⟦1 لم يَر كورفو رجل الظلّ مدّةً من الوقت. أمضى وقتاً أطول مع والدته مقارنةً بالسابق، وعلى الرغم من أنّه ظلّ خائفاً من الظلام، لم تعد الظلال تبدو متحركةً كما كانت من قبل. عاد كلّ شيء إلى ما كان عليه. ممِلّ. في ذات ظهيرة، أتت والدته إلى المكتبة وبيدها سِوار. صُنع من مجموعة قطع يشمّ صغيرةً نظمتها سلكٌ من الفضة. كان الحجر بارداً عند اللمس. أجلست كورفو وأدخلت يده فيه. كان واسعاً عليه، لكنّه أصغر من مقاس البالغين. وضعت والدته سِواراً مطابَقاً تقريباً على معصمها الأيسر. قالت: "كنتُ أترقب إعطاءك هذا منذ مدة. أعتقد الآن أنك أصبحت كبيراً بالقدر الكافي. إنه تعويذة حماية لتبقيك آمناً، في أسوأ حالات الطوارئ. أودّ منك ألا تخلعه أبداً. وتحت أيّ ظرف". كانت والدة كورفو تتزين بالحليّ معظم الأيام. تعشق الذهب. أقراطاً ذهبيةً، وقلائد، وعديداً من خواتم الذهب، رغم أنها اعتادت أيضاً ارتداء تميمة فضية. لفضّل كورفو أيّاً من هذه القطع الأجمل على شريحة يشمّ صغيرة. لكنّه أخذها ووافق على فعل ما قيل له تماماً. أتى دوريان بأنباء عن قرية تقع خلف سلسلة الجبال بعد رحلة صيد طويلة. أححض معه جثة أيل وسلخها بينما كان يتحدث إلى والدته. بدت والدة كورفو مقشمئرةً. لكنّها أرغمات كورفو على الانتباه على أيّ حال. وجد الأمر فاتناً. قال دوريان: "إنهم فيشود، أو كانو كذلك، منذ زمن طويل. تحدثت إلى فتاة تلتقط التوت". سألت والدة كورفو: "ألم تكن مرعبةً لرؤيتك؟" "كلا. لكنّي لم أضطر لتحدث الفيشودية منذ ما قبل ولادتك، وكانت لهجتها ثقيلةً". "أستطيع منحك تعويذةً لتتحدث لغتهم بشكل أفضل، إن رغبت". قال: "كلا. سيكون ذلك مثيراً للشبهات". نزع طبقةً من الجلد. أمسكت والدة والدته أنفها. "سأتدبر أمري. أخبريني بما تبتغينه وسأرى إن كان بمقدوري العثور عليه هناك". قالت: "النبيذ لن يضرّ. سأعدّ قائمةً. لكننا لن نتحدث إليهم إلّا حين يلزمنا الأمر. ليست لدي سيرة طيبة مع القرويين المعزلين. فهم لا يستحسنون الساحرات في الغالب". "ولا حتى العارافات؟" "الفرق بالنسبة إليهم نظريّ. رغم أنه يجب القول إنني—لم أكن حذرةً دائماً في استخدام قواي حين كنت صبيةً. مع ذلك: تأكد من ألا تخبرهم بموقعنا، وألا يتبعك أحد. احتياطاً. السحر الحقيقي نادر في فيشود، لكنّ عيون الباحثين والمجلس الرماديّ موجودة في كل مكان". "تصرفين كأنك أول ساحرة تجولتُ بها في الريف. سأكون حذراً". تناولوا لحم أيل شهياً في تلك الليلة.
ابتكر كورفو استعمالات جديدة لغوب. حين لم تمنحها الأم مهمة محددة، كان يجعلها تمسك بقطع حطب التدفئة لتكون أهدافاً لسهام اللباد التي يطلقها. كانا يستطيعان لعب المبارزة بالسيوف معاً أيضاً، رغم أنها لم تكن تبرع في ذلك كثيراً؛ إذ لم تكن ترد سيفه قط. تفادى رغباته في جعلها تقول أشياء مضحكة أو تفعلها قدر ما استطاع. كان اليوم بارداً. نفدت استعمالات غوب منذ ساعات، وانتظر كورفو في المكتبة ريثما تخرج الأم لتناول العشاء. كان دوريان قد ذهب إلى القرية. أقبلت أصوات من خارج البرج. رمق كورفو غوب بنظرة — كانت تحدق ببلادة في الجدار — قبل أن يهرع نحو النافذة. بقي منخفض القامة وهو يتأامل الغابات الكثيفة من حولهما. ظن في البداية أن دوريان قد عاد، وربما جلب معه أصدقاء جدداً. لكنه أدرك سريعاً أن هؤلاء الرجال ليسوا دوريان. كانوا يتحدثون الكاثارية بلهجات غليظة لم يعرفها. رأى أحدهم، مشوهاً وأصلع، وفي يده سيف من برونز. سقط على الأرض وأصخ السمع إلى أصواتهم البعيدة. "أحد ما حرك الباب. غول. ماذا غيره؟" "أجل، شيء ما كان هنا. يوجد روث خيل هناك." "أحدهم." "أترى أن أحداً استولى على برجنا؟" تجرأ كورفو على خلسة أخرى. عبر أغصان بضع شجرات رأى خمسة رجال، والأصلع يتقدمهم على الدرجات في الأسفل مباشرة. "أيعقل أن يكون الساحر قد عاد؟" سأل أحدهم مرتدياً عباءة. "لا،" قال الأصلع. "لقد ذهب بلا رجعة. غالباً غيلان فحسب." أومأ برأسه للأمام. "كونوا مستعدين." كان هذا يكفي كورفو. عرف أن عليه إخبار الأم فوراً. حين انفتح باب المختبر، حجبته الأم بجسدها، وعصاها في يدها اليسرى. لا بد أن تعابيره قد كشفت عن قلقه، لأن نظرتها أظلمت قبل أن تتاح له الفرصة ليقول: "يوجد رجال في الخارج، يا أمي". أومأت. وقالت لغوب: "ستحمي كورفو بحياتك". "حاضر، سيدتي"، أجابت غوب. "ابقي هنا. لا تنزلي حتى أخبرك أنه آمن. اغلقي أذنيك وعينيك." نزلت الدرج بخطى سريعة. فعل كورفو ما أُمِر به في البداية، لكنه لم يتحمل فكرة أن تصاب الأم بأذى. لذا أصخ السمع جيداً، وزحف نحو النافذة، وراقب ما استطاع رؤيته بينما كان يتكشف في الأسفل. "كنت أتساءل متى قد يطرق الزوار الأبواب"، قالت الأم. كان صوتها مكتوماً لكنه مسموع وهو يرتد صاعداً عبر الدرج والبرج. "كان عليكم أن تطرقوا." "أي ملوك تكونين؟" قال أحد الرجال. "سيّدة هذا البرج الجديدة. ومن تكونون أنتم؟" "لا تجيبوا"، قال رجل آخر. "إنها ساحرة. يمكنها أن تنسج سحراً عليكما إن عرفت اسمكما." "حينئذ فقط؟" "نحن سادة هذا البرج"، قال صوت الرجل الأصلع. "كان لنا منذ زمن طويل، في فصول الصيف." "هذا غريب. أعتقد أن ساحراً عجوزاً عاش هنا، رجلاً عرفته. لا تزال تعاويذه سارية على الحرم والمكتبة. لم يأتِ ذكر الأربعة — الخمسة — منكم على لسانه، كما لم تُكْتَب أسماؤكم في أي مكان بين الأحجار. علاوة على ذلك، أي حاجة قد تكون لعصبة من السادة الجذابين أمثلكم في برج ساحر قديم ومغبر ومترب ومليء بالتيارات الهوائية؟" "فيه ماء عذب"، قال الأصلع. "مأوى. إنه مريح في اللالي الباردة، وهناك متسع لتخزين — غنائمنا." "غنائم؟ جُمِعَت بلا شك بطرق شريفة." "بالطبع. والآن. امسكوها ولنستقر هنا." ضدكت الأم. "امسكوها؟ أهذا ما تظنون أنه سيحدث؟" "لمَ تضحك؟" قال أحد الرجال. "تظن أن لديها قوى ساحرة علينا"، قال آخر. "لا تستطيع فعل شيء. لو استطاعت لفعلت ذلك مسبقاً. لقد قبضت على ساحرة في سورغراد العام الماضي — إنهن لسن بشيء." لكن الرجال لم يكونوا مقتنعين على ما يبدو. ظلوا صامتين، إلى أن قال الأصلع: "امسكوها الآن! انتزعوا تلك العصا اللعينة!" "إنه محق. امسكوني. خذوني من ذراعي، اربطوني، واسلبوني طهارة عذريتي"، قالت الأم. "ها هي ذا. سأجعل الأمر سهلاً. هيا. امسكوني." توقف آخر. لحظة. صرخ رجل. راح يعول ويولول كأنه للتو فقد ذراعه، كأنه أصيب إصابة مميتة. راقب كورفو مدخل البرج، ومنه ركض أحد الرجال الخمسة، إلى أن تعثر بجذر ووقع على وجهه. بذراعه اليسرى، تشبث بباقي ذراعه اليمنى. كانت ذراعه اليمنى مفقودة. رماد رمادي يتسرب كالماء من كمّه. شهق الرجال الآخرون وصاحوا رداً على ذلك، إذ أبرز عذاب رفيقهم مفاجأتهم. لكن صوت الأم اخترق الذعر بوضوح: "لقد ارتكبتم خطأ فظيعاً بإحضار قطاع طرقكم إلى هذا المكان"، قالت. "ليست لدي أي رغبة في قتلكم. لذا، إن طرحتم أسلحتكم جانباً، فسأكتفي بانتزاع ذكرياتكم من عقولكم وأترككم تذهبون في سبيلكم. إنها خدمة لا أقدمها بخفة، فهي جهد كبير. لكني لا أستطيع ترككم ترحلون وأنتم تعلمون بأمر هذا البرج، أو بوجودي." "وماذا عن ذراعه اللعينة؟" صاح الأصلع. "لقد ذهبت بلا رجعة، للأسف. اتخذوا من حاله عبرة." صرخ رجل آخر. رآه كورفو يخرج من البرج. ركض متجاوزاً الرجل الذي فقد ذراعه واقترب من شجرة كبرى أخرى، حين انثنت كرمة وانقضت فأمسكت به من عضله. "أفهمتموني خطأ؟" قالت الأم. "ستخضعون، أو تموتون. الفرار ليس خياراً. اتخذوا قراركم." "أيتها الساحرة!" كان هذا الأصلع مجدداً، "ستندمين على استخدام سحرك الأسود اللعين. أنا—" تردد صدى صوت يشبه الرعد في أرجاء البرج. اهتز الطوب. انكمش كورفو. تسلقت رائحة لحم محترق حتى أنفه. اندلع الذعر. انطلق الرجلان الباقيان داخل البرج جشاً في العراء. ظهرت الأم، وهي تمشي خلفهما، وأخفضت عصاها باتجاههما. تدفق هائل من نيران خضراء تصاعد من الحجر الدائر في قمتها. احترقا هما والرجل الذي فقد ذراعه وسط ألسنة اللهب. تردد صدى صرخاتهم في أرجاء الغابة. كانت النيران حامية لدرجة أن كورفو شعرا بها عند نافذة الطابق الثالث، كأنها الشمس تلسع وجنتيه. حين تلاشى اللون الأخضر، لم يبقَ من الرجال سوى خيالات سوداء منكمشة فوق العشب. لم يبقَ سوى رجل واحد، ذلك الذي أمسكت به الكروم في مكان أبعد. صاح وشد الأغصان محاولاً التحرر. بدت الأم كأنها تلقي تعويذة باتجاهه، لكنها كفت عن ذلك قبل أن تطلقها، ووقفت مترجعة عوضاً عن ذلك. ارتخت الكروم. أخرج الرجل نفسه بحركة سريعة. ثم استدار، وركض نحو الغابة. قطع قدماً واحدة قبل أن يصطدم بدوريان. استل الرجل هراوته ولوح بها بارتباك نحو المغامر العجوز. تلقى دوريان الضربة على الحد الكاذب لسيفه، ودار بنصله في قوس، ثم غرزه في قلب الرجل. أُنْزِل الجسد ببطء إلى الأرض. "شكراً للمساعدة"، قالت الأم، لكن صوتها لم يبدُ صادقاً تماماً. "كنت أنتظر منك أن تقومي بحركتك. واحد ضد خمسة فرصة سيئة لرجل فاني مثلي." "مع ذلك فهي ليست وقت للعب بالنسبة لي." تنهدت. "لم أكن أكذب. لم أكن أود قتل أحد اليوم." "لا تبدين منزعجة"، قال دوريان. "يقولون إن السيد الفارس إيرونياس دمر ذات مرة جيشاً مؤلفاً من خمسين ألفاً أثناء حرب أهلية قديمة للمملكة القديمة. أُزهقت كل الأرواح في لحظة. لعل ذلك، ربما، كان سينزعجني. خمسة ليست بالعدد الكافي تماماً." "...كم رجلاً قتلت؟" "لمَ؟ كم رجلاً قتلت أنت؟" "وحوش؟ بالكثير. لكن رجالاً؟ أربعة." نظر إلى الجسد عند قدميه. "خامس." نفضت الأم الغبار عن ساعدها. بدت كأنها تفكر للحظة. "أكثر من خمسة. مضافاً إليها أربعة. فضلاً عن قزمين وقزم. أما العدد الدقيق للرجال، فلا أستطيع الجزم به. ومع ذلك، إن احتجت إلى قتل مليون آخر لإبقاء ابني سالماً، فسأفعل." وعندها رفعت وجهها ولمحت كورفو عند النافذة. "ألم أخبرك أن تغطي عينيك؟" كان كورفو يتابع ما يجري برعب. ورغم أن العنف كان يزعجه، فإن رؤية قوة الأم لم تخفه قط. لم تكن لحظات كهذه شاذة تماماً في حياته كما كان مفترضاً، وقد راقبها وهي تفعل ما هو أسوأ بكثير. لقد علمته أن حياتهما تساوي كأفراد كل حياة أخرى في إيسينيا مجتمعة، وأنه ما من قضية أو شخص يستحق الثمن إن كان هو أو أمه المقابل. كانت تخبره بهذا مراراً وتكراراً. لذا كان خوفه ناتجاً في الغالب عن كونه قد كُشف أمره. زحف عائداً إلى المكتبة وجلس على الأرض. وفي الخارج، سمع الأم تتنهد. "تلك إحدى الطرق لتشجيعه على إنجاز أعماله المنزلية في موعدها"، قال دوريان. "لنقم بتنظيف هذه البقايا." مرّ وقت قصير قبل أن تأتي الأم لتأخذه. لم يعد يرى أياً من الأجساد بعد ذلك قط.