أخذت نفساً عميقاً. حُسم أمري. سحبت جوهري من كفي. انكمشت كرة الفناء العظيمة بين يدي حتى ما عادت سوى همسات باهتة من ذاتها. تركتها تذوي، وثنيتها، ودفعتها للداخل. فتّشت في جوف الفتاة. كان الفساد متأصلاً في الختم الممتد على ذراعها. وهناك بلغ أشد كثافة، ومن هذا الأصل تشعب صعوداً ونزولاً في سائر جسدها. وما إن تأملته حتى طفق ينمو ويزحف. ضغطت خيطاً من الفناء على أقرب شعبة. أردت قتعه، كما قطعت الكثير قبله.
قاوم. سكنت تماماً. لم يسبق لأي شيء أن قاوم الفناء قط. برق الفتاة، على علو منزلته، لم يصنع شيئاً. التقى الفساد بفنائي فثبت أمامي، وشيء في داخلي ما عرف الخوف قط خطا خطوة صوبه. تداعت الانطباعات، كعادتها دائماً. لم أتجاهلها. كانت وقفةً، صيّرتها أشهُر صبورة وطويلة، كفاً يدفعها كبر حتى استقامت الفتاة. طفلة تعلن أنها ستغدو يوماً بقوته. أن ستجعله يوماً يفتخر بها. نظر إليها، وقال إنه ينتظر ذلك اليوم.
ثم، ذات يوم، خرج الدُّناة زرافات من غرفة بيضاء تعبق بالأعشاب، الواحد تلو الآخر، وكل منهم منكّس الرأس. ما نهض بعدها قط. أزحت الانطباعات عنوة. ولم تستطع جزئية صغيرة مني إلا أن تتساءل عما إذا كان قادتي قد حملوا جراحاً شبيهة بهذه من أجلي، على نحو ما. حينها طفق الفساد يتسلل عبر فنائي. لقد وجد فنائي، وكان يتحرك ممتطياً إياه، صعوداً على خيط قوتي، نحو كفي. لم أكن أدرك أن ذلك ممكن.
ولم أكن أدري ما يكون هذا الشيء. علمت فحسب أنه كان يحفظ شكل قوتي بالسرعة ذاتها التي حفظتُ بها شكله. لم يكن هناك وقت لطلب العون من أش. وحتى لو وُجد، فلم أكن متأكدة إن كان بوسعها عبور النذر إلى داخل هذه الحلبة. لربما استطاعت قطعتها إيجاد شقّ ما بين الزيف والوسم. أو لربما منحت الففساد مسلكاً آخر يقتفيه. غير أن أش كانت في المدرجات ولم أملُك سوى يدي. لذا لن أفصل الفساد عن الختم.
سأبتلع الختم. وجّهت الفناء هابطاً نحو الأصل. إلى حيث تنبت شعب الختم من الذراع وتلج الجسد. وحيث اشتدت كثافة ضغطت بكل قوتي. نازعني الفساد على كل شبر، وما منحته شبراً. احترقت. محوت الختم. كله. أصلاً وفرعاً والأثر الذي نما منه. صرخت لينا. فاض الدم من جوفها، وتشنّج جسدها بأسره تحت يدي. وحين انتهيت، تحسست طاقتي باحثة عن ذرة سوداء قد تكون امتطت الخط عائدة إليّ. لم أجد شيئاً. ولم أستطع الجزم بأن عدم وجدان شيء يعني أنه لم يكن هناك شيء.
بزوال الأصل، خارت قوى الفساد. مددت يدي اليسرى، وصببت ناراً بيضاء في الفراغ الذي خلّفه الفناء. عادت مسارات المانا ببطء، ولم يعد الختم. تشكلت من جديد، واحداً تلو الآخر، نحيلة شاحبة. ومع المهد جاءت انطباعاته. أرانِي المهد الأمور ذاتها التي أرانِي إياها الرقيب. كنت أحسب أن الشفاء سيعرض عليّ شيئاً أرأف. تراجعت الخطوط السوداء على أديمها، خطاً فخطاً، منكمشة عن فكها، وحلقها، وترقوتها.
وحيث كان الختم، ما عاد سوى طيف أثر في تشعبات ضئيلة شاحبة اضطررت لتأملها كي أبصرها أصلاً. بدت أشبه بكورين قبل أن ترعاه أش وأنا. فرغت، وهويت على ركبتي. استنزف ذلك مني أكثر بكثير مما قدرت. نظرت إلى ساعدي. رمقني الخطان بنظرة جامدة، أسود وأبيض، شاحبي الحواف ومنحنيين طفيفاً. تشعبا إلى لا شيء قط. كنت على يقين من أني سأنظر فأسج خمين ختمين مكان الخطين. ماذا تبغون مني إذن؟ سألتهما.
لم يجب أي من الأثرين. تنهدت. كانت عيناه لينا مفتوحتين. لم ألحظ انفتاحهما. كانت ترمق سماء الحلبة الزائفة، وصدرها يعلو ويهبط، وما زال لجلدها مسحة سقم، لكنه لا عهد له بما كان.
«لا أستطيع الإحساس به»، همست.
نظرت إليها. رفعت ذراعاً فوق عينيها، وطفقت تبكي، ببكاء خافت. لم أدرك في البدء. لقد شفيتها.
صنعت أمراً يستحق، بأي معيار— «لا أستطيع الإحساس بالختم بعد الآن. ماذا... ماذا فعلتِ؟»
تشقق صوتها عند الحواف. كنت أدرك، حتى وأنا أفعله، تمام الإدراك ما كنت أصنعه. لقد طلبت مني الفتاة نهاية. وما منحته إياها بدلاً منه ربما كان أشد الأمرين سوءاً.
«فعلت ما توجب عليّ فعله»، قلت.
«وهو خير مما تستحقين، نظراً لما اقترفتِ».
صمتت برهة.
ثم، بصوت خفيض كادت أذناي تخفقان عن التقاطه، قالت: «أظنه لن يرى قط الآن».
التوى جسدها.
«لا كأنه كان سيفعل على أي حال».
لم أعي كل ما كانت تقوله، لكنني وعيت منه اليوم أكثر مما ظننت يوماً. لم أجب بشيء. فلم يكن هنالك ما أستطيع منحها إياه، وما كنت أدري إن كانت تستحق العطاء. لذا، سألت عوضاً عن ذلك السؤال الأهم.
«أين حزتِ ذلك، أيتها الفتاة؟»
قلت بالمقابل.
«ذلك القلب الجوهري؟ من منحك إياه؟»
«لا أذكر».
حدقت فيها.
«تلك كذبة سماجة يا فتاة. تحلّي ببعض الكرامة في الهزيمة على الأقل».
«لا أذكر!»
قالت، وكان في نبرتها ألم. تجهّم وجهها، ثم انكمشت. وعيناها، حين التقت عيناي مجدداً، حملتا ما يعجز عن كونه كذبة.
«حسناً إذن».
قلت. إنها لا تعلم حقاً إذاً.
«أستسلم»، قالت.
سرى فراغ في صوتها الآن. تبدل شيء في الهواء. ما كنت لأستطيع الجزم بما هو. كان القزم داخل الحلبة وإلى جانب الفتاة أسرع مما استطاعت عيناي تتبع حركتها به.
«تراجعي»، فضت.
تراجعت. حملت لينا وكأن الفتاة لا وزن لها. وحين رفعتها، حاولت لينا رمقي. راقبت محاولاتها. اتجهت نظرتها نحوي ثم زلّت. رأيت الجهد في عنق الفتاة، وما عاد يهم. حُملت على امتداد الحلبة وخارجها، وما وجدت عيناها مني مقعداً مرة. كان النذر حرفياً إذاً، لا تأويلياً. خطا الأركون إلى الحلبة حينها. حدق في ساعدي العارين، في السواد والبياض الجاريين عليهما، بوضوح يجلّي لأي ناظر. ثم رمق الأرض.
تبعت نظرتها. كانت شعرة سوداء نحيلة وزاحفة تلوي على الحجر الشاحب. ثم دقت، ثم تبخرت لتتلاشى في لا شيء. حدق مطولاً في الفراغ حيث كانت.
«إذاً هذا ما اخترته»، قال، ملتقياً بنظرتي.
«هذا هو».
«سيخلف ذلك تعقيدات».
قال بصوت خفيض.
«كثيرة منها، أظن. وكثيرة تجهلينها، وأكثر منها يعجز خيالي عن تصورها».
«توقعت ذلك».
صمت العجوز برهة. وحين تحدث مجدداً كان صوته أشد خفوضاً.
«قلت لك ذات مرة إنك قد تملكين سنين، ثم قلت إنك قد تملكين أشهراً».
لم يرمقني. بل رمق المدرجات، الوجوه الألف.
«أخشى ألا تملكي سوى أيام الآن».
هناك، على حجر طرف الحلبة، استلقت الساعدتان. كانت ألف عйна قد عاينت ما خُلقتا لإخفائه. انحنى الأركون ببطء وأخفاهما داخل ردائه. استقام، وتنهد.
«كنت أحسب»، قلت، «أنك ستكون أكثر سعادة بهذا الترتيب».
«ولم ذلك؟»
رفعت نظري إلى المدرجات. كان دموء الشياطين واقفين. لوحده لتطلب ذلك شيئاً. لقد وقفوا من أجل إيدا، حين ظفرت فتاة من دموء الشياطين بجلادها وقد كانت أدنى شأناً بمراحل من إنسان. غير أنهم كانوا يفعلون أكثر من الوقوف الآن. كانوا يهتفون. وكان البشر يهتفون معهم. ليس كلهم، بل أكثر مما كنت لأتوقع منهم.
وقفت رين ويداها مرفوعتان في الهواء. انتصب مالاخور بكل طوله، وكان رأسه الأيمن يهدر بشيء يهزّ القناديل، بينما كان رأسه الأيسر يتركه يفعل. كانت الفتاة القادمة من الحلبة، تلك التي لم ترمش سوى مرّة واحدة قط، تصفّق. في المستوصف، قال لي آش شيئاً نبع من براءة بطل. كن بارعاً بلا مراء لدرجة تعجز معها الأكاذيب عن الصمود. لم أظنّ أن العفو عن فتاة واحدة قد حرّك هذا الجمهور. لكنه تحرّك، مع ذلك.
قلت: "إنهم يفعلون أكثر من مجرد الوقوف".
تطلع الأرخون إليهم.
"هكذا هم إذن".
بدا، في تلك اللحظة، أصغر سناً بقليل مما كان عليه قبل أن تبدأ المبارزة. رفع يده وترك الجوهر يحمل صوته إلى كل مقعد في القاعة.
قال: "فائزة هذه المبارزة هي ليسانثيا".
ارتفع صخب الحجم. وكل ذلك بفضل دماء الشياطين.
قال لي: "استريحي، لليوم. أظنّ أن وقتك في هذه الأكاديمية... محدود. لكن تلك همّ غد. مهما يكن القادم فسوف ينتظر الغد على الأقل".
أومأت، والتفتّ نحو الأبواب، وسمحت لنظراتي بأن تمسح المدرجات بينما كنت أمشي. كانت منصة الماركيز فارغة. لم أعلم متى غادرها. وفي المدرجات الغربية جلست إلياسڤيل. التقت عيناهما عبر عرض الحلبة بأسره. ظننت أنها أومأت لي أومأة طفيفة بالكاد تُرَى. لم أردّها. استدرت ومضيت. تبعتني النظرات حتى الأبواب. ظلت تحطّ عليّ. ولم تبدُ، لمرة واحدة، مثل النظرات التي طالما حطّت عليّ. خطوت خطوة عبر الأبواب، واصطدم بي شيء ما، فوقعت أرضاً.
كان آش فوقي.
قالت: "أنت بخير".
كانت إحدى يديها قد استقرت منبسطة فوق صدري، فوق الموضع الذي يستقر فيه القلب، وبقيت هناك لفترة أطول قليلاً مما قد يبرره السقوط. كان سول على رأس آش. أطلقت زقزقة عالية النبرة للغاية، وترنحت، ووقعت بتمامها على جبيني. شعرت بالانزعاج لفترة قصيرة. ثم تنهدت.
سألت: "أركضتِ إلى هنا؟"
قال آش: "شيء من هذا القبيل".
رفعت نفسها عني، وظهر لون باهت على وجنتيها.
"أم. آسف".
قلت: "آش. بدا الفساد مختلفاً عن البقية. حين مددتُ يدي إلى داخل الفتاة، مدت يدها لتطالني".
نظرت إليّ.
"ماذا تعني؟"
"تبع الخراب. حاول استخدام قوتي الخاصة للوصول إليّ".
توقفت برهة.
"يجب أن نتعلم المزيد. لم تكن الفتاة تعلم من أين أتى قلب الجوهر".
أومأ آش ببطء. انفتح فمها لتسأل.
"يا للهول، إنهما على تـ..."
سمعت الصوت قادماً من الرواق. نظرت من تجاوز آش في الوقت المناسب لأرى خصلة من الشعر الأحمر تختبئ خلف زاوية.
حمل صوت إيـدا، بالكاد: "رين، كنتِ صاخبة للغاية!"
قالت رين: "أعنيـ... انظري إليهما!"
تنهدت. نظرت إلى آش، التي لم تغادر يدها صدري تماماً، ووجدت أنني لا أمانع رؤيتها هناك، وتأطرها نور المدخل.
قلت: "لكن اليوم، يا آش. سأكتفي بالراحة اليوم فحسب".
زقزق سول موافقاً. هذه المرة، كنت متأكدة أنها موافقة.