوذاً بالذهول وهو يراقب ذاك السيف القاتم؛ كان طويلاً على نحوٍ لافت، ومن مجرد مظهره، كانت الشفرة تنضح بحدةٍ يرتعد لها البدن.

شعر العجوز بقلبه يخفق بضراوة يتناسب إيقاعها مع الهيبة المرعبة التي تجسد بها السيف في المكان.

أمعن نومريس النظر فيه مطولاً وهو يرفعه في الهواء؛ كان أسود كالحبر، يبتلع الضوء من حوله.

"يا له من سيف… هل كان معي منذ البداية؟ هل خرج معي من ذاك العالم الروحي؟"

ألقى نظرةً خاطفة على وجه العجوز الوجوم، ثم أردف في سريرته: "لا يبدو الأمر كذلك… فلو كان معي منذ البداية لانتزعوه مني فور عودتي، ولما علمتُ حتى أن لي سيفاً."

طافت بذهنه فكرةٌ أخرى: "لسوء الحظ، لا أتقن فنون السيف… لكن لحسن الحظ أيضاً، يمكنني تعلم استخدامه بسرعة، فالوقت ما زال في بدايته."

ثم أرجع السيف إلى غمده بهدوء، بينما أخذت التساؤلات تتزاحم في عقله حول خطوته القادمة: "المعضلة الكبرى الآن… هي كيف سأخرج من هذه القبيلة؟"

وفجأة، وفي ومضة إدراكٍ خاطفة، طفت على السطح صورةٌ باهتة لابتسامةٍ غامضة… ابتسامة خفيفة تفيض ببهجةٍ هادئة، انبعثت من غياهب ذاكرته كأنها طيفٌ يمر عبر الضباب.

اتسعت حدقتا نومريس ذهولاً، وكبس بكفيه على جانبَي رأسه محاولاً تثبيت تلك الصورة قبل أن تتلاشى.

"من هذا الشخص…؟"

ساد وجدانه شعورٌ مرعب بالخواء، وكأن يداً خفية قد امتدت إلى عقله واجتثت حجراً أساسياً من نسيج ذكرياته.

كان يوقن في قرارة نفسه أن صاحب تلك الابتسامة لم يكن غريباً قط، بل كان ركيزةً ملتصقة بحياته؛ غير أن تلاشي الوجه والاسم خلف جدارٍ صلب من الفراغ جعل كل محاولةٍ لتذكره شبيهاً بسباقِ سرابٍ لا ينتهي.

كلما اعتصر عقله لاستعادة تفصيلةٍ واحدة، اشتد الصداع في رأسه وتصاعدت حدة الطنين، ليبقى العجز مطلقاً… لقد نسي شيئاً بالغ الأهمية، شيئاً يجهل حتى كيف ومتى سُلب منه.

تزاحمت الأطياف الصوتية في أرجاء عقله، تنبعث ناعمةً ومتداخلة كأنها همساتُ أثيرٍ ينبثق من عالمٍ آخر:

«نومريس… صباح الخير.»

«نومريس… هل لا تزال ترسم؟»

«نومريس… هيا نلعب!»

«ألم تنتهِ بعد…؟»

«إنها مجرد يد… لا تقلق عليّ.»

تلاشت تلك الجمل متسارعة، محتضرةً واحدةً تلو الأخرى في غياهب النسيان، تاركةً خلفها صمتاً أطبق على تلافيف دماغه.

بقي نومريس متصمراً في مكانه لعدة لحظات، يتنفس بثقلٍ وسط الذهول القاتل، ينظر إلى اللاشيء بينما تحاول روحه التشبث بآخر الخيوط الواهية لتلك الأصوات.

هدأ في صدره وسكن الألم تدريجياً، تجمدت نبرته الداخلية وكرر التساؤل بمرارةٍ تحرق الأحشاء:

"من ذاك الشخص…؟ كان يتحدث إليّ بألفة، يناديني باسمي ويعرفني بوضوح… غير أنني لا أذكر شيئاً عنه! هذا غريب حقًّا."

في هذه اللحظة بالذات، وأثناء استغراق نومريس في غياهب الشتات، استغل العجوز ارتباكه الشديد ومروقه السريع من أسر الوعي، فتسلل حثيثاً وانسحب مسرعاً خارج الكوخ دون أن يصدر أدنى صوت.

حين أدار نومريس رأسه يستكشف المحيط، لم يجد أحداً؛ كانت الغرفة الفسيحة خاويةً إلا من أطياف الفراغ وصوت الهطول الخارجي.

"ذاك العجوز… انتزع الفرصة وهرول للخارج؛ يبدو أنه سيهرع لإبلاغ شيوخ القبيلة بإفاقتي. ماذا عساي أن أفعل الآن؟"

استجمع نومريس شتات فكره سريعاً، وألقى نظرةً خاطفة عبر ضلفة النافذة؛ كان الجو مطيراً بضراوة، والمياه تغمر الطرقات والممرات بين الأكواخ.

استدار بحدقتيه نحو الجدار المجاور، فاستوقفته قبعةٌ متماسكة المحيا مصنوعةٌ من الخيزران؛ تناولها ببرود وثبتها فوق رأسه، ثم جالت نظراته في الزوايا بحثاً عن حذاءٍ يخفف به وعورة الطريق، حتى وقعت عيناه على ضالته: حذاءٌ جلديٌّ أسود متين.

انتعله بلمحاتٍ خاطفة، وفي غضون ثوانٍ، اندفع خارج المنزل بسرعةٍ خاطفة، مخلّفاً وراءه دوامةً ضئيلة من الهواء والصفير داخل الكوخ الفارغ.

لم تمضِ سوى لحظاتٍ معدودة، حتى أقبل ثلاثة رجال يركضون بأقصى طاقتهم؛ كانوا ثلاثةً من شيوخ القبيلة، يتقدمهم مانيس بخطى متواترة، وخلفه بن جامات، يليهما لوهان ذو الشعر المجعد الشديد والشوارب الكثيفة الطويلة.

اقتحم الثلاثة الكوخ بدفعةٍ واحدة، فتلطخت الأرضية الخشبية بالطين والوحل الملتصق بأسفل أحذيتهم، غير أن نظراتهم الشاخصة لم تعثر على أي أثر للصبي.

«لقد هرب…»

تمتم مانيس بنبرةٍ يملؤها الغيظ وهو يلتفت في الأرجاء.

صرَّ لوهان على أسنانه بحنقٍ متأجج قائلاً: «ذاك العبد الوقح… كيف يتجرأ على الهرب؟!»

رمقهم بن جامات بنظرةٍ حادة وأردف بثبات: «لن يكون قد ابتعد كثيراً في مثل هذا الطقس… أبلغوا باقي الرجال فوراً، لنبدأ البحث عنه في كل شبر.»

«حسناً… حتى لو اضطررنا لقلب القبيلة رأساً على عقب، سنعثر عليه!»

شخر مانيس بسخط، وهو يرتدّ راكضاً لنشر الأوامر.

وما هي إلا فترةٌ قصيرة، حتى اهتزت أرجاء القبيلة على صوت رنين الجرس المدوي، ليعلن للجميع حالة الطوارئ.

«ماذا يحدث…؟ ما الخطب؟»

ترددت تساؤلات الأهالي المذعورة بين الأزقة والممرات الضيقة، تتناقلها الألسن وسط زحمة الهرب من المطر المدوي.

توقف رجلٌ عريض المنكبين ذو بنيةٍ جسيمة، ورمق عجوزاً يطل من نافذته المفتوحة مستفسراً، فرد عليه الآخر بصوتٍ جاف: «ذاك العبد القادم من الجبل… لقد استيقظ وفر هارباً! القبيلة بأكملها تستنفر الآن للقبض عليه.»

«ماذا؟! ذاك العبد استيقظ واستطاع الهرب؟!»

«نعم… لهذا ترى الجميع يركضون ويجوبون الطرقات تحت هذا المطر الغزير.»

تمتم الرجل بوجوم: «فهمت… بالتوفيق في العثور عليه.»

في هذه الأثناء، كان نومريس يتسلل بحذرٍ شديد بين المنازل والأكواخ، مستغلاً عتمة الطقس واضطراب الأجواء؛ كان الجميع يهرولون في كل اتجاه، حتى لو لمحته عينٌ من بعيد وسط هذا الوابل المنهار، لظنته واحداً من رجال القبيلة المحتمين بالأغطية والقبعات.

وكلما تراءت له مجموعة من الحراس تركض في اتجاهه، انحرف بخفةٍ متوارياً خلف العربات الخشبية المركونة، بل إنه اضطر في إحدى اللحظات للارتماء بين أفراد أسطبلٍ للماشية والقطعان المحشورة تحت السقائف، متقاسماً معها الظلمة والرائحة ليضلل الرماة والأعين المتفحصة.

—

في الكوخ الرئيسي الكبير المتوسط للقبيلة، كان يسود هدوءٌ مريب تتخلله هيبةُ السلطة.

جلس رجلان قبالة بعضهما؛ الأول هو سكوادر، زعيم القبيلة ذو الملامح الصارمة، والآخر هو جوي، أحد أكثر الشيوخ نفوذاً ودهاءً.

كسر سكوادر الصمت بنظرةٍ ثقيلة وجهها نحو جوي قائلاً: «إذاً… العجوز يرجح أن ذاك العبد قد أيقظ جنينه الروحي؟»

أومأ جوي برأسه ببرود وأردف: «نعم، هذا ما جزم به… لقد كان هذا الصبي هو المعبر الذي جرف باقي الأشخاص نحو ذاك الاختبار المروع، الاختبار الذي أودى بحياة أكثر من ثمانين شخصاً. قوةٌ تتشكل على جثث هذا العدد الضخم لا يمكن أن تكون قدرةً هينة على الإطلاق.»

جعد سكوادر حاجبيه وانقبضت ملامحه بحزم: «ولهذا السبب تحديداً يجب ألا يفلت من أيدينا… لم يسبق لي قط أن سمعتُ بعبدٍ استطاع إيقاظ جنينه؛ ستكون هذه حادثةً فريدة من نوعها.»

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتابع الزعيم بنبرةٍ تفيض بالجشع والتخطيط: «جوي… أكلّفك بهذه المهمة شخصياً. ائتني بذاك الصبي حياً؛ عبدٌ ممسوس يمتلك جنيناً روحياً سيكون ثمنه باهظاً للغاية إن قُدم في المزاد العلني لعائلة ستالين الحاكمة بعد أربعة أشهر.»

نهض جوي بثبات، ووضع كفه الأيمن على موضع قلبه بنبرةٍ توحي بالولاء المطلق: «اترك الأمر لي يا سيادة الزعيم… المجد للقدماء.»

استدار جوي بخطى واثقة وغادر الكوخ، متجهاً نحو ظلمة المطر.

نهاية الفصل