قالَت: "أَتَظُنُّ أَنَّني لا أَشْعُرُ بِهذا؟"
جَعَلَتْني كَلِماتُها أَسْكُدُ، لِفُرْضَةٍ وَحيدَةٍ. ثُمَّ اعْتَدَلْتُ. لَمْ أَبْتَعِدْ عَنْها، لَكِنَّ شَيْئاً في داخِلي كادَ يَفْعَلُ.
قُلْتُ: "لَيْسَ شَيْئاً. لا سِيما سِوى نَتيجَةِ عَمَلِيَّةٍ. عَمَلِيَّةٍ سَتَنْتَهي في وَقْتِها."
نَظَرَتْ إِلَيَّ آش. كانَتْ تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتي تُخْبِرُني أَنَّها تَرى أَكْثَرَ مِمَّا قَصَدْتُ أَنْ أُظْهِرَ لَها. كادَ هذا يَجْعَلُني أُحَوِّلُ بَصَري، لَوْلا أَنَّ ذَلِكَ كانَ سَيُعَدُّ تَرَاجُعاً.
قالَت: "لِيس."
"إِنَّهُ انْزعاجٌ بَسِيطٌ. لا يَسْتَحِقُّ—"
"لِيس."
أَغْلَقْتُ عَقْلي. كانَ الطَّنينُ في صَدْري ما زالَ مَوْجُوداً، تَماماً كَما كانَ مُنْذُ أَنْ اسْتَيْقَظْتُ أَوَّلَ مَرَّةٍ. أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَبْقى هُناكَ حَتَّى يَوْمِ مَوْتي. لَوْ كانَتْ قادِرَةً عَلى سَماعِ الطَّنينِ مِنْ مَوْضِعِها، فَلَقَدْ كانَتْ تَسْمَعُهُ مُنْذُ وَقْتٍ طَويلٍ. لَقَدْ نَسيتُ كَمْ كانَتْ حَواسُّها حادَّةً. أَحَدَّ مِنْ حَواسِّي بِكَثيرٍ. اسْتَمَرَّتْ آش في الِانْتِظارِ دونَ أَنْ تَقُولَ شَيْئاً.
لَكَدْتُ أُفَضِّلُ لَوْ انَّها تَكَلَّمَتْ. كانَ هذا الحِصارُ الصَّامِتُ مِنْها فَعَّالاً. تَحَرَّكَ البَطَلُ عَلى السَّريرِ، بِقَدْرِ ما يَجْعَلُ رُكْبَتَهُ تَضْغَطُ عَلى فَخِذِي. وَما زالَتْ تَنْتَظِرُ دونَ أَنْ تَنْبِسَ بِبِتْسَةٍ. حَدَّقْتُ مِنْ وَراءِها إِلى الجِدارِ البَعيدِ.
"أَرَدْتُ الِاحْتِفاظَ بِعَلامَتَيَّ كِلْتَيْهِما. اِقْتِراحَاتُكِ بِأَنْ أَجْعَلَهُما تَتَصارَعانِ… أَرَتْني أَمْراً ثالِثاً لَمْ أَكُنْ مُدْرِكاً وُجُودَهُ. شَيْئاً… بَيْنَ المَهْدِ وَالمَأْتَمِ."
لَمْ أَدْرِ لِماذا كُنْتُ أُفَسِّرُ، سِوى أَنَّني بَدَأْتُ وَلَمْ أَعُدْ أَسْتَطيعُ التَّوَقُّفَ.
"لِذا، ظَنَنْتُ أَنَّني لَوْ أَجْبَرْتُ عَلامَتَيَّ عَلى الاقتِتالِ داخِلَ لُبِّي، فَإِنَّ هذا الشَّيْءَ الثَّالِثَ سَيَنْحَتُ لُبِّي لِيُصْبِحَ لُبَّ جَوْهَرٍ. وَهَذا ما كانَ."
وَحَتَّى كُنتُ أُفَسِّرُ، عَلا صَوْتُ الطَّنينِ. أَوْمَأَتْ البَطَلَةُ بِرَأْسِها بِبُطْءٍ. أَعادَتْ نَظَرَها إِلى صَدْري، إِلى المَكانِ التَّحْتِيِّ الَّذي كانَ يَطِنُّ. وَحِينَ تَكَلَّمَتْ، كانَ صَوْتُها هادِئاً جِدا.
"إِذاً، هذا الشَّيْءُ الثَّالِثُ الَّذي في داخِلِكِ… ما زالَ يَفْعَلُ شَيْئاً، أَلَيْسَ كَذلِكَ؟ سَيَظَلُّ يَفْعَلُ شَيْئاً. أَنَا أَسْمَعُهُ مِنْ هُنا وَ—"
هَزَّتْ رَأْسَها.
"إِنَّهُ يُؤْلِمُكِ، وَسَيُظَلُّ يُؤْلِمُكِ."
قُلْتُ: "نَعَمْ."
كانَتْ تِلْكَ الحَقيقَةَ. أَوْ عَلى الأَقَلِّ، ما ظَنَنْتُ أَنَّهُ الحَقيقَةُ. ظَلَّتْ البَطَلَةُ تُحَدِّقُ في.
"وَفَعْلَتِ هَذا وَحْدَكِ. لَمْ تُخْبِري أَحَداً بِهذا. لَمْ تَسْأَلي أَحَدًا قَبْلَ ذَلِكَ. فَعَلْتِهِ فَحَسْبُ."
لَمْ يَرْتَفِعْ صَوْتُها في الحَجْمِ. كانَ ما زَالَ أَحَدَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ فَجْأَةً: "لَمْ يَكُنْ هُناك مَنْ أَسْأَلُهُ."
أَخْبَرَنِي شَيْءٌ أَنَّني قُلْتُها بِسُرْعَةٍ فائِقَةٍ.
"كانَتْ هُناكَ أَنَا."
الْتَقَيْتُ بِنَظْرَتِها ثُمَّ جَاوَزْتُها إِلى الجِدارِ البَعيدِ مَرَّةً أُخْرى. كانَ هُناكَ شَقٌّ يَمْتَدُّ بالقُرْبِ مِنَ السَّقْفِ. لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ. كانَ شَقّاً كَبيراً، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِتَرْكِيزٍ يَفُوقُ بِكَثيرٍ ما يَسْتَحِقُّهُ شَقٌّ واحِدٌ عَلى جِدارٍ.
سَأَلْتُ: "ماذا كُنْتِ سَتَقُولِينَ؟ لَوْ أَخْبَرْتُكِ."
"كُنْتُ سَأُخْبِرُكِ بِأَنَّكِ عَلى وَشْكِ فِعْلِ شَمْلِ شَيْءٍ قَدْ يَقْتُلُكِ. بِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ هُناكَ طَريقَةٌ أُخْرى، لَوْ انَّكِ انْتَظَرْتِ فَقَطْ. لَمْ تَكُونِي بِحاجَةٍ لِلانْتِظارِ طَويلاً. يَوْمٌ واحِدٌ، أَوْ يَوْمانِ كانا لَيَكْفِيَانِ."
"وَإِذا فَعَلْتُهُ عَلى أَيَّةِ حالٍ؟"
تَوَقَّفَتْ آش. ثُمَّ مالَ رَأْسُها، قليلاً فَقَطْ.
قالَتْ بِبَساطَةٍ، كَأَنَّهُ أَوْضَحُ شَيْءٍ في العالَمِ: "حِينَها كُنْتُ لَأَجْلِسُ بِجانِبِكِ. لِكَيْ يَصيرَ أحدهم عَلى عِلْمٍ، إن حَدَثَ سُوءٌ ما."
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ واضِحاً. وَكَلامُ آش بِطَريقَةِ الأَبْطالِ لَمْ يَجْعَلْهُ كَذَلِكَ. نَظَرْتُ إِلى آش وَفَتَحْتُ فَمي لِأَقُولَ ذَلِكَ بالذَّاتِ. نَظْرَتُها جَعَلَتْنِي أُغْلِقُهُ دونَ أَنْ أَنْطِقَ بِحَرْفٍ. عادَ انْتِباهي إِلَى الشَّقِّ. بَدَا أَكْبَرَ الآنَ. حِينَ تَكَلَّمْتُ مَرَّةً أُخْرى، كانَ صَوْتي مُتَيَبِّساً. تَماماً مِثْلَ بَقِيَّتي.
"لَمْ أَحْتَجْ قَطُّ لِعَرْضِ قَراراتي عَلى غَيْري. لَسْتُ مِمَّنْ يَعْتَادونَ طَلَبَ المَشُورَةِ في قَراراتِهِمْ."
ظَلَّتْ آش صامِتَةً لِوَقْتٍ طَويلٍ. نَظَرْتُ إِلى وَجْهِها مَرَّةً أُخْرى، فَرَأَيْتُ النَّظْرَةَ القاسِيَةَ عَلَيْهِ قَدْ زَالَتْ. وَحَلَّ مَحَلَّها شَيْءٌ يَكَادُ يَكُونُ ناعِماً. يَكادُ يَكُونُ حَزيناً، أَظُنُّ ذَلِكَ.
تَكَلَّمَتْ، وَكانَ صَوْتُها أَيْضاً أَنْعَمَ، لَمْ يَكُنْ سِوى هَمْسٍ ضَعيفٍ: "الْآنَ يُمْكِنُكِ."
تَمَدَّدَ الصَّمْتُ بَيْنَنا مَرَّةً أُخْرى. لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ ما أَرُدُّ بِهِ عَلى ما قالَتْهُ البَطَلَةُ تَوْماً. لَكِنْ كانَ لا بُدَّ مِنْ قَوْلِ شَيْءٍ، هذا ما عَرَفْتُهُ جَيِّدًا.
"كانَ الخَطَرُ ضَئيلًا يَا آش. وَاحْتِمالِيَّةُ المَوْتِ كانَتْ—"
غادَرَتِ النُّعُومَةُ وَجْهَ آش.
"أَنْتِ جالِسَةٌ عَلى سَريرٍ وَتُعانوُنَ أَلَماً لَنْ يَتَوَقَّفَ أَبَداً. يَا لِيسَانثْيا، أَرْجُوكِ وَفِّرِي عَنِّي هَذِهِ المَنْطِقِيَّةَ، هَذِهِ المَرَّةَ فَقَطْ."
لَقَدْ نَطَقَتْ بِاسْمِي. الِاسْمِ الَّذي حَمَلْتُهُ لِقُرُونٍ. ما كانَ لَهُ أَنْ يَطْعَنَني هَكَذا. ما كانَ لِاسْمِي الخَاصِّ أَنْ يَطْعَنَني هَكَذا. شَدَدْتُ فَكِّي وَفَتَحْتُ فَمي لِلْمُجادَلَةِ. سَيَخْفُفُ الأَلَمُ مَعَ الوَقْتِ.
رُبَّما لَنْ يَخْفُفَ تَماماً، وَلَكِنْ مِثْلَ كُلِّ الأَشْياءِ، سَأَعْتَادُ عَلى—" "كُنْتِ لِتَقُولِي لِسَارَا أَلَّا تَفْعَلَ ما فَعَلْتِهِ الآنَ."
جَعَلَتْنِي الكَلِمَاتُ أُسْكُدُ.
أَتْبَعَتْ آش: "لَوْ أَتَتْ إِلَيْكِ، وَقالَتْ إِنَّها سَتُؤْذِي نَفْسَهَا، رُبَّما إلى الأَبَدِ، لِأَنَّها ظَنَّتْ أَنَّها الطَّريقَةُ الوَحيدَةُ… ماذا كُنْتِ سَتَقُولِينَ؟ أَخْبِريني."
كانَ جَواباً لَمْ أَحْتَجْ لِلتَّفْكيرِ فيهِ. وَلا حَتَّى لِلْحَظَةٍ واحِدَةٍ. كُنْتُ لِأَقُولَ لَها لا. مَهْمَا احتَجَّتْ، وَمَهْمَا كانَ السَّبَبُ الَّذي أَعْطَتْهُ، كُنْتُ لِأَقُولَ لَها لا. كُنْتُ لِأَنْزِعَ الشَّيْءَ الحَادَّ مِنْ يَدَيْها وَأُبْعِدَهُ عَنْها حَتَّى تَتَوَقَّفَ عَنِ المَدِّ إِلَيْهِ. ما كُنْتُ لِأَدَعَها تَخْتَارُ الأَلَمَ.
قُلْتُ: "هَذَا مُخْتَلِفٌ."
قالَتْ آش: "لَيْسَ مُخْتَلِفاً عَلَى الإِطْلاقِ."
تَحَرَّكَتْ عَلى السَّريرِ، حَتَّى صارَتِ المَسَافَةُ الصَّغيرَةُ بَيْنَنَا أَصْغَرَ فَقَطْ.
"اِعْطِني عَهْداً."
كانَ فَكُّ البَطَلَةِ مَشْدُوداً وَعَيْنَاهَا ثَابِتَتَيْنِ. لَقَدْ رَأَيْتُ الأَبْطَالَ يَبْدُونَ هَكَذا كَثِيراً. وَلِذَلِكَ عَرَفْتُ أَنَّ عَهْدَهَا هَذَا سَيَكُونُ طَلَباً أَشْبَهَ بِأَمْرٍ.
قالَتْ: "في المَرَّةِ القادِمَةِ الَّتي تَكونينَ فِيها عَلى وَشْكِ فِعْلِ شَيْءٍ سَيُؤْذيكِ، تَكَلَّمي مَعي أَوَّلاً. تَعْتِينَ إِلَيَّ وَتُخْبِريني بِما تُفَكِّرينَ فيهِ، وَنَجِدُ مَعاً طَريقَةً أُخْرى، إِنْ وُجِدَتْ طَريقَةٌ يُمْكِنُ العُثُورُ عَلَيْها."
ثَبَّتَتْ نَظْرَتَهَا في عَيْنَيَّ.
"اعْطِني عَهْداً بِهذا."
كانَ طَلَبُهَا غَيْرَ مَعْقُولٍ، وَلأَسْبَابٍ عِدَّةٍ. السَّبَبُ الأَوَّلُ هُوَ ما عَبَّرْتُ عَنْهُ مُسْبَقاً. كُنْتُ مَلِكَةً، وَلَمْ يَسْبِقْ لي مِنْ قَبْلُ أَنْ احْتَجْتُ لِمُوافَقَةِ أَحَدٍ عَلى أَيِّ شَيْءٍ. ثانِيًا، كانَتْ هُناكَ بَعْضُ الخِيَارَاتِ التّي لا تَحْتَمِلُ الِانْتِظَارَ. كانَ عَلَى المَرْءِ أَنْ يَتَخِذَ خِيَاراً، وَيَفْعَلَهُ بِسُرْعَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَتَسَنَّى لَهُ انْتِظَارُ المَشُورَةِ.
نَظَرْتُ في عَيْنَيْ آش، فَوَجَدْتُ الِاعْتِرَاضَيْنِ كِلَيْهِمَا قَاصِرَيْنِ.
تَمَمْتُ: "نَعَمْ."
أَوْمَأَتْ آش مَرَّةً. مَرَّةً واحِدَةً فَحَسْبُ.
"جَيِّدٌ… يَا لِيس."
أَخْرَجَتْ نَفَساً كانَتْ تَحْبِسُهُ يَبْدُو.
"لَا أُحِبُّ أَرْاَكِ تُؤْذينَ نَفْسَكِ."
نَظَرْتُ إِلَيْهَا. لَمْ تَكُنْ آش تَنْظُرُ إِلَيَّ. كانَتْ تَنْظُرُ إلى القِنْدِيلِ، الخافِتِ ضَوْءُهُ.
"لِمَاذَا؟"
قَطَّبَتْ حاجبَيْهَا. فَكَّرَتْ فِي السُّؤَالِ طَوِيلاً.
"لِأَنَّني… أَظُنُّ أَنَّهُ يُؤْلِمُنِي أَنَا أَيْضاً… أَنْ أَعْرَفَ أَنَّكِ تَتَأَلَّمِينَ، أَعْني ذَلِكَ."
الْتَفَتَتْ بِنَظَرِهَا إِليَّ. اتَّسَعَتْ عَيْنَاحَا، وَاحْمَرَّ وَجْهُهَا. كُنْتُ أَنَا مَنْ حَوَّلَ بَصَرَهُ تِلْكَ المَرَّةَ. لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ ما أَقُولُهُ عَنْ حَماقَةِ ما نَطَقَتْ بِهِ تَوْماً. لَيْسَ هُناكَ ما أَقُولُهُ عَلَى الإِطْلاقِ. تَحَرَّكَتْ آش، أَوْ رُبَّما تَحَرَّكْتُ أَنَا. لَمَسَتْ يَدُهَا يَدِي. لَمْ أَبْسُطْ يَدِي بَعيداً. بَعِيداً عَنِ الخُشُونَةِ، كانَتْ يَدَاهَا ناعِمَتَيْنِ جِدّاً.
سَأَلَتْ آش: "لِماذا فَعَلْتِ هَذَا؟ لَيْسَ الأَمْرُ مُجَرَّدَ الحِفَاظِ عَلى العَلامَتَيْنِ. أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ كانَتْ هُنَاكَ طُرُقٌ أُخْرى."
فَكَّرْتُ في دِمَاءِ الشَّياطِينِ الَّتي رَأَيْتُهَا. الطَّريقَةُ الَّتي انْكَمَشُوا بِهَا، لَيْسَ مِنِّي فَحَسْبُ، بَلْ مِنَ الجَمِيعِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَكَّرْتُ فِي النِّظَامِ الَّذي كُنْتُ لِأَكْسِرَهُ، وَالطَّريقَةِ الَّتي كانَ العَالَمُ سَيَتَغَيَّرُ بِهَا فِي أَلْفِ عَامٍ. يَتَغَيَّرُ بِطَرِيقَةٍ ما كُنْتُ لِأَتَوَقَّعَهَا أَبَداً.
قالَتْ آش بِصَوْتٍ نَاعِمٍ: "لَسْتِ مَدِينَةً لَهُمْ بِأَلَمِكِ، يَا لِيس."
حَدَّقْتُ فِيهَا. حَدَّقَتْ هِيَ فِيَّ أَيْضاً. كُنْتُ مُتَأَكِّدَةً أَنَّني لَمْ أَقُلْ شَيْئاً. وَمَعَ ذَلِكَ.
"رُبَّما لَا."
لَمْ يَكُنْ هُناكَ السَّبَبُ. لَيْسَ السَّبَبَ كُلَّهُ. تِمْثَالُ آش الَّذي أَمَامي اسْتُبْدِلَ بِآشٍ أُخْرَى. وَاحِدَةٍ تَلُوحُ فِي الهَوَاءِ، مُمْتَسَكَةً مِنْ حَلْقِهَا. إن كَانَتْ هُنَاكَ قُوَّةٌ لِنَيْلِهَا، فَسَأَخُذُهَا. كانَ هذا هُوَ الطَّريقَ الأَكْدَرَ. كانَ هذا كُلَّ ما يَهُمُّ. لَمْ تَقُلْ آش شَيْئاً لِفَتْرَةٍ. وَلَا أَنَا أَيْضاً. لَمْ أَقُلْ شَيْئاً، لَكِنَّ شَيْئاً في نَظْرَتِهَا لانَ مَعَ ذَلِكَ.
مَا كَانَتْ لِتَعْلَمَ. لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ أَيّاً مِنْ [مَهَارَاتِهَا]. لَا شَيْءَ مِمَّا كانَ لِيَسْمَحَ لَهَا بِقِرَاءَةِ الأَفْكَارِ.
سَأَلَتْ آش أَخِيرًا: "إِذاً، هَلْ سَمَّيْتِهِ؟ لُبَّكِ. إِنَّهُ لُبُّ جَوْهَرٍ وَلَكِنْ… لَيْسَ هَذَا كُلَّ شَيْءٍ بِوُضُوحٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ سَيُصَنِّفُونَهُ عَلَى أَنَّهُ هَكَذَا فَحَسْبُ، عَلى الأَقَلِّ. كُنْتُ أَتَسَاءَلُ عَمَّا إِذَا كانَ لَدَيْكِ اسْمٌ لَهُ."
"أَتَفْتَرِضِينَ أَنَّنِي أُرِيدُ تَسْمِيَتَهُ؟"
قَالَتْ آش: "نَعَمْ."
"أَلَمْ تَكُنِ الخُطْوَةَ الأُولَى بَعْدَ حُصُولِكِ عَلَى الخُطُوطِ هِيَ تَسْمِيَةُ تَقْنِيَاتِكِ؟"
كُنْتُ لِأُشِيرَ إلى أَنَّ آش نَفْسَهَا فَعَلْتِ الشَّيْءَ نَفْسَهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ كانَ سَيَكُونُ تَافِهًا.
"حَسَنًا جِداً. وَلَقَدْ أَعْطَيْتُ الأَمْرَ بَعْضَ التَّفْكِيرِ."
"أُو؟"
أَوْمَأْتُ بِبُطْءٍ، مُحَدِّقَةً في القِنْدِيلِ. رُبَّما كُنْتُ قَدْ أَعْطَيْتُهُ تَفْكِيرًا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ.
"اعْتَبَرْتُ تَسْمِيَتَهُ لُبَّ الكُسوفِ."
وافَقَتْ آش: "ذلِكَ اسْمٌ عَظِيمٌ."
في لَحْظَةٍ مَا، اليَدُ الَّتي مَسَّتْ يَدِي صارَتِ الآنَ تَسْتَقِرُّ فَوْقَهَا. لَمْ يَكُنْ وَزْناً مُزْعِجاً.
"إِنَّهُ اسْمٌ عَظِيمٌ."
نَظَرْتُ إِلى القِنْدِيلِ مَرَّةً أُخْرى. إِلى لَهَبِهِ المُتَرَاكِصِ. الآنَ، ذَكَرَنِي بِآخَرَ. وَاحِدٍ أَعْطَى ضَوْءاً أَقَلَّ، لَكِنَّهُ بَدَا أَدْفَأَ بِكَثيرٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
أَعْلَنْتُ لِأَحَدٍ مَعْدُومٍ: "لَكِنَّني وَجَدْتُ واحِداً يُعْجِبُني أَكْثَرَ. لُبَّ الجَمْرَةِ."
لَمْ تَقُلْ آش شَيْئاً. قَطَّبْتُ حاجبَيَّ وَنَظَرْتُ إِلَيْهَا، فَلَمْ أَرَ سِوى ابْتِسَامَتِهَا.
قالَتْ: "ذَلِكَ اسْمٌ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ."
كُنْتُ سَعِيدَةً بِأَنَّني لَمْ أُقَرِّرْ ذَلِكَ الِاسْمَ الأَوَّلَ.
انسحبنا أخيراً. خبا الفانوس حتى يكاد لا يُبين. لم يتحرك أيّ منا لإصلاحه. كان هناك سرير واحد، وكنا اثنين. تكرر الأمر ذاته في هامل. وفي الطريق، داخل خيمة الحبر. كانت المسألة مجرد عملية تبصر. لم يبدُ الأمر كذلك هذه الليلة. كنت واعية بكل حركة طفيفة للفراش حين استلقت آش إلى جانبي. كنت أكثر وعياً بالدفء على جانبي حيث ضغط جسدها ضدي. كنت واعية بالبيضة التي استقرت بيننا، نابضة على الدوام.
كنت واعية بصوت تنفس آش في الظلام. طنّ قلب الجمرة تحت أضلاعي. صار الأمر أشدّ وضوحاً الآن في سكون الليل. استلقيت على ظهري وحهّلت بصري إلى السقف وجعلت تنفسي بطيئاً ومتعَمّداً. بعد دقائق، التفتُّ على جانبي، مواجهة الجدار. كان الشيء يطنّ، بطبيعة الحال. صمت المهد والقداس، ولكن بينهما، طنّ الشيء الذي صنعته وطنّ ولن يتوقف عن الطنين قط. تحركت مجددآ، وهدر إطار السرير اللعين تحتي هذه المرة.
كان تنفس آش بطيئاً ومنتظماً كعادتها. البطلة الغبية، التي تستطيع النوم في أي مكان، وفي أي ظرف، استغرقت في النوم هنا أيضاً. كان الأمر مزعجاً من قبل فحسب. صار محبطاً الآن. كان عليَّ أن أتعلم حيلة هذا منها قبل الآن. تلويت وتقلبْت مجدداً، محاولة إيجاد وضعية على السرير يصل فيها الطنين إلى أدنى حدّه. أو على الأقل، حيث يمكنني سماعه بشكل أقل. كلما ظننت أنني عثرت عليها، تغير إيقاع الجمرة، تغيّر طفيفاً فحسب.
كأنها تسخر مني. حاولت ألا أتنهد، لكني أردت ذلك. ستكون ليلة الغد كاليوم، أدرك ذلك. وستكون الليلة التي تليها كاليوم أيضاً. ربما ستكون كل ليلة كذلك، إلى أن تجدني نهايتي الثانية. لقد فعلت كل هذا من أجل القوة، ودفعت من أجل القوة أثماناً أسوأ بكثير من قبل. لم يكن هذا الشيء شيئاً يُذكر. قياساً بكل ما احتملته، كان أصغر شظية. لم تكن الشظية لتدعني أنام.
تحركت مجدداً، فهدر السرير مجدداً، و— "أنت غبية".
تجمّدت. جاء صوت آش من جانبي مباشرة. لم يتغير تنفسها، لذا لم أدرك أنها مستيقظة.
"عذراً؟"
شعرت بآش تلتفت على السرير، ثم كان نَفَسها دافئاً على مؤخرة عنقي.
"لقد مضت نصف ساعة، ليس. أنت لا تنامين. أشك في أنك ستنامين طوال الليل".
"أنا أرتاح فحسب".
"أنت تتألمين".
تغير إيقاع قلب الجمرة مجدداً. صار أعلى صوتاً الآن. أشد إيلاماً بمقدار طفيف. كان أكثر احتمالاً بكثير حين كانت هناك شواغل أخرى. كانت هناك حركة خلفي. اعتدلت آش في جلستها، ثم وجدت يدها كتفي.
قالت: "تعالي".
"ما الذي—"
"اننهضي. سنذهب في نزهة".
كانت يدها حازمة.
"لن ينام أيّ منا على هذا النحو على أي حال. يجدر بنا المشي. قد يساعدك ذلك على الاسترخاء. ربما يساعد ذلك".
كان عليَّ أن أجادل.
لم أكن بحاجة إلى «الاسترخاء»
كما قالت. ولم أكن بحاجة إلى مساعدة. اعتدلت بدلاً من ذلك، ورفعت البيضة عن الوسادة. راقبتني آش وانا أحتضنها إلى صدري. ابتسمت.
"ألن تأخذي الكيس؟"
"لا. الوقت متأخر، أليس كذلك؟"
قلت.
"لا باس".
كان الممر الخارجي خالياً، كما توقعت. لم تكن هناك أي أصوات طوال الساعة الماضية. كانت الفوانيس المعلقة على طول الجدران خافتة جميعها. مشينا وسط الظلال. صنعت أقدامنا صوتاً ضئيلاً. مشينا بلا هدف لبعض الوقت. متجاوزين أبواباً مغلقة وممرات مظلحة، متجاوزين نوافذ تنفتح خلفها السماء المظلمة وراء الزجاج. مشت آش إلى جانبي. قريبة بما يكفي لتكاد ذراعانا تتلامسان. لم نتحدث. ولا لعدة منعطفات.
تجاوزنا إحدى النوافذ الكبيرة، إحداهن كانت شبه مفتوحة. هبت نسيم من مكان ما وراءها، فتوقفت. أمسكت البيضة بإحكام أكبر إلى صدري. كانت السماء مظلمة للغاية، لكنها كانت صافية. كانت النجوم ساطعة الليلة.
"السماء زرقاء للغاية هنا"، قلت بهدوء.
التفتت آش لتنظر إلي. رأت أنني كنت أتحدث إلى البيضة. تظاهرت بأنني لم أراها تبتسم.
"أعني خلال النهار. ستترينها قريباً بما يكفي. إنها... أمر ما بحق. ستكونين مخلوقاً مجنحاً، لذا ستسافرين فيها بحرية أكبر من أغلبهم".
كنت أتحدث إلى بيضة. شيء لم يفعل ولا يمكنه— نبضت البيضة في ذراعيّ. نبضت مرتين. توقفت. اخترت تفسير هذا النبض على أنه اهتمام بما كنت أقوله. لذا، واصلت.
"سأصف الطعام في هذه الأكاديمية بالملائم. ملائم لكي يعيل المرء نفسه. لا أعرف إن كانت الوحوش تُطعم بالطريقة ذاتها، لكني سأضمن أن تكوني كذلك. أو ربما أجبر البطلة على تعليمي هذا الطهي".
ألقيت نظرة خاطفة على آش.
"إنها مقبولة في ذلك. رغم أن الوقت قد مضى. ربما تبلدت مهاراتها".
أصدرت البطلة صوتاً مختنقاً قريباً جداً من الضحك. انطبقت شفتاه باحكام معاً، وتألقت عيناها في الضوء الخافت. واصلنا المشي. متجاوزين غرفاً مغلقة أخرى، يخلفها بلا شك المزيد من الطلاب النيام. متجاوزين أبواباً كبيرة، ربما لدرس أو آخر. انعطفنا في زاوية، ودخلنا مرياً منحنياً بنوافذ أكثر بعد. رأيت انعكاسي في إحداها. شكلاً مظلماً بقرنين بارزين، وبيضة مضغوطة إلى صدرها. وبطلة بجانبها، لينة الحواف في الظلام.
بعيدت نظري عن الانعكاس.
قلت: "لم أظن قط أنني سأنجب طفلاً".
لم أدرك لمَ كنت أقول ذلك. لم أكن قد قررت ذلك بالتأكيد. لكني قلت ذلك على أي حال. صمتت آش لخطوات قليلة. ثم تحدثت. كانت المرة الأولى التي تتحدث فيها منذ أن بدأنا المشي.
"لماذا هذا؟ ألم يكن لأنك لم ترغبي في ذلك؟ لقد عشت لسنوات عديدة عديدة، أليس كذلك؟"
كان سؤالاً معقولاً. كان لدى البشر معرفة ضئيلة بنوعي، باستثناء ما يتطلبه الأمر لقتلهم. وكانت معرفتهم بي أقل حتى.
"لأنني لم أكن أستطيع. لم تسمح فئة الملكة الشيطانية بالمفهوم. كان الأطفال... أمراً غير ممكن سمح به النظام. لا أعرف لماذا".
"والآن؟"
الآن. الآن وقد كنا نعيش في عالم أصبحت فيه القيود أكثر رخاوة بكثير. نظرت إلى البيضة. التقطها ضوء القمر من النافذة، وفي هذا الظلام، بدا كل شيء فيها متوهجاً.
"الآن لدي هذا الشيء. رغم أنك لست طفلاً تماماً، أليس كذلك؟"
قلت لها، رافعة إياها.
"أنت وحش. مخلوق ولد من أي حماقة ارتكبتها لإنقاذك. حين تفقسين، سيكون لديك أجنحة، على الأرجح. ومخالب. لن تبدي مثلي، وأعتقد أن هذا هو الشرط الأساسي لأكون من نسلي".
لم تستطيع البيضة الإجابة عني، لكنها نبضت في يديّ على أي حال.
"لا أعرف ما تحتاجينه مني، وأنا متأكدة من أنك ستحتاجين إلى أشياء كثيرة. لم أكن مسؤولة أبداً عن شخص آخر هكذا".
توقفت، مصححة نفسي.
"هذا— أظن أن ذلك ليس صحيحاً تماماً. كنت مسؤولة عن عالم بأكمله، ذات مرة. حُددت حياة ملايين بالنظر إلى قربهم من قوتي".
أنزلت البيضة مجدداً إلى صدري، محتضنة إياها بذراع واحدة.
"سار ذلك بشكل سيء. سار ذلك... بشكل سيء للغاية".
لم يكن هناك سبب للتفكير في هذا. لم أعد الملكة الشيطانية، وذهبت القوة التي حددت عالماً بأكمله ذات مرة. لن يحقق التفكير في ذلك شيئاً. فكرت في الأمر على أي حال. شيء ما داخلي ألمّني. شيء لم يكن قلب الجمرة. كانت هناك خطوات. التفتُّ. مدّت آش يديها وأخذت يدي الفارغة بيدها الخاصة. تشابكت أصابعها مع أصابعي. كانت دافئة. وناعمة. لم تكن كذلك فحسب. استطعت شعور الثآليل على راحة يدها، تلك التي حصلت عليها من حياة قضتها مع النصل.
لم يكن الأمر يهم. لم أبتعد عنها، رغم أنني استطعت ذلك. مشينا بعد ذلك، يداً بيد. تداخلت أصابعنا.
همست للبيضة: "سأفعل ما هو أفضل هذه المرة".
اشتدت أصابع آش حول أصابعي. انعطفنا في زاوية، ووصلنا إلى ممر آخر، مع صف طويل آخر من النوافذ. كان هناك ضوء قمر هنا، يخطّ عبر الأرض في شرائط فضية طويلة. كانت فكرة تتشكل بداخلي. كانت تتشكل في داخلي منذ أن بدأنا هذا المشي. قرأت آش شيئاً من حياتي القديمة، بقدر ما كان التفكير في ذلك يؤلمني.
قلت: "حدثيني عن أصدقائك يا آش".
"لقد أخبرتني ذات مرة... عن نهر، والشجرة المتلألئة التي كنت ترغبين في رؤيتها. كنت—"
توقفت. حاولت مجدداً.
"أود سماع المزيد. إن كنت مستعدة. عن أشياء رأيتها، أو ترغبين في رؤيتها".
نظرت إليّ البطلة. ارتدت تعبيرًا لم أره كثيراً عليها. شيئاً حذراً. للحظة، تساءلت إن كانت ستجيبني على الإطلاق. أردت منها ذلك. فاجأني ذلك. ابتسمت آش.
قالت: "أخذني رونان إلى حانة، ذات مرة".
تمتمت: "حانة. ما هذه الحانة؟"
كنت أعلم بشكل مبهم بوجود مثل هذه المباني في المدن. غاب عني غرضها.
"الحانة هي..."
توقفت آش لنبضة قلب.
"تشبه الغرفة المشتركة في ذلك النزل، لكنها أكبر. إنه المكان الذي يذهب إليه الناس من أجل... المتعة. نوعان من المتعة، عادة".
نوعان من المتعة. لم تكن لدي أدنى فكرة عما تقصده آش. لابد أن آش رأت ذلك مكتوباً على وجهي، لأنها واصلت. وحين فعلت، كان صوتها رقيقاً للغاية.
"قال رونان إنه يحب ثلاثة أشياء. أحب الاندفاع أولاً في كل قتال. ثم، أحب الشرب. مثل ما شربناه في النزل، أتذكرين؟"
تذكرت ذلك. ذلك السائل البغيض الذي جعلني أُسعل.
"وأحب النساء".
قالت هذا الجزء الأخير بغرابة خاصة لاحظتها. كان لوجهها لون.
"قال إنه كان عليَّ— بكلماته— 'أن أتسوق عن كوني ميؤوساً منه بهذه الدرجة'".
تنحنحت.
"في— جذب النساء. وهممم— في كل ما قد يلي ذلك. كان هذا قبل وقت طويل من أن أكون..."
تلاشت كلماتها. نظرت إلى البطلة. كانت تحدق في الممر أمامها. تابعت نظرتها. لم يكن هناك شيء هناك، لا شيء يبرر تحديقها بهذا القدر من التركيز. استطعت شعور نبض آش من خلال أصابعها، وكان يزداد سرعة فأسرع ثانية بعد ثانية.
"أخذني إلى هذه الحانة التي كان يعرفها. كانت صاخبة جداً، ومزدحمة جداً. قال إنها 'المكان المثالي'. لم أذهب إلى مثل هذا المكان من قبل. لم يسمح لي تدريبي بذلك قط. على أي حال، اشترى الدوعرة الأولى من المشروبات والثانية وبحلول الثالثة كان محاطاً. كان هناك فقط... نساء في كل مكان. لا أزال لا أعرف كيف فعل ذلك. كان بإمكانه الاستماع إلى خمس نساء في وقت واحد، وجعل كل منهن تشعر بأنه يتم الاستماع إليها. ربما كانت تلك بعض [المهارات]".
أومأت برأسي ببطء. كان هذا نوعاً من الطقوس، وكنت أبدأ في فهم بعضه على الأقل. انخرط عدد قليل من جنرالاتي في سلوك مماثل، حين ظنوا أنني لا أستطيع رؤيتهم.
"وأنت؟ أكنت محاطة بأي من هؤلاء النساء؟"
توقفت. توقفت آش أيضاً. توقفنا كلانا عن المشي. كانت للكلمات حافة حادة أكثر مما خططت له.
"لا! لا، الملوك لا".
كانت يد آش الفارغة تقوم بنوع من الإيماءة المحمومة أمام وجهها.
"حاول، لقد حاول حقاً، لكن ذلك لم يحدث قط!"
أخرجت آش نفساً من أنفها.
"جلست في الزاوية مع مشروبي ولم أتحدث إلى أحد لمدة ثلاث ساعات".
ضحكت. كانت المرة الثانية التي ضحكت فيها اليوم. تأوهت آش.
"الأمر ليس مضحكاً".
"لا أذكر أنني قلت إنه كذلك".
"لا تحتاجين إلى قول ذلك!"
احتجت آش. بدأنا المشي مجدداً.
"جاء للاطمئنان عليّ ثلاث مرات. ثلاث مرات. في كل المرات الثلاث، نظر إليّ كأنني حالة ميؤوس منها. في المرة الثالثة، أحضر إحدى النساء بنفسه وقدمها وقلت—"
ضغطت آش بيدها الفارغة على وجهها.
"'مرحباً، [الفحص] يخبرني أنك اخترت فئة فرعية لطيفة. لم أراها كثيراً'. هذا ما قلته".
تأوهت آش.
"لم تقبّل السؤال. غادرت بسرعة كبيرة بعد ذلك"، انتهت آش.
كان الأمر يكفي تقريباً لأجعلني أضحك مجدداً. كان بعض ذلك مما قالته آش، وكان الكثير منه هو الطريقة التي قالت بها آش ذلك. كما لو أنها ما زالت لا تفهم كيف أو لماذا حدث ذلك.
قلت بحدة: "محاطة بالنساء".
كان ذلك غريباً، لم أكن أريد أن تخرج الكلمات حادة، لكنها خرجت حادة على أي حال.
"كان رونانك شائعاً جداً إذن".
"كان لديه موهبة في ذلك".
"وليس لديك أي منها على الإطلاق، يبدو. فهمي هو أن هذا فشل كبير جداً عند البشر. ثلاث ساعات، ولم تره امرأة واحدة ذات جودة مناسبة تقترب من تابعيّ. أعتقد أن هذا مؤسف".
قالت آش: "حسناً".
بدا صوتها غريباً.
"كان ذلك... كان كل ذلك منذ وقت طويل. الأمور قد— أعني، الظروف هي—"
توقفت. اشتدت أصابعها حول أصابعي. ليس بما يكفي لإحداث أي إزعاج، لكن بما يكفي للملاحظة بالتأكيد.
"أعتقد أنه من الأفضل ألا يفعل أي منهن ذلك. لم أكن لأعجبهن على أي حال. طالما كنت محددة للغاية ههممم. فيما أعجب به".
"ما الذي تعجبين به؟"
سألت. كان فضولاً حقيقياً. تساءلت عما ستكون إجابتها. أصدرت آش صوتاً مختنقاً غريباً، ونبضها، الذي كان سريعاً جداً بالفعل، تسارع بطريقة ما أكثر فأكثر.
"إن اضطررت للقول إذن، همم، طط-طويلة"، قالت أخيراً.
"من بين أمور أخرى".
ثم مشت أسرع. بسرعة كبيرة اضطررت إلى الإسراع لمواكبة سرعتها، لئلا يتم سحبي. واكبت وتيرتها، رغم أنني لم أفهم الإلحاح. كان هواء الليل بارداً وممتعاً، ومع ذلك شعرت بالدفء. لم أعرف لماذا، إلا أن آش كانت دافئة جداً هي الأخرى. لم يكن ذلك كافياً للقيام بأي شيء حيال الطنين داخلي، لكن ألم قلب الجمرة بدا أكثر احتمالاً الآن. كان ذلك أمراً غريباً. مشينا في صمت. خلال مسيرنا، انعطفنا في زاوية ووجدنا غرفة يفيض منها الضوء.
بدا أننا لم نكن الوحيدين المستيقظين. انعطفنا في زاوية مختلفة، ووصلنا إلى ممر يحتوي مرة أخرى على العديد من المرايا. مررنا بها، وفي إحداها، رأيت انعكاسي مجدداً. شكل مظلم بقرنين بارزين وعينين تتوهجان في الظلام. بيضة محتضنة إلى صدري. رأيت أكثر من نفسي وحدها في المرآة. وقفت آش بجانبي. كانت تقف عن قرب شديد لدرجة أنه كان من الصعب معرفة أين ينتهي انعكاسي ويبدأ انعكاسها. في ضوء القمر، بدا شعرها الأشقر شاحباً وفضياً تقريباً.
أمعنت النظر في ذلك الانعكاس لفترة أطول بكثير مما كان ضرورياً. كان جزء مني يحفره في الذاكرة.
"علينا العودة، يا آش".
أومأت آش ببطء، وبدأنا مسيرنا. لم ترخِ يدها عن يدي طوال طريق العودة بأكمله.
عُدنا أخيراً إلى غرفتنا. لم يستغرق الأمر طويلاً، خصوصاً وآش تقود الخطى. بدا أنها تتبين الاتجاهات حتى في الظلام. انفتح الباب بصرير خفيف تردد في صمت الأكاديمية المطلق. كان المكان على حاله تماماً حين تركناه. وضعت البيضة على السرير مجدداً، بقرب الجدار. تفقدتها مرة وعدلت الوسادة تحتها. ثم استلقيت أولاً، وانضمت إليّ آش. كنت على جنبي، أواجه الجدار. كانت البيضة محتضنة إلى صدري.
شددت نفسي وأغمضت عيني. هيأت نفسي لليل طويل. لساعات اليقظة الآتية لا محالة. كان قلب الجمرة ما زال يهمهم، وكنت أظن أنني لن أجد في النوم سهولة أكثر من ذي قبل، حين أخذتني آش في جولتنا. لم يكن الهمهم وحدَه ما أبقاني مستيقظاً. لقد قرأت يوميات، يوميات تحوي خواطر أحمق فحسب. كلا، لم تكن تلك هي كل الحكاية. حتى بدون قلبي الجديد، لربما استحال إيجاد النوم. صر السرير، وشعرت بحركة آش.
التفت ذراعها حول من الخلف، منضغطة بانبساط على بطني، تحت صدري مباشرة. سحبتني إلى الوراء نحوها، ببطء طفيف. بقيت مسافة بيننا، مهما كانت ضئيلة. كنت قد تيبست. ببطء، عبرت ما تبقى من مسافة بيننا. حتى انعدمت المسافة الصغيرة تماماً. كان هناك دفء، ودفء كثير. استطعت الإحساس بآش كلها تضغط ضدي. خط بطنها الصلب، حد وركها عند قاعدة عمودي الفقري. ثقل صدرها الواسع الناعم الممتلئ ضاغطاً على لوحي كتفي.
كنت واعياً بكل ذلك تماماً، مع أنه لا سبب لدي لأكون كذلك. تحركت ذراع آش مجدداً، حتى انفرغت أصابعها وضغطت على جلد العاري، حيث انزلق قميصي إلى أعلى. استقرت حرارة كفها مباشرة فوق موضع الألم. همهم قلب الجمرة تحت يدها. سيظل يهمهم دائماً. لكن للحظة واحدة، لطسنة واحدة، طغى الدفء على الهمهمة. وأرخى جسدي، شيئاً فشيئاً وعضلة بعد عضلة. بدأ تنفسي يتباطأ من تلقاء نفسه. كان ينبغي أن أقول شيئاً.
رسم إبهام آش دائرة غائبة صغيرة على جلدي. أغمضت عيني ولم أقل شيئاً البتة. للمرة الأولى على الإطلاق، غفوت قبل البطلة.