قال فارنون، المستشار متوسط السن ذو الشعر الداكن، وهو يلتمس الأناة: "إذا أعلنا الحرب، فسيبدو أننا نحن المعتدون. قد لا يعجب ذلك رعايا المليك، وقد يتأثر التجنيد سلباً، وستنظر إلينا الدول الأخرى نظرة دونية بغض النظر عن نتيجة الحرب. يجب أن ننتظر حتى تخطو سيلنغي الخطوة الأولى".
جلس المقابل للمستشار شيخ من اللوردات فضحك: "لقد خطت سيلنغي خطوتها يا فارنون. لقد أمضوا سنوات وهم يتقدمون رويداً، ويستولون على بلدات قرب الحدود. يمتطي فارس جواده، ليقول إن السكان يدفعون الضرائب الآن لسيلنغي، وإنهم صاروا مواطنين في الإمبراطورية. إنه لستحواذ بلا دماء، لكنهم ينتزعون المزيد والمزيد من أراضينا كل عام، وقد بنوا عدداً من الحصون داخل الحدود الرسمية. لقد انتظرنا طويلاً إعلان الحرب، وحتى حشد جيشنا هنا لم يردع أفعالهم. تكاد الحدود الفعلية تُرى بالعين المجردة من بحيرة إيلينت. إلى متى ستأمرنا بالانتظار؟"
تردد صوت نقر من أحد جانبي القاعة، حيث جلس رجل قصير وعتيد على كرسي مرتفع فوق رؤوس الرجال المحتشدين أمامه، ويعلو رأسه الأملس تاج من الذهب.
قال المليك: "لقد أوضحت وجهة نظرك يا لورد تارغين. أعتقد أن علينا أن ندع الخبير في هذا الشأن يتكلم. الجنرال سولادان؟"
تحولت العيون كلها في القاعة نحو تاراديرا، إذ كانت واقفة مقابل المليك ويداهما خلف ظهرها تنتظر بصمت، مرتدية درعها كاملاً وبجانبها سيفها الفأس. تقدمت خطوة وتنحنحت.
"جيش المليك ينتظر أوامركم".
"برأيك يا جنرال، أهو الوقت المناسب لإعلان الحرب؟ هل سننتصر؟"
تظاهرت تاراديرا برفع حاجبها.
"لقد أعددنا خطة هجوم تستغل الوضع الراهن. أعطِ الأمر وسأنجزه. يمكننا الزحف طوال الطريق حتى العاصمة الإمبراطورية إن شئت".
أرجع المليك رولاند إيتسغراس رأسه للخلف وضحك بخفة.
"ها هي الثقة التي نعرفها جميعاً. أيها اللوردات والمستشارون، يجب أن نتحرك. يجب أن ينتهي احتلال سيلنغي لأراضينا. ليس الزحف إلى العاصمة ضرورياً، لكن لا بد من تلقينهم درساً. لورد تارغين، كم خسِرنا أمام تكتيكاتهم؟"
مرر اللورد يده عبر شعره الأحمر وتحدث بثقة، كأنه كان ينتظر هذا السؤال.
"خمس بلدات صغرى، وبلدة كبرى، وما يقارب العشرين قرية أو يزيد. ويبلغ إجمالي عدد السكان الذين صاروا مواطنين إمبراطوريين رغماً عنهم أكثر من ثلاثة آلاف".
"حسناً يا جنرال، تقدمي للأمام حتى تحرري شعبنا فحسب، بل وستة آلاف مواطن إمبراطوري أيضاً. اذهبي إلى المدى الذي تحتاجينه لأجل ذلك، وأمسكي بالحدود. سنعلن الحرب أولاً، ونري سيلنغي غزواً يليق بها. ألديك اعتراضات على هذا يا فارنون؟"
أبقى الشاب الأصغر شفتيه مضغوطتين، ناظراً أولاً إلى الرجل عن يساره، ثم إلى أحد اللوردات عبر القاعة.
"لا يا صاحب الجلالة. إنه رد عادل ومنصف".
"إذن أعتقد أن هذا الاجتماع قد انتهى".
ظلت تاراديرا ساكنة، تنتظر بينما غادر اللوردات عن يسارها والمستشارون عن يمينها الغرفة. أشار إليها المليك الذي بقي جالساً أيضاً. فاقتربت راكعة أمام عرشه.
"تعالي معي يا تاراديرا. أود محادثتك على انفراد".
"بالتأكيد يا صاحب الجلالة".
نهض فقادها إلى غرفة انتظار، وجلس على كرسي مشيراً لها أن تجلس مقابله.
"ما هي الفرص الحقيقية لانتصارنا في هذه الحرب؟"
"جيدة جداً، وخاصة إن لم نكن ندفع بكل القوة نحو العاصمة. إنهم ليسوا مستعدين لضربة من جهة البحيرة، ويمكننا عزل جزء كبير من خطهم الأمامي. وبحسب حالة مؤنهم، قد تستسلم الحصون بسهولة متى فعلنا ذلك".
"هذه هي استراتيجيتك للتخريب؟"
"واحدة اقترحها قائد، نعم".
أطلق المليك زفرة عميقة.
"ليس لي إلا أن أمل ألا يكتشف اللوردات قط كم من مهامي تنجزينه نيابة عني. ستخيفينهم أكثر ممَّا تفعلين بالفعل".
"أنا مجرد خادمة من خدامك الكثيرين يا صاحب الجلالة".
"لقد عرفتِ والدي منذ أن كان طفلاً يا تاراديرا. يمكنك قول الحقيقة بشأن أيّنا يمتلك خبرة أطول".
هزت رأسها.
"لست امرأة العامة. يحترمني جيشك، لكن لو كنت أعطي الأوامر لعامة الناس خارج وقت الحرب، لحدثت أعمال شغب. ولتفككت المملكة برمتها. ولن يهم رفض اللوردات إن ثار الشعب نفسه".
لوح رولاند بيده.
"ربما أبالغ في تقديرك، أو ربما تقللين من تقدير نفسك. أنتِ بطلة لأجيال متعددة، وحارسة للمملكة والشعب. أو غريبة. قد تكونين أياً منهما".
ثم ضحك بخفة.
"شكراً لدعمك لي طوال هذا الوقت. ربما عندما يُحل الأزمة الحالية، أستطيع التخلي عن منصبي وأدع ابني يتولى العرش".
قال هذا الجزء الأخير بتردد. فالابن الذي قصده لم يكن ابنه، بل ابن أحد اللوردات، المتزوج من ابنة المليك الوحيدة. ظلت تاراديرا صامتة.
"حسناً يا جنرال. ضعي خططك موضع التنفيذ. سيُرسل الإعلان. أتمنى لك أظرف الحظوظ، مع أنني أفترض أن سيلنغي هي من ستكون بحاجة إليها".