قال: "أحقاً فاعلة هذا أنت؟"
وقفت آرا قرب النافذة مكتوفة الذراعين، وقد أطرها ضوء الصباح ضد المصاريع. كانت قد ارتدت بالفعل الثياب التي تركتها لها مارثا. بدا اللون الوردي فاقعاً في عيني، وإن لم يكن بالفظاعة التي كان عليها ربما في الماضي. لم أرفع نظري عن كتاب ربط الظلام. كنت أمرر أصابعي على سطحه منذ ما قبل الفجر، بحثاً عن تلف لم يكن موجوداً.
قالت: "نجل."
"هكذا بكل بساطة؟"
"هكذا بكل بساطة."
التفتت آرا عن النافذة. كانت نظرتها حذرة بطريقة صرت أعرفها. هي النظرة ذاتها التي تسبق قولها شيئاً تعلم أنه سيستفزني.
"هذا خضوع لقوة لا ندركها. أنت تعلمين هذا. ولا نعرف إلا القليل عن هذه الوشوم، أو عما قد تفعله بمن يحملونها... إن كنت أرى هذا، فلا بد أنك ترينه أيضاً."
قالت مؤكدة شكوكي.
"وماذا بعد؟"
عبست البطلة.
"لماذا لا تبدين قدراً أكبر من القلق؟ ماذا لو كانت هذه قيوداً جديدة، وها أنت تمشين مباشرة نحو فخها؟"
وضعت الدرع جانباً وقابلت نظرتها. عجيب منها أن ترفض القوة الآن، وهي التي لم ترفض قط أن تكون بطلة. ولم ترفض قط أيا من البركات التي أخذتها من الملوك. ولعلني لم أكن وحدي من يشعر بشيء مزعج وغريب كل ليلة.
قلت: "أنت تشعرين به، أليس كذلك؟"
جمِدت آرا، فاستطردت: "طاقتك تنحسر، وهالتك كذلك. أستطيع الشعور بذلك. كل يوم يقل الاثنان معاً—قواك تتسرب."
توقفْت.
"لو واجهنا ذلك الوحش السماوي القادم من الغابة الآن لمُتنا."
لم تقل آرا شيئاً ردّاً على ذلك.
"كم من الوقت يا بطلة؟ شهر؟ شهران؟ قبل أن تعجزي حتى عن رفع سيفك ذاك؟"
تصلب فكها وانزلت يدها، للحظة واحدة فقط، نحو النضال المستند إلى الجدار.
"ليس الأمر هكذا—"
"بل هو كذلك."
وقفت.
"ما شققت طريقي عبر ألف عام لأهزم على يد أطفال يستطيعون استدعاء النار بنفضة أصابعهم. إن كان هذا العالم يسير بالحبر بدل الرتب، فسأحصل على حبر."
ما حملت الكلمات ثقل كل التفكير المؤلم الذي سبقها. لم أكن أُحب الأمر أكثر مما أحبته آرا. وكنت أُحب شعوري بأنني أتلاشى بدرجة أقل بكثير. وربما يجيب هذا الحبر عن بعض الأسئلة التي كانت تنخرني. لمَ كان جسدي مختلفاً؟ وأين ذهب النظام؟ وأين الملوك؟ أسئلتي السابرة كشفت عن أن هؤلاء القوم لا يعرفون أياً من الأسماء التي ذكرتها بعناية—أسماء كان ينبغي حتى لأهل القرى النائية معرفتها.
لم يكن الصمت الذي أعقب كلامي موافقة تامة.
قالت آرا بهدوء: "إذن نذهب كلانا."
لم أعترف بكلمة "كلانا".
لكنني لم أَعترض.
قالت مارثا وهي تعترض طريقنا عند الباب: "أريد أن أقول كلمة يا عزيزتي."
مسحت يديها بمئزرها ونقلت نظرها بيني وبين آرا.
"الحابر القادم اليوم، اسمه المعلم ألدريك. ليس اليوم المرة الأولى ولا الخامسة التي يأتي فيها إلى هنا. جاء لأول مرة قبل اثني عشر شتاءً بحمى كادت تودي بحياته. رعيناه لثلاثة أسابيع. ولم ينسَ ذلك قط منذ ذلك الحين. لذا فكلتاكما... انتبها."
التفتت بيننا.
"ألدريك رجل فخور. فلا تعطيانه سبباً ليجعل الأمر صعباً."
اكتفت آرا بالايماء تحذيراً.
لم نحج إلى إعلان لنعرف موعد وصوله. وصل الحابر —ذلك هو ألدريك— بعد الظهر ولم يأتِ وحيداً. كانت القرية تستعد لأجله منذ منتصف النهار. علق القرويون الفوانيس على طول الممر الترابي في صفوف غير متساوية. وربط آخرون زهوراً مجففة بمداخل لم تعرفها من قبل. ركض الأطفال في دوائر كعادة دائمة. كان الكبار جميعاً صامتين. حتى توم الذي كان يتبادل أطراف الحديث مع جدار صخري. سرت هيبة في الجو وأمر يشبه الخوف أيضاً.
طالما رأيت الاثنين موجّهين نحوي خصوصاً الثاني منهما. كان الحابر نحيلاً وحاد الملامح يرتدي عباءة داكنة طرزت بخيوط فضية. ارتدى الرجال العشرة المرافقون له دروعاً فضية. حمل بعضهم رماحاً وحمل آخرون حراباً أو أقواساً. وأمسك بضعهم بسيوف. وامتلك أحدهم مطرقة ضخمة. ظهرت على أذرعهم المكشوفة علامات واضحة على شكل خطوط متعرجة ومتشعبة لم تشبه قط النقاط الصغيرة التي ميزت القرويين.
حمل الحابر على ظهره حقيبة سوداء مشدودة بحزام وعندما مشى انفرج الحشد دونه سؤال. رجل مقدس على طريقة هذا الزمان. أخبرني توم وزوجته بالكثير. وأصرا أيضاً على ألا نرتدي دروعنا. استقر في وسط الساحة. وقف جنود كثر جانباً على بعد عشرين خطوة. فتح الحابر الحقيبة السوداء ليبدي رفاً من القارورات الصغيرة امتلأت كل واحدة بالحبر. وإن بدا لي أنه تجاوز الحبر وحده. تحرك السائل من تلقاء نفسه داخل الزجاج.
انتقل بصري إلى ساعدي الحابر. حوت علامتاه تفاصيل دقيقة تحركت بأنماط تشكل أشكالاً. اتخذت إحداهما شكلاً مبكراً لقرون بنية بينما حاكت الأخرى نبتة حمراء من نوع ما. لم أره قط بشخص ذي علامتين. ولا بصور تشكل أشكالاً حقيقية. قادنا توم نحو الرجل بصراحة تامة أعلن أن قصصنا لم تبد منطقية. وشرح حقائق وضعنا المريب. قررت آيك اختيار شيء يشبه الصدق حين يحين الحين. الحمقاء.
قال توم حانياً رأسه: "سيدي الحابر".
حنت آيك رأسها. لم أحن رأسي.
"هاتان الاثنتان تمكثان معنا. خرجتا من الغابة قبل أيام وساعدتا في حماية ابن أخي من قطيع ذئاب على الطريق".
لم يرفع الحابر بصره عن قاروراته إلا لماماً.
سأل: "وماذا بعد؟"
"ليس لديهما علامات".
أخيراً رفع الرجل بصره. استقر بصره على آيك أولاً ثم علي. أطال النظر إلى قروني وصلب شيء في ملامحه.
سأل: "كم عمركما؟"
وجه السؤال إلينا معاً لكن بدا جلياً أنه قصدني.
أجبته: "نحن في سن تناسبنا".
قاطعتني آيك مسرعة وهي تتقدم أمامي بخطوة قصيرة: "تقصد أننا بالغتـان معاً. لم نتربى في قرية كهذه. لذا لم تتح لنا فرصة حضور هذه المراسم في نشأتنا. الأمر بمثل هذه البساطة".
اعتدل الحابر في قفته. التقطت خيوط الفضة في عباءته الضوء حين شبك ذراعيه.
ردد: "بمثل هذه البساطة. امرأتان ناضجتان بلا حبر بتاتاً".
تجعدت حاجباها وهو يتأملنا.
وأردف هامساً وهو يرمق توم هذه المرة: "وآويتهما".
اختبأ سكين خلف تلك العبارة الأخيرة. توتر توم وبدت آيك مستعدة لقول شيء.
قال توم بحزم تجاوز توقعاتي: "لقد استحقتا مقامهما هنا. ليستا شخصين مثيرين للريبة".
تجاهله الحابر تماماً وهو يتجاوز رأس التاجر.
"من أين أنتما؟ من أي إقليم؟"
تراجع توم وانكمش على نفسه.
قالت آيك: "سافرنا على نطاق واسع. لا ننتمي إلى إقليم واحد..."
"لم أسألك أنت".
أومأ نحوي.
"سألتك أنت. أخبريني أنت أولاً ثم تتحدث الأخرى".
قلت: "أنت تطرح الأسئلة الخاطئة. ولا أجيبك".
ارتجف شيء فوق ملامحه. ربما دهشة. لم أعتقد أنه غضب. ارتعش توم كورقة في مهب الريح.
"أهكذا إذن".
تقدم خطوة أخرى وتوهجت إحدى علاماته بخفوت تلك التي اتخذت شكل القرون.
"أتدرين من أكون أيتها الفتاة؟"
في يوم مضى لكان قد تحول إلى رماد مع الكلمة الأولى. انتزعت ألسنة رجال أعظم شأناً لأجل أسباب تافهة. فركت آيك جنبي. لم نكن وحدنا الآن. وجد آخرون هناك يرمقوننا عن بعد. على مسافة تسمح بسماعنا. كانت تلك الفتاة بينهم. اللعنة.
قلت بفكوك مصممة أخيراً: "رجل ذو سلطة ما".
"جيد. يبدو أن همجية مثلك تدرك القدر نفسه".
تغيرت وضعية وقفته. خبا توهج علامته.
ردد مجدداً: "بلا علامات. في سنك هذه. في أي قرية تربيت لتسمح بمثل هذا الإهمال؟ أم أن الحبر عُرض عليك فرفضته؟"
ترك السؤال معلقاً. صمت الحشد منذ زمن.
استطرد: "توجد أسماء لمن يرفضون الحبر. منبوذ أو مرتد".
عند الكلمة الأخيرة تقدم بعض الجنود خطوة للأمام. لم يمد أحد يده نحو سلاح. ليس بعد.
قالت آيك: "نحن نخضع له الآن!"
فعلت آخر ما توقعت صدوره منها. حنت رأسها. البطلة التي لم تحن هامتها لقوتي انحنت أمام هذا الرجل. التوت شفتا الحابر ووقعت عيناه على عيني.
قال بصوت مرتفع: "قرية تأوي مرتدين... قد لا تدوم".
التفت برأسي. أمعنت النظر في تلك الفتاة مجدداً وحدها. كأن البقية لم يكونوا هناك. طالبتني ملكة الحب يوماً بالركوع أمامها حين ظنت احتياجي لعونھا. بصقت في وجهها. ربما أستطيع التعامل مع الحابر. والبقية؟ حتى مع وجود البطلة لم أحب حظوظي. تبخر الكثير مني منذ الاستيقاظ. لم أتوقع سير الأمور على هذا النحو. حنيت رأسي مثلما فعلت البطلة. بدا صلباً كأن أدنى انحناء يهدد بكسري. صررت أسنان قبضتي وقبضتي.
قال الحابر أخيراً وهو يملس مقدمة عباءته: "حسناً. تعلمين كيف تسير الأمور. إن رفضهما الحبر تقع التب تبعة ذلك عليهما. وعليك".
أضاف واقتناع حقيقي يكمن خلف كلماته: "اعلمي أن الحبر مقدس. لا يمنح لمن ازدراه. سأستثني الأمر هذه المرة فقط. لأجل طيبة أظهرها لي توم يوماً".
تساءلت إن كان هذا كله خطأً فادحاً.
حلّ الغسق على هاميل. أضاءت الفوانيس ونيران الحطب الساحة. تشكّلت القرية في دائرة عريضة تحيط بالمنقِّش وحقيبته المفتوحة. كانت روح كل فرد في هاميل هنا. رأيت أناسًا لم ألمحهم من قبل. أمهات يحملن صغارهن على الخصور، ورجالًا طاعنين في السن يتّكئون على عصي، وأطفالًا يقفزون على رؤوس أصابعهم. لم أكن أظنّ أن لهاميل هذا العدد من البشر. وبدأ الجميع في الترديد. بدأ الصوت من الشيوخ ورقبته ينتشر، وقبل طكول الوقت انضمّ كل فرد في القرية.
حتى أصغر الأطفال، رغم أنهم كانوا يحركون شفاههم بالكلمات فقط. وكانت لغة لم أسمعها قط. الإيقاع ظلّ مألوفًا. كان صلاة. قيلت كل كلمة بثقل التلاوة الدينية. سمعت ذلك كله من قبل. وكنت موضوع جله. وقف المنقّش هناك بينما كانت الأغنية تعلو ببطء ثم تخبو ببطء أكبر. وعندما تلاشت تمامًا، تكلم أخيرًا.
"بالنسبة لغير المبتدئين"، استهلت عبارته وجال بنظره في الحشد، "وللأطفال الذين لم يتلقوا الحبر بعد، سأتحدث بإيجاز عما سيأتي".
بإيجاز. شككت في ذلك. لم يكن الكهنة موجزين قط. لكل إنسان سلاسله. تساءلت دومًا إن كانت هذه سلاسلهم.
"هناك قاعدة واحدة، وهي الأهم. يكشف الحبر عمّا يكمن بداخلك. إنه لا يختار، ولا يخلق... بل يجد".
رفع إحدى القارورات وتحرك السائل بداخله كأنه كائن حي.
"وما يجدُه الحبر يحدد علامتك. هناك خمس مراتب للعلامات".
وضع القارورة جانبًا، ثم رفع إصبعًا واحدًا.
"الجسدية".
كأنما قال 'تراب'.
"تتعلق بالجسد. القوة والسرعة والتحمل والشفاء. هذه العلامات شائعة. بشيوع العشب ومثلما هو عادي. سيحظى معظمكم بعلامة جسدية. إن حدث ذلك، فتعلّموا مهنة -فهناك الكثير- وكونوا ممتنين".
تبادل بعض الكبار النظرات. رفع المنقّش إصبعًا آخر.
"ثم لدينا الأولية".
بدا أقل اهتمامًا بهذا الاسم.
"سيحظى بعضكم بهذه. تتعلق هذه العلامات بالعناصر. النار والماء والأرض والريح. لا داعي لانشغالكم بالبقية. ستتحكمون في عنصر واحد، وواحد فقط. وغالبًا ليس في مجمله حتى".
إذن هو الولد الذي يستطيع إشعال اللهب. ومارتا.
"البديهية".
رفع إصبعًا ثالثًا. تغيرت نبرته مجددًا -لم تكن دافئة بعد، لكنها خلت من السخرية.
"إنها تصنع البنى -إسقاط المانا خارج الجسد. عادة ما تكون على هيئة دروع وأسلحة وخيوط. ويمكن لبعضها حتى تشكيل وحوش، رغم أن ذلك أندر بكثير".
مسح الحشد بعينيه. وببطء، رفع إصبعًا رابعًا.
"لدينا الشفرات إذن. تقع قواهم على العقل والحواس. الوهم والتعطيل والتلاعب بالفكر والإدراك".
ابتسم.
"تصادف أنني أحمل علامة شفرة".
بدت كل كلمة كأنها تباهٍ. تغيرت وضعية المنقّش. استقام وارتفع ذقنه. نبضت إحدى علاماته -تلك التي تشبه القرون- بخفت.
"السيادية".
مسح المنقّش الحشد، كأن الكلمة وحدها كانت كافية. وكأن أي شرح يقدمه لن ينصفها. حاول على أي حال. اعتاد الكهنة ذلك.
"القوانين ذاتها. لأي شيء؟ لكل شيء".
همس، فوصل الصوت على أي حال.
"واحد من كل ألف. عشرة آلاف. ربما أندر حتى، لا أحد يدري. سيدي، صاحب السماقة أركون فالثيريس، الذي يقود كهنوت كوراليس، يحمل علامة سيادية".
بدت كبرياء واضحة في صوته الآن.
"بإمكانه محو هذه القرية وكل ما فيها دون أن يرفع يدًا. هذا هو الفارق".
مسح الحشد بنظرة أخيرة وكانت عيناه قاسيتين.
"لن يتلقى أي منكم علامة سيادية. ولن يرى أي منكم واحدة قط. أقول هذا لا لجرح كبرياءكم بل لإعفائكم من الوهم. قد تشهد قرية كهذه بديهية واحدة في جيل. واثنتين من الشفرات في قرن. أمسيادية؟"
كاد يبتسم، ولم يقل شيئًا آخر. سرت معرفة داخلي. بدت هذه السيود كقوة أمرتُ بها. التلاعب بقواعد الطبيعة. أُطلق عليها [سحر المفهوم] في النظام القديم. لقد جعلتني خطرًا على البانثيون ذاته. استعاد المنقّش رباطة جأشه وهز رأسه. زالت النظرة الزجاجية في عينيه بالسرعة التي حضرت بها.
"بعد تلقي علاماتكم، عليكم تنميتها".
لوح بيده، كأن الموضوع أثار ملله بالفعل.
"علامتكم، بمجرد منحها، صغيرة وضئيلة. نقطة على الجلد، لا أكثر. نسميها شرارة. لن تنمو إلا إذا أجبرتموها على ذلك. استخدموا المانا قدر استطاعتكم، رغم أن ذلك لا يكفي البتة. ربما يستطيع بعضكم صنع الجوهر، وسيفيد ذلك أكثر. لكن القوة الخام بلا أساس ليست كل شيء".
"تتطلب العلامة بصيرة".
نطق الكلمة برفق، ووصل الصوت على أي حال.
"مع القوة والبصيرة، قد تبلغون الخط -المرحلة التالية للشرارة".
توقف، ونظر إلى الحشد. ثم التقط إحدى أدواته وقلّبها بكسل بين أصابعه.
"هناك المزيد من المراحل في هذه العملية. لا أهمية لأسمائها. إنها كثيرة. حاولوا الموت بما يزيد عن شرارة على الأقل".
رفع رأسه.
"سيتلقى كلكم علامة واحدة، فتلك سنة الأمور. تلقي علامتين أمر نادر، علامة دم نبيل لا..."
هز رأسه، كأن البقية كانت أفهى من أن تذكر. نظر إلى صف الأطفال المنتظرين. ظل تعبيره على حاله.
"والآن، لنبدأ بالنقش".
ومع كلماته حلّ ضغط. كان خفيفًا، كثافة لم تكن في الهواء من قبل. وعرفته. كان الضغط نظرة من السماوات. مما يعني وجود قوة سماوية في هذا الحبر، أو ما يقاربها بما يكفي. جعلتني هذه النظرة ذاتها أشن حربًا على البانثيون. لم تركز عليّ، لكنها وخزتني مع ذلك. شدّت ألاش فكها. شعرت بها أيضًا. بدأ المنقّش بالأطفال الثلاثة. ركعوا أمامه واحدًا تلو الآخر. غمس أداة رفيعة في إحدى القارورات.
علق الحبر بالطرف وضغطه على ساعد الطفل الأول. زجاجت عيناها طفلة... عينا الطفل. استقام ظهري. انقبضت يدي. عرفت تلك النظرة أيضًا. رأيتها ألف مرة، على ألف وجه. كانت النظرة الفارغة لمن تُقرأ روحه حين يقيسه النظام. أسماها كثيرون نظرة اليقظة. ابتسم الآباء جميعًا وتمتم الحشد بدفء. رمش الطفل وفي اللحظة التالية عاد. وكانت هناك علامة مفردة على ساعده، صغيرة لدرجة أنني بالكاد استطعْتُ رؤيتها.
كانت نقطة زرقاء خضراء.
"جسدية!"
نادى المنقّش بصوت عالٍ. ابتسم الغلام وراغ عائدًا نحو أمه، رافعًا ذراعه كأنها كنز. غمرته في ذراعيها. أطلق الحشد هتافًا. ثم تقدم الطفل الثاني. كانت فتاة، قصيرة ونحيلة. ركعت ومدت ذراعها بثبات. ضغطت الإبرة وزجاجت عيناها. عادت بعد لحظة بعلامة واحدة. كانت خاصتها زرقاء.
"إنها أولية!"
نادى المنقّش، وكان الهتاف أعلى هذه المرة. ابتسمت الفتاة واندفعت عائدة إلى الحشد مستقيمة القامة أكثر ممّا غادرت به. تقدم الطفل الأخير. غلام، وبدا أصغر من البقية. كان ضئيلًا، أصغر حتى من الفتاة. اضطرت أمه لإرشاده نحو المنقّش. طبعت قُبلة على رأس تراجع العفو... على رأس الصبي وتراجعت إلى الدائرة. ضغط المنقّش الأداة على ذراع الصبي ففرغت عيناه. كانت هذه اللحظة التي تنحي فيها النفس جانبًا ويتطلع كائن آخر للداخل.
مررت بذلك مرة، منذ ألف عام. كنت في العاشرة، على ما أعتقد، حين استيقظت على النظام. كان والداي سعيدين، على ما أظن. أكنت كذلك؟ كان الحشد لا يزال يبتسم. وحينها رأيت ما لم أره في البقية. كانت رجفة، خفيفة لدرجة أنني كادت تفوتني. بدأت في يده وتسلقت متجاوزة الرسغ لتصل إلى ساعده. ثم لاحظ احدهم في الحشد. تراجعت امرأة عجوز. كان ذراع الصبي بأسره يرتجف الآن. تقوس ظهره وانفتح فمه لكن بلا صوت خرج.
انتشر في عروق الصبي وحولها إلى سوداء. اجتاح الحبر مرفقه وتحرك نحو عنقه. عوى الصبي. وكانت صرخة سمعتُها من قبل، في قاعات ما عاد لها وجود. انقبضت يداي. خطت أم الصبي خطوة بطيئة للأمام. خطت أخرى، ثم انقضت. أمسك بها رجلان، ثم انضم ثالث. وانضم رابع، رغم انعدام الحاجة. حاربتهما... حاربتهن المرأة. لم تكن قوية. نبضت العلامة الخافتة على ذراعها لكنها بدت عقيمة الأثر. حاربتهم على أي حال.
خطت البطلة خطوة للأمام. أمسكت ذراعها، وجذبتها للخوار... للوراء.
"لا تفعل شيئًا"، قلت.
"إنه يموت!"
همست ألاش، محاولة التخلص من قبضتي. كانت قوتها معتبرة، حتى الآن.
"أعلم أنه كذلك".
"إذن دعني أفعل بع..."
"لا يمكنك إيقاف هذا، ألاش".
خفضت صوتي لكي تسمعني وحدها.
"وإن حاولتِ، سيحدث ما هو أسوأ".
ربما لم ترَ البطلة ذلك، لكنه بدا واضحًا لي. كان المنقّش ورجاله يراقبون الحشد بحثًا عن أي رد فعل سوى المتوقع. تحدث القرويون عن 'عدم قبول' الحبر همسًا وتمتمة. تحدثوا عنه بالطريقة التي يتحدث بها المرء عن طفل بطيء في المشي. لم يتحدث أحد عن هذا.
"دعيني أرحل، ليسانثيا".
قالت ألاش. كانت كل عضلة في ذراعها تجهد ضدي الآن.
"لا".
كان الصبي لا يزال يتخبط، لكن الحبر توقف عن التحرك. بل إنه بدأ يتراجع، ببطء. وما سيتركه خلفه لن يعدو كونَه ولدًا، يحدق في سماء يراها لكنه لن يعرفها أبدًا. حدقت عيناه في لا شيء. شاهدت النظام يفعل هذا من قبل. نادراً. لم يقبل النظام الجميع. ومن لم يقبلهم قلّما ماتوا، لكنهم لم يعودوا أسوياء قط بعد ذلك. لم أبه حينها. لست متأكدًا مما شعرت به الآن، سوى أنه لم يكن عديم الشعور.
لم يتحدث أحد من هؤلاء الناس عن هذا كأنه قادر على فعل ذلك. أخيرًا، غادر الحبر تمامًا. تراجع إلى نقطة الدخول، مخلفًا وراءه لا شيء مما فعله. وحينها تنحى الرجال جانبًا، وألقت الأم بنفسها نحو الصبي. سقطت بجانبه. ارتجفت يداه... يداها وهما تلمسان وجهه. نادت باسمه. رددته. نادت به للمرة الثالثة، بصوت منكسر. كان اسمه مارين. أفلتّ ذراع ألاش. وقفت بصرامة، ضامة يديها كقبضتين إلى جانبيها.
استقام المنقّش.
ألقى نظرة أخيرة على الحشد، ثم قال بصوت ثابت وصل إلى الحشد: "لقد حكم الحبر، وهذه المرة، وجد الوعاء غير جدير".
لم تكن هناك هتافات هذه المرة. كانت التلاوة قد خبت منذ وقت طويل. استقرت نظرة المنقّش عليّ، وابتسم. علمت حينها أنه لم يقبل نقشنا كنوع من الرحمة. بل اعتبره إعدامًا أنظف لا غير.