تداعى الحاجز الأبيض. كان جداراً منيعاً في لحظة، ثم تراجع في اللحظة التالية كأنه لم يكن قط. وهناك استلقت البطلة على وجهها فوق البياض. اندفعت نحو آش. أسندتها إلى فخذي. كانت تتنفس. تنفست ببطء وهدوء كأنها امرأة في سبات عميق. بدا وجه آش مسالماً، وكان وجهها حقاً. فولاذياً، لكنه يفيض باللين. لا يشبه البتة وجه الرجل الذي درست جثته في ذلك العالم الزائف. وكانت تبكي. لم يكن الأمر سوى أثر شريط وحيد على الجانب الأيمن من وجهها، وقد جف معظمه.
مددت يدي ومسحته بإبهامي. لم يعجبني يوماً أن تصغر آش نفسها. ولم يعجبني هذا أقل من ذلك بكثير. وانتظرت أن تستيقظ. أخذت البطلة وقتها. لفترة طويلة جعلتني أتسااءل عما إذا كانت ستستيقظ إطلاقاً. إن هذا الأمر الذي فُعل بنا —تكثيف عمر من الذكريات هكذا— لا يمكن أن يمر بلا مخاطرة. لعل آش لم تستطع— لا. طردت هذه الفكرة. إن كانت آش، فهي ستستطيع. فهذه هي البطلة التي قتلتني، بعد كل شيء.
حينئذٍ تلعثم ذلك التنفس المنتظم. راقبت خطي البطلة وهما يضيئان وينبضان. وبينما كنت أنظر، انشاقا ونميا. تغيرت الوشيعة البنفسجية أولاً. امتد الخط وانحنى نحو اليمين في ثلاث شعب متفرقة، كتشعب النهر. انشق خط القطع الأسود تلياً. امتد متجاوزاً مرفقها وصعد إلى كتفها، وتفرعت منه خطوط دقيقة امتدت في كل اتجاه. ثم سكنت وشموها وخفت ضوؤها. ظلت تنبض، لكن ذلك الضوء صار لا شيء مقارنة بما كان.
سعلت آش سعلة واحدة. ترجفت شفتاها، ثم فتحت عيناها. وتلك العينان الزرقاوان ترمقانني. كانتا غائمتين، لكني رأيت الحياة تعود إليهما.
قلت: "أخذتِ وقتاً طولياً، أيتها البطلة".
كان صوتي مستقراً. وجب عليّ جعله كذلك. راحت يدي تتحسس شعر آش. لم أتعمد فعل ذلك.
"كظنني لن تخرجي".
صار صوتي أقل استقراراً بعد هذه. حدقت آش فيّ، وعندما أجابت، كان صوتها بالغ الهدوء.
"آسفة. لكني هنا الآن".
قلت: "هكذا أنتِ إذن".
جاءت الابتسامة قبل أن أسمح لها. وتركتها تدوم.
قالت آش: "لا أظن بإمكاني البقاء هكذا... لفترة قصيرة".
احمر وجهها وهي تقوها، ولم تقابل نظرتي تماماً الآن. كان طلباً غريباً. لكني سأسمح به، الآن.
وافقت: "فترة قصيرة".
أومأت آش برأسها وأغمضت عينيها. مرت الدقائق وبقينا هناك في صمت. استند رأسها إلى فخذي، قريباً جداً من ذلك الشيء الذي ينبض تحت أضلاعي.
قالت آش وما زالت عيناها مغمضتين: "يبدو مختلفاً".
"أكثر ليونة، بطريقة ما".
نظرت إليها من علٍ. بالطبع لاحظت. فحواسها أحده وأدق بكثير من حواسي.
قلت: "يبدو كذلك".
ابتسمت آش.
"يسعدني ذلك".
ثم فتحت عينيها فالتقتا بعيني.
"أما زال يؤلمك؟"
"القدر الضئيل فحسب".
مر شيء حزين على وجهها، ظهر واختفى.
"إذن لا أطيق الانتظار حتى يأتي اليوم الذي لا يؤلمك فيه قط".
لم أملك إجابة عن هذا. كانت الكلمات أقرب إلى نوع من العهد، رغم أنها لم تسألني شيئاً ولم تَعِد بشيء بنفسها. ما كان هذا إذن، لم أكن أدري. كل ما عرفته أنني لم أمانع ذلك البتة. لم يقاطعنا شيء، ولا حتى النظام. لعلها كانت الفعل الحكيم الوحيد الذي أتاه طوال حياته. لكنت جربت الخراب مجدداً لو فعل. نهضت آش أخيراً. دفعت نفسها لتستقيم وتطلعت نحو البياض المحيط بنا. لم يكن هناك ما يسترعي النظر إلا قليلاً.
لم يكن هناك أفق يستحق الاسم، ولا أرض تختلف عن السماء.
قالت آش: "لا أزال لا أصدق أن كل ذلك قد حدث".
ثم هبطت نظرتها. انزلقت إلى ذراعي واستقرت هناك. تبعتها بنظري. امتد على ذراعي اليمنى نقش متفرع من أصفى سواد. وعلى يسراي، توأمه بالأبيض. انشاق الاثنان بعيداً عما كانت عليه الخطوط، وانحنى الاثنان للداخل عند أقصى امتدادهما، مقوسين نحو مركز لم يبلغاه بعد. ادعى النقاش ألدريك أن شكل الختم ينبئ أحياناً بالشعار الآتي. إن كان ذلك صحيحاً، فإن ما أملكه لم ينبئ بشيء أستطيع تمييزه.
لم أكن أعلم أي شكل تببلغه البداية والنهاية. ولعلهما لا تعلمان أيضاً.
سألت البطلة أخيراً: "أكان الأمر صعباً؟".
عادت نظرتها فالتقت بنظرتي. كنت أعلم ما تقصده. لم يكن كذلك، هذا ما أردت قوله. أنا ليسانثيا، ومهما بلغت جسامة المحنة بالنسبة لأي شخص آخر، فستبقى بالنسبة لي أمراً حقيراً. كدت أقولها. تشكلت الكلمات، وكادت تغادر. هزرت نفسي.
قلت عوضاً عن ذلك: "كان كذلك. كان...".
أدرت وجهي عنها نحو الأرض الخالية من الملامح.
"كان صعباً".
أخذت نفساً وقابلت نظرتها. ذات مرة، منذ زمن ليس بعيداً، قرأت قصيدة. واحدة كانت تخصني يوماً بالتأكيد. ذات قرون فضية، بسطت سلطانها على الظلام، وبكت دموعاً سوداء لعوالم أشعلت فيها النيران، لا تحب شيئاً، ولذا دمرت كل شيء. لم تكن دموعي سوداء.
أردت قول: "دمرت شيئاً لأنني أح—".
علقت الكلمة في حلقي.
قلت أخيراً: "دمرت لأنني أحببت شيئاً. كان الأمر غريباً".
أومأت آش برأسها ببطء، كأنها تفهم كل ما مررت به بمجرد تلك الكلمات البسيطة.
قالت آش: "حدثيني عن الأمر في وقت ما. يودني سماع كل شيء، ليس".
أتفترض أنني سأفعل إذن؟ قد أفعله. لكن اليقين في صوتها كان مزعجاً.
"حسناً".
ثم نظرت إليها، إلى ختميها.
"وأنتِ يا آش؟ أكان الأمر صعباً؟"
صمتت آش مطولاً. كدت أتساءل عما إذا كنت طرحت السؤال الخاطئ، أو طرحت السؤال الصحيح بالطريقة الخاطئة. ابتسمت أخيراً، وكانت ابتسامة صغيرة.
"كان أقل صعوبة مما خشيته، وأصعب مما أمّلته".
كانت إجابة غريبة، لكني استطعت تبين أنها لم تكن محاولة للخداع. لعل تلك كانت الكلمات الوحيدة التي تملكها آش.
قلت: "أود سماع الأمر. بالتفصيل الممل، إن كنت مستعدة".
أومأت آش، واتخذت ذلك إجابة منها. لم تنتهِ بعد.
قالت: "قتلتك. في ذلك العالم".
لم يكن الأمر مفاجئاً بتاتاً. لقد كان عالمي حيث غرقت جموعي في كل شيء. حيث سيق جميع الملوك بحد السيف، وانحنت كل الأعراق ركوعاً أو كُسرت. لعل ذلك كان تتويجا لفئة [الملكة الشيطانية]. وإن يكن، فلا عجب إذن أن تُرى آش عالماً قتلتني فيه. ما عساها تكون ذروة [البطلة]، سوى عالم مبني على جثتي؟
"ولذا أدركت أنه عالم زائف. ففي عالم زائف وحدها كان يمكن أن أُقتل هكذا".
قالت آش مبستمة: "شيء من هذا القبيل".
ثم التفتت حولها، وراقبته وهي تتأمل المكان بأسره حيث نكون.
"كم برأيك مضى من الوقت؟ منذ أن دخلنا إلى هنا؟"
قلت: "لا أعلم، أيتها البطلة".
لقد فكرت في هذا كثيراً ريثما انتظرت آش. لم يكن هناك ما يُفعل سواه.
"من الواضح أن الوقت هنا يسير بغرابة. لقد اختبرت... شهراً في الوهم، على ما أظن. أو أقل بقليل ربما. وسواء أكان ذلك يعني أن الأيام قد مضت في الخارج، أم الشهور...".
تلاشى صوتي. على الأقل، لم أكن بحاجة للأكل منذ أن جئنا إلى هنا. وهو أمر محظوظ، لأنني لم أكن أدري أين ذهبت مؤننا في كل هذا البياض الممتد. لعل المكان نفسه يدعمنا. سكتت آش لوهلة. وجدتها تتأمل. ليس فقط ما أخبرتها به، بل ما ينبغي أن تقوله تلياً، وكيف. بحلول الآن، بدأت أتعرف على آش جيداً.
"أتستطيعين... أتستطيعين الشعور بها؟ سول، أعني".
تألم شيء في داخلي.
أجبت ببساطة: "لا أستطيع. وقد حاولت".
لقد حاولت مرات عديدة. لم أقل ذلك الجزء.
"أعلم أنها رحمة صغيرة، لكني لا أظن أنه مر—"
كان هناك زرقاء. ملأت السماء، وصبغت كل شيء باللون ذاته، رغم أنه لم يكن هناك إلا القليل الثمين لتصبغه. تطلع كل منا أنا وآش إلى أعلى.
[المشاركون: 2/2]
[اكتملت السيناريو.]
[اكتملت المحنة.]
صمدت الخطوط الثلاثة لنفس، ثم تلاشت. ومكانها جاء اثنان آخران.
[جارٍ تقييم المحنة...]
[جارٍ حساب المكافآت...]
حدقت في الكلمات طويلاً. لم يكن هذا غير مألوف بالنسبة لي. في العالم القديم، كان النظام يمنح المهام بحرية. بعضها ينتمي لفئة المرء. وبعضها لا ينتمي لأي فئة قط. وحين ينجح المرء، كان الأزرق يشق الهواء، ويقول ما يشبه هذا كثيراً. لقد راقبت شاشات كهذه تحل نفسها عشرة آلاف مرة. وما ظننت أنني سأرى واحدة منها مجدداً.
همست آش: "ما برأيك ستكون؟"
لم يكن في كل هذا البياض أحد لنخفي كلماتنا عنه. همست على أي حال، وهمست أنا أيضاً.
همست رداً: "لم يعد هناك إحصائيات بعد الآن. لذا لعلها سلاح، أو ما شابه".
[حُسبت المكافآت.]
انشق الهواء أمام آش، وانفردت شاشة أصغر أمامها.
[اُكتسب: 1 كغ من فولاذ الطيف]
تدلى تحت الكلمات كتلة من المعدن الداكن، معلقة في كرة من الطاقة الزرقاء. سقطت الطاقة. ارتبكت آش، وأمسكت بها إلى صدرها. حدقت. لقد رأيت فولاذ الطيف من قبل. لقد كان أفضل المعادن قاطبة التي استخدمها الملوك قط في أي من روائعهم. السر الوحيد الذي لم يعلموه لأي غريب. لقد ملأت عروقهم بالملح وأدفنت أفرانهم، وطوال سني لم أتعلم قط طريقة صنعه. تلألأ المعدن الداكن بينما قلبته آش بين يديها.
في زاوية ما صار شبه شفاف، وفي التالية كان معتماً. شاشة ثانية شقت الهواء أمامي.
[اُكتسب: 1 كغ من الفولاذ المتغير]
طرفرت بعيني، وفي اللحظة التالية كانت هناك زجاجة زجاجية غريبة معلقة في الهواء أمامي، مملوءة بسائل فضي. تهاوت الطاقة من حولها بعجالة، وأمسكت بالشيء متسرعة. كانت الزجاجة صغيرة، وسهلة الإمساك بيد واحدة، لكنها كثيفة. كثيفة كالشعور الذي كانت تمنحه إحدى قلوب الجوهر.
تمتمت: "الفولاذ المتغير".
كان اسماً غريباً. لقد عرفت اسم كل معدن يستحق المعرفة في عصري. كل شيء من فولاذ الطيف نزولاً إلى فضة الفجر. لم يكن هناك فولاذ متغير أبداً. لم يكن هناك أي شيء يدعى هكذا على الإطلاق. وعلاوة على كل ذلك، لم كان سائلاً؟ انقلبت الفضة بكسل داخل الزجاج، وانقلبت في اتجاه لا يمكن لميل الزجاجة أن يفسره.
قالت آش وهي تتفحص غنيمتها الخاصة: "لم يقل الأركون أي شيء عن هذا. ومع ذلك، فإن مجرد منح مادة خام هو أمر...".
همست: "إنه ليس مجرد مادة خام يا آش".
لم أختبره بعد، وكنت واثقة بالفعل.
"هذا يشبه صف الصياغة ذاك. أَتَذْكُرين؟ حديد الطباشير".
ضغطت بخيط من المهد عبر الزجاج. اللحظة التي لمس فيها الضوء الأبيض الفضة، شعرت بطنين، وكان طنيناً عالياً بحق. لقد كان حديد الطباشير شبه صامت مقارنة بهذا.
قلت: "نعم. إنه يشبه تماماً حديد الطباشير ذاك".
"أرى ذلك".
نظرت آش إلى المعدن بين يديها، وكنت واثقة هذه المرة أن هناك تقديراً أكبر في ذلك التطلع. تفرست في مكافئتي الخاصة بمزيد من التأمل. لم أكن قد أتيت إلى هنا متوقعة أي مكافأة على الإطلاق. وبناء على ذلك، فإن المغادرة بأي شيء كانت نعمة. ومع ذلك فإن النظام الذي عرفته لم يمنح قط نعمة كانت كذلك فحسب.
طالبت الشاشة العائمة أمامي، وتلك الأكبر المرسومة عبر السماء: "ماذا تريدين؟"
لن يجيبني النظام، إذ لم يكن قادراً. لقد كان سؤالاً أحمق. لكنت حظيت بححظ أوفر لو أجريت محادثة مع سول— اختفت الشاشات الأصغر أمامي وأمام آش. تغير النص في الشاشة الكبرى، وتغير إلى شيء غريب.
[جارٍ البحث في الأرشيف...]
[وُجد الطلب]
حدقت. في حياتي الطويلة، لعنت النظام مراراً. وطلبت منه الإجابات أكثر مما هناك من نجوم. غضبت منه، واختبرته، وقتلت الملوك الذين تحدثوا باسمه. ولم يتفاعل قط مع أي شيء قلته. سكنت آش تماماً إلى جانبي. لا بد أنها أدركت ذلك أيضاً. بالكاد كنت أتتنفس بحلول الوقت الذي تغير فيه النص مجدداً.
[اُكتشفت أخطاء مجهولة في الكل الأعظم]
[إعادة تشغيل الكل الأعظم]
استغرق الأمر مني ثوانٍ طويلة لأفهم. لقد بدا هذا الشيء كشُظْفة انتُزعت من لوياثان. قطعة صغيرة قُطعت من كل أعظم. لقد رأيت شاشة نظام عند نقشي، شاشة كانت تومض ومغطاة بخطوط سوداء. لا شيء يشبه ما أراه أمامي الآن. يمكن لبحّة تلقي الإجابة أن تنتظر. احتياجي للمعرفة كان أشد.
طالبت: "ما خطب هذا 'الكل الأعظم'؟ ما الذي تطلبه منا تحديداً لفعله؟"
اومض النظام مرة واحدة. وتلألأت السماء بأسرها معه قبل أن يتصلب مجدداً. والآن لم يكن هناك سوى سطر واحد مكتوب عبر كل ذلك الأزرق.
[إعادة تشغيل الكل الأعظم]
قلت: "أي جرأة لك".
خرجت منخفضة للغاية.
قالت آش: "ليس—"
وهي تمد يدها لتلمس ذراعي. أشرت إلى السماء. التف الخراب على طرف إصبعي.
"أأنت جريء إلى هذا الحد؟ بعد كل شيء، أتجرؤ على الكلام! وحين تفعل أخيراً، أتجرؤ على تقديم طلب مني؟"
لقد تجاوز صوتي الهمس بمراحل.
"لا أعرف ما حدث لك أيها النظام. ولا يعنيني. لن أرتدي طوقاً آخر. ليس لأجلك. ولا منك".
كنت أتتنفس بصعوبة.
سألت آش بلطف وهي تقترب خطوة: "أأنت بخير؟"
"نعم. أنا—"
بحثت عن عذر، فلم أجد ما يستحق الذكر.
"أعتذر. لم يكن ذلك لائقاً مني يا آش".
نظرت إليها، فلم أجد سوى الحزن يرمقني بالمقابل.
قالت آش: "لا. أنا أفهم يا ليس".
ثم رفعت بصرها نحو السماء بنفسها، وفارق الحزن صوتها تماماً.
"يسري هذا عليَّ أيضاً أيها النظام. ليست لدي نية للعب ألعابك. ليس للمرة الثانية".
كان صوتها أصلب من صوتي. لم يحدث شيء. النظام الذي أجابني للتو صمت الآن. لم يحدث شيء لفترة طويلة لدرجة جعلتني أتساءل عما إذا كان رد النظام عليَّ مجرد مصادفة بعد كل شيء. ثم ومضت السماء مجدداً. عاد الأزرق، ولكنه لم يكن أزرق وحدها. رأيت السواد. بدأ عند أطراف السماء، خطوط رقيقة من الظلام، تزحف ببطء عبر كل ذلك الأزرق ونحو المركز.
[اُكتشف دخيل]
[خطأ][خطأ][خطأ]
[التصنيف: V̸̢̛o̷͘-̵̘̚]
لم أستطيع قراءة ذلك السطر الأخير البتة. والكاد استطعت قراءة البقية عبر كل ذلك الوميض. رفعت يدي اليمنى.
قلت: "الخراب".
تدفق لهب أسود إلى أعلى، أبعد مما بلغ قط. ومع ذلك لم يبلغ السماء. وشككت في أنه حتى لو بلغها، لما فعل شيئاً على الإطلاق.
سألت آش: "ليس... ماذا يحدث؟"
قلت: "ليس لدي أدنى فكرة يا آش".
وعنيت ذلك. اومضت السماء بأسرها للمرة الأخيرة، وتغير النص بينما استمر الظلام في الزحف.
[بدء تسلسل الإنهاء]
[الكل الأعظم في خطر حرج][اعثر على قلب العالم]
اومض النظام مرة أخرى، ثم اختفى. وذهب الضوء معه. وقفنا في ظلام دامس. ساد صمت لعدة لحظات طويلة. شعرت بيد آش تعثر على يدي اليمنى، فأمسكت بيدها بالمقابل، بينما استقرت الزجاجة بحضن ذراعي اليسرى.
"آش. أأنت بخير؟"
قالت آش: "أنا كذلك. لكني... لكني في حيرة عميقة".
أومأت برأسي، رغم علمي بأن البطلة لم تستطع رؤية ذلك. لا بد أن ذلك الخط الأول قد قاد إلى الظلام الذي نقف فيه الآن. لقد فهمت ذلك، حتى لو كانت الكلمات غريبة. لقد... أنهت هذه الشُظْفة نفسها، عوضاً عن أن يأخذها السواد. لم أكن أدري كيف جعلني ذلك أشعر، سوى أنه لم يكن شيئاً معدوماً. ثم كان هناك الخط الآخر. قلب العالم. هذا ما قاله النظام. كنت أعرف مكان ذلك، جيداً بما يكفي. أو على الأقل المكان الذي كان يسمى هكذا، في عصري.
وكذلك فعلت آش. بدا أنه ما زال موجوداً. لكن لكي يقوم النظام بـ— جذبني شيء ما. شيء دافئ. شيء ناعم. شيء كان، للحظة واحدة، مرتبكاً، وفي التالية، غاضباً تماماً ومسروراً تماماً في آن واحد. سولارا. تدفق الرابط مجدداً إلى المكان الذي مُزق منه. استدرت. خلفنا، في الظلام، وقف باب أبيض. لم يكن هناك من قبل. كنت واثقة من ذلك.
"آش. اتركي يدي. لحظة واحدة فحسب".
"ماذا ستفعلين بـ—"
رفعت يدي اليمنى وأطلقت الخراب. استطعت رؤية اللهب حتى في ذلك الظلام. احترق بسواد أعمق من الظلام حوله، تقريباً بنفس درجة الظلام الغريب الذي راقبته يزحف عبر تلك الشاشة. قريباً، ولكن ليس تماماً. اخترق الخراب الباب باليقين نفسه كأن الباب لم يكن موجوداً البتة. لم يقاوم الباب ولو قليلاً. وشككت في أنه لما احترق هكذا، لو كان هذا لا يزال مكاناً للبياض. تدفق الضوء من خلال الجرح في الخشب.
بما يكفي لرؤية آش به، وبالكاد خطوة واحدة أبعد.
تمتمت: "كنت أنا هذه المرة".
"ماذا؟"
"لا شيء".
كنت أنتظر بنصف ظن أن أرى رين على الجانب الآخر من ذلك الضوء. مددت يدي. نظرت آش إليها، وأمسكت بها. معاً، صرنا نمشي نحو الباب الممحو نصفياً.
كنت أتذكر الممر خارج الغرفة جيداً. كان الحجر بلا ملامح تماماً كبقية الأكاديمية. توقعت رؤية ذلك الآن. ما رأيته أولاً كان علامات غريبة. ملصقة على الجدران ونصف الأرضيات. كادت إحداهن تقرأ إحداها قبل أن أنتبه لهن. طالبات. أحصيت أربع منهن، ثلاث نائمات في تشكيلات غريبة من الوسائد الكثيرة. إحداهن كانت فتاة ذات شعر بلون الصباغ البارد. جلست أليسا في مؤخرة الجميع، مسندة ظهرها إلى الجدار المؤدي إلى السلالم.
كانت ترمقني. ترمقنا. كانت عيناها واسعتين وفمها مفتوحاً. استغرقت ثانية لتستعيد توازنها، ورأيت الجهد الذي كلفته إياها تلك الاستعادة.
قالت: "أنت وأخيرًا..."
ثم تنحنحت.
وقالت، مشيرة بإصبعها نحوي: "لقد خرجت منافستي من مخبئها!"
لكن الإصبع كان يرتجف، وكانت هناك هالات داكنة تحت عينيها. لم تكن قد نُعست جيداً لبعض الوقت إذاً. لم أفهم. لكنني فهمت ما يكفي الآن لأعرف أن ذلك كان خطئي ربما. نظرت إلى آش. لسبب ما، كانت تبتسم لي في المقابل. نظرت إلى أليسا، ومنحت الفتاة شيئاً أندر من فولاذ الأطياف: ومضة ابتسامة باهتة.
"لم يكن اختباء يا فتاة. بل كان اختباراً. هناك فرق."
أومأت أليسا ببطء. ولسبب ما، مسحت عينيها.
"الأخريات سـ..."
صدرت زقزقة. زقزقة عالية جداً. عالية بما يكفي لترتج الجدران وتوقظ كل دماء شياطين نائمة في الفجوة، حتى صاروا يحدقون ببعضهم، ثم إلينا. كنت قد غادرت جانب آش بالفعل. أسقطت الكأس، ولسقطت وتحطمت على الحجر لو لم تمسك بها آش. لم يكن الأمر مهمّاً. أسرعت نحو السلالم، نحو شدّ الرابط. وهناك رأيتها، تنحدر بانسيابية على بيت الدرج. أسود وذهبي، أربعة أجنحة تخفق بإيقاع تام. انحدرت، وفعلت ذلك بأناقة.
بسطت ذراعيّ لها. أطلقت سولارا زقزقة مدوية أخرى. لم تحط في ذراعيّ. بل صدمت جبيني بدلاً من ذلك، وأطلقت زقزقة غاضبة في طريق نزولها. أمسكت بها قبل أن تبلغ الأرض. جلست في كفيّ، وحينها فقط لاحظت كم كبر حجمها. عندما فقط فقست سولارا، كانت تتسع في كفيّ المضمومتين ويفيض المكان. أما الآن، فلم يكن هناك متسع على الإطلاق. كانت تلك العينان الذهبيتان الكبيرتان هائلتين بالنسبة لحجمها آنذاك.
أما الآن فبدتا مثاليتين تقريباً لحجمها. انزلق شيء رطب على وجنتي.
قلت: "أعتذر. لم أظن أن الأمر سيستغرق كل هذا الوقت. لقد... كبرتِ كثيراً يا سول."
ضمّت فرخة العُقبان ساقيها واستقرت في كفيّ. جاءت زقزقتها التالية أصغر. قربتها من وجهي. مدّت عنقها، ونقرت وجنتي، بلا قوة تكفي للإيذاء أبداً.
قالت آش من جانبي: "لقد صارت أكثر استدارة أيضاً. ليس أكبر فحسب."
لم ألاحظ مجيئها. التفتت سولارا إليها وأطلقت زقزقة ناعمة أخرى.
قالت آش: "أهلاً يا سول. آسفة لغيابي طويلاً. أحمل وزناً أكبر من اللزوم، وإلا لكنت مشطت إحدى ريشاتك."
تأملت سولارا هذا الأمر مطولاً. راقبتها وهي تتأمله. ثم زقزقت، بصوت لا يشي بالرضا تماماً. ربما كانت تحذر البطلة من أن مثل هذه الوقاحة لن تُمَرر سوى مرة واحدة.
"ليسانثيا. آش."
التفتنا كلتانا. كانت أليسا تحدق بنا، والنظرة على وجهها لا يمكن وصفها إلا بالجنون.
"أعلم أنكما خرجتما للتو، لكن لا وقت لديـ..."
انفتح شق في العالم، مباشرة خلف الفتاة. ومعه جاء الثقل. أطلقت أليسا اختناقاً مكتوماً وهوت على ركبتيها. في أنحاء الفجوة، سقط كل دماء شياطين استيقظ للتو ونهض بسبب زقزقة سول. تهاوت ساقاي تحتي، وكدت أسقُف لولا أنني غمرت أطرافي بالجوهر. بكمية أكبر مما أحب. وأكثر بكثير مما قد أقرّ به قط. كانت سول تزقزق وأجنحتها الأربعة منبسطة، فضممتها إلى صدري وحميتها هناك بكلتا ذراعيّ. كل غريزة امتلكتها صرخت بخطر.
كان ثقل هذا أكبر من أي شيء شعرت به في هذا العالم الجديد، باستثناء شيء واحد. باستثناء قائد يجب ألا يكون حيّاً. خطت آش خطوة إلى الأمام، ووضعت نفسها بيني وبين الشق. نظرت إلى ظهرها، وفكرت أنه لن يكون هناك من يحمي أحداً مما يكونه هذا الشيء. من الشق الأصفر، خرجت امرأة. ارتدت درعاً فضيَّاً، وكان جميلاً. سقط شعر أصفر طويل مرسلاً خلفها، ليصل إلى الأرض تقريباً. كان وجهها حاداً، ومع ذلك بدا ناعماً بشكل غريب.
تدلّى على ظهرها سيف أصفر طويل وعريض لدرجة بدا معها حجمه سخيفاً، ومع ذلك لم تُقلل تلك السخافة من رعبها. وعلى ساعدها الأيسر استقرت علامة. حلقتان متداخلتان من اللون الأصفر تدوران وتتحركان بلا توقف. وبينما كنت أراقب، اختفت العلامة لأجدها مرة أخرى على ذراعها اليمنى. ثم اليسرى. ثم اليمنى مرّة أخرى. لم تقطع أي مسافة بين الاثنين. كانت هنا بكل بساطة، ثم كانت هناك. كنت قد رأيت علامة واحدة وراء الرون قبل الآن.
كان وحش موريغان يخطو. لقد تحرك عبر لحمها. المسافة شيء زهيد بالنسبة لها. هذا ما قاله الأركون. ربما كان هذا جزءاً يسيراً مما قصد. اكتسحت نظرتها إيانا. آش، وأنا. ثم هبطت. إلى ساعدينا. استقرت هناك مطولاً. ثم رفعت رأسها، والتقت عيناي بعينيها. وكانت تبتسم. ابتسامة عريضة تظهر الأسنان. قرأت عشرة آلاف وجه عبر حياتين. ووجدت الخوف تحت السخرية، والحساب تحت التقوى. نظرت تحت هذه الابتسامة، فلم أجد شيئاً أستطيع تسميته.
قالت المرأة، وكان صوتها حاداً: "اسمي أريانرخود بينديرين. وباعتباري إحدى أيدي الملك..."
نظرت إلى آش.
"آش."
ونظرت إلي.
"ليسانثيا."
واتسعت ابتسامتها أكثر بطريقة ما.
"بسلطة الملك، أطالب بكنَّ معاً للصيد العظيم."
حدقنا أنا وآش. لم يتحرك أحد في الفجوة. لم يصدر أحد أي صوت. حتى سول لم تزقزق. نهاية الكتاب الأول