طغى على المكان شعور ضبابي يشبه الحلم. لم تكن التفاصيل مكتملة. تتضح المعالم تدريجياً، لكن كل ما يحيط بها يغرق في الضباب. جلست فيرين على كرسي فوق منصة مرتفعة. وقف إلى يمينها تولوند — أو بالأحرى، رجل برأس تولوند وبطوله المقارب. ارتدى قطعة قماش حول خصره، بينما بدا جسده العلوي عارياً تماماً. كان ذلك من أجلها هي بالذات على ما يبدو. راحت فيرين تلامس بكسل عضلات ذراعه اليمنى المثالية أكثر من اللازم، وابتسمت لنفسها. عرفت أنه ملكها، وتسلل هذا اليقين إلى عقلها. أدركت أنه حلم لأنها لم تكن تملك زمام الامور. كانت هي نفسها، لكنها ليست هي. راحت تراقب نفسها من الداخل، عاجزة عن التحكم بأفعالها، تشعر باحاسيس شخص آخر وتسمع أفكاره داخل جسدها.
قفز رجل في الغرفة أمامها، ومنحها موقعها على العرش القدرة على التنوير والنظر إليه من علٍ. ارتدى بدلات فاخرة، رغم أنها لم تدرك ما الذي جعلها فاخرة. وضع حقيبتين على الأرض، فأحدثتا صريراً يرن بصوت القطع النقدية.
سألت وهي تعقد حاجبيها: "أهذا كل ما تملكه من أجلي؟". وتوقفت عن ملاطفة ذراع تولوند الحلمي بينما مالت إلى الأمام. "كنت أرجو أن يرسل رؤساؤك المزيد".
تململ الرجل باضطراب. "هـ-هذا هو المبلغ الذي قيل لي إنك وافقتِ عليه. ألا تُهاجم أي بضائع منقولة لصالح مؤسستي".
نهضت فيرين، وخطت نازلة عن المنصة. وتجسد خنجر في يدها. "بالطبع، يمكننا الاتفاق على مبلغ محدد، لكن من الجميل دائماً أن يمنحك المرء شيئاً إضافياً، أليس كذلك؟ تُسدي إليَّ معروفاً أو معروفين، لأعلم أنك تحترمني ومن معي". ابتسمت له كاشفة عن أسنانها، بينما دارت حوله ببطء في دائرة. "أنا... لدي مبلغ محدد للرشاوى، مخصص لك، ولبقية القادة على هذا الطريق. لو منحتك مبلغاً إضافياً، لحُرم شخص آخر من نصيبه".
استدارت فيرين بسرعة محطمة المسافة بينها وبين الرجل، حتى كاد خنجرها يلامس عينيه. فانكمش إلى الوراء. "أنا متأكدة من أن واحدة على الأقل من تلك المجموعات أصغر من أن تتسلط عليها قليلاً، أليس كذلك؟ أنا على دراية تامة بالجيش الخاص الذي تبنيه مؤسستك. ربما يمكنك منح شخص ما مبلغاً أقل، وتطلب منه أن يكون ممتناً لمحاولتك تجنب الصزاع بدلاً من مجرد إزالتهم من الطرق التي تستخدمها. يمكنك التظاهر بامتلاك هذا النوع من الثقة على الأقل، أليس كذلك؟".
"حسناً... أظن أن هذا احتمال وارد... لم يُطلب مني فعل شيء من هذا القبيل، لكن ربما توجد مجموعة أو مجموعتان يمكن تخويفهما ومنحهما حصة أقل".
"رائع!". ابتسمت فيرين باتساع، والتفتت إلى الخلف بحركة دائرية، فاختفى الخنجر من يدها. توقف بجانب تولوند مفرط العضلات، وماتت مستندة إليه بينما مد يده ليحتضنها. ألقت ذراعاً فوق كتفه، ولوحت بيدها الأخرى للرجل ذي البدلة ليغادر. "اذهب وأحضر بقية ما تستحقه، وامضِ في طريقك. لقد مللت من النظر إلى وجهك".
سمعت وقع خطواته وهو يبتعد بينما كانت تحدق في وجه تولوند، وتتتبع بيدها خط فكه. ابتسم وهو ينظر إليها من علٍ. "أكان ذلك حكيماً؟".
"إن غضبت المجموعات الأصغر، يمكننا استيعابها. القوة في العدد. وإن اندلع القتال، تستنزف الشركة مواردها وتصبح في وضع أسوأ في مواجهة معنا، كما تكشف عن مدى تنظيم قواتها وتدريبها. إنه وضع ممتاز بالنسبة لنا".
"ما لم يعلموا أننا من دبر الأمر وينقلبوا علينا بدلاً من ذلك". قبضت يده على كتفها بينما مالت نحوه، واستند رأسها إلى صدره العاري. وشعرت بنبضات قلبها تتسارع، وسمعت نبضات قلبه تفعل الشيء نفسه.
"سيكون ذلك مؤسفاً، لكن من حسن الحظ أنه لا أحد يتمتع بسمعة الأمانة في مجال عملنا، والخارجون على القانون يكرهون الشركات أكثر من كرههم لبعضهم البعض. أعتقد أنني قادرة على الكذب شق طريق في مثل هذا الموقف. لكنك تتكلم أكثر من اللازم". مدت يدها إلى الأعلى، وجذبت رأسه نحوها، محصورةً تركيزها كله على شفتيه.
قال صوت جديد: "لدي أمر ممتع من أجلك، أيتها السيّدة".
تنهدت فيرين بخيبة أمل، واستدارت على قدميها، ولامست شفتي تولوند بإصبعها قبل أن تلتفت لتنظر إلى القادم الجديد. وقف رجل لم تعره أي اهتمام إلى جوار امرأة قصيرة ترتدي معطفاً فضفاضاً. "ما هذا؟".
"عثرنا على عربة، وذهبت أنا والفتيان لمهاجمتها، لكن هذه السيدة استسلمت لنا فوراً. يبدو وكأنها كانت تنتظرنا. قصتها أنها أدارت عملية نصب — أغوت غنياً في المدينة، وتوسلت إليه أن يبدأ حياة جديدة في مكان آخر، وحين باع كل شيء وكانا على الطريق معاً، طعنته وألقت بجثته".
"وبالطبع، هذا النوع من الخطط مثالي بالنسبة لنا، أليس كذلك؟". سارت فيرين بخطى مباشرة نحو الفتاة، وماتت بمدّ يدها ونزع المعطف عنها. كانت المرأة تحت المعطف فائقة الجمال. ومثل تولوند تماماً، ربما كانت مثالية أكثر من اللازم. عيون حادة، وفم صغير لطيف. صدر ممتلئ، كشفته ياقة فستانها المنخفضة. ابتسمت فيرين وهي تنظر إليها من علٍ، وحدقت الفتاة إلى الأعلى في عينيها. سألت ويدها تنزلق على شعر الفتاة الأسود: "ما رأيك بعمل هنا؟".
استيقظت فيرين، وشعرت بثقل يضغط على صدرها. هزت رأسها، وحاولت فرك عينيها، لتكتشف وجود المزيد من الثقل على ذراعها. أخذت نفساً عميقاً، وألفت نظرة حولها.
لم ينته الحلم. أخرجت نفسها ببطء من تشابك الأذرع والسيقان. كان تولوند الفائق الوسامة نائما إلى يسارها، وقد ألقى ذراعه عليها، بينما كانت الفتاة المجهولة متكوّرة إلى جانبها الأيمن، وذراع فيرين عالقة تحتها. وحين خرجت أخيرا من السرير، ابتسمت وهي تنظر إليهما. لم تكن تفاصيل الحلم حاضرة. ابتسمت لأنها تذكرتهم ثلاثتهم معا قبل أن يخلدوا إلى النوم، لكنها لم تتذكر أي تفصيل مما حدث فعلا. فيما يبدو، كان كل شيء على ما يرام. استدارت فيرين، وأزاحت ستارة، وعبرت المدخل إلى خارج الغرفة.
لم تتذكر كيف وصلت إلى الغرفة التالية. كانت حجرة داخل كهف، سقفها منخفض، وجدرانها مسنودة بدعامات خشبية. منجم قديم. تسارع تنفسها حين استدارت. كانت امرأة تجلس على كرسي وتخيط. شعر أصفر طويل، وعينان زرقاوان، وأنف صغير معوج. وعلى خدها الأيسر كدمة. أي واحدة كانت تلك؟ لم تتذكر فيرين. قالت: "لقد أصبت من جديد."
قالت: "لقد آذيت أحدا من جديد."
أدارت فيرين وجهها. وقالت: "أنا بارعة في إيذاء الناس، يا أمي."
قالت: "لم أرد لك قط أن تؤذي الناس، لكنك كنت تقاتلين الأطفال الآخرين كل يوم، بل وحتى بعض الكبار، كلما سنحت لك الفرصة. كنت تأتين إلي وتتباهين بذلك. كيف انتصرت. وكيف كنت قوية. وانظري إلى حالك الآن. قتل بعد قتل. كنت في الماضي مغطاة بالخدوش، أما الآن فأنت مغطاة بدماء الآخرين. لم أكن سعيدة حين أخبرتني كيف انتصرت في عراكاتك الطفولية، فهل يفترض بي أن أسعد الآن لأنك تقتلين الناس؟ هل ينبغي أن أخبرك كم أن درب الجثث الذي تتركينه خلفك رائع؟"
صرخت فيرين في وجه أمها: "ربما ما كان ينبغي لك أن تربيني بين جماعة من اللصوص والقتلة!" فاكتفت المرأة بالابتسام لها. كرهت فيرين تلك الابتسامة. كانت زائفة. كانت زائفة في الحياة الواقعية، حين كانت طفلة، وكانت زائفة في هذا الحلم أيضا. لم تكن أمها تعني شيئا حين تبتسم. كانت تبتسم لأنها استسلمت.
قالت: "وأنت لم تستسلمي؟ لقد عرضوا عليك سبيلا للخروج، لكنك عدت إلى الداخل مباشرة. أتعاقبين نفسك، أم أنك تحبين الأمر فحسب؟"
صرخت وهي تقبض يدها: "أنت فعلت هذا! أنت من وضعني في ذلك المكان! لقد سلمتني إلى أولئك الناس قبل أن أولد حتى! لماذا فعلت ذلك؟ كيف استطعت أن تفعلي ذلك؟"
تنهدت المرأة، ووضعت الإبرة التي كانت تمسك بها. ونظرت إلى فيرين مباشرة. قالت: "أنا ميتة. لا وجود لي إلا في رأسك. لا أستطيع أن أخبرك بشيء لا تعرفينه من قبل." ثم اختفت.
وقفت فيرين ساكنة لحظة، ثم هوت على ركبتيها، وراحت يداها تمتدان إلى الهواء أمامها. همست: "لقد تركتني من جديد. لم أرد لك قط أن تتركيني. أردت أن تفخري بي، لكنك لم تفعلي ذلك أبدا. ثم تركتني."
لم تبك. حتى في الحلم، لم تستطع أن تسمح لنفسها بالبكاء. ليس بعد الآن. ضربت الأرض أمامها بقبضتها، فغطى التراب حجرا. لم يؤلمها ذلك. الأحلام لا تؤلم، إلا حين تفعل. لم تستطع أن تشعر بالألم في يديها، لكنها شعرت بشيء خلفها. نظرت من فوق كتفها. كان شيء ما يقف وراءها، هيئة شاهقة بلا وجه. رفعت بصرها إلى الضباب المتجمع حول رأسه. كانت هناك ملامح، لكنها لم تستطع تمييزها. عينان، وشعر، وأنف، وفم. لم تكن فيها أي تفاصيل. باستثناء الأذنين. الأذنان البغيضتان. أذنا أبيها. مخلوق غير بشري.
صرخت فيه: "أكرهك! أكرهك! لقد تركتنا!" وكانت قد وقفت على قدميها. وللمرة الأولى في الحلم، انتبهت إلى ما ترتديه. كانت ترتدي درعها، وسيفها في يديها. واجهت أباها ولوحت بسيفها. كانت تكره كل شيء فيه، كل ما كانه. لم تكن تعرف عنه شيئا. لم تكن تعرف من يكون، ولا ماذا فعل. كان مصدر كل مشكلاتها. وكان مصدر وجودها. كرهت نفسها وكرهته.
استيقظت من جديد. كانت التفاصيل صحيحة هذه المرة. رائحة القش الجاف وحيوانات المزرعة. كانت قد دفعت مبلغا زهيدا لتنام في حظيرة. لم تكن هناك أجساد عارية تحيط بها حين رفعت نفسها إلى قدميها. كانت مرتدية ملابسها أصلا. كان درعها وسيفها الشيئين الوحيدين الممددين إلى جوارها. التقطتهما، ودفعت باب الحظيرة الجانبي مفتوحا، وخرجت إلى الليل. لم تنتقل إلى المنجم المهجور. لم تكن الشمس قد أشرقت بعد، وكانت السماء سوداء تتناثر فيها نجوم بيضاء. تنهدت فيرين. كانت تكره الأحلام.
ارتدت درعها وبدأت التدريب. سلسلة من الضربات، وجسدها يتحرك متبعا السيف. قوة وسيطرة. معدن يشق الهواء. شهقت نفسا، وضربت، ثم زفرت. دارت وانخفضت، تتهرب من هجمات غير مرئية وتصدها، وتضرب خصوما غير مرئيين. ركزت على ذلك وحده، ودَفعت الحلم خارج ذهنها.
وحين أشرقت الشمس، توقفت. كان كل شيء يؤلمها. منذ متى وهي تفعل هذا؟ وقفت في حقل تلهث، والعرق يغمر ثيابها. ما الغاية من كل هذا؟ كان يمكنها أن تهرب من كل شيء، لو أرادت. كان الحلم محقا. كلما سنحت لها فرصة للتوقف، تهربت منها.
وكان الجزء الآخر من الحلم محقا أيضا. مغريا. مستفزا. كانت قوية. أقوى من الناس الذين قتلتهم. فلماذا تحتاج إلى القتل ما دامت قادرة على إخضاعهم؟ كان يمكنها أن تبني جماعتها الخاصة، وأن تسرق ما تريده، وأن ترهب الناس حتى يخدموها. تأخذ ما تريده، ومن تريده. وتكسب أتباعا، وتجعل مدنا بأكملها تخدمها.
حتى ينتهي بها المطاف جاريةً عاريةً في الغابة، يلاحقها شخص غاضب من تلك التي صارت إليها. ربما تكون لينارا، تطاردها تماماً كما طاردت تلك المرأة قبل ليالٍ خلت. إن عثر أحدهم على الجثة في قاع ذلك البئر، فلن يدرك كم من الأشياء سرقت تلك المرأة، وكم من الأتباع جندت، وكم امتد نفوذها وتأثيرها. ستلقى فيرين المصير ذاته. أسقطت سيفها وهوت على ركبتيها.
إلى الأمام. يجب أن تستمر في التقدم. لن يوقفها حلم، مهما اقترح من خيارات. في العالم من المظالم ما يعجزها عن إصلاحه، ومن الأشرار ما يفوق طاقتها في القتل، لكن هذا لن يثنيها. كل خطوة مهمة. التقطت سيفها ودفعت نفسها للوقوف.
ملطخة بالعرق أو التراب أو الدماء، لن تتوقف. ستجد شخصاً آخر لتقتله. ثمة دائماً من يستغل الضعفاء والعاجزين. وثمة دائماً أناس يشبهون أمها لا يقاومون قط، مهما نالهم من أذى. من أجل هؤلاء، يجب أن تقاتل. أن تقتل.
ما من طريق يفضي شمال سيغراس. عوضاً عن ذلك، اتبعت فيرين الطريق غرباً حتى بلغت أراضي زراعية. سارت شمالاً بعدئذ، خارج الطريق، مخترقة الحقول، وجعلت الجبال نصب عينيها. حين وصلت إلى مزرعة بعد سفر أيام عدة، سألَت عما إذا كان بإمكانها النوم في الحظيرة.
بدا الخروج عن مسارها وطلب العون غريباً، وغير مألوف. لم تكن لتفعل ذلك من قبل. كما لم تشهد قط حلماً بمثل هذه الغرابة. جالسة على برميل قش في الحظيرة، فركت فيرين عينيها. ما زال جسدها يؤلمها، وكانت تشعر بالتعب رغم باكورة النهار، ولم تكن تود ارتداء درعها ومتابعة السير عبر الحقول من جديد. ربما تستطيع الجبال الانتظار يوماً آخر.
دلف صبي صغير إلى الحظيرة، دافعاً الباب الأمامي بصاخب. دخل ابن المالك متجاهلاً فيرين في زاويتها. انقسمت الحظيرة إلى شطرين؛ شطر جلست فيه فيرين، مُلئ ببراميل التبن وبعض القش المتناثر — وقد أخبرها المالك أن بإمكانها جمع هذا لتتخذه فراشاً — وشطر آخر قُسّم إلى حظائر شاغرة تحتلها عدة خنازير. راح الصبي يتنقل بين الحظائر، يسكب الحبوب في كل منها، متمتماً للخنازير في طريقه. في النهاية، استدار واتجه مباشرة نحو فيرين. "أمي تقول بإمكانك تناول الإفطار معنا، إن أردت." توقف على مسافة غير قصيرة، ومنحها ابتسامة مرتبكة. أومأت له بالمثل، فاستدار ليغادر.
الإفطار في منزل المزرعة، مع الأسرة المكونة من ثلاثة أفراد، تضمن طعاماً أكثر بكثير مما وجدته في أي من نزل الطرق التي نزلت بها فيرين. ملأت زوجة المالك الطاولة بأطباق البيض، واللحم المقدد، والخنزير، ولم يكن أي منها يثير اهتمام فيرين. أدركت أنه كان من الأذكى أن تسأل لينارا عما إذا كان جميع هاثارين يصابون بالمرض بعد تناول اللحوم، لكن الأوان قد فات على ذلك بكثير الآن. تقبلت الشوفان المطبوخ والبطاطس المقطعة، وأخذت تأكل في صمت بينما كان الثلاثة يتحدثون في أمور شتى. كان هناك خرق في أحد السياجات ينوي الرجل الذهاب لإصلاحه، وأُمِر الطفل بإحضار جميع الدجاجات إلى الداخل في وقت مبكر، وتحدثت المرأة عن اضطرارها لإصلاح إحدى اللوحات في الشرفة الخلفية، ثم ذكرت أن المهنئين على الطريق قد قلّوا مؤخراً، وعندها التفت الثلاثة جميعاً لينظروا إلى فيرين.
"لم أره أحداً في طريقي إلى هنا. أهذا أمر غير معتاد؟"
تبادل الرجل نظرة طويلة وصامتة مع زوجته، بينما شرع الصبي في الثرثرة. "الطريق عادةً يملأه التجار في مثل هذا الوقت. إن لم يكونوا هناك، فذلك لأن الحثالة طردوهم، أليس كذلك يا أبي؟" رمقه أبو الصبي بنظرة غاضبة. "قُل ذلك مرة أخرى، بالطريقة الصحيحة هذه المرة. سنرسلك إلى المدرسة في سيغراس عندما تبلغ سن الرشد، ولن يسمحوا لك بالتحدث بهذه الطريقة هناك."
"كل أصدقائي يتحدثون هكذا، ليست هناك مشكلة."
ازدادت النظرة حدة. "أعِد ما قلته لضيفتنا، بطريقة صحيحة، وسأمنحك هدية. إن لم تفعل، فسأجعلك تمشي الخنازير غداً. ولا تدعهم بالحثالة، فهذا وقح."
أشرق وجه الصبي عند ذكر الهدية، ثم تيبس حين أُخبر بأنه سيضطر لمشي الخنازير. مستداراً نحو فيرين، أخذ نفساً عميقاً. "الطريق عادةً يرتاده التجار. وإن لم يكونوا على الطريق، فال... اللصوص هم من طردوهم."
"غلام صالح. انهِ طعامك، واعتنِ بالدجاج، ثم عد لتأخذ هديتك."
لم يستغرق الطفل وقتاً طويلاً لإنهاء طعامه في طبقه، ووضعه جانباً، والركض إلى الخارج، ملقياً بخطوات صاخبة على اللوح المفكك خارج الباب الخلفي للمنزل. التفت والده إلى فيرين. "ظهرت جماعة من الأوباش قبل عام، زاعمين أن هذه المنطقة بأكملها هي منطقتهم. يمرون من هنا كل بضع أشهر مطالبين بالمال أو ما يكفيها من طعام، مقابل ما يسمونه 'حمايتهم'. أدفع لهم، تماماً مثل أي شخص آخر، لكننا نعلم جميعاً أنهم مجرد لصوص. لصوص مسلحون، وعددهم يكفي لدرجة أن جميع المزارعين هنا لو اجتمعوا لما استطعنا هزيمتهم. لا توجد سلطة في هذه المنطقة لذا علينا فقط قبول الأمر. معك سيوف ودروع، لكن لا تفتني أي مشاكل لأجلنا، حسناً؟ إن فعلتِ أي شيء لهم، فسيعتقدون أن بعضنا هو من دفعك لذلك، ونحن من سنعاني جراء ذلك. تابعي طريقك فحسب ولن يصاب أحد بأذى. يمكننا تحمل التنازل عن القليل، على الأقل في الوقت الراهن، حتى ينجلي هذا الأمر."
أطبقت فيرين على فكيها. بطريقة ما، كان يعلم ما أرادت فعله، ونهاها عنه. بدا وكأنه يعتقد أنها لن تكون قادرة على قتلهم جميعا. في السابق، كانت لتتجاهله وتمضي خلفهم على أي حال. أما الآن، فلا. اكتفت بالإيماء، وأخذت لقمة أخرى من الشوفان.
تبين أن الهدية كتاب صغير. وجدت الفتى جالسًا في زاويتها من الحظيرة، فهرول نحوها ممسكًا به بكلتا يديه، وابتسامة عريضة على وجهه. قال: "ذهب أبي ليصلاح السياج، وأمي مشغولة لذا طلبت مني أن أسالك إن كنت تريدين القراءة معي".
قالت: "لم أتعلم القراءة قط".
توقف، وتخلت عنه ابتسامته وهو ينظر إليها في حيرة. "لكن معك سيف وكل شيء".
"كان مهمًا لي أن أتعلم استخدام السيف. لم يكن مهمًا لي أن أتعلم القراءة، لذا لم يعلمني أحد".
قطب جبينه لعدة لحظات، ناظرًا إليها، ثم إلى الكتاب، ثم إليها ثانية. أخيرا، ابتسم من جديد. "يمكنني أن أقرأ لك. يقول أبي وأمي إنهما سيقرآن لي لكنهما يجعلانني أقرأ وأصحح لي عندما أخطئ. لذا يمكنني أن أقرأ لك فقط". تسرب حماسه إلى صوته، وبدأ يثرثر بسرعة من جديد. وجدت فيرين نفسها تبتسم له بالمثل. لم يعرض عليها أحد قط أن يققرأ لها من قبل، وكان مزاجه معديًا. أشارَت له أن يججلس بجانبها. تسلق برميل القش وفتح الكتاب. كان كبيرًا ونحيلًا ومليئًا بالصور. أشار إلى الكلمات في الصفحة الأولى، وبدأ يقرأ، متكلمًا ببطء وبصورة سليمة. الغراب والأرنب. يعيش الغراب والأرنب كلاهما قرب المزرعة. يستطيع الغراب الطيران، ويستطيع الأرنب القفز. الغراب والأرنب كائنان بريان. يصنع الغراب الأعشاب، ويحفر الأرنب الحفر. الغراب والأرنب مختلفان تمامًا. الغراب أسود، والأرنب بني. يخشى الغراب والأرنب كلاهما الصقر. يطير الغراب بعيدًا، ويختبئ الأرنب. سيعود الغراب والأرنب حين يذهب الصقر. الغراب والأرنب ليسان متطابقين. لن يصبح الغراب أرنبًا قط. لن يصبح الأرنب غرابًا قط. مع ذلك، يعيشان كلاهما قرب المزرعة ويخشى كلاهما الصقر. كان كل سطر وحيدًا في صفحة، مع رسم للحيوانات. أغلق الفتى الكتاب في النهاية، ثم قلبه، عائدًا إلى المقدمة.
سألت فيرين: "ماذا يعني هذا؟"
قال: "لا أدري. لا يحب أبي الأرانب كثيرا. يسرقون الطعام، لكنه يقول إنه لولاهم لجاع المخلوقات الأكبر التي تأكلهم. يقول إنه من الأفضل وجود أرانب حولنا تأكلها الثعالب بدلاً من محاولة الثعالب أكل الدجاج".
لم تبد القصة منطقية لفرين في البداية، ولم يساعد ذلك إطلاقًا. أكانت كل الكتب بلا معنى هكذا؟
"يجب أن أعود الآن. تقول أمي إنك ستغادرين غدًا. أحيح هذا؟"
"ربما الليلة".
"ستأتين إلى المنزل وتارينني قبل أن تذهبي؟"
"ربما".
"أعدي أنك ستفعلين".
توقفت فيرين مفكرة. "أعدك، سآتي إلى المنزل قبل أن أرحل". في طريقها إلى المنزل ذلك المساء، سمعت فيرين أصواتًا وتوقفت لتستمع. لم تكن قد سمعت أي صياح من قبل، ولم يكن الصوت الجديد يطابق العائلة. ببطء، تسللت أقرب، بصمت قدر الإمكان مع كل عتادها.
قال الصوت الجديد: "ليس لديكم سوى أنفسكم لتلوموها. إذا كان الناس يصطادوننا، فذلك لأنكم أنتم التافهون الحفارين استأجرتموهم ليفعلوا. لذا، سيتعين عليكم الدفع مقابل ذلك".
"أقول لكم، لا نعلم عما تتحدثون، وقد توقفتم هنا بالفعل قبل أسبوعين. أعطيناكم ما نَدين به". كان ذلك صوت الرجل، مهتزًا قليلاً. صعدت فيرين بعناية على الشرفة الخلفية، حذرة من تجنب اللوح المفكك.
"لا أبالي بما تقولون إنكم تعلمونه أو لا تعلمونه. ما أعلمه هو أن أحد أصدقائي عاد بدلاً من أربعة، ويقول إن الثلاثة الآخرين قُتلوا على يد بعض اصطياد الجوائز. الآن، من كان ليؤجر صائدي جوائز هنا، إن لم تكونوا أنتم الحفارين القذرين؟ لقد عقدنا صفقة جيدة، لكن الناس الآن يتعرضون للأذى. إن كنتم تطيقون دفع أموال لصائدي جوائز ليقتلوا أصدقائي، فبمقدوركم دفع حصة إضافية لتعويض خسائرنا".
"إذا دفعنا لكم ضعف المبلغ فسنواجه مشاكل حين تحل الثلوج".
"تعلمون، هذا منطقي. منطقي جدا. لديكم طفل نامٍ لتطعموه، وأنتما الاثنان كذلك، أليست كذلك؟ ربما تفكران في إنجاب فرخ آخر، وستحتاجان إلى إطعام ذلك أيضًا؟ أعلم أنكم أيها الحفارون تحبون إنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال. لذا، سأساعكم. سأزيل الطفل عن كاهلكم. إن كان قادرًا على الإمساك بمجرفة فهو قادر على الإمساك بسيف، كما أود القول. حينها يمكنكم الدفع لنا بشكل صحيح، بما أنه سيكون لديكم فم أقل لإطعامها. تسير الأمور جيدًا، أليس كذلك؟"
"لا! ارجوك لا تأخذ ابني! سنعطي كم الطعام والمال، اتركه وحسب."
سمعت فيرين صرخة خافتة من الداخل. وقفت بجانب الباب الخلفي، وجسدها كله متوتر. كانت تود أكثر من أي شيء أن ترتج إلى الداخل وتبدأ في تلويح سيفها، لكنها وافقت على ألا تفعل.
"لا؟ لست من يخبرني بما يجب أن أفعله. أنا آخذه، وأنت تدفع لي لكي أفعل. كما قلت قبل قليل، أنا أساعدكم".
سمعت فيرين الصبي يصرخ: "المساعدة!"
"ليس هنا من يساعدك، يا بني".
"المساعدة!" هذه المرة، كانت الأم.
"أخرس زوجتك".
قال الرجل بصوت عالٍ: "أتمنى أن يقتلك أحد. أتمنى أن يطرحك أحد أرضًا الليلة، إن كان العنف هو كل ما تعرفه". كان ذلك كل ما احتاجت إليه فيرين. مسحبة سيفها القصير من حزامها، دفعت الباب الخلفي مفتوحًا وخطت إلى داخل المنزل.
"أوه، ومن الذي سيقود ذلك؟ لست أنت بالتأكيد، أيها الحفار القذر الأبله". كان رجل طويل، أطول من فيرين، يمسك سكينًا في يد، ومعصم الصبي في الأخرى. كانت فيرين تنظر إليه من الجانب، وكان يلوح بالسكين أمامه، ربما نحو والدي الصبي، اللذين كانا خارج مجال رؤيتها. استدار الصبي، ناظرًا مباشرة إلى فيرين، بعينين واسعتين.
صرخ وبدأ يتخبط، ممسكًا بيد الرجل بيده: "النجدة! ساعدوني!"
دفع الرجل الصبي إلى الأرض بعنف. "أيها الصغير..." وما كادت الكلمات تفارق فمه حتى غرست فرين سيفها في صدره.
قال المزارع وهو يحتضن زوجته: "ثمة ثلاثة آخرون في الخارج." كانت المرأة تحدق في المشهد أمامها، ووجهها شاحب. أومأت فرين برأسها وفتحت الباب.
كان ثلاثة آخرون في الخارج، يقفون حول حصان مثقل بالأكياس. اندفعت فرين نحوهم من دون أن تكلف نفسها عناء الانتقال إلى سيفها الآخر. التفتوا إليها، لكن الأوان كان قد فات. غرست سيفها القصير في بطن الأول. أشهر الثاني فأسه، فسحبت فرين سيفها من على ظهرها وأمسكته بكلتا يديها. أما الثالث فاستدار وهرب، يجر الحصان خلفه.
تقدم صاحب الفأس ملوحا به في ضربة واسعة. تقدمت فرين بدورها، إلى مسافة لا يصيب فيها أي من سلاحيهما هدفه، ثم ضربت أنفه برأسها. ترنح إلى الخلف، فركلته سريعا في ساقه وأسقطته على مؤخرته. وبضربة واحدة من سيفها فصلت رأسه عن جسده، ثم ركضت خلف الأخير.
كانت فرين بارعة في الركض، ولم يكن لهذا الرجل أي أمل في أن يسبقها، لا سيما وهو يجر خلفه حصان حمل عجوزا سيئ العناية. لحقت به فرين وقبضت على كتفه، ثم أدارته وثبتته أرضا. واصل الحصان ركضه في الطريق، لكنها لم تكترث.
"أين معسكركم؟"
"ل-لن أخبرك! دعيني أذهب فحسب!"
أخرجت سكينها وغرزتها في أعلى ذراع الرجل. صرخ. تجاهلت فرين صرخته. "أين معسكركم؟"
"أنت مجنونة!"
لوت السكين. "أين؟"
"على مسيرة يومين في الطريق، ثمة درب يقود إلى منجم قديم! هناك! أرجوك، دعيني أذهب فحسب!"
سحبت فرين السكين من ذراعه وشقت حنجرته.