كانت ممرات الأكاديمية تبدو بالطريقة نفسها بغض النظر عن عدد مرات اجتيازها. الفروق الوحيدة كانت في اللوحات والتماثيل المختلفة، لم أتعرّف على أيّ منها، ولم يبرز أيّ منها. لقد غزوت قلاعاً ذات تنوع معماري يفوق هذا. مع ذلك اجتزتها الآن بعزم أكبر بكثير من أيّ مرة سابقة، ووزن أكبر قليلاً فوق رأسي. جلست سول بين قرني. لقد حجزت هذا الموضع في ساعتها الأولى من الحياة ولم تبدِ أيّ ميل للتخلّي عنه منذ ذلك الحين.
قبضت مخالبها على شعري، وانطوت أجنحتها الأربعة بدقة على جسدها. لم يكن لها وزن يُذكر، وبدت مخالبها مريحة تقريباً. لهذا السبب ما زلت أسمح بذلك. ولأنني سأستمرّ في السماح بذلك، خلال أيامها الأولى من الحياة. توقّف الطلاب أثناء مرورنا. ألصقوا أنفسهم بالجدران، وماتت أيّ محادثات كانوا يخوضونها بمجرد أن رأونا. لقد اعتدت هذا، من وقتي القصير في الأكاديمية، ومن حياتي الطويلة، قبل ألف عام.
انكمش البعض في جموعي الخاصة بعيداً عني بالنظرات نفسها. لم يكن هذا مختلفاً كثيراً. ما كان جديداً هو اتجاه نظراتهم. لم يكونوا ينظرون إليّ اليوم. كانوا ينظرون إلى سول. توقّف صتى ذو ومض خضراء على معصمه فجأة حتى اصطدمت الفتاة خلفه بظهره. سقطا كلاهما، فوق بعضهما تقريباً. التفت اثنان من الطلاب قرب نافذة معاً، مصطدمين ببعضهما. منقّشة —امرأة ترتدي رداءً فضيّاً وتتحمل ذراعاً مملوءة باللفائف— توقّفت في منتصف خطواتها وحدقت طوال ثلاث ثوانٍ كاملة.
قلت لسول بينما انعطفنا في زاوية: "أتعجبك هذه الأكاديمية؟".
إن وجدت هذا المكان ناقصاً، فسأجد لها مكاناً أفضل. أطلقت سول زقزقة. كانت أعلى ممّا توقعت. انتفضت طالبة على بعد عشر خطوات أمامنا وكادت تسقط كتبها. لمَ انتفضت هكذا؟ لقد كان صوتاً لطيفاً. لم تبدُ سول ملاحظة ذلك، أو لعلها لم تهتم.
أومأت برأسي: "سأعتبر ذلك استحساناً خافتاً. يبدو أنك أكثر سخاءً مني".
مشت آش بجانبي. كانت تبتسم. لم أطلب منها التوقف، لأنني علمت أنه لن يجدي ننفعاً، ولأن جزءاً منى لم يكن يرغب في ذلك تماماً. مشت إيدا بضع خطوات أمامنا. التفتت للخلف، ثم التفتت للأمام مسرعة مجدداً. كان مفترضاً أن تكون دليلنا اليوم. كان الأرخون محقّقاً. بالكاد استغرق الأمر أيّ وقت على الإطلاق للانتقال من غرفتنا الجديدة إلى قاعة الوحوش. انتظرت آش وإيدا بالخارج، بالقرب من الباب.
كانتا تتحدثان بصوت خفيض. خطوت إلى الداخل. كانت رائحة قاعة الوحوش تفوح بشيء حامضي خفيف اخترت ألّا أفكّر فيه مليّاً. امتد الفضاء بما يكفي ليكون الجدار الخلفي مظلماً، وحوت الحظائر التي اصطففت على الجانبين مخاليق بكل حجم وشكل وصورة. مشيت عبرها ببطء، باهتمام يفوق بكثير ما بذلته في المرة السابقة. اعتبرت سول كل وحش مررنا به باحتقار هادئ.
هذا ما اخترت تفسير «نفخاتها»
الصغيرة على أنه. كانت معظم الوحوش تلك التي رأيتها من قبل. بقيت نظرتي معلقة على العنكبوت بحجم الحصان. لم أُعجب بالعناكب قط. لعلّ ذلك كان الشيء الوحيد الذي اختلفت فيه أنا وزيرا أكثر شيء. الوحوش التي لم أكن قد رأيتها من قبل هي التي أوليتها اهتماماً حقيقياً. في الحظيرة الأولى ذات الأهمية، كانت حية بلورية ترقد ملتفة في فراش من... الرمل؟ التقطت حراشفها الضوء من النوافذ العالية وألقى جلدها أنماطاً متغيرة عبر الجدران.
راقبتها سول لثانيتين كاملتين. كان سهلاً استشعار وزنها الضئيل وهو يتحول في اتجاه الحظيرة. ثم عادت لتحول مكانها. إلى الداخل أكثر، كان ثعلبان داكنان يتخطوان حظيرتهما بخطى واسعة. كان جسداهما شفافين عند الأطراف، ويكادان يمتزجان ببعضهما. عندما أدار أحدها رأسه، التفت الآخر معه. عندما توقّف أحدهما وتأمل سول، فعل الآخر الشيء نفسه. يا له من أمر غريب. بدا أنهما يعكسان بعضهما. لم يكن هذا كلباً ثلاثي الرؤوس، ومع ذلك بدا مرتبطاً به من بعيد، بطريقة ما.
كانت آش قد حصلت على المزيد من شرائح اللحم النيء قبل أن نغادر غرفتنا. لقد غرست في كل شريحة منها طاقة المهد، مغمّبة إياها بنار بيضاء حتى تحققت مطالب سول الخاصة. حملتها معي، في الكيس الصغير الذي كان يوماً ما منزلاً لبيضة سول. كان يكفي لعدة ساعات، حسب تقديري. كانت المرأة تنتظر بالقرب من إحدى الحظائر الأكبر، وقد امتدت يدها عبر قضبانها، نحو سلحفاة كبيرة من نوع ما. استدارت عندما اقتربنا.
حدقت بي المنقّشة هيستا، ثم حدقت أخيراً بسول فوق تاجي. لم تمدّ يدها لتلمس سول عندما اقتربت. تلك نقطة تُحسب لصالحها.
قالت هيستا: "إذن هذه هي".
درست سول عن بعد.
"ذكر الأرخون أنها غير معتادة. يمكنني أن أرى السبب. يا لها من ألوان غريبة. أشد سواداً من السواد".
قلت: "إنها ليست غير معتادة. إنها فريدة".
رفعت سول عن رأسي وأمسكت بها على مستوى العين. زقزقت سول مرة، ونظرت إلي
كانت آراش تنتظر أمام قاعة الوحوش مباشرة. بدت شفتاها مرفوعتين بابتسامة خفيفة. امتلكت إيدا قدراً من اللياقة لتبدو أكثر تحفظاً، رغم أنني لمحت شفتيها ترتجفان أيضاً.
قلت: "كفّي عن هذا، أنتما الاثنتان".
قالت آراش: "لم أقل شيئاً".
قلت: "احرصي ألا تقولي".
لم تختفِ ابتسامتاهما. لربما كنت لأتغاضى عن هذا القدر من قلّة الأدب من آراش. لكنني لن أسمح به لإيدا. كانت إيدا قد جاءت للبحث عنا في وقت مبكر من ذلك الصباح، بناءً على توجيه مباشر من الفيومي. رأت سول للمرة الأولى، ولم تكن نظرتها عادية البتة حينها. اقتربت. قوبلت محاولات رين بالفحيح والعض. توقعت الأمر ذاته مع الفتاة ذات الشعر الأزرق. أمالت سول رأسها، وتأملت يد إيدا الاقتربة بعين ذهبية واحدة، ثم -لمفاجئتي الشديدة- سمحت لها بذلك.
خدشت إيدا المكان تحت أحد أجنحة سول الذهبية. أطلقت سول هديلًا. رغم أن المنظر بدا مزعجاً، فسأتذكر أن سول تبدو راغبة في الحكّ تحت أجنحتها.
قلت لها الآن: "أيتها الفتاة. حدثيني عن هذه «الصفوف». ألم يرسلك الفيومي لتقودنا إليها؟"
لم تبدو إيدا منزعجة من النداء. مدّت يدها إلى جيب زيّها الرمادي وأخرجت لوحاً خشبياً. كان صغيراً. ربما أكبر بقليل من راحة يدي المفتوحة. حُفرت على سطحه حروف متوهجة خافتاً، وهي تعيد ترتيب نفسها بطريقة ما حتى أثناء مراقبتي لها.
سألت: "ما هذا؟"
نظرت إليّ إيدا كأن الإجابة واضحة جلّ البياض.
"ألم... ألم تخبركِ رين عن هذا؟ أخبرتني أنها أرَتْكما المكان".
تبادلنا أنا وآراش النظرات.
أكدت آراش: "لم تفعل".
أطلقت إيدا صوتاً لعلّه كان أنيناً. أشارت إلى الشيء الخشبي.
"لا عجب إذن أنكما لم تحضرا أي صفوف. يُظهر هذا الجهاز جميع الصفوف المتاحة حالياً لمرحلة علامتكم. تمتلك الخطوط مجموعة واسعة نوعاً ما، لكن الأمر ليس كأن كل صف منعقد طوال الوقت. لا يملك أحد هنا جدولاً ثابتاً، لكن مفترض بكم حضور عدد معيّن كل أسبوع. حضور صفوف معينة مرة واحدة على الأقل أسبوعياً. لا يُضطر الطلاب الخاصون عادةً حتى لحضور تلك، ولكن...".
هزّت كتفيها وأمالت اللوح كي أتمكن من رؤيته بوضوح أكبر. أعادت الحروف ترتيبها لتتحول إلى ما بدا وكأنها قائمة، مع أوقات وأماكن بجانب كل مدخل. انحنت آراش من جانبي الآخر.
قالت: "هذا مريح للغاية. لم لم نحصل على واحد من هذه؟"
رَمَشت إيدا.
"كان يجب أن تفعلوا؟ مفترض أنه كان في غرفتكم. لعلّكما لم تلاحظاه فوراً؟ ألم تفتشا أدراج الطاولة؟"
تبادلنا أنا وآراش النظرات مجدداً. لم نفتح الدرج ق قط. لم يخطر ببالي قط أنه قد يكون هناك شيء مهم هناك. وبدو أن الأمر ذاته لم يخطر ببال آراش أيضاً.
قلت: "ربما".
تنهدت إيدا.
"رين... أقسم. كان يجب عليها أن تخبركما بكل هذا. كانت تلك وظيفتها حرفياً".
هزت رأسها، رغم أن الحركة حملت استسلاماً أكثر من الإحباط.
"أظن أنه لا مهم اليوم".
نظرت إلى اللوح.
"هناك صفان يبدأن قريباً. أحدهما... تاريخ الفلسفة والعهد، والآخر... هو التكييف البدني. اختارا ما شئتما. فهذان هما الوحيدان الموجودان الآن".
قلت: "ليس الأمر محط سؤال حتى. قودي الطريق إلى صف التكييف هذا".
أومأت إيدا وبدأت بالمشي. تبعناها أنا وآراش من خلفها.
قلت بصوت منخفض: "أتساءل حقاً لم جُعِلت تلك الفتاة مرشدة لنا".
قالت آراش بصوتها المنخفض: "لا أظن الأمر صدفة. رغم أن «سبب» ذلك يفوتني".
لم نقل شيئاً آخر بينما واصلنا المشي. كانت ممرات الأكاديمية مكتظة. تحرك الطلاب بين الممرات في مجموعات صغيرة. سارعوا جميعا للذهاب إلى مكان آخر كلما اقتربنا. حتى لو كان ذلك المكان مباشرة في أقرب جدار. حدث هذا طوال الصباح بالطبع. كان الأمر أكثر وضوحاً هنا حيث كان الممر أضيق. ضغطت فتاة ذات خط أزرق نفسها في إطار باب أثناء مروري. التفت صبيّ أمامنا إلى الوراء، ورأى قرنيّ، فتراجع إلى أقرب باب.
أو حاول ذلك. كان الباب مغلقاً، وانتهى به الأمر بالاصطدام به. لقد كان الأمر ممتعاً. لقد حكمت الملايين، وحتى الكثيرين من بني جنسي انكمشوا عند رؤيتي. انكماش الأطفال أقل من مستوى انتباهي. كانت آراش أقل لا مبالاة. استطعت رؤية التوتر في خطوتها، في طريقة استقرار كتفيها في كل مرة ضغط فيها شخص ما على الجدار.
قلت بهدوء كافٍ لتسمعني وحدها: "لا تقومي بها".
"لم أكن لأفعل شيئاً".
"كنت ستسدين قولاً للأخير هذا، أليس كذلك؟"
حدقت بي آراش. اتسعت عيناها، وهو ما أخبرني أن تخميني كان صحيحاً. لم تكن هي وحدها من تعلمت فهمي.
علّقت إيدا بينما انحرفنا في ممر آخر: "إنهم يخافون منكِ تقريباً بقدر ما يخافون من إلياسفيل".
سألت: "إلياسفيل؟ ومن تكون إلياسفيل هذه؟"
سجّل الاسم في ذهني. كان يتألف من أربعة مقاطع، وفيه رنين ملوكي. خلصت إلى أنه لم يكن اسماً سيئاً.
قالت إيدا: "إنها أقوى طالبة في الأكاديمية فحسب".
سألت آراش من جانبي: "الأقوى؟ أمن الناحية البدنية... أم أن علامتها هي الأبعد بلغاً؟"
"يعني ما قلته تماماً".
لم يتغير صوت إيدا، لكن شيئاً تحته تبدل.
"إنها نصف شيطانة تحمل قمة، وهي الأقوى هنا. الجميع يعلم ذلك. إنها ليست في التصنيفات -فلا يوجد طالب مبارك فيها- لكن حتى صاحب القمة المرتبة الأولى اعترف بأنها أفضل منه. لذا فهي الأقوى. وإن لم يكن ذلك سيئاً بما يكفي، فعليها سيد فوق ذلك".
هزت إيدا رأسها. خُيل لي أنني رأيتها ترتجف. علامة سيد؟ شعرت بالمهد يطن دفئاً على يساري، والقداس يطن برداً على يمني. يا له من أمر مثير للاهتمام.
لن أمانع رؤية «إلياسفيل»
هذه بنفسي. التفتّ إلى آراش. استطعت رؤيتها وهي تعالج التداعيات. بدا ذلك جلياً في طريقة تقطيب حاجبيها.
قالت: "لا تقولين ذلك كأنه أمر جيد. إن كانت أفضل طالبة هنا نصف شيطانة، وقد حلت في القمة... فيجب أن يكون ذلك أمراً جيداً بالنسبة لكِ، أليس كذلك؟"
تنهدت إيدا. تنهدت بصوت عالٍ، وهو ما لم أتوقعه منها.
قالت: "لو كان الأمر بهذه البساطة فحسب. ولو كانت أي شخص آخر سوى إلياسفيل".
لم تفصل في الأمر. انتظرت أنا وآراش كلتانا. واصلت إيدا المشي. احتفظت بالاسم باهتمام بالغ. أقوى طالبة في هذه الأكاديمية نصف شيطانة؟ نصف شيطانة تثير الخوف ليس في البشر حولها فحسب، بل في دماء الشياطين الآخرين أيضاً. واحدة تمتلك علامة سيد. يا لروعة الأمر. قادتنا إيدا عبر ممر لم أمشه من قبل. عرفت هذا، لأن الممر تغير بشكل ملحوظ. أظلم الحجر هنا. وكلما توغلنا أكثر ازدادت ظلمة. قادتنا رين إلى مكان مماثل عندما أخذتنا إلى حجرة الصدى.
لم يصادفنا أي طلاب هنا. انتهى الممر عند باب ثقيل. توقف إيدا ويدها على المزلاج. التفتت لتنظر إلينا. نظرت إلى المزلاج مجدداً، ثم إلينا.
قالت: "هذا الصف يديره إنكر مارشال. إنه...".
توقف. طال التوقف بما يكفي لأرفع حاجبم.
"غريب بعض الشيء".
فتحت الباب قبل أن تتمكن إيا منا من الرد. أول شيء سمعته أنا أو آراش كان صرخات بصوت عال لدرجة جعلت الحجر تحت أقدامنا يرتجف.
"أخبرتك أن تجري وصدرك إلى الخارج، تباً لك! أتعتقد أن ذلك الجسد النحيل سيصنع سيجيل؟!"