كان البارون توبياس تشينتسوورث، سيد نوردغارد، وحامي الأراضي الشمالية، وجامع الحشرات المخضرم، يقضي صباحاً سيئاً. في خيانة صادمة، تسلل العثّ إلى خزانة ملابسه، وأصبح رداؤه الثاني الأفضل مليء بالثقوب. وكانت خياطته قد استعملت الرداءين الثالث والرابع لرقع ردائه الأفضل منذ زمن بعيد. وقد تخلى ذلك الرداء الآن عن أيّ مظهر لكونه ملابس بالية، وتحول إلى كومة من الخيوط والخرق.
تجول في شقته بلا هدف مرتدياً بيجامته ورداءً ممزقاً جزئياً. هجر الأمل كل ركن فيه. لقد اختفت مجموعته، واعترف لنفسه أخيراً بأنّ أغلبها لم يكن موجوداً من الأساس. ولو كانت حقيقية لما عرض الجامع الذي سلب مجموعته إعادتها قط. ولم يعد أيّ من الفرق التي أرسلها لجمع العينة الرائعة من أراضي البارون ويليام. وعلى الرغم من كل وعودهم، أخفق ألكيماركس أيضاً. لقد أمل في ذلك في الواقع.
أراد منهم تطهير الأرض وبناء المزارع، ثم الإخفاق في نهاية صفقتهم ليتمكن من استعادة أراضيه ونقل الفلاحين إلى مزارع أفضل لزيادة أرباحه. ويمكن حينئذ تحويل الأراضي الزراعية القديمة إلى مراعٍ. أمّا الآن فهو بلا متعة جمع، وبلا العينة التي كانت ستكون جوهرة التاج، وقد استولى الغرباء على بعض أراضيه. عمل عقده ببطء على معالجة هذه الأمور بينما كان يجلس يوماً بعد يوم في غرفته، مكتئباً لدرجة تعجزه حتى عن الأكل.
تحرك شيء ما في أعماق قلبه. ليس كثيراً، مجرد عقدة صغيرة من الغضب والحسد والحقد. لكن ذلك كان كافياً لتحريكه. كان على وشك فعل شيء وعد جده بألا يفعله أبداً. جعله ذلك يبتسم. لقد ظل فضولياً طوال حياته. أراه الرجل العجوز صندوقاً مصنوعاً من اليشم، منقوشاً بتعويذات تحوي لعنات وتهديدات فظيعة.
"إرث بيوتنا، لكنه شيء رهيب كاد يدمرنا من قبل، وسيدمرنا بالتأكيد إن فُتح يوماً."
"إذن لماذا نحتفظ به؟"
حكت أصداعه وهو في الثانية عشرة من عمره لفتح الصندوق.
"لأنّ أحداً من سلالتنا سيشعر يوماً بالغضب أو الاكتئاب أو الخيانة لدرجة تجعله يستعمله. لا أملك داعياً للقلق بشأن ذلك بالطبع، ولن أنزع عن شخص آخر فرصة إحراق العالم. سيوضع في الخزينة الرئيسية مع باقي أشيائنا الثمينة. أريك إياه وحدك لأنك ستصبح باروناً يوماً ما، وهذا أمر أهم من أن يُنسى، وأخطأ من أن يُترك في متناول من يستطيع سرقته."
وذهب إلى الخزينة، وبقي هناك. مات جدُّه، وأصبح أبوه باروناً. أنهى توبياس دراسته وقام برحلتين طويلتين إلى أدغال الجنوب لتوسيع مجموعة العائلة. انزعج حين اضطر إلى إلغاء رحلة ثالثة إثر وفاة أبيه. أصبح عالقاً الآن في نوردغارد، وسيتعين عليه الدفع للآخرين ليقوموا بالاستكشاف بدلاً عنه. وجد واجبات البارون مملة. كان يقبض الضرائب، ويدفع بعض الفواتير، ويقذف ببعض الفائض في الخزينة، وينفق الباقي على مجموعته.
وترك الباقي لقائد الفيلق أو لمدير منزله. وبعد اتخاذ القرار، شعر بيني بيني بتحسن. أيّة فائدة ترجى من خزينة مليئة بالثمينة إن لم يملك المرء مجموعة من الحشرات الجميلة المثبتة على جدرانه؟ توجه نحو سلسلة من الحبال المعلقة. كانت مصنوعة من الحرير حين كان صبياً، لكنها تهرأت وتمزقت واحداً تلو الآخر. استبدل بها حبالاً عادية. بدت الأجراس غريبة وهو يجذب الخيوط، وأخفق أحدها في إصدار أيّ صوت على الإطلاق.
انتظر زيارات من مدير منزله، وقائد حرسه، وكبيرة مدبرات بيته، وكبير الصيادين، وكبير السائسين. مضى نصف ساعة من دون أن يحدث شيء. جذب كل الحبال مرة أخرى مرات عدة. ولم يُستعمل سوى خيط مدير منزله لأكثر من عقد من الزمان. ومن الثقوب الصغيرة في السقف التي كانت الحبال مخترقة عبرها تساقط الغبار والريش وفضلات الطيور. وما زال الجرس الصامت يصدر صوتاً أجش بدلاً من الرنين. فكر باختصار في إحضار حارس ليقتل الطيور وينظف المكان، لكنه لم يهتم في الواقع.
وأخيراً، انفتح الباب ودخل شابّ.
"عذراً يا سيدي. قال الحارس إنك طلبتني؟"
لم يعرف بيني بيني هذا الوجه. بحق الجحيم من أنت؟ كان الزائر يطول عن ستة أقدام ومعضل البنية لكنه افتقر إلى خاقة المقاتل. أشارت ملابسه المنسوجة من الصوف الخام ومشط الخيول المعلق بحزامه إلى موقعه في القلعة. توتر الفتى.
"أنا هوس يا سيد. أسوس الحصان والحمار وآخذهما في جولات لإبقائهما نشطين."
"سائس؟ أين كبير السائسين؟"
ولماذا أرسل حرسه هذا الفتى؟ كان أصغر سناً بوضوح بمجرد أن بدأ بالحديث. مجرد ضخم بالنسبة لعمره.
"أه، لقد رحل. ذاك أبي."
"رحل؟ تعازي لعائلتك. أعينك كبير السائسين الجديد."
أومأ الفتى برأسه وابتسم. نظرياً، تضاعفت أُجرته للتو.
"لا حاجة للتعازي يا سيدي. هرب اللعين وتركني أعتني بأمي وأختي."
رأى بيني بيني وميض الغضب والأذى. جدي. ينبغي أن يكون غاضباً. ما زال غاضباً من أبيه لأنه مات مبكراً وأوقعه في مهمة إدارة بارونية.
"اذهب وأحضر لي الطباخ، وقائد الحرس، ومدبرة البيت، وكبير الصيادين، ومدير المنزل."
تنهد الفتى. كان يعلم أن البارون يكره الأخبار السيئة. كان على وشك التعرض للطرد.
"طباخة السوء هي من هرب معها أبي. لقد استقال كل حراسك باستثناء برونو وفات أو ذهبوا للعمل مع الفيلق. أعتقد أن برونو أذكى الاثنين، لكن فات أشرس. أمّا مدير المنزل فقد سقط مغشياً عليه من السكر. لقد وجد بعض النبيذ مخبأ في القبو. ولا أعتقد أنه كان لدينا كبير صيادين منذ عشر سنوات يا سيدي."
استدار الفتى ليغادر عندما رأى الغضب على وجه بارونه.
"هل تستطيع أمك الطبخ يا فتى؟"
التفت هوس عائداً.
"تستطيع طبخ الجريش، ولحم الضأن، والحساء، والبيض. تحرق الخبز، والمرق لغز بالنسبة لها. إنه طعام فلاحين يا سيدي."
اعتبرها بيني بيني مثالية.
"أخبرها أنها الطباخة الرئيسة الآن. أختك مسؤولتان عن تدبير البيت. انقلا عائلتك إلى هنا وأخبرها أنني أرييد لحم ضأن مسلوقاً للعشاء وجريشاً للفطور. وإذا كان مدير المنزل سكراناً ففتش غرفته واعثر على ما يخفيه من الأشياء الثمينة التي يسرقها مني. احتفظ بسدسها لأجرتك واستعمل الباقي للطعام. لا تقلق بشأن أيّ شيء آخر. أستطيع إيجاد السلالم بنفسي."
فكر هوس فيما قيل له ليتأكد من فهمه ثم شرع في العمل. بدأ بمدير المنزل. لم يكن الرجل سيئاً معه، لكنه لم يكن جيداً أيضاً، ولم يعجبه كيف كان ينظر إلى أختيه. كانت هناك شاعات سيئة حول فريدريك مدير المنزل واتهامات غير مثبتة من سنوات سابقة. قُدمت شكاوى، لكن البارون لم يهتم، ولم يسفر عن ذلك شيء سوى الاستياء والهجرة البطيئة لموظفي البيت. حرص هوس على أخذ حامل شموع معدني ثقيل معه.
تصاعد الشخير من غرفة مدير المنزل. دخل هوس ببطء وفتح الباب على مصراعيه ليدخل مزيد من الهواء. كان العجوز سكراناً طافحاً وقد تقيأ مرة على الأقل. وملأت غرفة زجاجات نبيذ كثيرة وكوام من أطباق القصدير والأقداح المتسخة. حل ذلك لغز المكان الذي كانت تختفي فيه أواني طعام القلعة. لقد كانت الطباخة تتذمر من ذلك بلا توقف. كان تفتيش الغرفة شبه مستحيل. لقد فاضت بالقمامة. لفّ فريدي في البطانيات القذرة وجره إلى الرواق.
فُرشت بطانيتان أخريان، ووضعت الأطباق المتسخة على إحداهما والقمامة على الأخرى. نظّف غرفة النوم ببطء وانتقل إلى غرفة الدراسة الصغيرة والخزائن. وجد حقيبة قماشية تحوي تشكيلة غريبة من الأشياء على المكتب. أربع قطع فضية، ودبوساً صغيرًا، وشريط شعر. وعُثر على حقيبة أخرى في درج. حوت هذه خاتم فضة رخيصاً، وزوجاً من الجوارب الدقيقة، وقطعة من خيط أحمر. امتلأت الخزائن بالملابس. وليست ملابس مدير المنزل وحدها.
بكل المقاسات والألوان. كوام من الأشياء المحشوة في الخلف بلا ترتيب. وبعد تحريك كرسيين ثقيلين، لف البساط الكبير ونظر تحته. كانت الحجارة قد رُفعت، وصُنِع صندوق خشبي ليتناسب مع الأرضية. وبحماسة ومن دون معرفة بالتعاويذ والفخاخ، جذبه هوس مفتوحاً. لحسن الحظ لم تكن هناك فخاخ عليه. وداخل وجد حقائب أخرى، وكومة من العملات الذهبية والفضية والنحاسية، وتاجاً مرصعاً بالجواهر يليق ببارونة، وسيف دولة، وخمس دمى.
كانت الدمى قديمة وبالية، متوارثة عبر العائلات، وهي الأشياء التي تُمنح للأطفال الصغار. وحوت الحقائب أشرطة وخصلات شعر ولعاباً خشبية صغيرة. استقام هوس وترك الغرفة، محتاجاً إلى الهواء. وهو يهز نفسه، نظر إلى الرجل الذي ما زال نائماً. رتب السرير، وأعاد الرجل إليه، ثم وضع يده على أنف فريدريك وفمه. استيقظ العجوز، مصارعاً من أجل الهواء لكنه لم يستطع إزاحة ذراع السائس الكثيفة.
لم يكن هوس يعرف المدة التي يستغرقها قتل رجل، لذا لم يرفع يده لمدة ربع ساعة. ترك القمامة، لكن الأطباق وضعها في المطبخ ثم وجد عائلته وجعلهم يشرعون في العمل. احتفظ بكل النقود، إذ لم يثق بأمه لشراء الطعام. سيتعامل مع التجار بنفسه. أحضر هوس العشاء إلى البارون في تلك الليلة وقدم له حساباً عن القلعة. لم يتأثر بيني بيني حين أخبره بموت فريدريك في بركة من قيئه.
"شخص أقل سندفع له، وفم أقل سنطعمه. لا أحتاج إلى كبير سائسين بقدر ما أحتل إلى مدير منزل. قم بالعمل وسأمنحك علاوة أخرى. جد بعض اطفال الشوارع للعناية بالخيول."
كانت هناك خياطة تعمل لصالح الفيلق. أخذ بعض أفضل ملابس مدير المنزل إليها ودفع لها لتصنع له طقمين بمقاسه. سعدت بالعمل وسعدت أكثر بالقطعة الفضية التي منحتها إياها. لقد ابتسما لبعضهما لسنوات. وبعد أسبوعين، نقلها إلى القلعة وعينها مدبرة بيت رئيسة، مما أثار انزعاج أخته الصغرى. وتبادل هو وفات الحديث أسفل الإسطبل ذات ليلة. راقب برونو ولم يتدخل. وبعد ذلك، حين استعاد فات وعيه، تقاسم هوس زجاجة نبيذ معهما، واتفق الجميع على أن يكون هوس هو المسؤول.
كانت الأمور تتحسن.
هبط بينشبيني نحو الأبיال السفليّة في قلعته المتهالكة ملوحاً بحلقة مفاتيح ضخمة في إحدى يديه. انفتح الباب الأول بيسر؛ فقفله الحديدي كان سليماً رغم تعفن خشب الباب. خلفه درج آخر وباب ثانٍ. فتح مفتاح نحاسي قفلاً نحاسياً بعد أن أطلقت مجموعة صحيحة من الأزرار الفخوخ. قاد درج آخر إلى باب وهمي مليء بالفخاخ. عثر على الباب الخفي وفتحه حين نظر عبر الحلقة في طرف مفتاح فضي. امتد الخزنة وراءه.
توارت كومة من النقود في الزاوية. قضى تقليد العائلة بالإضافة إلى الخزنة لا بالسحب. أُضيف أنبوب طويل لتسهيل ذلك، وظلت أجيال البارون تشينزورثي تلقي بالضرائب الإضافيّة أو الفائض من النقود على هذه الكومة. لم ينظف أحد النقود أو يرصّها. كان ذلك عملاً حقيراً، ولم يُسمح لأي أتباع بالدخول إلى هنا. تجاهل صناديق الثروات والأغراض السحريّة المتروكة لتتفسخ في الخزنة. ما يحتاج إليه وُجد في النهاية على رفّ عالٍ، تماماً كما أخبره جدّه.
لم يكن فتحه يسيراً. ارتعشت يداه، وجفّ فمه. كاد يعيد الصندوق إلى رفّه. لكنه بلغ هذه المدى؛ فما عساها تكون زيادة بسيطة؟ كان الشمع العتيق قاسياً ولكنه ذاب حين استخدم خنجر كاليفور المشتعل لنزع الشمع. أزاح الغطاء وحدّق بما يحويه، مزيحاً الحشوة الناخبة... عاد البارون صاعداً الدرج بعد وقت طويل؛ وقد زال ألم ركبتيه. شمّ رائحة لحم ضأن مسلوق وسمع حركة أشخاص في أرجاء قلعته. أحضر الفتى طعامه مع اقتراب موعد العشاء.
ووجد صحوناً نظيفة وكأساً في مكان ما، إلى جانب قنينة نبيذ رخيص لترافق لحم الضأن. أبلغ هوس بما فعله وفصّل حالة القلعة بينما كان بينشبيني يأكل. أخفى تفاصيل بالطبع. كان المفترض بالصدى أن يبدو خائفاً ومتردداً. امتلك عوضاً عن ذلك نواة من الغضب والعزم. سيؤدي الغرض. طرد القديم والترحيب بالجديد. حان وقت التغييرات. رمى الخنجر السحري بغمده الجلد الأحمر نحو الغلام.
قال: "خذه. اعتبره مكافأة على العمل المتقن. اطلب المزيد من لحم الضأن. أشعر بشهية الليلة. سنتحدث غداً عما يلزم فعله، ثم نزور الأفاضل في ألتشماركس في وقت لاحق من هذا الأسبوع".