الغراب والأرنب الفصل 51 — عزم

اقرأ الغراب والأرنب الفصل 51 — عزم باللغة العربية على مانجا تايم.

قال: "أظنّها تكرهني".

توقفت لينارا عن تحميل العربية بالمؤونة الجديدة لرحلة العودة ونظرت إلى ألدرام.

قالت: "من الجيد أنك تفكر".

قال: "هذا ليس مضحكاً، يا لينارا".

أدارت عينيها.

قالت: "من المرجح أنك فعلت شيئاً غبياً أو قلت شيئاً وجرحت مشاعرها، وتشعر بالسوء حيال ذلك لأنك راحل ولا تريد أن تكون المحادثة الأخيرة سيئة. لذا أنت تفرط في التفكير".

حدّق فيها بوعيد، لكنه أومأ.

قالت: "إذن أخبرني بما فعلت".

احمرّ وجهه على الفور، مطرقاً بصره.

قال: "كنا نتبادل القبلات وتجمدت".

قالت: "لماذا؟"

قال: "بدأت أفكر في... أشياء كثيرة. تخصها. شعرت بالخف".

كتمت لينارا ابتسامة.

قالت: "ما نوع الأشياء؟"

قال: "مستقبلنا. معاً. كيف لن ينجح. كيف سيتعين على أحدنا التخلي عما يفعله. شعرت بالسوء. بدت غاضبة، ولم نتحدث منذ ذلك الحين. سنرحل اليوم. لا أريـد أن ينتهي الأمر هكذا".

عقدت حاجبيها ناظرة إلى الفارس الشان، فاستقامت في وقفتها وأطالت قامة.

قالت: "أنت ممثل أولينتور، ومكلف بحراسة دبلوماسيين مهمين. كانت المهمة ناجحة للغاية. لدينا قائمة مؤونة يجب جمعها وإرسالها إلى هنا فور عودتنا. اكتسبت معرفة قيّمة حول أساليب تدريب حلفائنا الجدد. بل وتعلّمت كيف تقبل. تصرف كمحارب منتصر. هل يريد ريلرن أن يراك عابساً وتستمع إلى تشكيكك؟"

قلّد ألدرام وقفتها، فنهض والتقى عينيها.

قال بصوت هادئ وواضح: "كان بإمكاني فعل ما هو أفضل فيما يتعلق بكسب قلوب وعقول جيراننا".

قالت: "إذن اذهب وصحح خطأك. سأنهي العمل هنا، ثم أجمع بقية رفقائنا. إن لم تعود بحينها، فسأذهب لأبحث عنك وأجرك إلى هنا، بغض النظر عما قد تكون منغمساً فيه. لذا اجعل الأمر سريعاً".

قال: "حسناً، يا لينارا".

تفقدت المؤونة مرتين، متأكدة من امتلاك ما يكفي لرحلة العودة. ظهر فيندل، صاعداً إلى العربية بعد تبادل التحيات معها. تلاه مساعدوه بعد قليل، ومن ثم الجنود بعدها بفترة قصيرة. انتظروا جميعاً ألدرام. خرج أخيراً من القصر بخطوات سريعة، ووجهه محايد. صعد على صهوة جواده، فأومأ للينارا.

قال: "لنتحرك".

قالت: "أفترض أن الأمور سارت على ما يرام؟"

رد ألدرام: "شرحت لها الأمر. تحدثنا في الشؤون".

امتطى اثنان جواديهما جنباً إلى جنب أمام بقية الحاشية.

سألت: "كيف تشعر؟"

قال: "محبطاً. حزيناً. كلاكما يريد المزيد، لكن... بدا أنها تقبلت الأمر بالفعل".

أومأت لينارا.

قالت: "لكنك لم تفعل".

قال: "الشيء الوحيد الذي أردته هو أن أكون فارساً. عملت بأقصى ما بوسعي من أجله. أريد أن أكون معها بالقدر نفسه، لكن... لا يمكنني فعل شيء حيال ذلك".

ضحكت بخفة.

قالت: "أيام قليلة من التقبيل وتتعلق بها إلى هذا الحد؟"

قال: "لا تسخري مني".

قالت: "لا أفعل. كنتُ مثل تماماً. كان هناك شخص واحد أردت أن أكون معه، أكثر من أي شيء آخر. لم أستطع. لم أتقبل الأمر. هربت منه أولاً، ثم عدت وفرضت نفسي، غير مبالية بما سيحدث. ثم أدركت أنني كنت مخطئة. تعلمت تقبل الأمر. أنا أفهم تماماً كيف تشعر".

صمت ألدرام، محملقاً في الطريق أمامه. لم تقل لينارا شيئاً هي الأخرى، مسترجعة كيف شعرت من قبل، وكيف تشعر الآن. تساءلت عما إذا كانت قد تجاوزت مشاعرها حقاً، أو أنها تمر بمرحلة أخرى من دفعها جانباً، بطريقة جديدة، خادعة نفسها مجدداً.

قال: "الشاعات صحيحة إذن؟"

قالت: "بعضها".

نظر إليها بعينين واسعتين، ثم أعاد تركيزه إلى الأمام. قطبت حاجبيها، ثم ابتسمت، متولدة في ذهنها فكرة.

وقفَت لينارا وألدرام ووندل أمام مكتب سينرال. انحنى المَلِك إلى الخلف في مقعده وهو يرمقهم نظراته.

سأل: "أنجزتم مرادكم؟"

أجاب ووندل أولاً وهو ينحني: "نعم يا سيّدي. أمّنا تحالف سلكيش لكي تتصدى لحدودنا الغربية، شريطة أن نمدّها بالدعم المادي، والعون العسكري إن لاح خطر داهم."

قال سينرال: "وما بشأن إمدادنا بقوات إن وقع هجوم من الجنوب؟"

هزّ ووندل رأسه وهو يعتدل في وقفته: "للأسف، قواتهم بمعظمها ميليشيا يقودها نفر قليل من الجنود المدربين. أي عون يمكن أن يقدّموه في نزاع بعيد سيكون ضئيلاً في أحسن الأحوال، لذا ضحّيت بذلك البند."

ألوح سينرال بيده: "معقول. وما الذي سنقدمه لهم؟"

"أسلحة ودروع أساسية. لدينا فائض يمكننا تعويضه أسرع بكثير مما يمكنهم إنتاج عدتهم بأنفسهم في الوقت الراهن. بمعونتنا سيتمكنون من الشروع في تدريب ميليشيا حقيقية عما قريب."

"أثمة شيء آخر؟"

"خيول."

قطب سينرال جبينه وهو يميل إلى الأمام: "أيّها؟"

"خمسة وعشرون من الخط الثالث. عشرون منها للعمل، وخمسة فحولة. وخمسون من الخط الرابع."

استرخى سينرال وبدا قطيب جبينه مفكراً: "إذن سيتعين عليهم تقديم إناث الخيل بأنفسهم."

"نعم. العشرين لن تُستخدم للدوريات بل لحالات الطوارئ. والخمسون ستؤدي غرضاً أعم."

"إنه ثمن بخس ندفعه. حدثني عن قواتهم. ما مدى كفاءتهم؟"

صمت ووندل والتفت إلى ألدرام الذي انحنى بدوره. كان الثلاثة قد تشاوروا في كيفية سير الأمور.

قال ألدرام: "الرجال المدربون مقسمون إلى ثلاث مجموعات. حراس القصر، وحرس المدينة، ودوريات الخارج. كنت الأكثر إلماماً بحراس القصر، إذ راقبت تدريبهم اليومي، لكن أفراد المجموعتين الأخريين كانوا ينضمون إليهم غالباً. إنهم مخلصون ومنضبطون للغاية. وهناك عدد من المرتزقة والفرسان السابقين بينهم. أعدادهم قليلة، لا سيما إذا ما أخذنا حجم المدينة في الحسبان. قد لا يقدرون على حشد جيش في الميدان، لكنهم قادرون بكل سهولة على جعل احتلال المدينة أو اتخاذها قاعدة انطلاق أمراً عسيراً. ولهذا السبب هم بحاجة إلى تشكيل ميليشيا نظامية."

أومأ سينرال برأسه وهو ينقر بأصابعه على المكتب: "أسيقدم أهل المدينة على ذلك إن طالبهم فيلدن بذلك؟ حسب علمي بالمدينة أنهم عارضوا بشدة مثل هذه الأفعال في الماضي ونجوا بالتزام الحياد."

نطقت لينارا أخيراً: "لقد كسب قلوب الناس. إنه يحظى بشعبية تفوق بكثير الفصائل التي حاربها لينتصب في منصبه، ويؤمن الناس حقاً أن أحوالهم صارت أفضل بوجوده على رأس الأمور. ما من أحد يمكنه أن يحل محله، وهم لا يبتغون العودة إلى ما كانت عليه الأمور سابقاً. وإن إظهار نجاح المفاوضات معنا لن يؤدي إلا إلى ترسيخ مكانته أكثر."

عقب سينرال: "ومن ثم نمنحه ما اتفقنا عليه. حسن جداً، يبدو أننا سوّينا الأمور. أنتما معفيان. لينارا، ابقي هنا. لدينا مزيد لنتباحث فيه."

غادر ووندل وألدرام، وأشار سينرال بإصبعه نحو أحد المقاعد الأخرى. جرّت لينارا المقعد لتضعه أمام المكتب وجلست.

سأل المَلِك: "ما رأيك بألدرام؟"

أجابت: "إنه رجل صالح."

"مات والداه بسبب خطأ ارتكبه والدي. طلبت قرية على الحدود الجنوبية الشرقية العون، لكن القوات التي أرسلها وصلت متأخرة. أغار تجار الرقيق على القرية وأسروا الجميع واقتادوهم جنوباً. ولما لحق بهم جنودنا، أعدموا الكبار وأبقوا الصغار أحياء، أملًا في أن يمنحهم رعايتهم وقتاً للهرب."

علقت لينارا: "لا أحد يفلت من فرسان أولينتور."

كانت خيولهم أقوى أسلحتهم.

"اثنان وثلاثون طفلاً. حين أراد ألدرام الانضمام إلى الحرس الملكي، حرصت على أن أمنحه فرصة. لقد أخفق في الاختبار أول مرة، لكنه اجتازه في المرة الثانية. لقد استحق مكانته بجدارة. حتى إنه نال اهتمام ريلرين، كما أظنك علمت."

أومأت لينارا برأسها: "إنه بارع للغاية."

"إذن كيف كان أداؤه؟"

"يمتلك ثقة في غير محئها."

أطلق سينرال ضحكة خافتة: "كوني صادقة معي."

"إنه حالِم منعم يكتشف سريعاً أن العالم أرحب بكثير من مهارته في التلويح بسيف. إنه مؤهل أكثر من اللازم كمقاتل وغير ناضج كشاش."

ابتسم المَلِك: "أسهب في الحديث."

عادت لينارا إلى جدولها القديم، فقضت وقتاً طويلاً في تدريب نفسها والإشراف على تدريب الآخرين. تبارت مع ريلرين، وحتى إيدمون حضر لمباراة واحدة.

سألتْه: "أين كنت طوال الأشهر الماضية؟"

هزّ الرجل كتفيه وقال: "تعلم المَلِك كل ما استطعت تعليمه إياه، وسُمح لي بالتجوال، طالما أنني أعود إلى هنا مرتين في كل عام، لأعرف إن كنت مطلوباً."

"أتعجبك إقامتك في أولينتور؟"

أومأ برأسه وقال: "بلد جميل. الكثير من الخيول."

كتمت لينارا سخريته من ملاحظته. وقبل أن تتمكن من طرح المزيد من الأسئلة عليها، اقترب منها خادم.

وقال باضطراب وهو يتعثر في الكلمات: "السيدة لينارا، صاحبة السمو ينرا تطلب حضورك في غرفة اجتماعاتها."

"بالتأكيد."

ابتسمت له لينارا وهي تقف.

"اذهب وأخبرها أنني سأكون هناك بعد قليل."

جلست ينرا على مقعدها، فوق منصة مرتفعة قليلاً. ونتيجة لاختلاف طوليهما، ظلت لينارا تنظر إليها من أعلى، قليلاً. وبدل أن تشعر ينرا بالانزعاج من هذا، بدت منهكة فحسب.

وأوضحت قائلة: "عدت مؤخراً من ويلينت. لذا عليك أن تغفري لي قلة طاقتي."

"لا مشكلة. لقد مررت بالكثير."

"أختي... كانت تعني لي الكثير. أكثر مما ينبغي. أكثر من مكانتي، ومن واجبي. أكثر من زوجي. وربما أكثر من أطفالي."

ظلت لينارا صامتة، غير متأكدة إلى أين تتجه هذه المحادثة.

"زرتهم أولاً، عندما عدت. ظننت أن رؤيتهم ستشعرني بتحسن. أن أقضى بعض الوقت معهم. لقد افتقدوني. لكن ذلك لم يساعد."

نهضت ينرا، ونظرت إلى لينارا من الأعلى.

وتابعت: "عاملتك بشكل سيء. وعاملتني بشكل سيء، لفترة. لبعض الوقت. أدرك أن سيريس وصديقتك أحدثتا تغييراً في ذلك."

أجابت لينارا، وهي لا تزال غير واثقة: "لقد فعلتا."

نزلت ينرا عن المنصة، ثم ركعت أمام لينارا.

وقالت دون أن ترفع رأسها لتنظر إلى لينارا، مفوتة بذلك علامات الدهشة على وجهها: "علي أن أعتذر لك."

وأردفت: "لقد لمت صديقتك على ما حدث. وأسأت معاملتها. ولا يمكنني الاعتذار لها."

جثت لينارا على ركبتيها، ورفعت المرأة الأقصر إلى قدميها.

وسألت: "ما الذي حدث؟"

قالت ينرا: "لقد نفيتها. سيريس أحبتها، وبذلت قصارى جهدها، لكنني نفيتها. قلت أشياء مروعة. كنت مخطئة، لكنني لم أدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. لقد فعلت شيئاً ما كانت سيريس لتريده أبداً."

"نحن جميعاً نرتكب أخطاء. كان الموقف صعباً عليك."

حافظت لينارا على استواء ملامح وجهها.

"أتعرفين إلى أين ذهبت؟"

"إلى الجنوب. لا أعرف شيئاً سوى ذلك."

أطلقت لينارا نفساً.

"هي تعرف كيف تعتني بنفسها."

لم تكن متأكدة إن كان ذلك صحيحاً. إلى أي مدى سيؤثر ما حدث على فيرين؟ هل ستلقي بنفسها في مهلكة وتُقتل؟ لقد أصبحت الفتاة أقوى بكثير مقارنة بيوم لقتهما الأول، لكن الحالة العاطفية قد تؤدي بسهولة إلى أخطاء قاتلة. تحركت ينرا، ثم جلست على الدرجات المؤدية إلى مقعدها. فكرت لينارا لبرهة، ثم جلست بجانبها.

وقالت: "عليك أن تأخذي الأمور بروية."

هزت المَلكَة رأسها وقالت: "لم يكن الأمر هكذا من قبل. عندما توفيت أمي. لم أكن... لم يستمر الأمر طويلاً هكذا."

قالت لينارا: "الأمر ليس ذاته أبداً. عائلتي، حيث نشأت. كنا ستة. قُتل أحد إخوتي وإحدى أخواتي. كانت تلك هي المرة الأولى التي أفقد فيها أحداً."

لم ترد ينرا، بل بقيت ساكنة، تجلس بجانب لينارا. وظلت المرأتان صامتتين. لم تكن لينارا متأكدة مما كانت تفكر فيه ينرا، لكنها شعرت أنه من الأفضل البقاء معها حتى تئذن لها المَلكَة بالانصراف.

قالت في النهاية: "كنت خائفة منك. كنت بحاجة لأن أصبح مَلكَة. كانت ويلينت تتداعى ببطء. وكان بإمكان أولينتور مساعدتنا، لكننا احتجنا أن يحدث ذلك دون أن نبدو ضعفاء. ودون أن نكون مدينين لهم. لكي تنضم إلينا ويلينت. ولكي نحصل على ما نحتاجه دون إظهار الضعف. ودون التسول طلباً للمساعدة. وكان بإككاني أن أصبحت مَلكَة وأأمر بحدوث ذلك. لكنك كنت هناك."

انتظرت لينارا، ممسكة بزمام نفسها.

"لقد كان يحبك بوضوح. ولم استطيع تغيير ذلك، حتى مع وجود الاتفاقيات. لقد كذب أبي كثيراً، كل ذلك من أجل شعبنا، وكان علي أن أكسبه لجانبي بدلاً منك. أنا آسفة."

أطلقت لينارا ضحكة قصيرة.

"كنت في صفك."

استدارت ينرا لتنظر إليها.

وتابعت لينارا: "أبعدته عني. نحوك. لقد آلمني ذلك. مزقني من الداخل، لكنه كان الأفضل له. كنت أغير منك. لأنك استطعت أن تفعلي من أجله ما عجزت أنا عنه قط. عندما عدت، تجاهلت كل ذلك، وفعلت ما أريد، بغض النظر عما يعنيه ذلك لأي شخص آخر. ساعدتني أختك على رؤية أنني كنت مخطئة. قلتِ من قبل، إنك ترينني عقبة. لم أكن كذلك قط. كنت غيورة فحسب. عدت لأنني لم أتوقف قط عن الغيرة، حتى لو تظاهرت بغير ذلك."

قالت ينرا: "سيريس ساعدتك."

"جعلتني أستعيد صوابي، نعم. وجعلتني أدرك أنني كنت أسير عكس ما فعلته من قبل، عكس ما أؤمن به. ولم أتمكن قط من شكرها بالشكل اللائق."

مدّت ينرا يدها، فمفّت كفّها حول كفّ لينارا.

وقالت: "كانت أفضل مني."

لم تعرف لينارا كيف ترد على ذلك، فبقي صامتة.

فقالت ينرا في النهاية: "شكراً لك."

"أتمنى لو بوسعي فعل المزيد."

تركت ينرا يد لينارا، ونهضت.

وقالت قبل أن تخرج من الباب: "علي أن أجد زوجي."

حدقت لينارا فيها وهي تبتعد. كانت المَلكَة مليئة بالمفاجآت.

مرّ أسبوع، وفي وقت متأخر من الليل، أيقظ سينرا لينارا. كان يقف في حجرتها، فوق سريرها. عبر الممرات السرية التي لا يعرف سواها كيف يفتحها للتنقل، بالطبع.

سألت وهي تتلمس النعاس وتنظر إليه: "ألا تستطيع استخدام الباب فحسب؟"

قال: "انهضي وتعالي معي."

سألت وهي تنفذ ما أمره به على أي حال: "ما الذي يجري؟"

جذبت قميصاً وبعض السراويل الفضفاضة، والتقطت حذاءً خفيفاً بدلًا من خفّيها.

قال وهو يمشي نحو فجوة في الجدار بجانب رف كتب لم تكن موجودة من قبل: "أمر مهم."

تتبعته لينارا، وضغطت شفتيها ببعضهما. كان الممر صغيراً لدرجة جعلتهما ينحنيان معاً، يثنيان ركبتيهما ليعبرا زحفاً. لحسن الحظ لم يكن ضيقاً للغاية، إذ أجبرتها الجدارن وحدها على إبقاء ذراعيها إلى جانبيها دون أن تحتكا بمرفقيها. كادت لا ترى شيئاً في الظلام، متتبعة صوت خطوات سينرا وهو يتخذ عدة منعطفات.

قالت: "أرجوك أخبرني بما يجري."

أجاب وهو يفتح باباً إلى الداخل: "لقد وصلنا."

تسلل ضوء المصباح إلى الممر بينما خطا سينرا إلى داخل الغرفة. مضت لينارا خلفه، لتظهر في حجرة أثيارا. لم يكونا الثلاثة وحدها. كانت أثيارا مستلقية على سريرها، وجهها للأعلى، وعيناها مغمضتان. صدرها يعلو ويهبط. وبجانب السرير، جلست خادمة على كرسي، وهي تحمل... -وهي تحمل طفلاً. تقدم سينرا ببطء، ونهضت الخادمة مقدمة الطفل إليه. أخذه والتفت إلى لينارا. كان كتلة غريبة مجعدة الشكل، ملفوفة بقماش.

لكن جلد الطفل كان بنيّ اللون، مثل جلد لينارا. وحين فتح عينيه ورفع بصره إليها، رأت أنهما باللون الرمادي ذاته الذي لعينَي سينرا. كانت له أذنان طويلتان مدببتان وواضحتان لهاثارن. وقفت مكانها ذاهلة. كان هناك طنين في رأسها.

سأل سينرا: "أتريدين حمله؟"

"قلتِ إنك ستعتنين به."

عجزت لينارا عن التفكير، لكنها وجدت نفسها تمد يديها إلى الأمام، ووضع سينرا الطفل برفق بين ذراعيها. رفع بصره إليها، دون أن يصدر أي صوت البتة. ووجدت نفسها عاجزة عن الكلام مثلما يفعل، مطرقة ببصرها نحوه.

قال سينرا في النهاية: "إنه بحاجة إلى اسم."

أبعدت لينارا عينيها عن الطفل لتنظر أولاً إلى سينرا، ثم إلى السرير. كانت أثيارا لا تزال نائمة.

"أنا... لا أعدر. أرا... أرتا... آرثرياس؟"

نظرت إلى الطفل بين ذراعيها، ثم إلى سينرا. ابتسم لها. وشعرت بنبضات قلبها تتسارع.

"آرثرياس. هل يعني هذا شيئاً؟"

نظرت لينارا مجدداً، مراقبة الطفل وهو يراقبها. تثاءب، محركاً ذراعيه.

قالت لينارا: "شخص يمكنه الحلم."

"أنا... لا أريد له أن... أن يعيقه ما يعتقده قومي عنه."

تعثرت في كلماتها، وكان قلبها ينبض بسرعة أكبر.

"خ-خذه."

مدّت يديها به، فأخذ سينرا الطفل —آرثرياس— منها. تراجعت لينارا إلى الوراء، مستندة إلى الجدار. صار التنفس صعباً. وعانت لتفكر، متزاحمة في رأسها أفكار عديدة.

"أحتاج... أحتاج إلى العودة."

قال سينرا شيئاً، وكانت هناك يد على ذراعها. ووجدت نفسها تمشي عبر النفق مرة أخرى، متبعة... شخصاً ما. الخادمة؟ أكانت تعرف الطريق؟ احتكّت ذراعاها بالجدران، واصطدم رأسها بسقف الممر. عادت إلى غرفتها، متعثرة نحو سريرها. التقطت لينارا وسادة، وضغطتها على رأسها، وأطلقت صرخة. كان للطفل عيناه سينرا ولون جلد أثيارا. أذنا أثيارا. ليس لها. لم يكن لها. ولن يكون لها أبداً. لم تستطع أبداً إنجاب طفل من سينرا.

لقد تمنَت دائماً، دائماً أن يحدث ذلك، رغم معرفتها بمدى استحالة الأمر. ارتجفت، مشستشعرَة دموعها وهي تبلل الوسادة. صرخت مرة أخرى. أرادت أن تخلع جلدها، أن تنتزع قلبها من صدرها. كانت تكرّه من تكون، وما تكون. وأنها ملعونة بأن تعيش هكذا، أن تحمل طفل شخص آخر وترى نفسها فيه. أن تُجبر على الشعور بالغيرة. كان المفترض أن يكون آرثرياس طفلها. لما لا؟ لم تكن أثيارا تريده. كانت أكثر تبالداً من أن تطلق عليه حتى اسماً.

غداً ستعود لترسم صورها مرة أخرى. لم تكن تلك المرأة تريد شيئاً سوى تجاهل جسدها، الجسد الذي تمنَت لينارا لو ملكته. لقد استخدمت أثيارا سينرا ببساطة لتلبية حاجة مؤقتة. لم تكن تعبأ به، ولم تكن تعبأ بالطفل. لمَ حظيت به هي إذن؟ تقلبت لينارا جالسة، ضاغطة بالوسادة إلى جانبها. لم تكن أثيارا تستحق الطفل. لينارا هي من تستحقه. إنه لها. لقد قالتها بالفعل — يمكنها تربيته بشكل أفضل مما ربّاها قومها.

بذلت والدة لينارا قصارى جهدها، لكنها ظلت جزءاً من الهاثارن. كانت لينارا مختلفة. كانت تشبه آرثرياس. كان يشبهها أكثر مما يشبه أثيارا. وعلى أي حال، لهذا السبب تحديداً كان طفلها. طفلها من سينرا. ابنها. وليس ابن شخص آخر. قبضت على كفها بقوة. لقد رُبيّت لتُقاتل، كحال جميع الهاثارن. لم يكن طفلها لهاثارنياً. ولم يكن بحاجة لتعلم القتال. كان بإمكانه أن يعيش حياة أفضل منها. وحين يصبح قادراً على السفر، ستأخذه بعيداً، بعيداً جداً.

لم يكن أولينتور مكاناً مسالماً. كان هناك مرتزقة في الغرب، في الأراضي المستقلة. وإلى الشرق كانت جدار الجبال، وتلك الوحوش من ورائه. وإلى الجنوب كانت الحرب تلوح في الأفق. كان بإمكانها تجاوز كل ذلك. لتجد مكاناً تربي فيه ابنها بسلام. نهضت واقفة، ناظرة إلى رمحها المسند إلى الجدار. ستدافع عن طفلها. ليس فقط من الأذى، بل ومن الاضطرار للقتال. كان بإمكانها أن تأخذ كل ما تدربت لأجله وتستخدمه لحمايته من عيش تلك الحياة.

لن تفعل أي أم لهاثارنية ذلك أبداً. لكن لينارا قادرة، لأنها ليست لهاثارنية. بوسعها أن تكون أفضل. بوسعهما أن يكونا أفضل معاً.