ملحمة سليل الخوف الفصل 17 — ملحمة سليل الخوف 17

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 17 — ملحمة سليل الخوف 17 باللغة العربية على مانجا تايم.

ألقى جوي نظرةً خاطفة نحو الرجل الذي كان يصرخ بالتحذير من بعيد، قبل أن يختفي في رمشة عين دون أن يترك أثرًا وراءه، متجهًا نحو مصدر الخطر.

أما مانيس، فقد ظل يحدق في الحارس بالذهول لعدة لحظات، غير مستوعبٍ تمامًا فحوى كلماته، إلا أن كل شيء تبدد في الهواء بمجرد أن قرعت طبول الحرب؛ دقاتٌ ثقيلة ومتسارعة زلزلت أرجاء القبيلة، وأعادت الجميع إلى الواقع المتردي.

وفجأة، لاحظ الحراس ونومريس، على حدٍ سواء، تجمعاتٍ غفيرة من الظلال الكثيفة بدأت تطوق المكان من كل اتجاه وسط ظلمة المطر.

في تلك اللحظة الحرجة، أعاد نومريس سيفه إلى غمده بخفة وسرعة، متسللًا بين الصفوف المتخبطة حين وجد فرصةً سانحة للابتعاد.

لم يعد يفكر في سلك الفجوة التي تمثل منفذ القبيلة إلى الخارج؛ إذ إن الهجوم الكاسح كان يتدفق مباشرةً من ذلك الاتجاه.

في الوقت نفسه، اندفع المزيد من رجال القبيلة من داخل منازلهم وأكواخهم عقب سماع نداء الحرب، ممسكين بأسلحتهم، رافعين صيحاتهم، وهم يهرولون نحو الخطوط الأمامية لصد العدوان.

وجد نومريس نفسه، بعد خطوات قليلة، في ضاحية أخرى، غير أن الحصار كان قد امتد إليها أيضًا؛ إذ شوهد أفراد الهجوم الخارجي ينتشرون كالجراد.

رفع نومريس حاجبيه باستغراب، وجال بنظراته الدقيقة بين الوجوه الغريبة.

"من هؤلاء الأشخاص…؟ ولماذا يشنون هجومًا بهذه الشراسة على القبيلة؟"

كان نومريس غافلًا تمامًا عن الصراع التاريخي المحتدم بين القبائل الأربع في هذا الإقليم؛ فكيف لفتىً كانت كل حياته محصورةً في رعي الأغنام داخل حدود قبيلته أن يعلم بتوازنات القوى وحروب النفوذ؟

تمتم نومريس في سريرته وهو ينكمش بجسده خلف جدار أحد الأكواخ:

"لقد وصل هؤلاء الأوغاد في الوقت المناسب تمامًا… فلولا هذه الفوضى، لكنت الآن قبضةً في أيدي الشيوخ."

صمت لحظة، ثم ألقى نظرةً حذرة حوله.

"ولكن ما زالت المعضلة قائمة… كيف سأتسلل من هنا والجميع يحيطون بالمكان؟"

وقف نومريس يراقب المشهد المعقد بعينين حذرتين.

كان عدة شيوخ يقفون في الجبهة الأمامية، يتوسطهم سكوادر فوق حصانه.

لكن المشهد أمامه لم يكن يشبه أي شيء رآه في حياته من قبل.

تجمدت أنفاسه للحظة.

فعلى الجانب الآخر من الضاحية، وخلف ستار المطر الكثيف، بدأت تتكشف عشرات الصفوف من الرجال المسلحين.

ثم مئات.

كانوا يقفون في مواجهة القبيلة، صفوفًا متراصة تمتد إلى ما وراء حدود بصره، حتى خُيّل لنومريس أن الظلام نفسه قد اتخذ هيئة بشرية وجاء لمحاصرتهم.

كانت الرايات المبللة بالمطر ترفرف فوق رؤوسهم، تحمل رموزًا لم يرها من قبل، بينما أمسك المحاربون بالرماح والسيوف والفؤوس، واصطفوا في صمت ثقيل لا يقطعه سوى هدير المطر وقرع طبول الحرب.

اتسعت عينا نومريس.

"كل… هؤلاء؟"

لم يستطع منع نفسه من التحديق.

"من أين أتى كل هؤلاء الناس؟"

لم يكن يتخيل أن ما أمامه لم يكن جيش قبيلة واحدة، بل حشود ثلاث قبائل اجتمعت معًا ضد قبيلة واحدة.

ثم وقعت عيناه على الجهة المقابلة.

كان رجال القبيلة التي احتضنتها الأسوار قد اصطفوا بدورهم في خطوط متتالية، وخرج المزيد منهم من الأزقة والمنازل تباعًا، حتى امتلأت الساحة بالمحاربين.

كان بعضهم يحمل دروعًا خشبية، وآخرون يمسكون رماحًا طويلة، بينما وقف رجال أشد ضخامة في المقدمة، يضربون أسلحتهم بدروعهم استعدادًا للاشتباك.

دقّ الطبل مرة أخرى.

دوم!

اهتز صدر نومريس مع الصوت.

ثم دق ثانية.

دوم!

وثالثة.

دوم!

وفي كل مرة كانت الصفوف تتحرك قليلًا إلى الأمام، حتى أصبح الجيشان متقابلين على مسافة قصيرة.

رفع نومريس رأسه ببطء.

للمرة الأولى، أدرك المعنى الحقيقي لكلمة "حرب".

لم تكن مجرد مجموعة من الرجال يتقاتلون بالسيوف.

بل كانت جموعًا من البشر مصطفة أمام بعضها البعض، وكل واحد منهم ينتظر الإشارة التي ستدفعه إلى قتل شخص آخر.

ابتلع نومريس ريقه بصعوبة.

"هل… سيقاتلون جميعًا؟"

وفجأة، ارتفعت صيحة من الجهة المعادية.

"آآآآآه!"

تبعتها مئات الأصوات في آنٍ واحد، فاهتزت أرجاء القبيلة بالصراخ.

ارتجف نومريس رغمًا عنه، وتراجع نصف خطوة خلف الجدار.

ثم رفع نظره نحو سكوادر.

كان الرجل جالسًا فوق حصانه وسط الشيوخ، ثابتًا بصورة مخيفة، وكأن كل تلك الفوضى من حوله لا تعني شيئًا.

وفي الجهة الأخرى، ظهر رجل ضخم يمتطي حصانًا أسود، محاطًا بعدد من المحاربين.

تقابلت عينا الرجلين من بعيد.

ساد الصمت.

حتى المطر بدا وكأنه خفت للحظة.

«من يكون ذلك الرجل؟»

تهامس رجال قبيلة ماكنزي فيما بينهم، وقد بدت الحيرة واضحة على وجوههم.

جاءهم صوت مانيس من بينهم، بنبرةٍ خافتة لكنها حاسمة:

«إنه سلافمور… الشيخ الأول لقبيلة كبيمار.»

ساد صمت قصير، قبل أن يضيف أحدهم وقد اتسعت عيناه:

«سلافمور… ذاك بشحمه ولحمه؟»

أومأ مانيس ببطء.

«نعم. هو نفسه.»

ابتلع الرجل ريقه، ثم قال بصوتٍ خفيض:

«سمعت أنه شديد الوحشية… يُقال إنه خلال إحدى معاركه مزّق صدر خصمه بيديه، ثم أخرج قلبه والتهمه أمام الجميع.»

«ماذا؟ هل أنت واثق من ذلك؟» همهم آخر

التفت إليه رجل، ولم تفارق الجدية ملامحه.

«واثق تمامًا… تلك القصة يعرفها كل من سمع باسم سلافمور.»

رفع سلافمور الغريب يده ببطء.

توقفت طبول الحرب.

شعر نومريس بقلبه يخفق بعنف.

لم يفهم ما الذي سيحدث، لكنه أدرك شيئًا واحدًا…

المعركة على وشك أن تبدأ.

فجأة، تقدم أحد الرجال من بين صفوف القبائل الثلاث.

كان طويل القامة، عريض المنكبين، وقد غطت الندوب أجزاءً من وجهه وذراعيه. أمسك بفأس ضخمة بيد واحدة، ثم غرس طرفها في الأرض الموحلة، قبل أن يرفع رأسه نحو سكوادر.

"سكوادر!"

دوّى صوته وسط المطر.

توقف الجميع عن الحركة.

حدق نومريس بالرجل بدهشة.

لم يفهم سبب توقف الجيشين، لكن بدا أن هذا الرجل يمتلك مكانة لا تقل عن مكانة الشيوخ.

تابع الرجل بصوت أجش:

"لقد أعطيناكم مهلة طويلة."

صمت لحظة، ثم أشار بفأسه نحو القبيلة.

"أعوامًا وأنتم تحتكرون المدخل وتستغلونه لصالحكم!"

تغيرت ملامح نومريس.

"المدخل؟"

رفع رأسه قليلًا.

واصل الرجل:

"ذلك المدخل لا يخصكم وحدكم! إنه الطريق إلى العالم الروحي الذي تركه أجدادنا جميعًا!"

تعالت الهمهمات بين المحاربين.

في إقليم كوردو، كانت القبائل الأربع متجاورة، تفصل بينها مسافات قليلة، وكأنها بقايا جسدٍ واحد تمزق منذ زمن بعيد.

ففي الماضي، كانت هذه القبائل قبيلةً واحدة.

لكن لسببٍ لم يعد واضحًا حتى لأبنائها، انقسمت إلى أربع قبائل، وتحول الانقسام مع مرور السنين إلى عداوة، ثم إلى صراعٍ مستمر على الأرض والنفوذ، وأخيرًا إلى حروب لم تتوقف.

أما المدخل إلى العالم الروحي، فقد كان أحد أقدم أسباب الصراع بينها.

تعالت أصوات المحاربين من الجانبين.

لكن نومريس ظل ثابتًا في مكانه.

لم تكن كلمة "المدخل" غريبة عليه.

بل كان يعرفه أكثر من أي شخص يقف في هذه الساحة.

اتسعت عيناه ببطء، وتسلل إلى ذهنه ذلك المكان الذي دخله قبل أيام.

العالم الروحي…

تذكر الوجوه التي رافقته.

أكثر من ثمانين شخصًا دخلوا معه.

لكن واحدًا فقط خرج.

هو.

شعر نومريس بقشعريرة تسري في جسده.

"إنهم يتحدثون عن ذلك المدخل…"

لم يستطع أن يصدق أن المكان الذي نجا منه بأعجوبة كبيرة كان سببًا في تجمع هذه الحشود الهائلة أمامه.

"هل سئموا من الحياة؟"

تمتم نومريس في سريرته.

ورغم أنه لم يعد يرغب في البقاء هنا طويلًا، فإنه لم يستطع المغادرة بعد.

كان يريد أن يعرف ما سيحدث.

تقدم شيخ بجانب سكوادر نحو الأمام.

كان ضخم الجثة، وقد غطّى جسده رداءٌ من جلود الحيوانات. بدت خطواته بطيئة، لكنها كانت تحمل ثقلًا جعل المحاربين يفسحون له الطريق دون أن ينطقوا بكلمة.

توقف أمام الرجل صاحب الفأس، ثم حدق فيه بعينين ضيقتين.

"سوني…"

خرج اسم الرجل من بين شفتيه بنبرة تحمل احتقارًا واضحًا.

ثم تابع:

"أيها الوغد… هل تعرف من ذلك الشخص الذي تشير بيدك نحوه؟"

رفع سوني حاجبه، ثم التفت قليلًا نحو المكان الذي أشار إليه الشيخ.

لم يجب.

فقال الشيخ ببرود:

"إياكم وأن تفكروا في ذلك الجبل بعد الآن."

أمسك سوني بمقبض فأسه بضراوة، ثم وجه نصلها مباشرةً نحو بن جامات، وهتف بنبرةٍ قاطعة تمتلئ بالحقد: «الحديث معكم لم يعد له أي داعٍ بعد اليوم!»

وفي غضون ثانية، اندفع سوني كالوحش المفترس، دَاكًّا الوحل تحت قدميه وموجهًا هجومه الشرس نحو خصمه.

لم يتردد بن جامات قط؛ بل جرد سيفه العريض من غمده في لمح البصر، وأطلق صرخة حربٍ مدوية شقت ركود المدى، ليثور مندفعًا بوجه سوني بكامل قوته.

وتحت هطول المطر الغزير، ومع اصطكاك الرعد الذي هز سقف السماء، التحم الخصمان بضراوة؛ وانبعثت شرارات الموت في الفضاء حين انطحن الحديد بالحديد وسط الساحة الموحلة، معلنةً انطلاق شعلة الحرب الدموية.

نهاية الفصل