استغرق الأمر مني يوماً كاملاً كي أبدأ في الحركة. عدت في الصباح إلى مكاني بجانب الجدار الواطئ. كانت هذه البقعة من الأرض تحمل الآن عدة فجوات نتيجة إخفاقاتي السابقة. لقد كانت عرشي، مهماً كان شكلها. تحركت بحذر. ما زالت أضلاعي تؤلمني حين أتنفس بعمق شديد. لقد تمرنت على ما هو أسوء من هذا، منذ زمن طويل. ولن أسمح لأي من هذا بأن يوقفني. لم أرحل إلا بعد أن وضعت البيضة على رف آمن، وقد تفقدتها قبل المغادرة.
فقط للتأكد. صار لدي خطان الآن، واحد على كل ذراع. كان الرقيب أسود، كجرح في الجلد ملأه أحدهم بالحبر. وكان المهد أبيض، ووهج كله في النور. كان أول ما يجب فعله هو اختبار هذين الوشمين الجديدين. اخترت الرقيب أولاً. كان هناك هدف مناسب، حجر كبير على بعد ثلاث خطوات من مكاني. رفعت يدي اليمنى ووجهت المانا. عبرت نيران سوداء المسافة وتحول الحجر إلى الرماد حيث اصطدمت النار. انتشرت الشقوق، وتحول الصخور إلى مسحق.
ثوان أخرى، وتحول هذا المسحوق إلى لا شيء قط. وحملت القوة معها انطباعاً. انطباعاً خافتاً، خافتاً لدرجة جعلتني أوشك على تفويته تماماً. كان الحجر راضياً بكونه حجراً. ثم محوته أنا. رمقت ذراعي بنظرة حارقة. لن أتعاطف مع صخرة. جربت الهجوم على حجر آخر، ولم أتوقف إلا حين تحولت الصخرة إلى مسحوق. استطعت التحكم في الرقيب حتى ذلك الحد على الأقل. كان هذا الهجوم الجديد أقوى بكثير، وبكثير جداً، مقارنة بما كان عليه عندما كان شرارة فحسب، وأكثر فائدة بكثير.
اختبرت المدى. بلغ ثلاثة أمتار. وعند الأمتار الأربعة، لم تتجاوز السوداء ذلك الحد قط. اختبرت المدة وتكلفة المانا ومعدل التلاشي مقابل مواد مختلفة. كان أفضل بكل طريقة يمكن تخيلها. وهنالك مشكلة واحدة. كان يستهلك قدراً كبيراً من المانا. أكثر بكثير مما فعل سابقاً. لم يتبق داخلي سوى مانا هذا العالم الشحيحة، وقد نزفت كالمياه عبر كفوف مضمومة. شرب الرقيب عشرة أضعاف الكمية التي استهلكها من قبل.
لقد كان جهر المانا الخاص بي عبثياً في عصري، وربما كان أشد عبثية هنا، لكن كانت هناك حدود دائماً. لم يمتلئ تماماً بعد – وحتى ذلك أصبح أبطأ الآن. الآن، حان وقت اختبار المهد. وجهت يدي اليسرى نحو بقعة عشب ميتة قريبة، دافعاً بالمانا عبر المهد. انطلقت نيران بيضاء من يدي، ساطعة لدرجة جعلت الشمس تبدو باهتة بالمقارنة. لم يحدث شيء لثلاث ثوان، ثم ظهر اللون الأخضر – دائرة صغيرة منه، تتسع إلى الخارج من نقطة استهدافي.
استقام العشب الميت. عاد اللون إليه في موجة، باهت قليلاً عند الأطراف ويزداد عمقاً نحو المنتصف. ومع هذا، جاء انطباع آخر. لشيء كان كاملاً ذات يوم، وأراد أن يكون كاملاً مرة أخرى. لقد تقبل موته الحتمي، ولم يكن متأكدًا مما يجب عليه فعله بحياته الجديدة.
"تسك"، نقرت بلساني.
أهكذا سيحدث دائماً، كلما استخدمت هذه القوى؟ حدقت في الخضرة. ثم استخدمت المهد مجدداً، مشكلاً دائرة خضراء ثانية مجاورة للأولى. ثم شكلت ثالثة، فرابعة، ثم خامسة، لسبب بلا أي سبب على الإطلاق. كان المدى طويلاً تماماً مثل الرقيب، لكن تكلفة المانا كانت أعلى. مع مانا هذا العالم، بلغت التكلفة تقريباً خمسة وعشرين ضعف ما كانت عليه قبل العنقاء. اللعنة. مع ذلك، بات بإمكاني الآن إطلاق كلا الوشمين خارج يدي.
كان جزء مني يعرف هذا حين نما الوشمان. وحده الأحمق لا يؤكد حدسه. بغض النظر عن المانا، بات لدي الآن تقنيتان جديدتان، ووجدت نفسي في مأزق ما. بماذا كان عليّ تسمية هاتين القدرتين الجديدتين؟ في العالم القديم، لم يكن الأمر مطروحاً للنقاش حتى. كان النظام يسمى كل شيء، من التعاويذ إلى المهارات، وكل شيء يحمل لقباً بين قوسين يخبرك بماهيته. كان ذلك أحد الأمور القليلة التي ربما أعجبتني في النظام.
لا أقواس الآن. بات لدي الآن قدرات، وعليّ تسميتها بنفسي. جاء الاسم الأول بسهولة، بسهولة بالغة لدرجة أنني لم أضطر للتفكير فيه على الإطلاق.
"شعلة الرقيب."
نطقت الكلمتين ببطء. كان الاسم يحمل عدد المقاطع المناسب. الرقيب هو اسم الوشم نفسه، والشعلة هي ما تفعله القوة. كان اسماً مقبولاً. كما كان مُملاً للغاية. لن أمنح قوة الرقيب الجديدة اسماً مملاً. لم يكن هذا غروراً. فكل القوى العظيمة تستحق أسماء تضاهيها. عندما كنت ملكة، كانت كل تعويذة أمتلكها تبث الرغبة والخوف في كل مكان وزمان. أحياناً، كان اسمها وحدها كافياً لحسم المعارك قبل خوضها حتى.
[مرسوم العدم].
[النيران المدمرة].
[السماء المنتهية].
[مرثية الشمس], [الحقيقة الكامنة وراء الموت].
تلك كانت أسماء تجعل الملوك ترتجف.
أما "شعلة الرقيب"
فلم تجعل شيئاً يرتجف. وأيضاً... أنا ببساطة لم أحبها. بدأت أتأمل اسماً جديداً.
"الخراب الأسود."
قلتها بعد لحظة. هززت رأسي بعدها ببرهة. كان الاسم بسيطاً وواضحاً.
أي أبله يمكنه تسمية هجومه بـ"الخراب الأسود".
في الواقع، أراهن أن الكثيرين فعلوا.
"لمسة المهلك."
كان ذلك أفضل، لكنه يشير إلى اللمس، ولست بحاجة لللمس بعد الآن.
"ما رأيك في... مرثية الانتروبيا."
قلت أخيراً. كانت الانتروبيا اسماً جيداً لما تفعله النيران السوداء. وكلمة مرثية بحد ذاتها توحي بالحزن، دمار يتجاوز مجرد... تنهدت. سأحتاج إلى اسم مختلف، اسم لا يتسم بكل هذا... التكلف. لذا تأملت من جديد. كانت هذه التسمية أصعب بكثير مما ظننت. لعل النظام كان نافعاً في أمر ما بعد كل شيء.
"أمم، من – من تكلّم؟"
تجمدت والتفتّ. كانت سارا تقف خلفي، حاملة ما يبدو وكأنه باقة من الزهور. بدت ارتباكة. كيف تسللت إليّ هكذا على الإطلاق؟
"أنا أسمي تقنياتي الجديدة، ايتها الفتاة. إنها مسألة بالغة الأهمية"، قلت.
كان صوتي هادئاً، وهو أمر جيد للغاية. في داخلي، تمنيت لو تنشق الأرض وتلابتني. إن القبض على المرء وهو يسمي تقنياته يناقض بالقطع غاية تسميتها من الأساس.
"أوه! لقد فهمت!"
جلست سارا بجانبي دون دعوة. وضعت زهور البرية في حجرها وبدأت تنتزع البتلات من إحداها.
"أمم... ما هي التك-نيكة؟"
بدا أنها لم تفهم شيئاً على الإطلاق.
"التقنيات هي..."
توقفت. كيف لي أن أفسر هذا لطفلة بشرية بدقة؟
"التقنية هي... شيء تفعله بالمانا. انظري إلى ذلك."
أشرت إلى صف الحصى على طول الأرض.
"تلك الحصى كانت صخرة عظيمة ذات يوم. فعلت ذلك بقوتي. بتقنية."
نظرت سارا إلى الحصى ثم نظرت إليّ.
"أكسرت الصخرة؟"
"لا أيتها الطفلة الحمقاء، بل أزلتها بالتحلل. تحللت."
"تبدو لي مكسورة فحسب"، قالت سارا، مميلة رأسها قليلاً.
"إنها ليست مكس-"
توقفت وأدركت أمري. أخذت نفساً عميقاً.
"كل ما تحتاجين إلى معرفته هو أنني أحتاج اسماً لهذه القوة."
لماذا عساي أتعب نفسي في شرح هذا لها؟ كتوضيح بسيط، رفعت يدي اليمنى وتركت خيطاً ضئيلاً من النيران السوداء يلعق الهواء.
"هذه هي القوة التي أود تسميتها، أيتها الفتاة."
أزلت سارا بتلة أخرى. ألقت نظرة واحدة على الخيط الضئيل.
"ما رأيك في 'الشيء الأسود'؟"
توقفت.
"إياكِ ثم إياكِ."
أمالت رأسها.
"الشيء اللاذع؟"
"قوتي لا تلسع."
لم يكن ذلك كافياً لردع الفتاة. هزت رأسها بسرعة.
"ما رأيك في... الخراب؟"
قالت، "مثل... لقد خربت ذلك المسكين!"
فتحت فمي لأعترض. كان الخراب كلمة أبسط من أن تقال. فهي من مقطع واحد، ولا وزن لها البطل. من المفترض أن يحمل الاسم الصحيح... اللعنة.
"ربما يكون هذا الاسم... مقبولاً"، قلت أخيراً.
أشرقت وجه الفتاة بابتسامة، على النحو الذي رأيتها تبتسم به لعش.
"ليس لديك سبب لتشعر بالرضا. قلت إن الاسم مقبول. هذا لا يعني أنه جيد."
لم تكن الفتاة تنظر إليّ الآن، بل كانت تبتسم لزهورها بدلاً من ذلك. إذن فليدن. بدا أن قوة الرقيب قد أطلق عليها هذا الخراب. والآن، احتجت إلى إيجاد نظير لهذه القوة تخص المهد. وبما أن الخراب كان بسيطاً، وجب أن يكون هذا الاسم الجديد بسيطاً أيضاً. تأملت الأمر ومددت يدي اليسرى نحو بقعة عشب ميتة أخرى. أطلق المهد نيراناً بيضاء وانتشر اللون الأخضر. توقفت سارا عن العبث بزهورها ونظرت إلى الانتشار الأخضر.
"أوه!"
"هذه تخلق بدلاً من أن تدمر"، شرحت لها.
"إنها عكس الأخرى."
"إزهار."
كان صوت الفتاة بالكاد يجاوز الهمس. بالكاد سمعته. حدقت بها. كان الإزهار كلمة بسيطة للغاية. كلمة أبسط من اللازم. وكانت تتألف من مقطع واحد أيضاً. الخراب والإزهار. استقرت كتلة ما داخل حلقي. كان عليّ ابتلاعها.
"هذه أسماء ملائمة"، قلت.
ابتسمت سارا مجدداً. هذه المرة، لم أثبطها.
استغرق العثور على البطلة وقتاً. وجدتها في الفاحة نفسها التي رأيتها فيها من قبل. كانت البطلة جالسة على صخرة وسط دائرة من اثني عشر حجراً مشقوقاً. كانت مشغولة بقوتها آنذاك. أمّا الآن فكانت تصقل نصلها.
— خراب وزهر.
رفعت آش رأسها.
— ماذا؟
— سمّيتُ تقنيتيَّ كلتيهما.
خراب، لنار الرقيب السوداء. رفعتُ ذراعي اليمنى.
— وزهر، لبياض المهد.
رفعتُ اليسرى.
— إنهما اسمان ممتازان.
قلتُ ذلك وأنا أعقد ذراعيّ تحت صدري مباشرة. حدقت فيّ آش مطولاً. انطبقت شفتاها وارتجفتا.
— أ…
أجيئتَ إلى هنا كل هذا الطريق لتخبرني بهذا فقط؟ لم كانت تقولها بهذه الطريقة؟
— جئتُ لأعلمكِ بذلك، نعم.
بدا الأمر من باب اللياقة. نظراً إلى أننا، للأسف، حليفان بحكم الظروف.
— خراب وزهر.
رددت آش. لان شيء في ملامحها.
— أكانتا من…
سارا؟ كان صمتي جواباً كافياً. ابتسمت ودارت نحو النهر. قالت وهي تبتسم بخبث: — إنهما اسمان جيدان. اخترتُ ألا ألتفت إلى التوتر في صوتها. ثم تبدل شيء على وجهها.
— المهد والرقيب، هاه؟
أذاك ما أخبرك به… ذلك الكائن؟
— نعم.
قلتُها بتقريرية. أبقت آش نظرتها عليّ مطولاً.
— هولاء…
هولاء منطقيان. لم أجادل، مع أنني رغبت في ذلك. لم أعر شعوراً بالرضا، مع أنني شعرت به. اقتربت فوقع بصري على ذراعيها، وتوقفْتُ. العلامة السوداء على ذراعها اليسرى قد تغيرت. لم تعد شرارة بعد الآن. بل صارت خطاً داكناً رفيعاً يمتد من العلامة باتجاه مرفقها. والشفرة على ذراعها اليمنى قد تغيرت هي الأخرى. لا تزال شرارة، لكن حوافها باتت أكثر نعومة.
— لقد تقدّمتِ.
قلتُ. نظرت آش إلى ذراعيها، كأنها لم تحسم أمرها بعد بشأن إظهارهما لي. ثم أومأت.
— متى؟
توقفت برهة.
— بعد الطائر الناري.
بينما كنتَ أنتَ… هزت كتفيها. كانت تعني الوقت الذي فقدت فيه وعيِي. في الأيام الثلاثة التي قضتها وهي تفعل… ما فعلته. لقد نمت علامتُها، لكني كنت متأكداً أنه لم يقع أي قتال. على الأقل، لم أسمع بأي ذكر لمثل ذلك بعد. مع ذلك، خيل لي أن هناك سؤالاً أعظم الآن.
— وأ؟
ضغطتُ عليها.
— أسمّيتِ تقنياتكِ؟
مررت آش إبهامها على الجانب المسطح من نصلها. كانت الحركة بطيئة ومتأملة. قالت دون أن تنظر إليّ: — انشقاق.
— انشقاق؟
— إنه اسم قوة القاطع…
والقاطع هو علامتي. رفعت آش سيفها وشقت الهواء باتجاه أحد الأحجار من حولها. انشق الحجر، وسقط نصقاه بصمت على العشب. بات للبطلة مدى لقوتها الآن. بدا أن كل العلامات تنمو وفق الاتجاه العام نفسه. على الأقل، حتى الآن. رددت آش: — أسميه انشقاق.
— لأنه هذا ما يفعله تماماً.
القاطع. إذن تيك كانت علامتها، مع أنني افترضت بالطبع أن للأمر صلة بالقطع. لقد بدا ذلك حقاً أشبه بعلامة بطلة. غير أن انشقاق كان اسماً بسيطاً حقاً، لامرأة بسيطة حقاً. كان خراب وزهر أفضل بالتأكيد، وكما كان متوقعاً. قلت باحتراس: — هذا… اسم ممل للغاية. ابتسمت آش.
— أعلم.
كان في نظرتها شيء مختلف الآن وهي ترمقني. كان أمراً طفيفاً، ليونة في عينيها. أمر غريب.
— والاخرى؟
سلتُ، مشيراً إلى الشرارة الأرجوانية. ترددت آش. ترددَت طويلاً لدرجة أنني لم أظنها ستجيبني قط. ثم التقت نظرتي.
— أسماها النظام حجاباً.
حجاب. إذن فقوة للإخفاء. كان ذلك منطقياً. لقد رأيت هذه القوة تخفي شيئاً حين كانت آش تساعد القرويين من قبل. وبالنظر إلى ما أعرفه عن ماضي البطلة، بدا الأمر أكثر منطقية. لقد كانت قوة مفيدة، قوة تتسم بـ… شدت البطلة كتفيها. وضعت يدها اليسرى فوق اليمنى، كأنها تحجب الشرارة الأرجوانية عن العالم. لم أقل شيئاً مما كنت أفكر فيه.
— هذا الاسم لا يناسبكِ، قلت عوضاً عن ذلك.
انتفضت آش، في حركة بالغة الصِغر لدرجة كادت تفوتني.
— الحجاب لمن لديهم ما يخفونه من مخازٍ.
أنتِ لسْتِ… كنتُ أدرك ما أريد قوله، لكنني لم أكن أعلم كيف أقوله.
— أنتِ لستِ تلك، ختمتُ حديثي.
حدقت آش فيّ. للحظة، تساءلت عما إذا كنت قد أسأت إليها ربما. ثم ضحكت، وكانت تلك الضحكة نفسها التي تستخدمها مع الأطفال. وجدت نفسي أحول بصري عنها. كان ينبغي أن يبدو الأمر كأنها تسخر مني. توترت شفتاي نحو الأعلى، لثانية واحدة فقط. بقينا في الفاحة لبعض الوقت.