انشغل الجميع في المعسكر بترتيب المؤونة، أو قطع الأشجار، أو جر الحطب. اعتنت ميردينا بغنمها وتورودون التي كانت ترعى باطمئنان في المرعى، غير مبالية بالبشر المشغولين من حولها. أعد روكي وبضعة مساعدين وجبة طعام. تجمع تشاريبيل، وگريني، وألي، حول أوراق رقّيّة. كانت الرقوق بمثابة ألواح طباشير منخفضة التقنية، مثالية للرسومات أو القوائم المؤقتة. وكانت تُغسل نظيفة بقطعة قماش مبللة كلما احتاج مصمم إلى إعادة رسم اسكتش.
وعلى ورق رقّي آخر، راحوا يحركون صخوراً صغيرة وقطعاً من الخشب، حيث يمثل كل جزء قطعة أثاث أو جزءاً من مبنى. ألقى مخطّطو المدن عليّ وعلي فابولوسا إيماءات مقتضبة، إذ كانوا مستغرقين جداً في مشروعهم لدرجة أعدمت أي رغبة في المجاملة. راقبَتني فابولوسا بعينين مفعمتين بالتوقع. أدركتُ ما تريده، فبادرْتُ إلى إشعال الجدل.
"ماذا؟ ترغبين في الوصول إلى عرين الدود الآن؟ ألا تعتقدين أن علينا الاستطلاع حفاظاً على سلامة الجميع؟"
"لم نجد شيئاً بالأمس. وإذا كنّا نمشط المنطقة، فينبغي لنا معرفة ما تحت الأرض وما فوقها أيضاً."
أنهكتني منطق فابولوسا. فهي تعتبر دودة الحراسة غنيمتها ولن تستكشف كنزها دوني. وعدت يولَا باستطلاع المنطقة أيضاً، وشككتُ في قدرة اثنينا على العثور على ما عجز الأورك عن إيجاده. استسلمت.
"حسناً، لنذهب إلى أنفاق الدود."
تلوّت فابولوسا ورفعت قبضتيها احتفالاً. قاطعتُ جلسة تخطيط تشاريبيل بدعوة للانضمام إلينا في رحلة استكشافية تحت الأرض أسفل مرج الدود. وفي الواقع، طلبت إذنها. لوّحت تشاريبيل بيدتيها لتشجيعي على المضي دون أن تحول انتباهها عن ورقها الرقّي. إما أنها منحت مباركة ضمنية أو لم تكن منتبهة، وقررتُ أن الأولى هي المقصودة فانسحبتُ قبل أن تغير رأيها. توجهت أنا وفابولوسا شمالاً نحو الغابات للمرة الثانية اليوم.
وشققنا درباً جديداً نظراً لأن تغطية أراضٍ جديدة تكشف عن تفاصيل أضافية على خرائط واجهتنا. زاد الاستكشاف من فرص اكتشافنا لنقاط الاهتمام، لكننا لم نجد شيئاً يستحق الذكر في طريقنا إلى مرج الدود. عند الوصول إلى الفسحة الواسعة، غامرنا بالتقدم نحو مركزها، كبداية منطقية. قفزت فابولوسا إلى خندق وألقت تعويذة الحظوة السماوية.
"أنيروا المكان!"
فعلتُ المثل وألقيت تعويذة الحضور لنضمن وضوح الرؤية. ارتدت فابولوسا حجر توهج حول عنقها لتمنح نفسها مصدر ضوء آخر لو حدث لي مكروه. كان هواء الممر الرطب يفوح برائحة التراب وجعل المشي ممتعاً إلى أن انحنى هابطاً بزاوية حادة. توغلنا أكثر حتى أصبحنا معرضين لخطر الانزلاق، ولم تقدم لنا جدران التراب الأملس أي شيء لنربط حَبلاً حوله، فتراجعنا. التف الممر التالي في منحنى عريض، صعد صعوداً حاداً نحو مدخنة.
وما لم نرغب في التسلق، فقد وصلنا إلى طريق مسدود آخر. توقعت متاهة من الأنفاق المتقاطعة بسبب كل خروقات التربة السطحية، لكن الدودة لم تعيد تتبع حركتها تحت الأرض. عدنا إلى السطح، وزحفنا للخارج، وعلّمنا الخندق المستكشف بحزمة من العشب. جربنا خندقاً أفقياً آخر غاص هابطاً من الطرفين، وكلا الطرفين كان أشد انحداراً من أن يُتبع. لن يفيدنا إسقاط أحجار التوهج دون منعطفات أنفاق أكثر حدة.
منعنا التدرج البطيء في الانحدار من الوصول إلى الحافة لنطل للأسفل ونرى المسافة التي تسقطها الصخور.
"أتمتلكين أي قدرات غير منفقَة؟"
هزت فابولوسا رأسها.
"أتمتلكين مهارة سقوط الريشة؟"
"تلك تذكرة بلا عودة."
"ربما تفتح مهارة سقوط الريشة باباً للإطفاء أو الطيران."
هزت فابولوسا رأسها.
"سأؤجل ذلك. أملك أنا وأصدقائي اللاعبين مقولة: إن طِرتَ متَّ. فالوجود في الهواء يجعلك هدفاَ سهلاً. أنا أستثمر نقاطي في قدرات القتال القريب."
عدنا إلى السطح مرة أخرى وعلّمنا النفق بحزمة أخرى من العشب. بدا النفقان الثالث والرابع شديدي الانحدار أيضاً. احتوى النفق الخامس على أجزاء شديدة الانحدار، لكنها لم تكن شيئاً نعجز عن التعامل معه. شجعني تقاطع مع نفق آخر على التقدم أكثر. تتبعنا المسار حتى مررنا بتقاطع سداسي الطرق. لم تتعقب خريطة الواجهة المساحات الواقعة تحت الأرض، لذا ألقيت أحجار التوهج كفتات الخبز. وكلما تعمقنا، خفت برودة الأرض، وأصبحت التربة أكثر تماسكاً.
أصبح الجو أكثر دفئاً على عمق نحو مئة قدم، وبدا الأمر وكأننا غامرنا بتجاوز حدود قدراتنا، لكن سجل الأحداث لم يبلغنا بشيء عن عبورنا إلى منطقة عالية المستوى.
"نحن نزداد عمقاً الآن."
زادت فابولوسا من سرعتها، ولم تظهر أي نية للعودة. تحولت الأنفاق الثلاثة الملتفة إلى ستة خلال الدقائق العشر التالية، واستدرنا عند زاوية لنلج في مساحة مفتوحة. لم تكن الغرفة التي دخلناها مبنية بالحجارة أو كهفاً طبيعياً. بدا التصميم الداخلي وكأننا داخل صدفة بحر بحجم منزل. تحرك سطح اللؤلؤ الأبيض باهت اللون للغرفة في منحنيات ناعمة وقزحية وكأن مغرفة آيس كريم عملاقة فرغت محتوياتها الداخلية.
غطت انخفاضات كروية المنحنيات العضوية مثل فوهات القمر الممهدة. انساب التراب المفكك عبر الأرضية من خمس فتحات جانبية تحيط بالغرفة، كل منها بحجم يكفي لتمر عبره دودة الحراسة. لم تكن النسب الغريبة منطقية. لم تستطيع الغرفة إيواء طول الدودة بالكامل، لكن المخلوق عبر من خلالها كأنها محطة مترو. لم أر طعاماً أو بيضاً ملقى في الأرجاء. لماذا يزور هذا الوحش هذا المكان؟ بالمشي في المكان، غيّر إضاءة تعويذة الحضور الظلال والانعكاسات.
تلالات الكنتورات العضوية من الضوء. ومنحت مظاهر المنظور للظلال المتحركة عمقاً لتضاريس الغرفة المتموجة. جعلتني روعتها أتخلى عن حذري، ومع ذلك لم يسقط شيء من السقف أو يهاجم من أكوام التراب. لماذا يدفن أي شخص غرفة جميلة كهذه؟ تقاطعت خطوط سوداء عبر سطح الغرفة. امتد بعضها حول الغرفة في أقواس عريضة من الأرض إلى السقف، بينما شكل البعض الآخر حلقات بيضاوية. تجمعت الخطوط وانقسمت مئات ومئات من النقاط اللامعة الذهبية والسوداء.
وتدفقت الخطوط والنقط مع سطح الصدفة البيضاء. وقفنا بذهول قبل أن تكسر فابولوسا الصمت.
"ألديك أي فكرة عن ماهية هذا المكان؟"
هززت رأسري، مدققاً في أنماط الخطوط والنقط. جعلت الفتحات الخمس المتباعدة بانتظام الكهف يبدو وكأنها محور لا يتصل بشيء سوى أنفاق كئيبة.
"ربما الأمر ذو صلة بخطوط الطاقة الأرضية؟"
لم أبن تخميني على أساس صلب. في كل أبحاثي، لم أجد قط إشارة إلى خطوط طاقة خارقة للطبيعة تتقاطع عبر ميروس. تتبعت فابولوسا نظرتي.
"تباً! أهذه هي ما أظنها؟ عملات فضية وذهبية؟"
جعلتني الميزات المجردة للغرفة أشك في احتمالية أن تكون النقاط عملات معدنية. حاولت الضغط على إحداها، لكنها لم تكن زراً. فركت التراب المفكك بإصبع قدمي حتى كشفت الأرضية. بالتنقيب أكثر، كشفت عن شريط من المعدن الداكن وعدة نقاط معدنية أخرى، وكلها متساوية السطح. جعل إلقاء تعويذة كشف السحر كل شيء في الغرفة يتوهج باستثناء التراب. فتحت تواصل المعادن قناة اتصال مع المعادن القريبة.
كانت الدوائر بحجم العملة المعدنية من الذهب والفضة الباهتة، بينما استخدمت الخطوط الهندسية الرصاص. والغريب أن مادة اللؤلؤ في الغرفة لم تكن معدنية، وربما شكلت مادة راتنجية أو مركب عضوي ميزاتها. كشف تواصل المعادن أن هذه النقاط كانت أسطوانات سميكة وليست عملات مسطحة. قشرت الراتنج المحيط بالمعدن باستخدام سكين حاد. بعد دقيقة من العمل، سقطت أسطوانة في كفي. لم يكن الشكل دائرياً تماماً.
شعرت بأن الأسطوانة المستطيلة تزن نحو رطل. تواصلت مع الأسطوانة الذهبية، والتي أسقطت صوراً ذهنية لنباتات مائية. كانت هذه الغرفة تقع تحت الماء ذات يوم، مما يفسر الأسطح العضوية. بدت المخلوقات التي بنت الغرفة ككركند مطول، باستثناء أنها امتلكت زوجاً من المجسات المدرعة بدلاً من مخلبين أماميين كبيرين. وحملت صفاً من الزعانف الأفقية حيث كان من المفترض أن تكون أرجلها، وكان تموجها يدفع المخلوقات برشاقة عبر الماء.
بدت خياشيمها مثل كتب مفتوحة ترتجف صفحاتها، وربما تولد أصواتاً تحت الماء. عندما اهتزت خياشيمها، تحول المعدن إلى أشكال أسطوانية. وإذا كانت الأسطوانات تغذي نظاماً سحرياً، فلم يكن قابلاً للتعرف عليه. كانت الأسطوانات السوداء والباهتة تتألق كالفضة ذات يوم. أظهرت المشاهد القتيرة الدودة الخضراء تسبح عبر الأقواس، على الرغم من أن حجمها لم يكن بحجم المخلوق الذي قتلته بالأمس.
أكانت هذه صوراً لدودة حراسة صغيرة؟ تحققت من واجهة خريطة الخاصة بي للحصول على اسم موقع أكثر تحديداً، لكن اللقب غير المجدي أسفل مرج الدود ظل دون تغيير بمجرد أن غامرنا بالدخول تحت الأرض. بدا أن اللعبة لم تشعر بأي حاجة لشرح الغرض من هذا المكان. أثناء تسليم الأسطوانة الذهبية لفابولوسا، أخبرتها عن رؤى تواصل المعادن خاصتي. ضحكت فابولوسا وهي تحس بوزن المعدن في يدها.
"أتقول لي إن احداً لم يدفن هذا المكان؟ أكان قائماً على السطح ذات يوم؟"
"ليس تماماً. لقد بناه شخص ما تحت الماء. لكن لابد أن الماء قد جف."
حسلت النقاط. كان ثلث النقاط من الذهب. قدرت وجود نحو ألف نقطة. وإذا قيس كل أسطوانة بعشر عملات سميكة، قدرت وجود أكثر من ثلاثة آلاف قطعة معدنية ثمينة تحيط بنا. فركت فابولوسا يديه معاً.
"سنتسوق لأغراض سحرية لا محالة."
"فلنحصل على واحدة فضية أيضاً."
غرزت الخنجر بين المعدن والراتنج. تفتت الراتنج بينما حفرت مستخرجاً الشيء الفضي، دافعاً إياه لراحتي. تطابق سمكه مع الأسطوانة الذهبية.
"أتمتلكين خنجراً بحدة هذا؟"
هزت فابولوسا رأسها. حاولت استخدام سيفها القصير لكنها عجزت عن تحقيق نتيجة، محطمة في النهاية قبضته بحافة النقطة المعدنية. لم يكن الراتنج الذي يثبتها صلباً، إذ تشقق وتفتت مع كل ضربة، مكسراً ما يكفي لتتمكن من انتزاع أسطوانة. التفتت فابولوسا نحوي.
"أيشعرك هذا بغرابة بعض الشيء؟ أشعر نوعاً ما كأنني بربري يشوه كاتدرائية."
فهمت مشاعرها وأومأت. استدارت فابولوسا بذراعين مرفوعتين.
"أعني، ألا تنظر إلى هذه الغرفة؟ إنها فاتنة. وأشعر وكأننا نفسدها بطريقة ما. حتى وإن لم يكن هناك من يراها، يبدو الأمر خبيثاً بعض الشيء."
"أأسوأ من قطع الحجارة من صخرة هوكهيرست؟"
"لكن أحدهم صنع هذا."
نحّيت جانباً محاضرات السيد فيرغوس الأثرية حول النهب مقابل الحفاظ على التاريخ.
"لكنهم أموات منذ زمن طويل. فضلاً عن ذلك، بوسعنا فعل شيء بهذا الذهب. لن تكون أي قلعة فريدة أو غريبة مثل هذا المكان، لكنهما جميلتان. فلنحاول ألا ندمره. وإن أصبحنا أغنياء، يمكننا العودة وترميمه بالنحاس والنيكل وربما طليه مجدداً. أو سنستخدم المعادل القروسطي للطلاء. من يدري؟ ربما سيصبح معلماً سياحياً للمعسكر."
أشارت فابولوسا إلى التراب الذي يغطي الأرضية.
"هناك الكثير من العناصر السحرية الجميلة التي يمكننا شراؤها بهذا أيضاً. ليس الأمر وكأن الدودة اعنت بهذا المكان. إنه متسخ."
"هيا. لنحصل على عدد قليل إضافي من هذه قبل أن نغادر."
ألقت فابولوسا الأسطوانة في مخزونها.
"سأعترف لك بشيء واحد، هذا أفضل من منجم العفاريت. ألا تعتقد ذلك؟"
انحنت وأدت حركة تمثيلية لارتطام رأسها. بعد سحب بضع أسطوانات أخرى، سمعنا صوت فرقعة قرب مركز الغرفة. تشقق مخروط على شكل صواعد في السقف، رغم أن أياً منا لم يقف قرب الشيء. انكمشت.
"أعتقد أننا كسرناه."
لم يضحك أي منا على المزحة. توقعت نصف توقع أن ت خفت أضواءنا أو يصدر تأثير صوتي عميق للإغلاق، لكن شيئاً لم يتغير. لم يسقط المخروط المتشقق على الأرضية. ألقيت تعويذة كشف السحر، لكن الأسطوانات وحدها بقيت متوهجة. لم يعيد إرجاع أسطوانة في حفرتها سحر الغرفة. أبلغت فابولوسا بالأنباء السيئة.
"لم تعد الغرفة تتوهج بالسحر."
تجنبنا التواصل البصري. ذكرني الأمر بكسر مصباح عمتي المفضل. ادعت عمتي أنه مفضل لديها، رغم أنها لم تستخدمه قط. كانت تحتفظ بأشياء كهذه في منزلها، كراسي عتيقة لا يمكن لأحد الجلوس عليها، طاولات أثمن من أن يُأكل عليها أو تُستخدم مخافة خدشها. احتفظت بكل أنواع الخردة لتذكر الجميع بأن المنزل والمفروشات تخصها. خدم المباح أغراضاً إقليمية بحتة. دون معرفة وظيفة هذه الغرفة، عاد شعور الذنب المألوف.
تنهدت.
"لا يبدو أننا قادرون على التراجع عما فعلناه. سأستمر في انتزاع الأسطوانات ما لم تعتقدي عكس ذلك."
أمسكت فابولوسا لسانها وحفرت عند نقطة ذهبية أخرى. استأنفنا وتيرة ثابتة في إزالة الذهب الحر من الجدران. لم تقاطع أصوات فرقعة أخرى عملنا، وخفت حدة مزاجنا.