قبل لحظات من الهجوم الحاقد على كلب وفيّ... شعر أوبيرون بعبء السيطرة على العدد الهائل من النوايا المتضاربة التي تعجّ حوله. ما بدأ كمرح عفويّ وفرصة للخروج من القصر، أخذ ينزلق نحو الفوضى حيث تقع الأمور التي تخرج عن سيطرته. لم يكن الأمر عائداً لحجم التجمع. فمهرجانات المواسم تضاهيه مئة مرة. بل كان في قوة الأشخاص الحاضرين دون هيكل الحدث التقليدي. كان الكثير من السادة والسيدات العظام ذوي الأهداف والقدرة على تحقيقها يحيطون به، يتساءلون إن كانت هذه هي ساعتهم لرمي النرد وبلوغ مرتبة أسمى.
إن اندلع العنف، أو حتى الرقص الصاخب، سيموت أحدهم ويبدأ رحلة عودة طويلة من عالم الظلال. وكلما طال تحملك للحياة، طالت رحلة العودة. أمّا رحلته فستكون مدتها طويلة لدرجة أنه قرر منذ زمن بعيد التخلي عن شخصيته والتقمص في هيئة شخص آخر. وفكر في البشر، متسائلاً عن البدء كفتى أو فتاة من عامة الشعب. سيمنحه ذلك أفضل فرصة لببلوغ القوة الحقيقية والشهرة. وسيكون الأمر ممتعاً! لكن ليس الآن.
لا يمكنه ترك ممالك الجان خرابا، وموته في حرب أهلية سيحدث ذلك تماماً. ستزحف الجيوش، وينقلب النظام القديم، ويصعد كثيرون ويهبطون. لم يكن ذلك الجزء سيئاً للغاية، وربما كان أمراً جيداً. غير أن هناك احتمالاً كبيرًا بأن تستولي شخصية مثل الدوقة ميدنايت أو أحد السادة الغارقين على العرش. سيؤدي ذلك إلى حرب لا تنتهي وتمتد إلى عوالم البشر. ومن بحق الجحيم يدري ما سيحدث حينها؟ عاش البشر حياة قصيرة ومشرقة، ويمكن لأي منهم أن يصبح بطلاً يربك عدواً عازماً على الهيمنة على الأراضي البشرية.
كان تاريخ الجان مليئاً بمثل هذه الحكايات. كان الأفضل بكثير أن يموت على يد قاتل وهو على العرش، ووارثه هناك ليثأر له ويلتقط التاج. لذا، ورغم إمتاعها، كانت هذه الوضعية تقترب من حد الانفلات عن سيطرته. كان يواجه أغلب التحالفات المعروفة عبر دعوة العقول الأكثر حكمة إلى مائدته وإقناعهم بالحكمة، أو الدهاء، أو الرشوة. كان أمراء الوحوش في صفه، ممتنين لعرضه بأن يفحص أطباء القصر الأمير ليبوريدون لتعافيه وتمويل بديل مناسب لإنهاء مهمته.
وُضعت خيامهم وغلمانهم حول خيمة الملك، على مقربة كافية لتشكيل دائرة حماية إن اندلع العنف. كما التزم الأمير فيرتشايلد براية أوبيرون لعام ويوْم مقابل إقامة زفاف ابنته في القصر. كان ذلك زفافاً يتطلع إليه بشدة. فرؤية عشيرة ماكرة من العفاريت ترتقي إلى مرتبة النبلاء الصغار لا توقدر بثمن. سيتعين على نبلاء بلاطه الاختيار بين تفويت حدث ملكي أو الاختلاط بالعفاريت. لقد فخر بابن عمّه من الدرجة الرابعة لتنظيمه مثل هذا الزواج لابنته.
بدا فتى مجداً، يعمل في بيع وتجارة الأشرطة وأربطة الأحذية. كان العريس جالساً في تلك اللحظة على مائدة أوبيرون ويلعب لعبته بذكاء، متحدثاً بقليل الكلام ودامعاً أذنيه الكبيرتين لتجميع المعلومات عما يدور حوله بينما يأكل ويشرب باعتدال. استطاع أوبيرون رؤية وسماع المفاوضات الجارية بين القابتن والدوقة. أبلى الرجل بلاء حسناً، مجتازاً تحدياتها بكل سهولة. وكانت الطريقة التي فعل بها ذلك ممتعة.
أميرة متنكرة في هيئة كلب، تستطيع التحليق فوق متاهتها واستكشاف مخرجها؟ كانت تلك طريقة جديدة للغش. شك في قدرة أي شخص آخر على اختراق الأوقات، والضباب، والتحوطات المسحورة لذا سيحتفظ بسر الكابتن. لقد أثار إعفاره نهر أسماك ريبي بالطريقة الواضحة المتمثلة في الصيد إعجابه. فقلة هم من يملكون الصبر والمهارة لمثل هذه الطريقة، إذ يفضلون تجربة أحد الجسور الفخية. وفي المفاوضات، أبلى الكابتن بلاء حسناً أيضاً، فلم يستسلم للرذع أو لهالتها ولم يُظهر شيئاً من خوفه.
كما اجتاز الجزء المعقد المتمثل في الإشارة إلى وقوع خطأ واقتراح كيفية توجيه اللوم. ربما كان ذلك أفضل ما يمكنه فعله. ستشتاط غضباً في دواخلها لارتكابها بمثل هذا الخطأ البسيط دون أن تتمكن من إظهاره. كانت الصفقة التي عرضها منصفة للغاية، إذ منحتها ما طلبته. وهو ما لم يجعلها سعيدة بالطبع. فهي لم ترغب بصفقة عصفة؛ بل أرادت الفوز، ووضع الرجل في مكانه وإخضاعه لها.
ربما كانت نقطة التحول عندما قدمت له الاختبار الكلاسيكي "لكن أيهما هي الأميرة الحقيقية؟".
وقد غشت، كالعادة. وبطريقة ما، كان الكابتن على علم بذلك، ولن تغفر له ذلك أبداً. راقب أوبيرون الدوقة وهي تلوي قواعد حقوق الضيافة إلى أقصى حد وتصر على كنوز ستحتفظ بها للأبد. وهنا سيخسر البشري. قد يُحسب عظيماً بين الأبطال البشريين، لكنه مجرد بعوضة مقارنة بقوة الدوقة القديمة. لم يستطع القتال ولم يستطع ترك حبيبته في مخالبها، لذا أُجبر على دفع ثمنها. كان أوبيرون يتمنى ألا يصل الأمر إلى هذا الحد لكنه كان يعلم حدوثه.
بغض النظر عن مدى دهاء البشري، كانت هذه الدوقة ميدنايت، عنكبوتة غادرة وواحدة من أعظم قوى الجان. سيخسر الكابتن كنزاً لكنه سيحتفظ بحبيبته ويظل مرتبطاً بالدوقة بقيود التجارة. لقد أبلى بلاء حسناً إجمالاً، لكنه خسر مع ذلك. كانت احتمالات تكبده خسارة طفيفة سبعة إلى واحد. سيحقق أوبيرون ربحاً لا باس به من برميل الذهب الذي راهن به. وكانت احتمالات خروج الكابتن بانتصار طفيف مئة واثنين وثلاثين إلى واحد، ولم يقدم على هذا الرهان سوى عدد قليل من الحمقى.
كان أوبيرون أحدهم، مسلماً صرافي المال برميلاً آخر من الذهب. إن برميلين مُراهن عليهما وسبعة رابحة سيجبران مسؤول خزائنه على بناء قبو كنوز آخر. تغيرت الأمور بسرعة هائلة، إذ فعل البشري ما يفعله البشر عادة وفاجأ كل من كان يراقب. إن ظهور الحديد البدائي في عالم قريب كهذا أصابه كالسيف في القلب. كان الألم هائلاً وكاد يرديه قتيلاً، ومع ذلك ضحك طويلاً وبصوت عال. ظن أطباؤه أنه جُن.
كيف علم البشري بالمجيء ومعه مثل هذا الشيء في كيسه المسحور؟ وأين عثر عليه؟ لم يبق في الوجود سوى اثني عشر عنصراً من هذا القبيل. لا يمكنك ببساطة الاقتراب من رئيس ملائكة الجيش الأول وتطلب استعارة سيفه وهالته! كان السادة والسيدات الأقوياء من الجان على ركبهم يؤدون أفعالاً غير لائقة بمطونهم أو يحدقون نحو البوابات ويصرخون. أمّا الجان الأصغر حجماً فحزموا أمتعتهم في ومضة وبدؤوا بالركض، لكونهم أقل تأثراً بلعنة الحديد من أسيادهم.
وقف أوبيرون بعد لحظة، فيما كانت مقويات القوة والتمائم تعيد إليه صحته بينما أبقى آثار التآكل للحديد الأبرد داخل عالم ميدنايت. شكل أمراء الوحوش محيطاً حوله، إذ سمح لهم تحملهم العالي للألم وخبرتهم مع الحديد في عوالم البشر بتجاهل تلك الآثار. ابتسم أوبيرون عندما رأى حليفه الأحدث، غومبيندّل أوف تاكبوتوم، يقف إلى جانبه، وفي يديه إبرتان طويلتان وأشرطة سوداء تتصاعد حوله بحياة خاصة بها.
كان ارتياد مائدة الملك مسجلاً بسلاح زلّة بسيطة، لكن الأسوأ بكثير هو الحاجة إلى سلاح وعدم توفر أي منهما في متناول اليد. لم يعتبر أوبيرون إبرة بطول ست بوصات سلاحاً أبداً، ولا فعل مشؤوسوه. جعلته رؤية طريقة إمساك العفريت بها يتمنى تقريباً أن يحاول أحدهم اغتياله. سيكون رائعاً رؤية العضو الأحدث في بلاطه وسط المعركة. استخف الجميع بالجان الأصغر، وأحياناً بشكل مميت. كانت ميدنايت تحتضر.
وعالمها يحتضر. في اللحظة التالية، سيلقي به إلى الفراغ. لكن كان عليه المراقبة ورؤية نهاية هذه الحيلة! استحق الخطر عناء رؤية ميدنايت تخسر. لقد انتظر ذلك طوال حياته الطويلة. وكان عليها أن تخسر وتمنح الكابتن ما أراده، مما سمح له بالمغادرة سالماً. سيبتعدان ويأخذان الحديد الأبرد معهما. وستلوح بيدها مهونة من اللقاء باعتباره متعة عابرة من طرفها، مشيرة إلى أنها لم تخسر شيئاً سوى مقعد إضافي شغل على مائدة طعامها.
إلا أن الأمور لم تسر على هذا النحو. لم تضيع النادل الصغيرة، التي كانت أكبر بكثير، فترة أسرها. وفي لمحة رائعة من حافة الهاوية، أجبرت الدوقة على الخسارة مراراً وتكراراً، مما اضطرها لتحرير عبيدها. فوق رأسه، ظهرت عوالم ضلت طريقها في الزمن كجزر طافية تحمل مدناً شامخة. انطلق الآلاف من الجان الأصغر وعشرات السادة والسيدات المستعبدين جكياً عبر الأرض المحتضرة وخارج البوابات المفتوحة لسيلفرثورن.
داسوا السادة والسيدات المرضى في عجلتهم للابتعاد قد الإمكان عن أرض الرعب الخاصة بمدنايت والبشر المجانين الذين يواجهونها. وبعد ذلك، قبل نبضات قليلة من فصله لعالم ميدنايت عن بقية أراضيه، انتهى الأمر. استعاد الكابتن كنوزه اللعينة بلا مبالاة والتقط حقيبته. لقد أذلوا الدوقة وانتزعوا منها التنازلات. ستترك ميدنايت وحدها في أراضيها المدمرة والخاوية لإعادة البناء، لكنها أصبحت الآن ظلالاً لما كانت عليه سابقاً.
ستغيب عن البلاط لدهور، إذ لا رغبة لها في تحمل الضحكات الساخرة من خلف ظهرها، وستكون كثيرة. استمتع برؤية الكابتن يرفع قبعته مذكراً إياهما بأنهما ما زالا شريكين تجاريين. مد أوبيرون يده ولمس عقول العبيد الهاربين، مهدئاً روعهم. وهمس لعديد من السادة الذين كان يراودهم التفكير في استغلال الموقف وصرفهم عن أفعالهم. لم يمت أحد، ولم تقم أي حروب. كان لا يزال ممسكاً بزمام الأمور.
وحينها انقلب كل شيء إلى جحيم! أقدمت الدوقة المتغطرسة، التي لم تستطع تحمل الخسارة، على فعل لا يصدق وضربت كلباً أمام عينيه. شاهد الجريمة عشرات من سادة الجان، الذين أصابتهم الدوار من التعرض للحديد. لن يدرك معظمهم قط فداحة فعلة الدوقة. لقد انتهت الحخدعة. والأبشع من ذلك، عوضاً عن ركض البشر بحثاً عن النجاة، انخرطوا في الحرب. لم يكن يعلم حتى احتمالات ذلك، فلم تكن مدرجة في أي من بطاقات بينغو القياسية، ولم يكن أحد مجنوناً بالقدر الكافي لأخذ الرهان.
ثم رأى أبو الهول يبتسم كقط ضخم للغاية أمام وعاء عملاق من القشدة. كانت تتابع القتال باهتمام وهي تراقب بحذر أي شخص قد يتدخل. سحب اللورد أولبيرستيد سيفه واندفع نحو البوابة، ومثله ابنه الأكبر. أطاح أبو الهول برأسيهما بضربة واحدة من مخلبه، مرسلاً الأجزاء الأربعة تدور في هواء حشد مذهول. لعقت الدماء من مخالبها.
"بعض الناس وقحون وعليهم تعلم عدم دوس ذيول الآخرين".
احتست أليشا، ابنة اللورد أولبيرستيد الثانية، نبيذها وقبلت تهاني أصدقائها على وراثة لقبها مبكراً جداً. اندفع أوبيرون نحو البوابة، فيما شكل فرسان منزله طوقاً حوله وشكل أمراء الوحوش حلقة خارجية. اندفع بشريان للانضمام إلى رفقائهما في معركة انتحارية، ووقف أبو الهول بثبات وسط البوابات، زائراً ومتحدياً لكل من أراد المرور من أمامه. ضحك الملك حتى وهو يطلق العنان لقوته محاولاً السيطرة على الغوغاء الفوضويين.
لم تكن السيطرة سوى وهم يمكن أن يُداس في الوحل كأي كذبة أخرى، وقد أثبت له اليوم ذلك مرة أخرى.