الملكة الشيطانية تريد أن تعيش. [يوري، خيال تطوري] الفصل 89 — البطل المُكتمل

اقرأ الملكة الشيطانية تريد أن تعيش. [يوري، خيال تطوري] الفصل 89 — البطل المُكتمل باللغة العربية على مانجا تايم.

انبعث النور من قلب الظلام حين أنقذ ألاش فايل العالم. جاء مصحوباً بزيز الفولاذ، نغمة رقيقة حدّ التناهيد، جميلة حدّ الوجع. غرس نصله في قلب الملكة الشيطانية بضربة أَبسَطَ بكثير من العمر الذي قاده إليها. سحب نصله، فترنحت الملكة الشيطانية ليزانثيا إلى الوراء نصف خطوة. انفرجت شفتاه. هرب الدم عوض الكلمات، ثم هوت. سقطت على ركبتيها، ثم على جانبها. استلقى جسدها هناك بلا حراك.

تجمع الدم من تحتها، متسللاً ببطء عبر الحجر الأسود. أخذ ألاش نفساً عميقاً والتفت للخلف، فوجد رفاقه يحدقون فيه مباشرة. رفع رونان سيفه أمامه، مصوباً إياه نحو الجثة، كأنه يتحداها لتقف مجدداً. وقفت إيلوين وقد غرست عصاها في الأرض. لربما هوت لولاها. ضغطت أورفين ببطء بختمها المقدس في جيب داخل عباءتها. تتبعت عيناها يدها داخل القماش وبقيت هناك، منتظرة خروجها. خرجت فارغة بالطبع.

خرجت فارغة بالطبع. أخذ كل منهم نفساً واحداً، ولعلّه الأول الذي يلتقطونه منذ مدة. ثم ابتسموا لألاش. كانت ابتسامة أورفين أكبر من مجرد ابتسامة. تصلب شيء في داخل ألاش تجاهها، للحظة فحسب. إنها مجرد ابتسامة. لاح ألاش بسيفه إلى الجانب. تناثر الدم عبر القاعة المظلمة. كانت البروج المظلمة تتداعى من حولهم بالفعل. لن تدوم طويلاً بلا سيّدها.

قال ألاش بصوت بدا غريباً حتى عليه: "انتهى الأمر".

استقر منخفضاً، ومدوياً في صدره وهو في طريقه للخروج. ربما لم يكن الأمر غريباً إلى هذا الحد. صوت البطل في رحلته ينبغي أن يختلف عن صوت البطل وقد انتهت رحلته أخيراً.

قال رونان وهو يغمد سيفه: "لم تكن بقوة التوقعات. كدت أشعر بخيبة أمل، بعد كل ما تطلبه الوصول إلى هنا".

تصلب شيء في ألاش إزاء ذلك. ولم يكن ليقوى على تفسيره.

سالت إيلوين بفتور: "أكنت تحبّذ لو كانت أقوى؟ لِنَشكرْ السادة على انتهائها".

قالت أورفين: "لا يحمّلنا السادة إلا ما نطيق. لن نتلقى تكليفاً يفوق طاقتنا".

ابتسم رونان. كأي [مقاتل]، كان الرجل يعيش لأجل المعركة.

تمطى عاتقه وقال معلناً: "حسنًا، وبما أن هذا كله قد انتهى، فأنا أدرك خطوتي القادمة. أولاً، بضعة كؤوس عند المانجو اللزج. ثم أيّ نساء المدينة كنّ الأجرأ".

اتسعت الابتسامة.

"وبعدها... حسنًا، لم يخلو العالم من الوحوش لمجرد خلوه من الملكات الشيطانيات. ربما أخوض غمار إحدى تلك [الكوارث العظمى] اللعينة. لا يمكن لـ[مقاتل] أن يدع نصله يصدأ".

أصخى ألاش السمع. لم يحب صديقه سوى ثلاثة أشياء طوال حياته، لذا لم يكن الأمر مفاجئة كبرى. لكنه وجده مفاجئاً على أي حال، وكأن صديقه سيُفشي له الآن، في النهاية، عن أمر رابع لم يشاركه إياه قط. فكرة حمقاء.

قالت إيلوين، وإن خلا كلامها من أي حدة: "أنت حقاً غليظ يا رونان. آمل أن يخبئ لك السادة ما تقاتله في إيفهريون حين تذهب للقائهم أخيراً".

استندت على عصاها وقالت: "أنا... حسنًا، بوسعي أخيراً التفرغ لدراساتي حقاً. يكفي من هذه الحياة. أظنني سأكتفي بفعل ذلك حتى النهاية. يبدو ذلك رائعاً".

تلك هي الإجابة التي أدرك ألاش أن صديقته ستلفظها. لم تشعر قط من قبل بأنها تفتقر لشيء ما.

"إذن. ماذا سنفعل بها؟"

أشار رونان إلى الجثة، ثم التفت مطالعاً الجدران التي بدأت تتداعى. في أي لحظة الآن، ستشرع الأرض من تحتهم بالتصدع. لم يملكوا سوى دقائق.

قال ألاش: "سيرغبون في رؤية الجثة، لذا سنأخذها معنا. ربما تستطيع إيلوين تحنيطها".

أومأ رونان وتحرك. أغمد ألاش سيفه ومنحها نظرة أخيرة. كانت الملكة الشيطانية ليزانثيا كابوساً يُخيف الأطفال منذ ما قبل أن يصبح ألاش طـ- طفلاً. بدت تماماً كما في القصص. كان وجهها معيباً بعض الشيء. أنف يبعد نصف بوصة عن موضعه الصحيح. شفاه سفلى ممتلئة بينما العليا دقيقة كخصلة شعر. عينان بمقاسين مختلفين. وهنالك القرنان، نصلا فضة مصقولان يرتفعان عالياً في الهواء. طابقت تماماً ما توقعه لملكة شيطانية.

طابقت تماماً ما توقعه الجميع لملكة شيطانية. طرف ألاش، وللحظة رأى أخرى. رأى وجهاً بلا أي عيب يُذكر، وبكل كمال ممكن. طرف مجدداً، فلم تكن الجثة سوى جثة مرة أخرى، بكل ملامحها في الأماكن ذاتها التي وضعتها فيها القصص. كان رونان يتحرك بالفعل.

سأل [المقاتل]: "ألاش؟"

أجاب [البطل]: "لا شيء. استهلكت من المانا أكثر مما حسبت".

"حسنًا، يمكن لإيلوين العناية بذلك".

مرّ [المقاتل] من جواره، حاملاً الجثة كأنها لا وزناً لها. انتظر ألاش تراجع رفاقه قبل أن يستدعي المانانا.

قال: "[الحالة]".

ظهر النظام أمامه. سجل كامل لماضي ألاش وحاضره ومستقبله. تجاهل ألاش ذلك كله. مستواه، عتاده، مباركته السماوية —لم يعد أي من ذلك يهم حقاً. راح يبحث عن ألقابه، ووجد السطر الوحيد الذي تبدل.

[البطل]

-> [البطل المنجز] أطلق ألاش نفساً لم يدرك أنه كان يحبسه. وبدقاته، ارتخت كتفاه، كأنه حطّ وزناً حمله طيلة معظم عمره. رغم أنه افترض أن هذا هو ما حدث بالضبط. لقد صار بطلاً أتمّ مهمته، في عالم لم يعد بحاجة للإنقاذ. بات بإمكانه الآن أن يكون ما يشاء. فكرة غريبة بحق. فما عسى أن تكون هي الـ- تجفل ألاش وتقدم خطوة. شقّ الألم جمجمته، حضر وغاب في النفس التالي.

كان أورفين يناديه: "ألاش!"

تمتم ألاش لنفسه وبدأ يسير: "لا تظهر كل علة على شاشة النظام، أظن ذلك".

انهارت البروج المظلمة من حوله بالكامل. وكما هو متوقع، شرعت الأرض تتصدع. ألقى ألاش نظرة أخيره إلى القاعة، إلى العرش اللعين الباقي فارغاً. سيبقى فارغاً. لقد أنقذ ألاش العالم.

انفتحت بوابات كالديس العظيمة وسط التصفيق. تعالت الهتافات واضحة وكثيرة. اصطف عشرات الآلاف من أهل المدينة على جانبي شارع يتسع لاجتياح فيلق كامل. تجمعت عشرات آلاف الأعين واستقرت كلها على آش لحظة تخطيه البوابات. كانوا أربعة. قديسة وحكيم ومقاتل وبطل. غير أن كل تلك النظرات اتجهت نحو وجهة واحدة. وقف آش شامخاً أمامهم ولوح بيديه. التقط شعره الذهبي ضوء الشمس وحولت ابتسامته العفوية لجة الحماس إلى هتافات.

كان المفترض أن تكون النظرات مألوفة. طالما كانت كذلك. في كل مدينة وطئها آش كانت تحط عليه ثم تنزلق عنه. أما هذه النظرات فحطت وثبتت وشعر بما يشبه الانقباض تحت جلده من ثقل وقعها. أراد لبرهة أن يتوارى. أن يصير مجرد همس تحت صراخ هادر. لم يفهم آش سبب ذلك. زال الشعور. أو زال معظمه. رفع يده ووحى مجدداً. عندما خفضها تدلت إلى جنبه وانطبقت برفق على لا شيء. تأمل يده قبل أن ينفض عنه هذا الخمول.

تجمعت الحشود قرب الحواجز ووصلته شظايا أصواتهم وسط الضجيج.

"إنه وسيم بحق-"

"-أوسيم مما تقوله الأغاني-"

"أترى يتزوج الآن بعد أن-"

كانت كلها كلمات إطراء. النوع الذي اعتاد أي بطل تلقيه. وجد آش رأسه ينحني وكتفاه يسترخان. انتصب واقفاً بمجرد أن انتبه لنفسه. أي بطل هذا عاجز عن مواجهة حشد يهتف له؟

قال أورفين: "آش؟ أأنت بخير؟"

استجمع البطل ابتسامة لها عندما استدار إليها.

قال: "بالتأكيد. إنهم كثر، أليس كذلك؟"

ابتسمت القديسة وما كانت تلك ابتسامة عادية. شعر آش بشيء يضطرب في صدره.

قالت أورفين: "أكاد لا أسمع صوتي وسط هذا الصخب".

اقتربت منه قليلاً.

"لنتحدث لاحقاً، حسناً؟"

ابتعدت قبل أن يتمكن من الرد. وسرت في صدره لوعة دقيقة وساطعة مع أنه لم يدرِ لمَ. قرر أنه لا سبب يدعو لذلك. واصسلا السير في الشارع العظيم يكتنفهما من كل جانب حراس يرتدون دروعاً متألقة من اثني عشر لوناً. تساقطت البتلات من أسطح المنازل ملقاة بالأكف. بادل آش البشر والجن والاقزام وأبناء الوحوش ابتسامة بابتسامة، وكان كل رد يأتيه مضاعفاً أضعافاً كثيرة. وخلف الموكب حمل جنود نعشاً خشبيّاً ضخماً على أكتافهم، لتصمت الحشود القريبة منه أثناء مروره ثم تعود لأصواتها ما إن يبتعد.

في نهاية الموكب، وعلى منصة مرتفعة مزينة بالأبيض والذهب، وقف كبار رجال العالم ونسائه. كانت هناك الملكة العظمى للبشر، أعظم الثلاثة. وملك الأقزام. وملك أبناء الوحوش. وملكة الجن. حدق الجميع من علٍ إلى الأربعة المقتربين ورمقت المدينة بأسرها المشهد معهم. نهضت إغوين الملكة العظمى للبشر من مقعدها. ونهض الآخرون معها. كان آش يعرف الطقس حق المعرفة. إنه الطقس نفسه الذي يمر به كل بطل إن كتب له النجاح.

وقد نجح آش. توقف موكبهم أمام المنصة. تراجع آش نحو النعش الخشبي الكبير بينما أنزله الجنود وركله ليفتح. كانت رقدت بداخله، فوق قماش أبيض، الملكة الشيطانية ليزانثيا. سادت الحشود حالة من الصمت. عرف أولئك الآلاف أجمعون كيف يصمتون. تأمل آش الحشد لههيه اللحظة. التف رفقاؤه حوله. هوى البطل الأخير على ركبة واحدة وتبعته البقية.

صاح: "باسم العُلا! وباسم كل خير وحق، أنا آش فايل، لقد قتلت الملكة الشيطانية ليزانثيا!"

ووسط السكون تردى الصدى وامتد بعيداً. ثم انشقت السماء، ومع الانشقاق دوى رعد هائل من سماء كانت صافية قبل ومضة. وهطل المطر. بدأ بقطرات متفرقة ثم تحول إلى وابل منسكب. وحيثما سقط المطر شعر كل روح تحته بذوبان أثقاله. وشعر بانحسار أوجاعه. ولمس أمل فجر جديد. وفي غضون دقائق تلاشى المطر. وصار ضوء الشمس، حين أشرقت مجدداً، دافئاً. دافئاً كعناق حبيب.

قالت إغوين وهي تبتسم: "لقد قبل السيادُ سعيَك".

استدارت الملكة واستوعبت الحشود بأكملها.

"لتُقام وليمة كبرى!"

تعالت الهتافات مجدداً، أمدّ صوتاً من ذي قبل. انتفض آش وجفل، وتمنى لنفسه لبرهة واحدة لو أنه في أي مكان آخر على وجه الأرض. وما فهم لِمَ.

جلس آش في غرفة خالية. كانت غرفة فاخرة، في أفخم جناح من قلعة المدينة. بعد أعوام قضاها على الطرقات، أو في أي نزل يجد فيه سريرا شاغرا، بدا غريبا أن يحظى فجأة بكل هذا. مرر آش يده بلا اكتراث على ملاءات السرير. كانت ناعمة. لم يخطر له أن الملاءات يمكن أن تكون بهذه النعومة. ساد الهدوء بعد الاستعراض. وبعد الوليمة التي امتدت ساعات طويلة. اقترح الحكام أن يستريحوا جميعا، إذ إن شهر الاحتفالات سيبدأ غدا.

وستقام خلاله ولائم أخرى كل يوم، من دون استثناء. كان المكان هادئا، ولم يعرف آش لماذا أزعجه الهدوء إلى هذا الحد. كان الصمت في الغرفة تاما. لم يشبه شيئا من صخب الاستعراض وأصواته العشرة آلاف. هنا، في هذا السكون، كان يفضل لو عاد إلى الوقوف أمام الناس. شعر الآن بأن شيئا ما مفقود. كانت حكة لا يستطيع حكها، لأنه لم يكن يعرف حتى أين يمد يده. كانت نار الموقد في الجانب الآخر من الغرفة تخبو ببطء.

وظلت عيناه تعودان إلى الأرض بجوارها. لم يكن هناك شيء. ولم يكن ثمة سبب لوجود أي شيء هناك.

"يوم واحد من الهتاف، ولا تستطيع الجلوس مع نفسك؟"

سأل نفسه وهو يتنهد.

"لم تأكل كثيرا حتى. ما خطبك؟"

حدق في يديه، كأن الجواب قد يظهر على راحتيه. لكنه لم يظهر. طرق أحدهم الباب.

"آش؟ هل نمت؟ هل أستطيع الدخول؟"

كانت أورفن. شعر آش بشيء ينقبض في داخله.

"ادخلي"، قال.

انفتح الباب، وانزلقت أورفن إلى الداخل ثم أغلقته خلفها. لم تكن القديسة ترتدي أيا من أرديتها البيضاء والذهبية المزخرفة. ولم تحمل تميمة ولا ختما مقدسا. كانت ترتدي عباءة بسيطة، أكبر منها ببضع مقاسات.

قالت: "يسرني أن أجدك مستيقظا يا آش".

قال آش: "أنا مستيقظ. قيل لنا أن نستريح، لكن يبدو أن الوقت ما زال مبكرا قليلا".

عضت أورفن شفتها السفلى. اقتربت من السرير وأشارت إلى المساحة الخالية.

"أيمكنني؟"

أومأ آش ببطء. كان صدره يقرع بعنف. جلست أورفن، وشبكت يديها. كانت حركة يعرفها آش جيدا. هكذا تفعل القديسة دائما حين تستولي عليها أعصابها.

قالت أورفن: "لم تأكل كثيرا. أعني في الوليمة".

قال آش، أسرع مما ينبغي، أو لعلّه أبطأ مما ينبغي: "لم أكن جائعا. ربما ملأني إنقاذ العالم؟"

كان آش واثقا من أن ذلك سيجعل أورفن تبتسم. إحدى الابتسامات التي لا تمنحها إلا له.

وبعد برهة قالت أورفن: "إذن انتهى كل شيء حقا، أليس كذلك؟"

نظر آش إليها بطرف عينه. كانت تحدق في السقف. ولم يعرف آش ما الذي وجدته هناك.

قالت: "أنا... أعترف بأنني لم أظن أنني سأعيش حتى أراه ينتهي".

ظل آش ينظر إليها، فكانت تلك أول مرة يسمع فيها منها شيئا يشبه الشك.

قال: "لقد كان الطريق طويلا. وأنا سعيد لأنني سلكته حتى النهاية. لكنني أسعد لأنني سلكته على الوجه الصحيح".

أدارت أورفن رأسها، والتوت شفتاها بابتسامة صغيرة.

قالت: "آه، لكنك ستقول ذلك، بالطبع".

ساد الصمت برهة. وبقي آش صامتا أيضا. ليس لأنه لم يجد ما يقوله، بل لأن لديه الكثير مما يقوله. كانت أورفن أول من تكلم.

"إذن، لم تعد هناك فرقة البطل".

وافقها آش: "أظن ذلك".

قالت: "لا شيء يربطنا معا بعد الآن. أظن أن هذا لا بأس به، على نحو ما. فعلى الأقل، سيتيح لي أخيرا أن أنام ليلة كاملة، من دون شخير رونان".

ابتسم آش. كان ذلك صحيحا بما يكفي.

قال: "لم أعد أمانعه في النهاية. كانت له طريقة غريبة تجبرني على النوم من تلقاء نفسها".

تنهدت أورفن.

"حسنا. أظن أن واحدا منا فقط كان يراه كذلك".

ثم نظرت إليه.

"والآن، أيها البطل، ما دمنا لم نعد فرقة البطل... ماذا تنوي أن تفعل؟ لم تقل شيئا في وقت سابق، حين تكلم الآخران".

لم يعرف آش الجواب، وقد أمضى بعض الوقت يبحث عنه في طريق العودة إلى المدينة.

قال: "لا أعرف. ربما لا أفعل شيئا لبعض الوقت. وربما أدرسه بعد ذلك".

سألت أورفن: "تدرسه؟"

قال آش: "أعد الجيل القادم. فموت ملكة شيطانية واحدة لا يعني أن أخرى لن تظهر يوما. وسيكون من المؤسف أن تموت كل الدروس التي تعلمناها معنا".

أومأت أورفن ببطء.

"يبدو ذلك ممتعا".

صمتت لحظة. أخذ إبهامها يتتبع خط مفاصل يدها.

قالت: "هل تعرف ما أحببته أكثر يا آش؟ طوال كل ذلك؟"

نظر آش إليها. وإن كان سؤالا، فلم تمنحه أورفن فرصة للإجابة.

تابعت: "كان دائما... الطريقة التي تجعلني بها أشعر بأنني صغيرة جدا".

صعد الاحمرار إلى عنقها وهي تقول ذلك.

"يبدو الأمر غريبا، لكن... الوقوف خلفك كان يجعل العالم يبدو أكثر أمانا".

ثم التقت عيناه بعينيها.

"لم يجعلني أي رجل آخر أشعر بذلك".

وبعدها أشاحت أورفن بوجهها سريعا. رأى آش أطراف أذنيها تحمر. كان ذلك... جريئا جدا. وكان موحيا بطريقة كان يفترض أن تجعل قلبه يخفق، وقد فعل، للحظة واحدة. لكن شيئا في داخله ارتد في اللحظة التالية. انغلق حلقه، وشعر آش بالغثيان لبضع ثوان. حمد حظه لأن أورفن كانت قد أشاحت بوجهها. وحين عادت القديسة تنظر إليه، كان قد استعاد رباطة جأشه. بحلول ذلك الوقت، لانت ابتسامة أورفن وتحولت إلى شيء آخر.

وحين تكلمت من جديد، غدا صوتها خافتا، مثلما يصير حين تبارك المحتضرين وحديثي الولادة.

قالت: "يمكنك أن تعيش الآن يا آش... ستعيش".

ستعيش. سار شيء بارد على طول عموده الفقري. أجبر نفسه على الابتسام رغم ذلك. نهضت أورفن. رفع آش عينيه إليها.

قالت: "ربما أجرب ذلك أنا أيضا".

وانحنت المرأة نحوه. تسارعت ضربات قلب آش. ثم لامست شفتاها جبينه. حدق آش، وانشطر شيء في رؤيته. جلست شيطانة قبالتها، على الجانب الآخر من نار صغيرة، تحدق في اللهب. أحاطتها ذراعان من الخلف تحت المطر المنهمر، ورفضتا أن تتركاها. كان سيف البطل ملقى في العشب حيث تركته، لأنه لم يكن سوى سيف. ارتفعت يداها من تلقاء نفسيهما لتلتقطا شيئا صغيرا أسود وذهبيا، ظن أنه يستطيع الطيران. وانطبقت شفتاها على جبين شاحب، تحت قرنين داكنين، إلى جانب جدول يحمل النجوم.

رمش آش، وكانت أورفن قد تراجعت خطوة.

قالت أورفن مبتسمة: "أود أن أرى أشياء أخرى معك يا آش".

ثم غادرت. توقفت عند الباب.

"فقط لا تجعلني أنتظر إلى الأبد أيها البطل".

ثم رحلت. ظل آش يحدق في أثرها. ظل يحدق طويلا. برد الموضع الذي لامسته شفتاها، كما يبرد أي موضع لمسته يد. ثم نهض، وترنح. أزعجه الهدوء. لماذا كان المكان هادئا إلى هذا الحد؟ ماذا توقع أن يحل محله؟ عاد الصداع، وكان يشطر رأسه. ترنح نحو خزانة الملابس ونظر إلى نفسه في المرآة. رأى نفسه. طويلا، مفتول العضلات، قويا. وسيما. جبارا. بطلا من بطولات الحكايات. بطلا للأغاني. كان ذلك بالضبط هو الشكل الذي توقع أن يكون عليه البطل.

وكان ذلك بالضبط هو الشكل الذي توقع الجميع أن يكون عليه البطل. وللحظة، رأى شيئا آخر. امرأة. مجرد امرأة. ليست بطلا. مجرد امرأة متعبة. رمش مرة أخرى، وهذه المرة لم تكن وحيدة. كان يقف إلى جانبها شخص ما. وجه مهيب. ذقن مرفوعة دائما. عينان حمراوان حادتان، لكنهما ظلتا رقيقتين بطريقة ما. رمش، فعاد بطلا. صعدت الصفراء إلى حلقه. شعر أن قلبه قد يخرج من صدره. كان كل شيء يؤلمه. وكل نفس أكثر خشونة وألما من سابقه.

ارتفعت يده المرتجفة.

همس: "[التنكر]".

وعادت المرأة إلى الظهور. مجرد المرأة. كانت تلك أول مرة تخبره فيها المهارة بالحقيقة. وكانت تبكي.

همست: "ليز".