"هل يتذكر؟"
نبض رأس دوريان. مرّ فولاذ بارد على جبينه طولاً وعرضاً. أحسّ بآثار سياط على جذعه وجرحٍ يشقّ حنجرته. طُعن، وكُدِم، ومُزّق. كان كل شبر في جسده يئنّ وجعاً. لكنّ الأسوأ من ذلك كلّه، كان شعوره بالتعب والوهن والشيخوخة. احترقت قدماه، واصطكّت أسنانه من البرد. كان المطر يهطل. فتح عينيه. وقف فوقه طيفٌ من ظلال محضة. كان ضبابيّاً وغامضاً في العتمة، إلّا من عينين حمراوين. انهمرت قطرات المطر متجاوزة دوريان لتتجمّع حول ساقيه، لكنّ هيئة الظلّ لم تبدُ مبتلّة.
لم تلتقط المطر. لم تضطرب في العاصفة كما كان شعره يفعل. بل وقفت وحسب. ومض البرق قريباً. لم يكن الوميض أبيض كما ينبغي، بل كان أخضر ساطعاً حدّ العمى. غمر الزمرد ساحة القلعة للحظة. احترقت عينا دوريان، وحين نظر أمامه، كان الطيف قد تلاشى. لكن مع عودة الظلام، عاد الكيان الظلّي. رجل الظل. شتم دوريان. مدّ يده نحو سيفه محاولاً طعن الوحش الماثل أمامه؛ كان السيف قريباً، وسط كومة من أغراضه مسندة إلى جدار في الحديقة.
قبض على مقبضه ولوّح به بعنف نحو الظلّ. غير أنّ النصل اخترق جسد رجل الظلّ دون أن يمسه بسوء. لم يكن سيف دوريان مسحوراً. لم يبدُ أنّ رجل الظلّ قد تأثّر. سقط السلاح من يد دوريان. أعماه الألم، فاستحال بصره بياضاً، وتشنّجت عضلاته. شهق وانحنى على نفسه. كان جسده ملفوفاً بالضمادات، وأطاح بجرعة استشفاء حين تحرّك.
صاح: "اغرب عن وجهي! ارحل!"
لم يبدُ على رجل الظلّ أيّ رد فعل.
"هل تتذكر؟"
تلاحقت أنفاس دوريان في صدره. جلس معتدلاً، متخبطاً في البلل، وبدأ يرتجف. كان البرد على الأقل يخدّر الألم. تراجع إلى الجزء السفلي من جدار الحديقة. أسند ظهره إلى الحجر البارد. تدلّى شعره الرمادي مبللاً على عينيه.
قال: "اقتلني أو دعني أرتاح، أيها المخلوق. لا تضيّع وقتي بالألغاز."
"لماذا أقتلك الآن؟"
تعقّبه رجل الظلّ. لكنه لم يقترب أكثر ممّا كان عليه من قبل. حين وصل إلى الجدار، انحنى فوق دوريان؛ كان أطول من أيّ رجل، عشر أقدام على الأقل، وراح يتأمّله كما يتأمّل كورو.
"كان بوسعي قتلك وأنت نائم. لكنني أيقظتك. لا أريد قتلك بعد."
سأل دوريان: "ماذا تريد؟"
"أريد أن أعرف إن كنت تتذكر."
"أتذكر ماذا؟"
لم يردّ رجل الظلّ.
قال: "لقد عشت نصف دهر. ونسيت معظم ما في حياتي."
أمال رجل الظلّ رأسه الأملس ليفكّر في هذه الإجابة.
"هل ستؤذي غرابي الصغير؟"
"ماذا؟"
لحظة من صمت. إعادة تفكير.
"لماذا أنت وحيد هنا؟ في المطر؟ بينما الآخرون ينعمون بالدفء في الداخل؟"
ألقى دوريان نظرة على جراحه. فكّر إن كان عليه الإجابة، وراودته فكرة الكذب. لكنه لم يستطع، ولا حتى أمام هذا المسخ. لم يكن أمامه خيار سوى قول ما حدث. لكن حين غاص في ذاكرته بحثاً عن إجابة بسيطة، ازداد النبض في جبينه سوءاً. لم يستطع التفكير بوضوح. أحسّ بارتجاج في رأسه، وداهمه الدوار.
قال ببطء: "هناك حاجز للسحر خلف هذه البوابة. جراحي بالغة. ومن دون سحر الاستشفاء، سأهلك. لذا عليّ البقاء هنا."
"هل أخبرتك إيريس بهذا؟"
"والقزم الأعمى، نعم."
رأى وميضاً من محادثتهما في ذاكرته.
"ألم تسمع؟ ظننتك تراقب دائماً. حيثما وجد الظلام."
"أنا كذلك. لكنني لا أتذكر هذه المحادثة."
حدّق دوريان في عيني رجل الظلّ. واجه من قبل أشياء أكثر رعباً، وأكثر قوة وشرّاً، من هذا الكائن أمامه. لكنه أيقظ فيه خوفاً فطرياً من الظلام. استنهض طفله الداخلي، وتلك الأفكار والمشاعر المكبوتة طويلاً لصبٍّ خائف في شوارع كاثاروس. وحين تذكّر ما أراد رجل الظلّ فعله به، وبإيريس، وبكورو، اختلط خوفه بالغضب. لم يقل شيئاً آخر. فردّ ظهره ليواجه نظرة رجل الظلّ قدر استطاعته. ثم اكتفى بالتحديق.
قال الكائن: "هل ستؤذيه؟"
زمجر دوريان: "نعم. سأقتله. متى سنحت الفرصة. ستندم على مغادرة ذلك البرج الملعون."
أمال رجل الظلّ رأسه إلى الجهة الأخرى.
قال: "ليس أنا. بل كورو الصغير."
رمش دوريان. وهزّ رأسه.
"بالطبع لا."
خفت صوته تحت العاصفة.
"لماذا تسأل شيئاً كهذا؟"
"كان الضوء ساطعاً. كنت خائفاً. لهذا لم أقتلك. إيريس محظوظة لأن سحرها قد نجح. ستساعد في حمايته الآن."
اقترب عنقه من دوريان.
"في المرة القادمة، لن أعفو عنك. حتى لو فعلت هي."
تلعثم دوريان: "عن ماذا تتحدث؟ ابتعد عني، أيها المسخ!"
غمر البرق الأخضر بصره مجدداً. هذه المرة ضرب أقرب، خلف جدار الحديقة مباشرة. أغمض عينيه ليحميهما؛ وحين فتحهما مجدداً، كان رجل الظلّ قد اختفى.
صرخ دوريان في السماء الممطرة: "لن تأخذ كورو!"
كانت الغيوم الحمراء مغطاة بالسواد، لكنّ هالة المانا كانت لا تزال تتلوى وتتساقط كستائر تحتها، لتعكس ضوءها على العاصفة المظلمة.
"ستكون ميتاً في غضون أيام! استسلم الآن!"
لكن رجل الظلّ لم يعد، وبقي دوريان يصرخ في الفراغ.
في الصباح، الذي لم يشبه الصباح إلا بانقشاع العاصفة وعودة السماء الحمراء المألوفة، خرجت أليثيا لتراه. فحصت جراحه ونظفت ضماداته؛ طهرت الكتان المتسخ بتعويذة قبل أن تعيد لفه حول جسده.
سألت: "كيف تشعر؟"
كان الألم قد تلاشى معظمه. فسحرها العلاجي يعمل بسرعة.
قال وهو يسعل: "لست كمن طُعن قبل أيام، على الأقل. مع أنني تمنيت لو استطعت الاحتماء من المطر الليلة الماضية."
"أنا آسفة."
"أرغب في لقاء نياز الآن. أظنني تعافيت بما يكفي."
حدقت فيه. ومن نظرتها الجادة والمحسوبة، أدرك أن ثمة خطب ما.
قالت ببساطة: "لم تتعافَ. لكن لا تقلق. سننطلق مجدداً قريباً."
قال دوريان: "أظنني تعافيت."
حاول أن يبدو ودوداً، ضحك وهو يتحدث، وابتسم. وليثبت وجهة نظره وقف منتصباً بمفرده. حافظ على توازنه. مدد ذراعيه، ولم يخرج منه سوى أنين ألم خافت.
"أرأيت؟"
توقع منها أن تتبعه، فاتجه نحو الباب المزدوج المقوى المؤدي إلى البرج. قبضت أليثيا على معصمه.
قالت: "دوريان، ابقَ هنا."
"لماذا؟"
التفت إليها.
"ما الذي أصابك؟"
كررت: "دوريان."
شدته بقوة، فاقترب منها مضطراً.
"لقد أُصبت. إصابة بليغة. لا يمكنك الدخول."
"لماذا لا؟ أتحسبين أنني سأسقط ميتاً في اللحظة التي أدخل فيها؟"
دفعت به إلى الوراء وقالت: "ثمة أسئلة أحياناً يكون من الأفضل ألا تعرف إجابتها. أحياناً لا ينبغي لك أن تسأل. لا تسأل. ابقَ هنا. أرجوك."
كان يود أن يحدثها عن رجل الظل، أن يسألها عن رأيها في ما يعنيه ظهوره، لكنه تردد الآن. لم يرها تتصرف بهذا النحو من قبل. عقد حاجبيه، وفكر في توبيخها. لكن عينيها كانتا ضيقتين وجادتين. رأى في حدقتيها حدةً أقلقتْه، تماماً كما فعل رجل الظل في الليلة الماضية. حدث شيء فظيع. شيء لا يستطيع تذكره. تيقن من ذلك الآن. جن جنونه في هذا العالم المليء بالسحرة والشياطين والجن؛ أحس بالعجز أمام امرأة واحدة صغيرة.
كان عاجزاً. تستطيع أن تفعل به ما تشاء.
كررت: "لا تسأل. ابقَ هنا."
زفر دوريان. هز رأسه. ثم أومأ.
قال: "حسناً. سأبقى هنا. لكن عليكِ إحضار فطوري قبل انقضاء الساعة."
خفت حدة نظراتها. وارتسمت ابتسامة خفيفة على طرف شفتيها.
قالت: "سأرى إن كان بإمكاني إيجاد شيء لك. سنخرج قريباً."
لم يعبر دوريان العتبة إذاً. بقي في الحديقة، حتى حين لم يمنعه أحد. وكلما فكر في ما لا يستطيع تذكره، أدرك أن أليثيا كانت محقة. أحياناً، لا تضيف المعرفة شيئاً. أحياناً يكون البقاء في الظلام أفضل. كان الأمر هناك أبسط، وأسهل، وأسعد. لذا لم يتبعها، ولم يسأل، ولم يفكر في الأمر بعد ذلك.