قال: "إنها هناك مجدداً يا سيّدي".
قال: "ليست مشكلتنا. أخبر الملازم".
كانت مرتزقة ريلا تتوجه إليه أولاً دوماً. تقبل تولوند الأمر بوصفه حتمية، لكنه استمر يزعجه. على الأقل، صار تدعوه برتبتها الآن. توقف عما يصنعه، والتفت لينظر إلى قائدة المرتزقة.
سأل: "أهناك خطب ما؟".
أوضحت ريلا: "منذ أسبوع ذهبت إحدى نساء الحارين إلى ذلك المرتفع خارج المعسكر عند غروب الشمس. تبقى هناك لضع ساعات، وتعود متأخرة. يُفترض أن هناك حظر تجوال، لكن القواعد لا تسري عليهن. بدأ الجنود العاديون يتذمرون من هذا".
هز تولوند كتفيه.
"أخبرهم أن يراجعوا القائد".
"أنت مدلل من قِبَل رجالي يا فتى".
أولاها تولوند انتباهه كاملاً فوراً.
سأل: "ماذا تقترحين إذن يا ريلا؟".
لم تفته الابتسامة على وجهها في ضوء المشعل المتردد.
قالت: "الحارين جنود تحت إمرتك. جد طريقة تجعلهنّ يتبعن القواعد. رجالي يتبعون أوامري، وينبغي لرجالك أن يتبعوا أوامرك".
قال: "سأذهب لأكلمها".
كانت نينهال، كما وُصِف له، فوق تل عشبي على مسافة مشي مقبولة جنوب المعسكر، مستلقية على ظهرها. اعتدلت جالسة عندما اقترب تولوند، والتفتت لتنظر إليه.
قالت: "أرجو أن تغطي النور".
نظر إلى الفانوس الذي يحمله، ثم إليها مجدداً.
قال: "أخبريني لما أنت هنا، وقد أعل فعل ذلك".
أشارت الحارين إلى الأعلى.
"النجوم".
رفع بصره، ثم أعاده إليها، منتظراً مزيداً من التوضيح. حدقت فيه لبرهة.
"نشأت في الغابة. لم أكن أستطيع رؤيتها هكذا".
أومأ تولوند برأسه، مسدلاً الغطاء على الفانوس، ليتركهم بلا ضوء سوى ضوء القمر والنجوم.
قال: "لا يمكنك البقاء هنا متأخرة هكذا. يُفترض بالجنود أجمعين العودة إلى المعسكر قبل منتصف الليل".
سألت: "كم بقي حتى ذلك الوقت؟".
"ساعة ونصف، إن أردت العودة في الوقت المناسب".
استلقت مجدداً، محدقة إلى الأعلى.
قالت: "سأكون هناك".
وقف صامتاً تماماً لبرهات، يفكر. ثم مضى وجلس بجانبها، ناظراً إلى الأعلى.
قال: "وُلِدت في الشمال. النجوم هنا تبدو مختلفة. لم ألاحظ من قبل. توقفت عن تأملها حقاً".
"أنتم شعب غريب".
"وأنت كذلك".
"لم أعلم أن بمقدور هذا العدد من البشر الوجود حتى. يوجد أقل من خمسين في الغابة. والآن أقل من ذلك حتى. جاء معظم الدائرة السادسة معي".
"ما هي الدائرة السادسة؟ إن كان بإمكانك إخباري".
أدرك أن ثمة سرا يخفينه. كانت فيرين هكذا، في المرة الثانية التي تقابل فيها معها. أمر ما يخص شعبها لا يناقش مع البشر. فاجأته نينهال.
"مجموعة الأطفال السادسة. الأصغر سناً. لم يكن الشيوخ ليغادروا. يوجد أمان في وطننا".
"تاراديرا ترسلكم إلى الحرب".
"سنتعلم كيف نحارب. ثمة حرب أخرى يجب أن نربحها".
"تلك هي الحرب التي لا يستطيع البشر معرفتها".
علّق. لم تجب. جلسا في صمت، ناظرين إلى الأعلى نحو النجوم.
قالت ليلي: "سأتظاهر بأنك لم تعد من قضاء ساعات وحدك مع امرأة أخرى".
قال: "ذهبت بمفردها واضطررت لإيجادها وإعادتها. أجرينا نقاشاً حول سبب خروجها، وأوضحت لها أنه لا يمكنها قضاء ليال بأكملها خارج المعسكر. إنها إحدى تابعاتي".
بظلت جالسة متربعة على فراشها، متأففة.
"واحدة فارعة الطول جداً. ألسْتُ طويلة بما يكفي لك؟".
قال وهو يستلقي: "أنت تتحدثين أكثر مما ينبغي لي. خذي نصيبك من النوم يا ليلي".
في الصباح التالي، استدعاه القائد. كانت تنتظره، وحدها، في خيمة القيادة. استقرت طاولة ضخمة أمامها، وقد مُسِحت عليها خريطة للمنطقة الواقعة بين سيلنجي وإيتسجراس.
"آه يا تولوند، جيد. لدي أخبار مهمة. عرضت اقتراحك باستخدام تكتيكات غير معتادة على الملك".
تجمد، وصلب تماماً.
سأل: "كيف كانت ردة فعل جلالته؟".
لم ترفع رأسها، بل ظلت تدرس الخريطة.
"أجردك من رتبتك وأسرحك من الجيش. اخلع سترتك وضعها على الطاولة".
فعل، وشعر بجفاف في حلقه.
"بعد قدر يسير من التفكير، قررت أن بذل جهد لإعادة تعيين رجالك تحت إمرة ملازم آخر هو أمر مفرط. سيُعفى المرتزقة من عقدهم".
أومأ. كان رأسه يطش.
سأل: "والحارين؟".
"لم يكنّ جزءاً من الجيش بأي شكل قط. لا داعي لفعل أي شيء بشأنهن".
"أرى ذلك".
"بما أنك لم تعد جزءاً من جيش إيتسجراس، فعليك تسليم كل ما قدمناه لك، وللمرتزقة، والحارين. كل خيمة، وكل زي، وحتى حذائك. أي شيء يحدد هويتك كجزء من الجيش".
"حاضر أيها القائد".
"إذن أريد منكم جميعاً أن تغادروا".
بدا الأمر في ذهنه كأنها صفعته للتو. عاد إلى وعيه. فتح عينيه، ناظراً إلى الخريطة، حيث كانت تنظر.
"بالطبع أيها القائد. ألديك أي مقترحات بخصوص المكان الذي ينبغي أن نذهب إليه؟".
"كان اقتراحك مسيئاً للغاية للحساسيات العسكرية السليمة، وقد طُلِب مني صياغة أوراق تدمغك بصفة مجرم. يجدر بك مغادرة البلاد. يمكنك التوجه شمالاً، لكن التوجه غرباً سيكون سهلاً للغاية".
باتجاه سيلنجي.
"بالطبع. بما أن رجالي لم يعودوا تحت إمرتي، فأنا متأكد من أنهم سينتشرون في عدة مجموعات صغيرة".
قالت تاراديرا دون أن تنظر إليه بعد: "هذا لا يعنيني في شيء"، لكنه كاد يسمع ابتسامة في صوتها.
قال: "إن لم يكن هناك أمر آخر، فسأخبرهم بالأخبار السيئة إذن".
"حظاً سعيداً يا تولوند".
"شكراً لك أيها القائد".
في القطاع مئتين وستّة وثلاثين، جمع تولوند الجميع. مرتزقة ريلا كلّهم، ونفرٌ من الهاثارين، وليلي. تضامّوا جميعاً قدر الإمكان، جنباً إلى جنب ليصغوا إليه.
"هذا كله، سنعيده. سيُستردّ ما دفعتموه. وإن اعترضوا، فأخبروهم أن الأمر صدر بأوامر الجنرال".
عقدت ريلا ذراعيها، ناظرةً إليه بعبوس.
"لماذا نتحرك بلا خيام قط؟"
"لأننا لن نحتاجها. فقدنا أعمالنا جميعاً. لقد سرّحني تاراديرا وأعفاكم أنتم من عقودكم".
تفاوتت ردود فعل المرتزقة بين الصدمة والضحك أو مجرد الارتباك.
"أهذا أمرٌ جيّد يا تولوند؟"
ابتسم وقارل: "طبعاً. يعني هذا أننا لم نعد ملزمين باتباع قواعدهم. سنمضي غرباً نحو سيلنغي. سنجد مواضع عديدة لنقيم فيها معسكرات، ونتفرّق إلى ثلاث جماعات. سنشنّ غارات على خطوط إمداد قوات سيلنغي".
"ظننتك قلت إننا لم نفقد أعمالنا"، قال أحد المرتزقة.
انهرت عليه ريلا: "اخرس وأصغِ إليه".
"بصفتنا عصابة سيئة المزاج، رديئة التنظيم، لكنها مدججة بالسلاح ومدرّبة جيداً، سننهب شتى أنواع المؤن. قد يُضعف هذا مواقعهم الدفاعية قبيل هجوم تشنّه إيتسغراس، لكنها نتيجة جانبية غير مقصودة بالمرة. جلُّ ما نبتغيه هو ملء جيوبنا. وقد يرسلون بعض قواتهم في إثرنا، ولهذا سننشئ معسكرات متعددة لنستعملها. فالمجرمون العوام أمثالنا لا يودّون أن يُقبض عليهم".
أخذ المرتزقة يومئون ببطء أو يبتسمون. ولم يستطع تولوند إلا أن يفعل مثلهم.
سألت نينهال: "أسنخوض حرباً؟".
بدا أن الهاثارين لم يستوعبوا الأمر كما فعل البقية.
"سترون بأنفسكم. وفي هذه الأثناء، ابدؤوا بالاستعداد. ليذهب بعضكم إلى المدينة بحثاً عن لوازم سفر ذات تصاميم أجنبية، بضائع مستوردة، لتستبدلوا بها ما تحتاجون إليه من عتاد. وتذكّروا، لا خيام. سنكتفي بمعسكرات مؤقتة".
"أترسلني بعيداً؟"
"سأضعك في الجماعة الثالثة. مع فريدريك".
واصلت ليلي مشيها جيئة وذهاباً.
"لماذا؟ ألا يمكنني البقاء معك؟"
"أخبرتك مسبقاً. ريلا تتولى قيادة جماعة، وفريدريك يقود الثانية، وأنا أتولى الأخيرة. سيكون معي الهاثارين، ومن تبقي من المرتزقة. أريدك مع فريدريك لأني لا أعرفه بقدر معرفتي بريلا".
استدارت مجدداً لتسير في الاتجاه المعاكس.
"ماذا إن هربت؟ إن لم أؤدّ عقوبتي؟ ماذا ستفعل حينها؟"
"يا ليلي. أنا أؤتمنك على أمرٍ ما. كفي عن التمثيل".
أطلقت تنفداً عميقاً وتوقفت.
"قلت إنك لا تستطيع الوثوق بي. وها أنت تسلمني إلى يد شخص آخر. أردت منك أن تحميني. أنت تأخذني إلى أرض العدو ثم تمضي وحدك. أنا الوحيدة التي لا تبرع في القتال! كأنما تقتلني بيديك".
نهض من مكانه ورمقها بنظرة حادة من الأعلى.
"اثنان ممن لا يحسنون القتال قُتلا على يد جندي محترف. اثنان من أصدقائي. أتعرفين لماذا قتلهما جندي؟"
أدارت وجهها عنه.
"بسبب الشخص الذي كنت أساعده. لأني لم أوشِ به. لأني كنت جبانة. أنت تكرهني".
"أردتِ النجاة لا غير"، قال، فرفعته رأسها ناظرةً إليه بارتباك.
"قلت إنني لا أستطيع الوثوق بك من قبل، لكني أمنحك فرصة. لقد ساعدتني هنا. أنت جزء من هذا... الفريق".
اضطر للتفكير في وصف أفضل لهذا الخليط من الهاثارين والمرتزقة العاطلين عن العمل.
"أنا لا أكرهك، بغض النظر عن مدى إزعاجك. ابذلي قصارى جهدك هناك".
أومأت برأسها.
"سأفعل. شكراً لك".