اكتفينا بما قدمناه لتلك الليلة. تبادلنا ضربات القبضات الودية ثم تسلقنا الغرفة المظلمة لنغط في النوم. نهبت وفابولوسا جثث الكوبولد الميتة في اليوم الثالث من رحلتنا. جمعنا أسلحتها البدائية ومئتين وستّاً وثمانين قطعة نقدية نحاسية. أحصينا ستّين جثّة تماماً كما توقعنا، لذا لم تكلف الكوبولد نفسها عناء حمل الساقطين منها. تفحصت جثة المشعوذ الذي صعقته بمهارة المدى الصاعق. كان يحمل ثلاثين قطعة نحاسية وقلادة تعويذة تمنح نقطتي قوة إرادة إضافيتين والتي التقطتها تشاريبيل.
كان يحمل أيضاً تميمة تمنح حائزها عشر نقاط نفوذ. على حد علمنا، لم يؤثر النفوذ في اللاعبين الآخرين. بدا التطبيق الوحيد مقصوراً على المفاوضات مع الشخصيات غير القابلة للعب حول الأسعار، وهو أمر لن نحتاج إليه في البرية. وبينما كنا أنا وفابولوسا ننبش البقايا، أصبحت تشاريبيل عيننا في السماء. تمددت على الأرض وأغمضت عينيها لتجنب الدوار.
هتفت: "هذا رائع حقاً يا شباب. أرى البحيرة وساحة مكشوفة على الشاطئ الشمالي الغربي. توجد صخور زرقاء ضاربة للرمادي على حافة البحيرة. يبدو الأمر كمنحدر يطل على الماء".
درست تعبيرات وجه صديقتي، لكنها بدت مسترخية بما الكفاية وهي مغمضة العينين.
سألتها: "ما ارتفاع المنحدر؟"
أجابت: "ليس عالياً جداً، بضعة طوابق على الأكثر. ينخفض أحد جانبي المنحدر مقترباً من الماء، وهناك نهر على الجانب البعيد من الصخور الزرقاء. توجد مصادر مياه وفيرة لمن يرغب في الاستحمام".
أطلقت همهمة تعقيباً على تلميحها.
قلت: "أجل. وماذا أيضاً؟"
تابعت: "يتجه النهر شمالاً بين سلسلتين جبليتين".
وبعد قليل، تجهم وجهها خوفاً.
وقالت: "يا للهول. طاردت كلو فأراً لكنه أفلت منها. يزعجني أن أقول إني سعيدة لفشلها في الإمساك به. كان لطيفاً للغاية".
بدت تشاريبيل وطائرها في حالة تكافل طريفة. أعادتني فكرة التحدث إلى الحيوانات إلى كلبي كاليكو. حين انتقلت للعيش مع عمتي، رفضت اصطحاب حيواني الأليف، فتوجب علي التخلي عنه. كان ذلك وقتاً عصيباً في حياتي، وفقدان كاليكو جعل الأمر أسوأ مرتين. عزمت على استئجار شقة تسمح باصطحاب الكلاب إن فزت بهذه المسابقة. أعادتني الأفكار المتعلقة بالفوز بمعركة البقاء إلى تفقد الواجهة. أظهرت واجهة المسابقة بقاء خمسين لاعباً في اللعبة.
لم يتغير شيء منذ أن أطحنا بتاردي. انتظرنا بضع دقائق قبل إلحاح تشاريبيل لنيل مستجدات.
صاحت: "حلقت كلو عالياً مجدداً، وهي الآن جاثمة على شيْء ما، إمّا غصن أو صخراً. إنها تتطلع حولها. يا لليأس لكونها خارج نطاق الاتصال. يبدو أنها تصطاد".
بعد بضع دقائق أخرى، فتحت تشاريبيل عينيها وأرمشت.
وقالت: "لا أعرف ما تفعله. لكني حصلت على نظرة جيدة للمنطقة على الأقل".
راقني توفر المياه.
سألت: "هل رأيت أي أماكن جيدة للاستقرار قرب الماء؟"
أومأت تشاريبيل مبتسمة.
وقالت: "توجد مصادر مياه وفيرة لكن من دون أشجار على طول البحيرة. بصرف النظر عن شريط صخري يمتد بمحاذاة الماء، يضم الشاطئ الشمالي مروجاً متموجة".
علقت قائلة: "يبدو ذلك جميلاً".
التفتت فابولوسا نحوي طلباً للتأكيد. ابتسمت وأومأت برأسي. أدى شعور فابولوسا بثقتها وعودتها إلى الأحاديث إلى تحسين مزاجنا. أشارت تشاريبيل بيديها.
وقالت: "إنه في الاتجاه الشرقي تماماً. على حد علمي، ما زلنا قرب سفوح الجدار العالي".
حزمنا أمتعتنا وانطلقنا لما نأمل أن يكون يومنا الأخير في السفر. خرجت كلو عن نطاق الاتصال التخاطري، لذا توليت الاستطلاع في المقدمة كالسابق. استوت الأرضية فقطعنا مسافة جيدة. أصبح السفر أسهل حين دخلت غابة صنوبر شاسعة. أزعجتنا الصوتيات تحت أشجار الصنوبر. فرشت إبر صنوبر بنية ميتة الأرضية، مما جعل موطئ القدم زلقاً، لكن باطن قدمينا المتعبتين رحب بنعومته. امتصت فروع الأشجار الدائمة الخضرة ضجيج الرياح المعتاد الصادر عن الأغصان والأوراق المفيففة.
كسر زقزقة الطيور السكون على ندرته ولم يمتد لمسافات بعيدة. أدت الظروف المظلمة إلى ذبول الشجيرات، بما في ذلك أدنى فروع الأشجار، مما أدى بشكل سخرية إلى زيادة الرؤية على مستوى الأرض. تغلغلت روائح الصمغ وإبر الصنوبر الميتة في الأجواء المخيفة. أغرتني الظروف بتشغيل مهارة الحضور، لكن الإعلان عن وجودنا في هذه العتمة لم يكن قراراً حكيماً. تنتصب أشجار عملاقة في ميروس، لكن ارتفاعها لم يبهشنا إلا حين تسلقنا فوق خط الشجر.
لقد بلغ ارتفاعها ثلاثين أو أربعين طابقاً، بما يعادل ارتفاع الفنادق في أتلانتيك سيتي على الأقل. لم يعكس الترحال تحت المظلة شيئاً من ذلك، باستثناء المرور أحياناً بجذع بسمك مرآب سيارات. لفت انتباهي كتلة من مادة رمادية لزجة متشبثة بكوز صنوبر. بدت كمصنوعة من الصوف الفولاذي وملمسها كملمسه. انتظرت حتى لحق بي رفاقي. ألقيت تعيّة التخاطر المعدني وأرخيت عقلي لدعوة المادة الاسفنجية لتزويدي بتاريخها.
لم تُنتج صوراً واضحة كالتي تنتجها الصخور أو الحجارة. ظهر تسلسل مزدحم من المشاهد في مخيلتي. تداخلت ببعضها البعض مانعة إياي من إدراك أي شيء يتجاوز ومضات من الأشجار. أياً كان الشيء الذي تشويش تعويذتي، فقد أثبتت المادة استحالة قراءتها. منحني مراقبة الرؤى فهماً ضعيفاً لمحيطي. سجلت ملاحظة ذهنية بتجنب استخدام تعويذة التخاطر المعدني في الظروف الخطرة. أطلعت تشاريبيل وفابولوسا على ما رأيته.
تفحصت فابولوسا الصوف المعدني.
وقالت: "يوجد لحاء وتراب في هذه الاشياء. تبدو كخيوط شبح العنكبوت".
عبست تشاريبيل بضجر.
وقالت: "ياله من حظ عاثر! لم يجب أن يكونوا عناكب؟ لمَ لا يكون شيئاً كدودة قز ناسجة للمعادن أو خراف فولاذية؟"
سخرت فابولوسا باستمتاع.
وقالت: "على الأقل نحن نقترب من البحيرة".
رفعت حاجبيها محولة كلامها إلى تساؤل. بحثت في الأفق عن الساحة المكشوفة التي وصفتها تشاريبيل. لم أستطع رؤيتها. امتدت الغابات المظلمة على مدى بصرى.
قلت: "إذا استقررنا بالقرب، فعلينا التأكد من أن العناكب ليست تهديداً".
علقت: "هذه مهمتك. الصبيان مسؤولون عن قتل العناكب".
همهمت فابولوسا موافقة وكأن تشاريبيل اقتبست قانوناً كونياً. بعد السير لمسافة اثني عشر ميلاً وأربع ساعات، أخذنا استراحة وتناولنا وجبة خفيفة من بقايا الأركيودون وشربنا الماء. خسرنا شيئاً من الارتفاع على مدار اليوم. تمددت تشاريبيل.
وقالت: "بهذه الوتيرة، سنقطع ثلاثين ميلاً اليوم. يجب أن نكون على شاطئ البحيرة الذي رصدته كلو خلال بضع ساعات".
أطعطت رأسي. بدا قطع ثلاثين ميلاً في اليوم أمراً مبالغاً فيه، لكني لم أبدِ أي اعتراض. تفقدت خريطتي. تقع باسيلبورو على بعد ثمانين ميلاً. كشفت خريطة واجهتي عن نحو مائة ياردة حول موقعنا، وكل ما يتجاوز هذا النطاق يخلو من المعالم. شعرت بالانقباض حيال تفاصيل رسم الخرائط حين صغرت العرض لأرى كمية ما لم نستكشفه. كشف رحلتنا عن شريط رفيع من المعالم الجغرافية المحاطة بضباب الحرب الرمادي.
قد نتعثر في قرية أورك أو عرين تننين. أشارت فابولوسا للأمام.
وقالت: "علينا التحرك".
التقطت التلميح لأتولى موقع المقدمة. استعددت لقتال محتمل نظراً لعيش الوحوش قرب الماء غالباً. عزز العمل ككشاف من مهارتي في البقاء، مما جعلني أبدو أقل شبهة بفتى غبي من جيرسي جاهل بما يفعله، وأكثر قرباً لشخص يألف هذه البرية. بدا رصد الحياة البرية كالأرانب أو الغزلان العملاقة أمراً سهلاً. توقفت لأرى إن كانت تشاريبيل ترغب في تجنيد أي منهما ليكون مرافقاً، لكن مع توفر فتحة حيوان أليف واحدة، فضلت انتظار شيْء صالح للقتال.
بدت مقتنعة بصقرها أيضاً. في وقت متأخر من المساء، بلغت مساحة مكشوفة، وهي بحر من العشب يمتد لأميال. كشفت واجهة خريطتي عن حقل شاسع ومفتوح بطول ثلاثة أميال وعرض ميلين. أطرت الأشجار الحدود الشمالية والغربية للساحة المكشوفة. حدها نهر من الشرق يصب في بحيرة كبيرة جنوباً. استدعى التوقف القصير عن المشي الانتباه إلى ساقي الخشبيتين. لم أرد المضي قدماً، لذا انتظرت حتى لحق بي رفاقي.
أثار تقدمنا اليوم إعجابي حتى عبر التضاريس المستوية، لكن ساقي تيبستا من الإرهاق وبدتا في حالة لا تسمح بالقتال إن صادفنا وحشاً. أثناء الانتظار، استندت إلى شجرة وتفحصت السماء وأمعنت النظر في احتمالية هطل الأمطار. رفعت رؤية النورس من معنوياتي. ذكرتني أصواتها بالوطن، واعتقدت أنه ينبغي لها أن تكون علامات حظ سعيد. حين لحقت بي تشاريبيل وفابولوسا، ناقشنا خياراتنا. بعد كمين الليلة الماضية، لم يكن بدء نار مخيم أخرى على رأس أولويات أحد.
أزالت فابولوسا بعض معداتها.
وقالت: "أعتقد أننا قطعنا رحلة أربعة أيام في ثلاثة. فلنسترح هنا".
استندت تشاريبيل إلى شجرة ومددت ساقيها.
وقالت: "لنقضِ ليلة أخرى في الغرفة المظلمة داخل الغابة. لقد مللت قديد الأركيودون، لكن لا يجب أن نشعل ناراً أخرى حتى نتأكد من أمان المكان".
لم يعترض أحد. استرحنا في الخارج حتى غروب الشمس. بعد أن رميت حبلي السحرية في الهواء، تسلقنا أسرتنا بتعب. استقبلنا المطر في صباح اليوم التالي. وكما هو متوقع، بدأ الرذاذ لحظة بلوغنا حافة الغابة. لم يكن الهطل قوياً بما يكفي لإطفاء نار، سيما تلك التي تبدأ بالسحر. ألقينا تعويذة الاحتراق على بعض الحطب وطبخنا لحم بومة الدب. شكل طعمه الشبيه بالدجاج تغييراً مرحباً به مقارنة بالأركيودون الليفي البري.
وقفت فابولوسا ويداه على خاصرتيها تحدياً للأمطار الغزيرة وتفحصت السماء بحثاً عن النورس.
وقالت: "أترغبون في متابعة التقدم شرقاً نحو النهر أم الانعطاف جنوباً نحو البحيرة؟"
امتد الأمر لبضعة أميال في كلا الاتجاهين. حد شاطئ البحيرة الجانب الجنوبي، لكني لم استطع رؤية شيْء سوى عشب المرج الطويل. حادت أعيننا نحو المطر المتساقط.
أجبنا بصوت واحد: "شرقاً".
فالمشي تحت مظلة الأشجار سيبقينا جافين. سرنا ساعة نحو ضفة تطل على نهر بعرض ربع ميل. بعد أربعة أيام من الترحال في غابات مقبضة، شكلت المنطقة المفتوحة تغييراً ممتعاً. أزعجت انهيارات أرضية عرضية العشب. تركت انهيارات تربوية طويلة ندوباً على سطح المرج، ولم يدرِ أي منا كيف يتعامل معها. تراوحت أطوالها بين عشرين ومائة ياردة وبدت كأنها حدثت منذ أشهر عديدة. اقترحت أنها قد تكون مسارات أسماك قرش أرضية، لكن فابولوسا عارضتني.
جادلت بأن هذه بدت عريضة ومستقيمة أكثر من اللازم. بدت الخنادق طبيعية كالصدوع الصغيرة. واستناداً إلى العشب النامي عليها، بدا بعضها أقدم من الآخر. لم نرصد أي عظام أو جثث حول الخنادق، لذا واصلنا السير شرقاً. بعد بلوغ النهر، انعطفنا جنوباً بمحاذاة ضفة النهر لنصف ساعة أخرى. أفسح عشب ضفة البحيرة المجال أمام حجر أزرق باهت. امتد الصخر عبر الشاطئ بحجم مدرج مطار. وحين انقشع الطقس، توقفنا وتفحصنا المحيط.
كشفت خريطة واجه بالكاد أن عرض الماء يبلغ نحو ثلاثين ميلاً. بالكاد استطعت رؤية الشاطئ البعيد في الأفق. بدا سطحه الهادئ عادياً وفق معايير الأرض، بلا أي أثار لوشاح مياه تخرج إلى الشاطئ. أثار منظر البحيرة إعجابنا بقدر ما أثارته الصخور الزرقاء المطلة عليها. منحنا نتوءنا الصخري إرادة رؤية ثلاث سلاسل جبلية بعيدة. تقع القمم الزرقاء شمالاً مباشرة، وتلوح أشواك المضاعفة عبر النهر في الاتجاه الشمالي الشرقي، بينما تؤطر الجدران العالية الاتجاه الجنوبي الغربي.
سيستغرق كل منها رحلة يوم على الأقل. اهتممت بجبل واحد تحديداً. تميز ايرمونت بكونه أقصر أقرانه وذو لون محمر يضم هضبة. انتصب على بعد عشرين ميلاً شمال موقعنا مطلّاً على نهر. وفقاً للشائعات، تقاعد سون نجال المدرب الاسطوري هناك. ربما يتسنى لي صعود مجموعة واسعة من الدرج لأصبح تلميذه. بلا درج، لن يكون تسلق الهضبة أمراً بسيطاً، لكن قاعدة الجبل استقرت قربنا على الأقل. تابعت تشاريبيل نظري.
وقالت: "أه! يبدو أنك وجدت شيئاً رائعاً. هيه يا فاب! انظري إلى الجبل الوردي القصير ذي القمة المسطحة بجانب النهر".
ظلت عينيها بيديها وهي تتطلع شمالاً نحو ايرمونت. تابعت فابولوسا نظرتها.
وقالت: "آه، نعم. أراه. الوردي هو لوني المفضّل".
شحب وجهي وتفحصت الأفق.
قلت: "تباً، انظروا إلى أولئك هناك. تلك الجبال عبر النهر هي أشواك المضاعفة. حيث يعيش الأورك. أتحلق كلو فوقها؟"
التفتت السيدات شرقاً عبر النهر لتتبع نظري. هزت تشاريبيل كتفيها بحماس أقل تجاه سؤالي. استدرت نحو الجنوب.
قلت: "وتلك الجزيرة المسطحة في البحيرة. أتساؤل عما يوجد عليها".
مجدداً، تبعن وجهتي ناظرات إلى جزيرة صخرية بعيدة تبعد أميالاً عن الشاطئ. أشبه صخرها الأزرق الباهت الجرانيت الذي نقف عليه. بعد لحظة من الإعجاب بالمنظر الطبيعي، كسر تشاريبيل الصمت.
وقالت: "ما رأيكم يا شباب، أيعجبكم هذا المكان؟"
أومأت أنا وفابولوسا برأسينا.
قالت: "جيد. لأن هناك فكرة أود طرحها عليكما. تعاليا، لنبحث عن مكان جاف للجلوس".
أشارت تشاريبيل إلى بروز حجري بارتفاع الخصر. تسلقنا فوق التشكيل واستقرمنا بارتياح. دل طلب الجلوس على رسمية غير معتادة، لذا استعددنا لشيء مميز.