كان جوناثان يارو منهكاً. كان منهكاً من الركض والنوم تحت عربة، وقلقاً من اضطراب عائلته للفرار مجدداً في منتصف الليل. استراحوا في مخيم اللاجئين الكبير على أطراف قلعة روان طوال الأيام الثلاثة الماضية. وما زال يشعر بعدم الارتياح. لم يفعل الفيلق في نورثجارد شيئاً لمساعدتهم عندما أحرق الغزاة قراهم وساقوهم كالمواشي نحو الشمال. بدت الأمور أفضل هنا. زودهم الفيلق بالطعام والماء النظيف، وكان معالج يمر على الخيام.
ورغم قلقه المستمر، تمكنت عائلته على الأقل من الاسترخاء. استطاع الأطفال اللعب مع أقرانهم، ونامت زوجته وحماته طوال اليوم. وبدا أبو زوجته بحال أفضل أيضاً. كادت حروقه أن تودي بحياته. أُصيب عندما أنقذ اثنين من أحفاده بعد إحراق المنزل في منتصف الليل. والآن نهض ومشى من جديد. أرسلت السماء معالِجاً إليهم، وسيظلون ممتنين لذلك إلى الأبد. امتطاء الرجل حصاناً كبيراً ليساعدهم في بلوغ أمان القلعة.
وعندما لاحظ العجوز فاليس في مؤخرة العربة، قفز عن حصانه واستخدم النُّور السماويّ لشفاء العجوز. تجمّع حوله الأطفال طلباً لشفاء جروحهم وسحجاتهم، وأخذ وقته بصبر لشفاء كل واحد منهم. لم يصدق جوناثان قط القصص القديمة عن رسل الإمبراطور السحرية الذين يجوبون البلاد لإصلاح المظالم ونقل الأخبار من مكان إلى آخر. صار يميل إلى تصديقها الآن. وبعد يومين، عادوا إلى الطريق. وكان طريقاً جيداً هذه المرة على غير العادة.
تدحرجت عجلات العربة بسرعة على الحجارة الملساء. كانت الطرق بعد نورثجارد مهدمة، وكان السفر عبر الحقول الجانبية أسهل. أُخبر بأنهم متوجهون إلى قرية صغيرة تبعد عشرة أميال. عرض البارون الجديد عليهم فرصة الزراعة لديه. استجاب جوناثان وآخرون لعرضه بحماس. سيظلون يعملون لإغناء نبيل ما، ولكن طالما ضمن ذلك طعام عائلته وحمايتها، فهذا كل ما يهم. كانت عائلته وتسع عائلات أخرى في مجموعة واحدة، متوجهين معاً إلى منطقة يمكنهم فيها بدء الاستيطان والزراعة المشتركة.
سيكون العمل شاقاً في البداية. هكذا هي إقامة الأراضي الزراعية الجديدة دائماً. كان لا بد من قطع الأشجار واجتثاث الجذوع. وسيزيلون الصخور لصناعة الأسوار ويستخدمون الخشب للمنازل والحظائر. ثم جمع المزيد من الصخور لبناء المواقد المداخن. كان الطعام مصدر قلق، لكن رجل البارون مازحهم بأنهم لا يعانون نقصاً في العصيدة. ستكون الوجبة عصيدة وفطائر ثلاث مرات يومياً، لكن عائلته ستجد ما تأكله على الأقل حتى يتمكن من جني محصوله الأول.
ستكون الظروف قاسية، لكن القسوة أهون من الاستحالة. تحرك الموكب الصغير على طول الطريق والتف حول البلدة الصغيرة، يقوده بعض رجال البارون. وبرز أحد الرجال بشكل خاص. كان ضخماً للغاية، وحين علقت إحدى العربات، حملها ووضعها على بعد أقدام قليلة إلى الجانب بسهولة بالغة وكأنه يرفع قطعة حطب. وبدلاً من الخوف منه، تجمّع الأطفال حول ساقيه سائلين إياه عن مدى قوته. فحملهم على كتفيه وظهره، ثلاثة دفعة واحدة.
كانت البلدة تضم بعض الأمور الغريبة. حدق الأطفال أولاً في المبنى المروع الذي يتصاعد منه الدخان ثم في السفينة الجميلة التي تعلوه. سفينة طائرة! سادت شائعة جامحة عن رصد سفينة كهذه في السماء. لكن من أين أتت؟ وأي سحر جعلها تتحرك؟ أخبر الرجل العملاق، أوزي، الأطفال بقصص خيالية عن قراصنة أشباح وسفينة تبحر على بحر من الدخان. وبدت بقية البلدة مزدهرة — بأسقف وجدران من الحجر الصلب والأردواز.
لا أحد يبخل بقرش هنا. ستكون مكاناً للزيارة وإنفاق أموالهم الضئيلة على ضروريات البيت. لقد احتفظوا ببعض الأشياء، كالمحراث وأدوات الحدادة، لكن أشياء كثيرة تُرِكت خلفهم أو ضاعت في الحريق. بعد البلدة، غادروا الطريق المعبد إلى درب ترابي شهد حركة مرور كثيفة. مروا بعربة تلو الأخرى متجهة في الاتجاه المعاكس، محملة بالحصى والرمل ألواح الخشب والتفاح. الكثير من عربات التفاح! لا بد أن البارون يمتلك بساتين شاسعة.
وبعد خمسة أميال، توقفوا في مكان مقطوع. كان كل ما حولهم مساحة شاسعة من جذوع الأشجار، وكوامي الأغصان القاحلة، وكومات الأخشاب. وكأن منجل الموت قد حصد غابة بأكملها. جذب أحد أبنائه الأصغر كمّه بحماس.
"أبي، لقد علموا بمجيئنا فجهزوا مكاناً لنا!"
شك جوناثان في ذلك. لكنه كان ممتناً للغاية لأن بعض العمل قد أنجز مسبقاً. جاء أوزي لإنقاذه في شرح الأمر للأطفال.
"كانت هذه غابة قبل عام، لكن أشجار البلوط تشاجرت مع بقية الأشجار ثم دخلت في حرب مع البلدة. امتلكت البلدة فؤوساً أكثر مما امتلكت الغابة من أشجار. سُوِّيَت الأمور كلها، لكن ذلك ترك البارون ببعض الأراضي غير المستغلة، ويريد العمدة ملأها بالناس. لا فائدة من تركها تتحول إلى أراضٍ بور. اتبعوني، وسأريكم أين تبدؤون البناء".
قاد العربات إلى منطقة أرض منبسطة. وقد أُنجز بعض العمل هنا بالفعل. كانت قطعة أرض بمساحة مئة قدم مربعة معبدة بالحجر، وفي مركزها بئر جيدة. وفي الطرف البعيد مبنى حجري بلا نوافذ يبدو كمخزن للحبوب. وكانت المنطقة المحيطة بالساحة تضم قطع أراضي مخططة للمنازل.
"عادة، نكتفي بحفر الآبار وتخطيط ساحة البلدة، لكن الأمور تشهد ضغطاً بسبب العمل في القلعة. تحدث العمدة إلى البارون، ووافق على استخدام بعض نقاط بناء القرية لمساعدتكم في البدء. ستفتح كل قرية صغيرة بساحة بلدة، وبئر، ومخزن، ومئة فدان من الأراضي المُستصلحة للزراعة. يمكنكم إيواء الأطفال في المخزن ريثما ننتهي من المنازل، وسنبدأ بها اليوم. توجد بطانيات وطعام بالداخل. وهناك الكثير من وقود النيران في كوامي الأغصان تلك. يمكنكم تحديد من يسكن أين، وسنبدأ نقل الأخشاب والأحجار لبناء المنازل".
توقف لبرهة.
"أي أسئلة؟ أعلم أن الأمر على عجالة، لكن العمدة أراد توطينكم بأسرع ما يمكن".
ترددت أصداء الهمهمات في كل مكان. تجرأ أحد الرجال ووجه سؤالاً.
"العفو منك يا سيدي. البارون كريم جداً لبنائه منازل نسكن فيها بينما نعمل في أرضه. لكننا لا ندري ما يطلبه منا بالمقابل. هل تعلم ما يتوقعه منا من محاصيل وضرائب؟"
تساءل العديد من الفلاحين الآخرين أيضاً. فالنبلاء يطلبون العمل والضرائب ولا يعطون شيئاً صدقة.
"يا للتراب، لا تقلقوا بشأن ذلك الآن. عليكم جميعاً التركيز على رعاية عائلاتكم وإنهاء بناء منازلكم. ما زلنا نكتشف الأمور شيئاً فشيئاً، لكن يمكنني إخباركم ببضعة أمور".
بدأ يحعد النقاط على أصابعه.
"أولاً، لا ضرائب في السنة الأولى لأن البارون يعلم أنكم لا تملكون مالاً. عليكم انتخاب عمدة لقريتكم، شخص ينطق باسمكم. سنقعد مع رؤساء كل قرية لنبرم اتفاقاً بشأن الزراعة المشتركة أو الضرائب. يجب أن يكون عادلاً لنا جميعا.ً عليكم إطعام عائلاتكم وكسب بعض المال للمضي قدماً، ويحتاج البارون إلى ربح من الأرض. كم كان عليكم أن تدفعوا من ضرائب للبارون بخيل بينش؟"
لم يتكلم أحد حتى تقدم جوناثان.
"أعطيناه نصف كل ما نزرع ودفعنا ضريبة لأرضنا وجزية من البضائع للمخزن الإمبراطوري لكي نتمكن من شراء البذور منهم في الربيع التالي. وأحياناً أكثر قليلاً إن كانت سنة البارونية سيئة".
نظر أوزي إلى القرويين. كانوا نحافاً. ولم يكن ذلك بسبب أسبوعين قاسيَين من الهرب. كان على دراية بالزراعة المشتركة. يعمل المزارع ويتنازل عن نصف ما يزرعه. السنة السيئة تعني المجاعة. إنه نظام فظيع، وهذا كان أسوأ.
"هذا كثير جداً. فكر العمدة والبارون في ربع المحصول كحد أقصى. ولكن في السنة الأولى، تحتفظون به كله. سيشتري البارون طعامكم وحبوبكم الزائدة، أو يمكنكم بيعها لبيت التجار في سيدجويك والاحتفاظ بالمال. يجب على كل عائلة فتح حساب في البنك. الجزمي رجل لطيف وسيفتح حسابكم مقابل نحاسة واحدة فقط. وهذا يعني أن أموالكم كلها ستكون بأمان من اللصوص وقطاع الطرق".
وبينما اعتادوا فكرة الاحتفاظ بمعظم ما يزرعون، تابع قائلاً: "عليكم اعتبار المنازل ملكاً لكم. تقنياً، رتب العمدة الأمور كإيجار طويل الأجل، لكننا سنضمن طريقة لتتمكنوا من شراء أرضكم ومنازلكم. إن اضطررتم للمغادرة لسبب ما، فلا بأس. سنمنح منزلكم لشخص آخر أو نشتريه منكم إن كنتم قد سددتم ثمنه. تبدأ كل عائلة بمنزل ريفي وعشرة أفدان من الأرض. ستكون هذه المنطقة في الوسط مخصصة لقرغتكم الصغيرة. نريد من كل واحد منكم إنشاء حديقة خضروات صغيرة خلف منزله، وسنزرع شجيرات التوت وأشجار الفاكِهة حول حدود البلدة. ستتفاجؤون بمدى نجاح ذلك في كصد الرياح وإبعاد الحيوانات البرية. احذروا الأشجار. أرجو ألا تقطعوها للحطب ولا تكسروا أغصانها. لن يعجبها ذلك".
"سيوفر البارون البذور لزراعة محاصيلكم ويخبركم بما تزرعونه أولاً. نريد تعظيم عملكم وجني أكبر قدر من المال. توقعوا عدة محاصيل في السنة. الأرض خصبة هنا. أه، وهذا يذكرني: دعوا وحيد القرن يتجول بحرية وصادقوه إن امكن. قد يكونون حذرين بعض الشيء في البداية. يمكنهم زيادة الإنتاجية في الفدان بمجرد المشي عبر المحاصيل، وينبغي حفظ روث وحيد القرن واستخدامه في حدائقكم. احذروا، فهو قوي المفعول".
"حمم، قواعد أخرى. لا تققطوا شجرة تفاح؛ اطلبوا الإذن دائماً قبل قطف الثفاكه. في الواقع، من الأفضل عدم قطع أي أشجار على الإطلاق. يمكنكم تقطيع كل كوامي أغصان البلوط كوقود في الوقت الحالي. أيتها الأمهات، راقِبن أبناءكم الأكبر سناً الآن. سنناقش أمر حوريات الشجر في أقرب وقت ممكن".
"هذا يكفي للآن. بعد قليل، سأبدأ بالعمل على أرضكم الزراعية، وسننظم صيداً للخنافر. أرسلت بيتي وصفة ليخنة الخنافر، أتمنى أن تعجبكم".