ما إن تجسّدت على المذبح حتّى شكرت فورين صامتاً على تجفيف ثيابي. ألقيت نفسي بلا مبالاة على الأرض وسارعت بالخروج. كان المعبد يقف بجانب بوابة البحر، وهي برج القلعة الغربيّ أقصى الغرب. غطّى ضجيج المعركة المدارة في الأعلى على صوت رايتنا المعتاد وهو يرفرف بفخر في الريح. لم أمنح السفينة الحربيّة المقلوبة سوى نظرة خاطفة. انقلبت على ظهرها كسمكة ميّتة مانحة طاقمها جزيرة مؤقّتة يتسلّقون إليها.
حجب شكلَها طوقٌ من الحطام السابح. تمايلت حولها الحبال الممزّقة والصواري المكسورة والبراميل والقطع الأثريّة. دارت بها التّيّارات الدواميّة وبدت أبعد عن المنحدرات ممّا كانت عليه عندما أسقطتها. وكلّما طال بقاء السباحين متمسّكين بطوافتهم طالت مسافة سباحتهم نحو الشاطئ. تجرّد العوج من لباسهم حتّى بقيت جلودهم الصفراء. تخلّصوا مُكرهين عن عتادهم وغطسوا في الماء. شقّ كلّ واحد منهم طريقه محاولاً بلوغ اليابسة.
سينجو الأقوياء من التّيّارات ويبلغون الشاطئ محُمّلين بآثار التّعب والإنهاك. شطبت ذهنياً إحدى السرايا البحريّة من قائمة مهامي. ألقيت نعمة سماويّة وركضت ثلاثة سلالم حتّى قمة برج بوابة البحر. عندما بلغت الشرفات كان برج الحصار المتبقي يمتدّ فوق الخندق ويتّصل بالسور الواقع بين البرج الغربيّ والبرج الأوسط. شقّ مئات من العوج طريقهم صعوداً وتدفقوا خارجاً. شقّ الطليعة قواتنا مؤسّسين جبهتين على طول السور.
انتزع الغزاة السقالات الخشبية عند نقطة الاشتباك. تدلّت من برج الحصار قطعٌ من مأواها الدفاعيّ بعد أن انتزعتها السلاسل وكلابات الخطاف. تبع نهرٌ من العوج درج السلم المتحرك كذيل ثوب زفاف، وأخذ من لم يشارِك في القتال المباشر يهتف بصوت صاخب. أضفت صوامتهم الخشنة على الصوت شراسة عسكريّة. دفع الغزاة الصفوف التي أمامهم للأمام مجبرين إياهم على كسب الأرض. حفّزت هذه التكتيكات الطليعة التي قاتلت بضراوة.
كان البرج التوأم شاغراً على حافة صخرة هوكهيرست. تذكّرني قماش المنطاد بأشرعة السفينة الحربيّة الممزقة. غلف الهيكل كغطاء فوق قطعة أثاث. غطت طبقة رقيقة من الجير الحيّ المنطقة فرشتها كثلج خفيف داسه مئات الأحفية. تلّوى ضحايا المادة في العشب الطويل أو فرّوا نحو النهر. عالج بعضهم أنفسهم بدفعات ضعيفة من الاستعادة أو التجديد. أحصيت ذهنياً السريّة الثانية خارج المعركة. على الرغم من ازدحامه بالعوج كان البرج العامل يُدخن من حرائق صغيرة في الداخل.
رمى المدافعون قدور زيت محترق بداخله بأثر كبير. مع ذلك اصطف العوج عند قاعدته دافعين من هم أمامهم ليقتحموا اللهب. أعجبتني الهندسة المتينة عن قرب. لم يكن هيكلاً خشبياً نحيلاً متماسكاً بإطار. انتظرت شيئاً خفيفاً بما يكفي ليدفعه المحاربون عبر المستوطنة. بدل ذلك دعمت الهيكل جذوع ثقيلة من الخشب الغليظ. بدا أكثر صلابة من جدار طوبيّ. ولقد استخففت بمساحة الدرج الحلزونيّ. امتدّ برج الحصار لعشرين قدماً تقريباً بحجم بيت عمتي.
ثقبت الهيكل فتحتان بعرض ثلاثة أقدام. حطمت رصاصات الصخور عدة طوابق لكن شكلها المضغوط قلل الضرر. التحم البرج مع الشرفات في وقت نزول القوارب لذلك تدفقت أمواج العوج الأولى وحدها على المتاريس مقسمة القوات المدافعة إلى جبهتين. بعد التراجع عن الاندفاع الأول حافظت سريّة ثاكستر دلتا على مواقعها في الجبهة الشرقية. ألحقت وتيرة طعنات رماة الحلفاء الثابتة ضرراً عجز معالجو العوج عن تحمله.
عجز المدافعون عن التراجع بسبب ضغط الجنود من الخلف فسقطت الأجنحة الأمامية للعدو في الخندق ليحل محلهم غزاة جدد. بقيادة يولا قاتلت سريّة تشارلي خلف دلتا مسددة ضرراً عن بُعد. استخدم نصفهم المقلاع وتلقى مستخدمو السهام جعباً كاملة من المدافعين دون رماة بوضوح. حافظت سريّة تشارلي على معدل إطلاق نار مدمر. كادت الظروف المزدحمة تضمن نسبة إصابة تبلغ مئة بالمئة. صوبوا نحو العوج على الشرفات وحول قاعدة البرج.
من المرجح أنهم ألحقوا ضرراً يضاهي ضرر دلتا وإن كان في مساحة أقل تركيزاً. مع قتالهم بعلاوة التحمل الخاصة بالمحميّ أظهرت صفوفنا بقاءً مذهلاً. دَعمت شرائط الشفاء الذهبية دلتا لكن اللمسات الرحيمة كانت الفاصل. وقفت آلي في مؤخرة الجناح الشرقيّ وبحوزتها لوح رصدت من خلاله المواطنين وجهزتهم للاندفاع إلى الأمام ومنح القدرة التي تُمنح مرة في اليوم لمن يحتاجها. بين تشارلي ودلتا صمدت الجبهة الشرقية.
ساء حال الجبهة الغربية. لم تحمل ألفا رماة الحلفاء وحافظت على تشكيلها بثمن التنازل عن عشرات الياردات من المساحة على طول السور. ملأ العوج الفراغ سريعاً. خدمت برافا كفريق دعم ورماة لسريّة ألفا. كان بإمكانهم إلحاق ضرر عن بُعد يماثل فريق يولا تشارلي لكن انسحاب ألفا المستمر أعاق جهودهم. أدى تغير المواقع المستمر إلى تقليل معدل إطلاق نارهم بشكل كبير. تفاقم تعثر ألفا بعد تراجعهم متجاوزين البرج الغربي.
قسم العوج قوات ألفا إذ تراجع بعض المدافعين إلى داخل البرج ونزلوا درجه المتعرج. إذا استمر الغزاة في دفع خطنا الغربيّ فسيتدفقون إلى أراضى القلعة وينهبون معبد فورين والقاعة الكبرى. بسبب قتالنا على صخرة هوكهيرست لم استطع تقويض برج الحصار بالحفر. سيشكل هدفاً مثالياً للدوران لكن استدعاء الدخان المقدس محا قدرات فترة التبريد الخاصة بي. سأحتاج إلى انتظار يوم كامل لإعادة ضبط الدوران.
علاوة على ذلك لم أستطع الوصول إلى برج الحصار مع تخلي الدفاعات الغربية عن مساحة كبيرة. شققت طريقي نحو مقدمة خط المعركة. فوق الصخب نادى القائد جوردان العريف توران.
"الحاكم أباك يبلغ للقتال! يا توران ضعي اللمسات الرحيمة على الحاكم!"
ردد صوت توران الأمر على فريق دعمها. علّت أصوات من أمامي.
"افسحوا الطريق للحاكم!"
عندما بلغت المقدمة تبقّت لي دقائق قبل توفر التيار الانسيابي. قاتلت بلا مباركات ولا نقل وقدرات يومية بما في ذلك جبة الترجيع. ألقيت الاستعادة والتجديد على المدافعين الاكثر إصابة وسحبت السيف القصير. الشحن والطعن كانا بدايتي فضربت عوجاً كان يبرح العريف لازار ضرباً. بناءً على جراح هدفي السابقة سينهى النزيف حياته إن لم يتلقَ العوج شفاءً كبيراً. في مواجهة خصوم مسلحين عوّض تدريب دينو عن غضب العدو بزيادة.
وقفت بلا حركة كشجرة ودعمت سريعاً الجبهة المتعثرة. سمحت لي خوذة الرؤية الجانبية بالدفاع عن نفسي كلما تراجع حلفائي. تصديت للمهاجمين الساعين لتسجيل ضربات حرجة وتفاديتهم. عندما رأى مقاتلو ألفا أنني أثبت مكاني توقفوا عن التراجع وانضموا إلي. ومع لحاق الشفاء جمعت الشمل في الجبهة المنهكة.
"استعدوا للتحرك. علينا استعادة البرج الغربي. تقدموا للأمام الآن!"
انخفض شريط صحتي وارتفع مع عمل شفاءات وهجمات متعددة ضد بعضها البعض لكنه ظل قرب مستويات الخطر المقبولة. لم أنخفض أبداً دون خمسين بالمئة من رصيد صحتي. ومضت تأثيرات التعاويذ من حولي لكن الصوت الواضح الوحيد الذي سمعته كان العريف توران التي نادت الأهداف لإطلاق نار مركز. استخدمت قدرة تدعى البثّ عززت أوامرها. بدأت إرث سريّة ألفا كأول وحدة عسكرية في هوكهيرست. أثبتوا جدارتهم ضد ريزان وأثبتوا أنفسهم على السور مجدداً.
رغم تغير أعضائها تفوقت ألفا على العوج المتمرسين في القتال دون ميزة رماة الحلفاء. على الجانب الآخر من السور دفع مستخدمو الرماح السبعة باتجاه برج الحصار لكن ميزتهم انحنت من تدفق أعداء جُدد. لم يستطيعوا احراز أي تقدم إضافي. واثقاً من إبقاء حلفائي لي واقفاً دفعتُ للأمام. حافظت الميليشيا على جانبي على وضعيتهم متأخرين خطوتين وشققنا طريقنا ببطء نحو البرج الغربي. بدل الدخول تقدمت نحو نقطة الاختراق حيث التحم البرج بمتاريسنا.
خلفي قاد القائد جوردان فريقاً إلى داخل الهيكل لإبادة الغزاة وتطهير داخله. قاتل العوج بالداخل بارتفاع ضد المدافعين نازلين على الدرج. لكن مجموعة جوردان هاجمتهم من الخلف منهية ميزتهم. عندما توقف سجل قتالي عن تسجيل الطعنات الخلفية والضربات الحرجة علمت أنهم أتموا عملهم. عرضني الالتفاف عند زاوية البرج الغربي لنيران القذائف القادمة من نوافذ برج الحصار. عكس تجنب الذخيرة ذلك.
أرسل المدافعون كرات نار وقنابل حارقة مصنوعة يدوياً للداخل لكن العوج استخدموا ترقية تسمى الإخماد لإطفاء النيران. بدا منطقياً تركيز المهاجمين على مثبطات الحريق لحماية آلات حصارهم. تكبد العوج بالداخل ضرراً من الانفجارات واسعة النطاق لكن برج الحصار لم يشتعل تماماً. كلما اقتربنا من الاختراق زاد العدو مقاومته. لم تعد طعناتي وشحناتنا تكسبنا أرضاً. مرت خمس دقائق منذ استيقاظي على المذبح.
أطلقتُ وسيفي كرات انضغطت لتسقط نصف دزينة من العوج فوق الأسوار وإلى الخندق. أخبرني التراشق بالأسفل أنهم سينجون بسهولة من السقطة ويصطفون خلف برج الحصار مجدداً. اندفعت للأمام لأخذ الأرض الفارغة قبل العودة للوقود في جمود آخر مع القوة المعارضة. لم تكن سحر العوج بقوة مماثلة. بينما أمطرونا بسهام الجليد وألقوا حروقات وكرات نار عرضية أصابت تعاويذهم بضرر طفيف فقط. احتفظوا في الغالب بالمانا للشفاء مؤدين قدرات مثل الضرب السريع والصد والدفع للخلف.
أطلق كل عوج تقريباً التوقع لكن ضربة التجسيد وضربة الدرع شكلتا الخطر الأكبر. دربنا العرفاء على تمييز الحلقات المميزة المرافقة لهما وتعلمنا دعم الجنود المصابين بالدوار حتى زال التأثير. حفرنا هذه التفاعلات في ردود أفعالنا وتصرفنا بذاكرة العضلات. عندما أصابني الدوار هربت بإطلاق التيار الانسيابي الذي احتفظت به للطوارئ. خلق اختفائي ثقوباً سارع المهاجمون والمدافعون لملئها.
مرت خمس دقائق وحصلت على مزيد من كرات الضغط. هذه المرة حذرت مقاتلي الاشتباك القريب.
"استعدوا للاندفاع للأمام. سأصيب جمعاً منهم بالدوار وأطير آخرين عن السور!"
عندما انتهت فترة تبريد احتراق القمر البالغة عشر دقائق فعلت درع مانا بمئة نقطة وغصت في العدو ووجهته أثناء الدوران في قوس بمئة وثمنين درجة. اندفعت سريّة ألفا للأمام لضربات حرجة مجانية. وبينما سقط العوج ألقيت مجموعة أخرى من كرات الضغط مطهراً حشود الأعداء في الأمام. مجدداً شحنت ألفا لملء الفراغ. هتف مئات من العوج داخل البرج في قاعدته غير مبالين بأرضنا المستعادة. قاتلنا في طريقنا إلى برج الحصار.
عالقين بين دلتا وألفا قفز العوج الجرحى في الخندق. أنقذهم هربهم من ضربة قاضية لكن رحيلهم ترك حلفاءهم يشككون في فرصة البقاء في قتال على جبهتين. لم يؤثر الهجوم المتعثر على معنويات العوج. دعّموا خطوطهم بالعودة لبرج الحصار حيث تمتّعوا بغطاء كثيف من رماة سريّة برافا وتشارلي. رآني فين المقاتل في دلتا وهز سلاحه المطرقة المسماة الفوهة. راشيل عضوة دلتا سارعت للانضمام إلي. حملت رماح الكسر بينما واجه رماة رماح الحلفاء برج الحصار.
صاحت في وجه القائد جوردان.
"هل بقي لديك أحد باللمسة الرحيمة؟ نفدت اللمسات الرحيمة لدينا وتراجعنا للشفاء العادي. لقد نفدت مانا لدينا تقريباً!"
تفحصت لوحات أسماء الجميع. وقفت الميليشيا برصيد مانا منخفض ومع ذلك اصطف اعوج لاختبار بأسهم. بدون اللمسات الرحيمة لم أرى سبيلاً لإمساك نقطة الاختناق. صاح ثاكستر فوق الضجيج.
"يمكننا إمساكهم لوقت قصير لكن هذه الرماح لن تبلي بلاءً حسناً بالداخل!"
انخفض رصيد مانا الخاص بي إلى عشرة بالمئة وبدون إنعاش مانا لم أرى سبيلاً للقتال عبر باقي قوات الإمبراطور. لعلنا قتلنا مئتين على الشرفات لكن مئات أخرين انتظروا بالأسفل.