الغراب والأرنب الفصل 48 — دروب الندم، الجزء 1

اقرأ الغراب والأرنب الفصل 48 — دروب الندم، الجزء 1 باللغة العربية على مانجا تايم.

سارت في الطريق غير عابئة بما حولها بالكاد. وتجاوز الأمر ذلك لعدم اكتراثها بنفسها مطلقاً. توجعت قدماها لكنها تجاهلت ذلك. صرخ معداها جوعاً لكنها تجاهلت ذلك. ارتعشت مع كل خطوة وجهلت متى نامت آخر مرة. لن يعيد الأكل أو النوم أو أخذ استراحة سريعة سريز إلى الحياة. لاحت وجه ينرا في ذاكرتها ونظرتها الحادة تتهمها وتحاكمها. جهلت مدة سيرها. أسبوعاً؟ أم أسبوعين؟ أطاحت بها صدمة ما وبقيت مطروحة في التراب لحظة قبل أن تدفع جسدها ببطء للأعلى.

احتجت إلى العودة نحو إتسغراس. تواجدت تاراديرا هناك لكن الأهم من ذلك تمثل في وجود فيلان هناك. أرادت رؤيته. أنقذته في يوم ما. عوملت بلطف من قبله حتى بعد رؤيته لها وهي تقتل بشراً وبعد مشاهدته لعجزها عن إنقاذ أميليا. إن استحال توجهها نحو ريليا فبإمكانها قصد فيلان على الأقل.

صرخ أحدهم في وجهها دافعاً إياها جانباً: "ابتعدي عن الطريق أيتا البلهاء!"

ركض أناس تجاوزوها بالاتجاه المعاكس. أسقطها أحدهم أرضاً في المرة الأولى ويدفعها آخر جانباً الآن لتكاد تقع مجدداً. تعثرت لكنها نجحت في حفظ توازنها رافعة رأسها لتتطلع عما يدور حولها. تصاعد الدخان نحو السماء أمامها. احترقت البلدة الماثلة في نهاية الطريق. ركض العشرات في المربعات نحوها. شعرت فيرين بدفق الدم يجري رغم إرهاقها. أمسكت بالشخص التالي ممن مروا بقربها كفاية.

سألت: "ما الذي يحدث؟"

بح صوتها وجف حلقها. كم يوماً مر منذ آخر نطق لها ومنذ آخر رشفة ماء؟

"مرتزقة. استأجرناهم لحمايتنا لكنهم شرعوا في إيذاء الناس. حاول العمدة أمرهم بالرحيل فأحرقوا نصف البلدة. قتلوه وعلقوه في ساحة البلدة. هربنا. وعليك الفرار مثلي."

تركت الشاب لتصب تركيزها على المشهد أمامها. تقدمت بخطى واثقة مسلة سيفها مع مسيرها. انشق الحشد القادم أمامها الآن مفسحاً لها الطريق. وما إن عبر نحو ثلاثة أضعافهم حتى خلا المكان من المزيد منهم. أبصرت فيرين المباني المحترقة. استعاد عقلها وعيه تماماً الآن. لم يعد التقدم نحو مجموعة مرتزقة مجهولة العدد خياراً صائباً. لكنها لم تكترث لأمر ذلك الآن. أرادت إيذاءهم أو إيذاء نفسها.

لم يشبه الأمر شعورها السابق. ربما اختبرت لينارا هذا الشعور ذاته حين تقاتلتا. اشتدت قبدتها حول سيفها. وبينما كانت تفكر في سبل الاقتراب وربما الاشتباك مع قلة منهم كل مرة بدأ رجال مدرعون بالركض نحوها شاهرين أسلحتهم. كانوا يصرخون. قطعت فيرين طريق أحدهم المندفع نحوها وكان هجومه منحرفاً بوضوح. ألوح آخر بفأس فتفادته فيرين وشقته عبر ساقيه لترديه طريح الأرض. ثم عبر البقية مثلما فعل القرويون متجاوزين إياها.

لم يهموا بالرجوع. استدارت ملقية بنفسها في ركضة تخصها لتتعقبهم. استمر الاثنان الأولان في محاولة الفرار لتصيرا هدفين سهلين. استدار الثالث مصداً هجومها الأول لكنه تعثر واقعاً على الأرض. طعنت فيرين الرجل في حلقه قبل الانتقال إلى الأخير. توففت هذه الأخيرة وهي امرأة جاثية على ركبتيها وملقية بسلاحها.

"هل أحرقتم القرية؟"

بالكاد عرفت صوتها.

"لم أكن أنا. لم أحرق شيئاً. لم ألمس أولئك النسوة. أنا فقـ..."

"هل منعت البقية من لمس النسوة؟ ومن إحراق القرية؟ ومن قتل العمدة؟"

ركعت فيرين قرب المرتزقة مطملة في عينيها.

"هل كنت تشاهدين وتضحكين بينما يؤذى الأبرياء؟"

كم مرة شهدت فيرين بشراً يفعلون ذلك تحديداً؟

"لم أضحك بل... بل لزمت الصمت فحسب."

قال صوت من خلف فيرين: "اقتليها وإلا فعلت."

التفتت لترى هاثارين يخطو في الطريق مرتدياً ثياباً بشرية وبيديه سيف. نهضت لتواجه رافعة سيفها. توقف مصوباً نظره نحو سلاحها.

سأل: "من أين لك بهذا السيف؟"

وعندما لم ترد فيرين صوب سلاحه نحوها.

"أجيبني."

جذب الزخرف الذي استخدمه عينيها نحو سيفه لتلاحظ أن واقي المقبض الخاص بسلاحه لم يكن تقليدياً. امتدت منه شوكتان متطابقتان مع اللتين أراهما ريلغمن لفيرين على سلاحها الخاص.

أجابت: "أعطاني إياه رجل وامق."

سمعت المرأة خلفها تبتعد متخبطة لكن عينيها بقيتا مسمرتين على الهاثارين أمامها.

"هذا سلاح فران ريش وهي طائفة أخبرت أنها ماتت."

"أخبرني أنه آخرهم."

"وكيف مات؟"

قالت فيرين: "قتلته."

هجم الهاثارين عليها متحركاً بسرعة فاقت توقعاتها بكثير. لم يبلغ حجم تاراديرا أو ساثار لكنه ظل طويلاً لدرجة تعلو فيرين بكثير ملوحاً بسيفه المماثل لسيفها تقريباً بيد واحدة فقط. صدت فيرين الهجوم الأول لكنه انتقل بانسيابية إلى ضربة أخرى وثانية دافعت بها للخروج. وحين أطاحة بسلاحه جانباً استدار مسدداً ركلة نحو صدرها. تراجع متعثرة ونجحت فيرين في تجنب السقوط.

"لم لا تقاتلين بالمثل؟"

"وعدته ألا أقتل أحداً لا يستحق ذلك."

"أهو الرجل الذي قتلته؟"

أومأت فيرين برأسها صادّة سلسلة أخرى من الهجمات ثم استدارت متفادية ركلة لتتلقى صفعة على وجهها. لسعت صفعه. كان يعبث معها.

"جعلني أعد بأن..."

تلااشى صوتها مخفضة سيفها.

"بالتوقف عن فعل ما يأمرني به الأشرار وقتل زعيمهم والفرار وعيش حياة أفضل."

توقف الهاثارين عاقداً حاجبيه نحوه.

"أفعلت؟"

"بذلت قصارى جهدي."

أمد سيفه إلى غمده ضاحكاً.

"يا ريش لو كنت هنا لترى هذا فما كنت لتأمرني بفعله؟"

حدقت فيرين في الهاثارين الغريب حائرة لكنها ألقت بسلاحها على ظهرها.

"تبدين مروعة."

"أشعر بالإعياء."

عقد حاجبيه نحوها ثم ابتسم.

"سأطعمك شيئاً."

لحقت به إلى مخيم، وأدركت فيرين أنها بلغت حد الإهاق، فصار كل خطوة أثقل من سابقاتها. أدركها الإجهاد البدني بعد أيام طويلة من الإهمال. وما إن بلغت المخيم حتى هوت إلى الوراء، وجلست بقوة.

"خذي، كلي هذا."

قالها وهو يدفع شيئاً إلى كفها. أكلته فيرين بسرعة، وعجزت بالكاد عن تذوق كنه ما أكلته قبل أن تبلع. أكلت ثانية، ثم ثالثة، قبل أن يتوتر جسدها وينقبض معدتها. مالت فيرين إلى جانبها وتقيأت، وألقت بقطع مما أطعمها إياه مع القليل سواه.

قالت وهي تمسح فمها: "لا لحم."

"إذن فواحد من تلك."

ووجدت أنه يناولها قطعة خبز جافة أكلتها بسرعة. كان طعم مرارتها قوياً، لكنها نجحت في حبسها. أعطاها ثانية، ثم ثالثة، وكان يكسر أجزاء من قالب يمسكه. وبعد الرابعة، ناولها ما بقي منه وتركتها تأكله وحدها.

"من الخطر أن تهملي نفسك هكذا. ستموتين قبل أن تدخلي السبات."

رفعت نظرها إليه وهي تطرف، بينما جثا بجانبها، وأومأت.

سأل: "إذن، ما قصتك أنت؟"

قررت فيرين التزام الصمت، إذ لم ترغب في الرد، لكنها تذكرت أمراً. سلت خنجرها من غمده، وقلبته وناولة إياه. تألقت عيناه حين أخذه، فأمعن النظر في جانبي النصل.

"لم أتسع لمعاينة الآخر من هذين حين رأيته عن قرب. هذا مثير للاهتمام. أهلاً بك يا فيرين. اسمي غراتين."

مدت فيرين يدها، وانتظرت حتى أهداه إليها قبل أن تومأت.

"شكراً لك على الطعام."

"ستحتاجين إلى المزيد. ابقي معي قليلاً. إن لم تردي الحديث عن نفسك فلا بأس. ولعلك لا تهتمين بقصتي أنتِ الأخرى. ما رأيك أن أحدثك عن ذلك السيف، وما يعنيه؟"

"كيف لك أن تعرف؟"

"كنت هناك حين تأسس فرسان ريش للمرة الأولى. لم يكن ريش مجرد صديقي المقرب. وأنتِ كل ما تبقى من إرثه، وأريد منك أن تدركي معنى ذلك."

أومأت فيرين، فناولها قَالباً آخر من الخبز.

قال: "كان ريش جندياً. قاتل في صفوف سيّده، مدافعاً عن أراضيه ضد هجوم الجيران. وحين أمره سيّده بالهجوم بدوره، نفّذ ريش الأمر. فعل ما طُلب منه، وانتصر في معركة تلو الأخرى. وطثّقت علاقته بالرجال الذين قاتلوا إلى جانبه، ووثق الجميع بعضهم ببعض".

"وفي إحدى المعارك، استولوا على قرية صغيرة. أجبر ريش وسبعة آخرون جنود العدو على التراجع. وصل قائد ريش بعد ذلك، فوجدهم يتحدثون إلى أهل القرية. وأخبر ريش بأن سيّدهم أمر جنوده بقتل المقيمين تحت حكم خصمه".

"رفض ريش، ووقف رجاله معه. أححض القائد فرقة أخرى، لكن ريش وارجاله أعلنوا أنهم سيدافعون عن أهل القرية. هاجمت الفرقة الأخرى على أي حال، فقتلها ريش، ثم قتل القائد. أدرك أنه ورجاله لا يمكنهم العودة أبداً، فأخبرهم أنهم عوضاً عن القتال في سبيل سيّدهم، سيقاتلون من أجل قضية أعظم. لحماية الضعفاء من الأقوياء الذين يستغلونهم. وللبحث عن الفساد والشر اللذين يؤديان إلى مثل هذه الأفعال وإزالتهما. وتعهّد بقتل سيّده، فقطع رجاله العهد نفسه. وهنا نشأ فرسان ريش للمرة الأولى، لكنهم لم يكونوا يدركون ذلك آنذاك".

سألت فيرين: "هل قتله ريش؟"

"كان النزاع صغيراً، إذ ضمّ جيش كل سيّد أقل من مئة رجل. استدار ريش وعاد مسرعاً باتجاه وطنه. قاتله بعض الجنود الآخرين، وانضم إليه آخرون حين سمعوا قصة ما حدث، واختار بعضهم الرحيل فحسب، إذ لمسوا مخاطر جمّة في القتال لأي من الطرفين. اقتحم مقر سيّده وقتل الرجل. وهناك كرّس رجاله أنفسهم له ولمبادئه، مؤلّفين فرسان ريش".

أومأت فيرين برأسها، شاربة من الكوب الخشبي الذي أعارها إياه غراتين. كان معسكره منصوباً بجوار بئر، وطلب منها أن تشرب الماء بينما تستمع إلى قصته.

"إذن هل ستخبرني كيف أصبح فارسة من فرسان ريش؟"

أطلق غراتين تنهيدة طويلة، وسقط وجهه.

"إن اندثرت الرتبة، فلا أرى سبباً لإحيائها. لقد أحببت ريشاً، وواصلت تدريب الفرسان مئات السنين بعد رحيله. ومثلما يرتاح الآن، يمكن لإرثه أن يفعل المثل. أُريدك أن تعرفي تاريخ السيف الذي تحملينه، لكن حسبك حمل وزن السيف، لا وزن التاريخ. عيشي حياتك الخاصة، لا حياة صاغها رجل مات منذ آلاف السنين".

وضعت فيرين كوبها جانباً، واستلت سيفها، مسندة النصل مسطحاً فوق كفيها.

وسألت مادتة إياه: "لا يُعقل أن يكون بهذا القدم، أليس كذلك؟"

انحنى غراتين إلى الأمام، متناولاً السلاح من يدها ليقحصه.

"قد يبلغ عمره مئة سنة، لكنه ما كان ليأتي من أوج ازدهار الرتبة، ناهيك عن زمن كان فيه ريش حياً. إنه سيف جيد، وصُنِع وفق الطراز الذي اعتمدته الرتبة. يمكنني صنع واحد أفضل لك — سلاح هاثارينيّ حقيقيّ، من فولاذ هاثارين. لكني احتجت إلى خام من الجبال، ولا نية لي هناك. أنا أبحث عن هاثارينية تُدعى تاراديرا".

أعاد السيف إلى فيرين، فأعادته بدورها إلى ظهرها وهي تومئ.

"أنا... يجب أن أذهب إليها".

لم تكن تدري كيف تفسر أمر غراتين. لقد كان هو الشخص الذي ذكرته لينارا، لكن ما وراء ذلك جهلت فيرين ما يبتغيه. لقد انقلب ردّ فعله تجاهها رأساً على عقب في البداية. لم يكن يريد منها شيئاً، وروى لها القصة لأسباب عجزت عن إدراكها. ماذا كان مفترضاً بها أن تفعل بالتاريخ القديم؟

"أظن... أظن أنني يجب أن أتحدث إليها مجدداً أيضاً. تاراديرا. هي وشخص آخر".

استدعى التفكير في تاراديرا ذكريات فيلان أيضاً. لقد واساها من قبل، وأرادت ذلك مجددآ. افتقدت ريليا، لكن يونثال كانت أبعد بكثير. ارتشفت الماء بجرعة عميقة، وعزمت أمرها. إلى إيتسغراس، لرعاية فيلان والتحدث إلى تاراديرا.

قال واقفاً وهو يلتقط سيفه: "نامي الليلة، وتابعي رحلتك في الصباح".

"خذي معك بعض الطعام عند المغادرة، لكن ائتكي كل شيء آخر هنا. لا أعلم متى سأعود".

"إلى أين أنت ذاهب؟"

"المرأة التي لم تقتليها. لقد فرّت خلال عراكنا، وكُنتِ أنت الأهم".

سألت فيرين: "أَتنوِي قتلها؟"

"أتظنين أنني يجب ألا أفعل؟"

أخذت فيرين نفساً عميقاً، ودافعت نفسها للوقوف، لتقلل من فارق النظرة الفوقية التي يرمقها بها.

"امنحيها فرصة. يرتكب البشر أخطاء، ويستحقون فرصة لتصحيحها".

"مثل الفرصة التي أُعطيتِها؟"

أومأت فيرين رداً على سؤاله.

"من الرجل الذي قتلته؟"

ترددت، لكنها أومأت مجدداً وهي تضغط على فكيها. لقد تسببت في مقتل الكثيرين ممن لم ترغب في موتهم، ممن لم يستحقوا ذلك، حتى بعد قطع وعدها. ربما تفعل المرأة التي استبقَتْها بحياتها أفضل منها.

"حسناً. سأعثر عليها، وأعرف ما تنوي فعله. لن أقتلها ما لم تبدِ أي رغبة في التغيير".

"شكراً لك".

حمل غراتان الكثير من المؤونة نسبة إلى مسافر وحيد. عثرت فيرين على كيس صغير يضم الخبز اليابس. التهمت رغيفاً وربطت الكيس إلى حزامها ثم رمقت الجنوب الشرقي. تختبئ الغابة هناك في مكان ما. ندمت لعدم عبورها خلال طريق عودتها، لكنها غادرت ويلينت متجهة غرباً، ولم يكد ترحالها العشوائي يقودها سوى جنوبه بقليل حسب تقديرها. تساءلت عن موقع إيتسغراس وهي تتأمل الجنوب. تثاقلت في خطواتها حتى الآن ولم تحافظ على سرعة سيرها المعتادة.

كم يوماً انقضى على تلك الحال؟ عجزت عن التذكر، فقد تداخلت الأفكار في رأسها. استأنفت المسير جنوباً على أي حال. أخبرتها البرية الخالية أنها ما زالت على الأرجح في الأراضي المستقلة، وهو أمر يحتمل شتى الاحتمالات. حاولت الركض، لكنها لم تبلغ مدى بعيداً قبل أن تشعر بالإجهاد في ساقيها. لعل العدو السريع طوال معركة بالأمس كان أقصى ما تستطيعه في الوقت الراهن. سجل جسدها إرهاق الليالي الطويلة بلا نوم حتى بعد الاستغراق في النوم.

رغماً عن ذلك، واصلت فيرين التقدم باذلة قصارى جهدها لتتحرك على عادتها، غير أنها وجدت نفسها تتوقف للاستراحة بعد بضع ساعات من السير. ملوكها حكاية غراتان، وجعلتها تفكر فيما يبتغيه الرجل الذي منحها السيف. زال الإلهاء حين جلست وشرعت تكسر قطعاً صغيرة من الخبز لتأكلها. ماتت سيريس. وماتت أميليا. ومات جال. تراءى ثلاثتهم أمام عينيها، ومعهم الطفل الذي قتلته في المنجم. الرجل على الطريق الذي أعطاها السيف.

أمها وهي تبتسم بطريقة عجزت عن إخفاء حزنها. وبؤسها. دفعت فيرين نفسها للوقوف وبدأت تركض. لم تقطع مسافة طويلة قبل أن تبدأ ساقاها بالخفقان مع كل خطوة، لكنها واصلت المضي. تألم جسدها بالكامل. صرخت وما زالت ترض. عالق ما قدمها فوقعت وارتطمت بالتراب. أخذت تبكي وهي تمدد على الأرض.

أصوات. كابحت فيرين رغبتها في فتح عينيها. استغرقها النوم في مرحلة ما، وبالوضعية نفسها التي هبطت بها. صوتان. السماء الداكنة من فوقها تطل بنجوم قليلة تتخلل غطاء الأوراق. لا تلمسه. أود شدّ تلك الأذنين. وماذا لو استيقظت وقتلتك؟ رجلان، على ما يبدو من نبرتيهما. لم يكونا فوقها مباشرة، بل قريباً منها. انقلبت على ظهرها وجلست. وقع خطوات تهرب. التفتت فيرين في ذلك الاتجاه لترى رجلاً متجمداً في مكانه يحدق بها، بينما يراقبها الآخر بفضول وهو يعدل الفانوس في يده ليلقي بصيصاً خفيفاً على المكان.

دفعت نفسها للوقوف وخطت خطوة نحو الاثنين. سقط أحدهم على الفور أرضاً. لا-لا تؤذيني! قال. طابقت نبرته صوت المتحدث الثاني. بدا أصغر سنّاً بوضوح من رفيقه. لم تكن فيرين تدرك مدة نومها، لكنها شعرت بالجوع مجدداً. انتفض الشاب عندما سحبت قطعة خبز من حقيبة غراتين. وما إن رأاها تأخذ قضمَة حتى استرخى. متوجهة إلى إيتسغراس. كم تبعد؟ حدق فيها بتعبير عجز ضوء النجوم عن كشف ما وراء عينيه.

لم أذهب قط إلى إيتسغراس. أتعرف أيّ طريق؟ الجنوب. أجاب الأكبر سناً وهو يساعد الآخر على النهوض. أومأت فيرين برأسها والتفتت لتنظر في الاتجاه الذي أشار إليه وأخذت قضمَة أخرى من الخبز. تمنت لو أن لديها فاكهة طازجة أو حتى مجففة، لكن الخبز سيُغنيها حتى تجد شيئاً آخر. الظلام دامس. وماذا في ذلك؟ سالت فيرين والتفتت نحو الرجلين. محظوظة لأننا وجدناك. كنا على وشك العودة إلى قريتنا.

تبدين بحاجة إلى قاست راحة. قطبت فيرين حاجبيها ونظرت إليهما ثم إلى الخبز الذي كانت تأكله. أومأت. من هنا. قال الأكبر متجهاً في وجهة أخرى. تقدم الشاب بسرعة قاطعاً مسافة بينه وبين فيرين لكنه ظل يلتفت ليحملق بها. تبعته فيرين على مسافة وهي حذرة منهما. أنا هالام، وهذا ابن أختي إلشام. فيرين. عرفت عن نفسها. سارا معاً في صمت لفترة قبل أن يتحدث هالام مجدداً. هل شهدت هذان السيفان استخداماً كبيراً؟

قطبت فيرين حاجبيها وأصدرت صوت موافقة. عادا إلى الصمت وأنهت فيرين خبزها. تقدم هالام أمامهما بينما كان الفانوس الباهت يتأرجح في يده ملقياً بظلال راقصة بين الأشجار. واصل إلشام التفاتاته للخلف فوق كتفه كل عشرات الخطوات ليلقي نظرات خاطفة نحو فيرين قبل أن يعاود النظر أمامه. القرية أمامنا مباشرة. قال هالام أخيراً. رأت فيرين ضوءاً في البعيد، ربما كانت مشاعل خارجية. وما إن خرجا من الغابة حتى عرجت نحوهما امرأة.

هالام! إلشام! ماذا كنتما تفعلان خارجاً في وقت متأخر هكذا؟ من هذه؟ وجدت هذه النائمة في الغابة. رد هالام بينما تقدم إلشام نحو المرأة ملقياً نظرة أخرى نحو فيرين. وفي الضوء الأوضح لمشاعل القرية رأت فيرين أنه أصغر سنّاً مما ظنت في البداية. تبدو خطيرة. ولديها أذنان غريبتان. بدت المرأة متفكرة لا حذرة. قطبت فيرين حاجبيها مجدداً. لست متأكداً من ذلك، لكنها لن تقيم طويلاً. متوجهة إلى إيتسغراس.

دعوها تنام في مكان ما لليلة. اذهب وأحتضر لها السرير القماشي. سأذهب لأنام مادُمتما قد عُدْتُما. بقيت ساهرة لوقت متأخر قلقاً عليهما. قالت ذلك ثم عرجت مبتعدة وتبعه إلشام ملقياً نظرات متقطعة نحو فيرين. تلك يارو. أختي. تعالي لنجهز لك مكاناً لتتمكني من العودة إلى النوم. أومأت فيرين وتبعتهما في الاتجاه نفسه. فضلت الاستمرار في طريقها لكنها ما زالت تشعر بالتعب ولن ترفض العرض.

ربما تستطيع شراء المزيد من الطعام منهما في الصباح. عاش الثلاثة في كوخ خشبي صغير من غرفتين. كانت غرفة النوم ضيقة بالفعل بثلاثة أسرة فيها، لذا ساعدت فيرين هالام في دفع الطاولة في الغرفة الأخرى إلى الجانب ليتمكنا من وضع السرير القماشي. تبين أنه قطعتان سميكتان وخشنتا الملمس غالباً مربوطتان معاً، وبطول يكفي بالكاد ليتمدد عليه شخص عادي. وجدت فيرين قدميها تتدليان من الطرف لكنها لم تمانع.

خلعت درعها ووضعت سيفيها بجانب السرير مباشرة وفي متناول يدها بسهولة. ورغم إيقاظها قبل وقت قصير في الغابة، وجدت نفسها تنزلق نحو النوم بعد فترة قصيرة من استلقائها.