لا تكذب الملكة الشيطانية. يرى بعض الناس في هذا فضيلة. هؤلاء الناس حمقى. الكذب تنازل. هو اقرار بأن المرء أضعف من أن يحتمل الحقيقة. واجهت ملوكاً ورأيتهم قاصرين. لن أرتجف أمام شيء واهٍ كالحقيقة. طلبت مني الفتاة ان أنقذ مارين. لم أوافق على طلبها ولم أرفضه، مع أنني حاولت ان أنطق بأحد الامرين على الاقل. يعد الطلب المعلق وعداً في عرف الملوك. صار من المخزي لي ان أدعه دون انجاز.
عبرت القرية بشفة مشدودة. ابتعد الناس عن طريقي. طالما قال الرجال انني أبدو مرعبة خصوصاً عندما أعقد العزم. كنت كذلك الآن. تقريباً مثل ذلك اليوم، منذ زمن بعيد. تجاوزت مكاني عند الجدار الواطئ. لم أتوقف. تتبعتني خطوات صغيرة في الخلف، ولم ألتفت.
"ليس! إلى أين نحن ذهبتان؟"
استخدمت الفتاة ذلك الاسم المختزل ثانية. ربما لا يُرتجى أكثر من هذا من طفلة.
"نحن لا نذهب إلى أي مكان. أنا ذاهبة إلى مكان ما وأنت تتبعيني بلا إذن".
تسارعت الخطوات حتى صارت الفتاة خلف عقباي تماماً. كان مقصدي قرب طرف القرية. الأهدأ في هامل، وظل كذلك منذ فترة. وجدت الأم خارج الكوخ، حيث تكون عادة. كان الصبي في ذراعيها، ملفوفاً ببطانية، رغم أنه لم يكن بارداً. رمت عيناه نحوي، لكنهما لم تريا شيئاً. ارتفع صدره وهبط، لكن على نحو آلي فحسب. وهناك كانت البطلة، تقف قرب الكوخ، وتصفف حطب التدفئة. أخبرتني أنها تقوم بهذه الاعمال، تلك التي لم تعد الأم تفعلها لنفسها.
رصدتني البطلة فوراً، وتصلبت. للحظة ظننت انها قد تعترض طريقي. لم تفعل. توقف امام الأم. رفعت المرأة وجهها نحوي ببطء، وكان وجهاً رأيته من قبل. حدث هذا في أعقاب عشرات القرى مثل هذه، التي دمرتها الحشود منذ زمن بعيد. وجه يبرث ان القتال انتهى، ولم يسِر بالطريقة التي أملها المرء.
قلت: "سأرى الطفل. مارين، اعتقد ان هذا اسمه".
أشرت اليه.
"أملك القدرة على شفاء الاشياء، وسأشفيه".
حفرت عيناها الحمراوان في عيني المرأة الداكنتين. اشتدا ذراعاها حول ابنها. لم أظن انها تحاول تحديي. لم تبد قادرة على ذلك، ليس بعد الآن.
قالت بصوت أجش ونحيل: "هم... لقد حاولوا جميعاً بالفعل. جاء ابن عم تريشا من قريتين تابعتين بالأمس. ك- كانت تملك علامة شفاء، قوية... كانت خطاً. ظننت انها قد تفعل...".
توقفت، ثم هزت نفسها قبل ان تتابع: "خلط العشاب شيئاً قال إنه سيساعد. ظل يعطيه إياه كل يوم... يجبره على أخذه لكن...".
هزت رأسها ثانية، وكانت الحركة هذه المرة طفيفة بالكاد تحرك رأسها معها.
"أرجوك... دعيه وشأنه فحسب".
قلت وقد سحبت كمي ورفعت ذراعي اليسرى لترى الخط الابيض: "أنا لست امرأة قرية، ولست عشابة مجردة بعلاج زهيد. أحمل علامة سيادة، علامة تمكنني من إصلاح الاشياء. تقولين إن أخرين حاولوا وفشلوا. أقول إن أياً من أولئك ليس أنا".
لم أستوعب المشكلة. تقف ملكة أمامها، وتقدم العون. قدم الرجال تضحيات كبرى على أمل أن أنظر نحوهم وأمنحهم جزءاً من مئة مما أقدمه لهذه المرأة الآن. قلما مُنح رفضي، ناهيك عن ان يُنبذ. حدقت المرأة في وجهي. بدا أن كلماتي لم تفعل شيئاً يذكر لها -وتبينت ذلك بوضوح. ربما لم تفقط هذه المرأة الكائن الواقف أمامها والقوة التي تملكها. تساوت كل القوى بنظر هذه المرأة، وقصرت كلها. كان ذلك خطأ شائعاً يرتكبه فاقدو القوة -وحتى الكثير من الأقوياء.
قالت المرأة ثانية: "أرجوك".
كانت الكلمة أعلى بقليل من الهمس.
"لا استطيع".
فتحتم فمي لأضغط أكثر. لأؤكد، لافعل ما طالما فعلته. كانت سلطتي شيئاً مارسته لفترة طويلة جداً، ولم تخيبني قط. قابلت نظرة المرأة. لا... ربما كنت مخطئة. ربما كان امتلاك الامل بحد ذاته هو المشكلة. حطمت جيوشاً، ومع ذلك لم أدرِ كيف أحطم تشاؤوم هذه المرأة. لم يكن هناك موطئ قدم هنا. لم أكن أعرف كيف أخترق أي قشرة تحيط بهذه المرأة، من دون تحطيمها معها. كان العالم القديم أبسط بكثير.
وقفت هناك، مكتوفة الأيدي. حسناً جداً. جلست. جلست، متربعة، في التراب أمام الكوخ ويداي مطويتان. واجهت المرأة، ولم أتكلم. رأيت احداً يفعل هذا من قبل، أمام هذا الكوخ بالذات. لم أدرك تماماً لماذا نجح الأمر حينها. ظننت أن الامر يتعلق بالفعل نفسه. لم يكن شيئاً يخطر ببالي فعله وحدي، ولم أكن واثقة تماماً من أنني أفعله بشكل صحيح. جربته على أي حال. ربما تحدثت آش إلى هذه المرأة. إن كانت فعلت، وإن كان ذلك ضرورياً لهذه المناورة بالذات، فكنت في موقف ضعيف واضح.
امتد الصمت. رأيت آش تحدق فيّ، لكنها لم تتدخل. اعتبرت هذا دليلاً على أنني أفعل الصواب. توقفت سارة على مسافة خلفي. سمعتها تعبث بعصا، وتخدش أشكالاً في التراب. مرت دقائق بينما تحركت الشمس فوق الرأس. نادى طائر من مكان ما فوقنا، وأجابه آخر. تصاعد الدخان من موقد قريب في الهواء ورق. راقبتني الأم جالسة هناك. لم يتغير تعبير وجهها. حاولت ان تشيح بوجهها، وهو أمر عسر بالنظر إلى أنني حجبت معظم رؤيتها.
ربما كان ذلك هو المغزى. امتدت الدقائق أكثر وألقت الأم عليّ نظرات قلقة أملت ربما ألا أراها. رأيتها. ثم نظرت إليّ. ببطء، تحول تعبير وجهها. تصدع شيء في قشرة المرأة. أعترف بأن المرأة كانت خصمة شرسةة نوعاً ما. قاوم القليلون أياً من هجماتي طوال هذا الوقت، لكن النتيجة كانت حتمية دائماً. بلا كلمة، حركت مارين في ذراعيها ومدته -قليلاً نحوي. لم يعد الصبي محمياً. كان ذلك أصغر إذن تلقيته قط.
نهضت.
"سارة".
التفتُّ إلى الفتاة. كانت على بعد عشر خطوات خلفي، تراقب بتلك العيون الواسعة جداً. كان مثيراً للإعجاب أنها ما زالت هنا، وظلت صامتة بشكل ملحوظ.
"ابقي هناك. لا تقتربي حتى أسمح لك".
"لكن-"
"لا أعرف ما سيحدث، ولهذا ستبقين هناك. ليس هذا طلباً".
حاولت ان أعلج صوتي... رقيقاً. بالطريقة التي سمعت بها آش تتحدث إلى الاطفال. بدا مختلفاً صادرًا من فمي عما كان عليه من فم آش. برزت شفاة الفتاة السفلى، لكنها بقيت. بدا أن هذا الهجوم فعال للغاية ضد الاطفال البشريين. سأتذكر ذلك. ركعت بجانب الأم ووضعت يدي اليسرى على ذراع مارين. كان جلده دافئاً تحت أصابعي. فاجأني ذلك، رغم أنه ما كان ينبغي له. الأجسام الحية دافئة. حتى المكسورة منها.
قلت: "تبدو قوتي كهباءة نار. بغض النظر عن مظهرها، فهي ليست كذلك. لن تؤذيه".
الأفضل تحذير المرأة الآن بلا داعٍ. أومأت المرأة بخفة. أخذت نفساً عميقاً ودفعت قطرات من الازهار الابيض بداخله. جاء الانطباع فوراً، وكان خاطئاً. أو ربما كان الاصح القول إنه كان هناك غياب في السمكة، شيء أجوف استطيع ملؤه بالازهار. لم يكن هناك جوف داخل الصبي. كان لا يزال هنا. استطعت الشعور به بعيداً ومعزولاً. لم يدمر رفض الحبر ما بداخله. كان هناك... حاجز من نوع ما، شيء أملس، وورائه استطعت الشعور بأضعف نبض لما يجب ان يكون عليه روح الصبي.
استخدمت أحياناً تعاويذ يمكنها رؤية ما داخل عقول الاخرين من قبل، لذا لم يكن هذا الإحساس غريباً علي تماماً. كان هذا عقل الطفل، وكان لا يزال سليماً. لم يكن هذا ما توقعت أن أجده. توقعت ألا أجد شيئاً على الإطلاق. شيئاً يبدو حياً من الخارج، لكنه ميت من الداخل. ربما كان ذلك أفضل. كان ليكون أكثر رحمة من أي شيء فعله الحبر به هنا. اصطدم دفء المهد بالحاجز وانزلق دونه أي مقاومة على الإطلاق.
دفعت بقوة أكبر، بمزيد من المانا، وتركيز أكبر. سطع البياض الساطع حتى اشتعلت يدي ضد ذراع الصبي الصغيرة، ولم يتزعزع الحاجز. لم تكن المشكلة مسألة قوة. عرفت أنه مهما بلغت قوتي، فلن تغيّر النتيجة -ولن تدفع المهد للاجتياز. عرفت بدقة ما كان هذا، لأنني رأيت هذا من قبل. كان هذا قراراً، فرضه النظام على الصبي. أعلن أن الصبي غير جدير. كانت يداي ترتجفان. مددت يدي اليمنى. ربما لا يزال هناك...
أجبرت يدي اليمنى على التراجع، ووجهت المهد وحده. توهج البياض بسطوع شديد حتى انكمشت الأم بجانبي وحتى استغرقت عيناي ثانية لتعتادا. وبهذا القدر من المهد، استطعت بالكاد الشعور بالصبي. استطعت بالكاد سماعه، وراء الحاجز. كان الانطباع خافتاً، لكنه وجد. كان الصبي متحمساً عند التحبير. عندما ركع أمام المحبر، وثق في أن العالم سيمنحه شيئاً جيداً. منحه هذا عوضاً عنه. مات الضوء بينما سحبت مانا الخاصة بي.
لا جدوى من إهدارها ضد حاجز لن يلين. ظننت أنني شعرت بشيء، قرب النهاية تماماً عندما سحبت المهد. كان الصبي قد أمل. تباً. كانت الأم تراقبني بتعبير استطعت حتى أنا فهمه. أملت هي الأخرى، في مرحلة ما. هيأت نفسي للاتهام، فلا بد أن يأتي واحد الآن.
قالت عوضاً عن ذلك: "أنا آسفة".
رمشت، كان اعتذاراً. كانت تعتذر لي. كأن فشلي يستدعي راحتها عوضاً عن غضبها. كان هذا من أكثر الامور سخافة التي سمعتها قط. كانت هناك خطوات، ثم صارت سارة بجانبي. تقدمت وأخذت يد الصبي الاخرى بيدها. نبض ضوء أخضر من راحته. كانت هناك شرارة هناك، صغيرة وخافتة لدرجة أنني لم ألاحظها أبداً على الاطلاق. كانت بوضوح نوعاً من قدرة الشفاء، واحدة لا تفعل شيئاً. ابتلعت الأم ريقها.
"طفلة...".
"أخبرتك في المرة الماضية... لن يقبل".
كان صوتها منخفضاً للغاية. سمعته على أي حال. فعلت الفتاة هذا مرات عديدة من قبل إذن. لم تخبرني بهذا. شرارة طفل ضد النظام. كان ذلك أشد الامور عبثية التي شهدتها قط. سقطت يد سارة بعد ثوان معدودة. تلاشى الاخضر وتنحت بقوة. نظرت إلي وشعرت بشيء لم أشعر به منذ فترة طويلة جداً: الخوف. الخوف من مواجهة نظرتها، وما قد أجده داخلها. لم يكن هناك اتمام في عينيها. نظرت إلي، بالطريقة التي تفعلها دائماً.
كان الامل لا يزال موجوداً. كان هذا هو الجزء الاسوأ. لقد فشلت، وما زالت هذه الفتاة تأمل. نهضت على قدمي. كانت ساقاي غير ثابتتين تحتي، رغم أنني حافظت على استقامة ظهري. ابتعدت عن ذلك الكوخ الهادئ، وقصدت أقرب بوابة. سقطت آش في خطوة بجانبي بينما مشينا إلى النقطة التي تفسح فيها القرية المجال للبرية في الخارج.
قالت آش بهدوء: "ليس ثيا. يرتبط الحبر بالنظام بطريقة ما. ليس عاراً أنك لم تستطيعي شفائه. أشك في أن هناك أحداً..."
توقفت، لكنها وافت السير.
"أنت... أنت لا تبدين كمن استسلم".
واصلت المشي. كانت الغابة على بعد عشر خطوات. ثم خمس.
"لأنني لم أفعل".
تابعت آش وصوتها حذر: "منح الامل حيث لا أمل... قد يكون نوعاً خاصاً من القسوة. لتلك الفتاة وتلك الأم".
توقفت في مكاني. خطت آش خطوات قليلة أخرى قبل أن تتوقف هي الاخرى.
قلت: "النظام...".
"نجل، شعرت بالنظام داخل ذلك الطفل. لقد حكم بأنه غير جدير، كما كان يفعل أحياناً في عصرنا. هذا هو سبب عدم اكتماله مرة اخرى".
"إذن..."
قاطعتها. عرفت الاعتراض الذي كانت وشيكة على إبدائه.
قلت: "إن أصدر النظام حكمه على ذلك الطفل، إذن فللنظام ولدي خلاف. لن يكون الأول لنا. سأجعله يقبل حكمي، عوضاً عن حكمه. لقد فعلت هذا من قبل".
حدقت آش فيّ مطولاً.
"وهل... أنت متأكدة من هذا؟"
رفعت يدي اليمنى في الهواء. تصاعدت قطرة صغيرة من النار السوداء نحو السماء.
"نجل. يقل شأني عن التفاخر بشيء لا أستطيع فعله. أستطيع فعل هذا. انها مجرد مسألة ممارسة".
نظرت آش إليّ لفترة أطول قليلاً، ثم زال التوتر عن كتفيها. ثم، بغرابة، ابتسمت.
"حسناً. سأذهب معك إذن".
لم أطلب حضورها، رغم أنني لم أمانع. تحركت نحو الغابة...
"ليس!"
التفتُّ للوراء. وقفت سارة على طرف القرية، على بعد اثنتي عشرة خطوة خلفنا. لم أدرك المدة التي قضتها هناك، رغم أنني كنت واثقة من أنها لم تسترق السمع.
"هل...".
كان صوتها صغيراً. نظرت إلي، ثم نظرت إلى الارض. وجب على ملكة شطانية إلقاء خطب كبرى عديدة. وجب عليها إعلان كل حملة كبرى بخطاب أعظم. كانت تلك هي طريقة الفئة كما كانت طريقتي. مددت يدي للكلمات، ولم أجدها. عوضاً عن ذلك، قلت ببساطة أول ما خطر ببالي.
قلت: "ليس بعد، لكن قريباً. ستنتظرينني".
رمشت الفتاة، ونظرت إلي مجدداً. مشيت داخل الاشجار، وتبعَتني آش بجانبي.