لم تكن العلاقة بين التنانين والاقزام وفاقية دائما. عرف دوموينغ هذا جيدا. كان الجشع مشكلة عند الجنسين. لم يكن الامر مشكلة في العصر الاول. كان الملوك هناك وكانت الاقزام حلفاء مقربين للعمالقة. في تلك الايام لم يكن الععمالقة قد انعزلوا بعد وكان اشدهم باسا كافيا ليجعل حتى تنانين الاساطير القديمة تحسب الف حساب. حين استيقظ الملك المكسور لم يتخلف الععمالقة عن واجباتهم. انطلقوا ليخوضوا المعارك لضمان ان يتمكن الملوك من الاجتماع ودفعوا الثمن غاليا لشجاعتهم.
دفعوا الى حافة الانقراض وعانوا بضراوة في العصور التالية لترميم اعدادهم. اخبرته الام الشجرة ذات مرة انه بقدر ما كان صعبا على التنانين بلوغ اليقظة الرابعة كان الامر اصعب بالنسبة للعمالقة ليصبحوا عمالقة كبارا. بحسب الحورية كان الععمالقة من بين اقدم ابناء الملوك. هيئاتهم الضخمة صُنعت على صورة الملوك السبعة الذين كانوا كائنات ضخمة حقا تطغى حجما على الملوك الاصغر مثل ديون.
اضافة الى ذلك فان حلفهم مع الاقزام دفع الععمالقة لتغطية انسحاب الاقزام حين حاصر الملك المكسور وطنهم الاصلي. هكذا سقط العديد من العمالقة الاخرين مختارين التخلي عن حياتهم قبل ان يتخلوا عن شرفهم. في العصور التي تلت اشتتبكت الاقزام والتنانين من حين لآخر. احبت التنانين الكنز والثروات كما لم يفعل غيرها وكانت الاقزام اسوأ بقليل. في بعض الاحيان كانت الاقزام تسعى لاخذ ما ينتمي حقا لتنين.
في اوقات اخرى كان تنين يسعى لنهب مملكة اقزام جشعا وحسدا ببساطة. مع ذلك لم تتشابك كل التنانين والاقزام. كان والد دوموينغ على وفاق حسن مع اقزام العصر الاول وعدّ دوموينغ بعض اقزام العصر الثالث اصدقاء مقربين حقا. حتى خارج القلة التي عدهم اصدقاء لم ير دوموينغ سببا يذكر لتمني الشر للاقزام. لم يكن لصوصا دنيئا وايا كانت الكنائز التي قد تمتلكها اقزام العصور اللاحقة فمن المستبعد ان تملك شيئا يلفت انتباهه حقا.
بالطبع ان سعت اي من الاقزام لاخذ ما يخصه حقا فانه سيواجهها بالنار واليابسة والمخلب. فعل ذلك اكثر من مرة مذكرا اياهم انه مهما كانت رماحهم وفؤوسهم وسيوفهم ومطارقهم عظيمة فهي اقل من اوراق شجر امام جحيم حين تواجه غضبه. مع وجود الاقزام تحت امرته الان لم يكن يستطيع التسرع في اختيار التنانين للمنطقة التي يعيشون فيها. اي تنانين يختارها يجب ان تكون قادرة على الانسجام معهم.
ومن المثالي ان تنظر حتى الى الاقزام بعين رضى. لحسن الحظ وجد تنينا كهذا تحديدا خلال وقته في الاجتماع واحضره معه. كان ذلك التنين بايرهارت من سلالة اشهارت نفسها وان كان في اليقظة الثانية فحسب. مع ذلك كان لديه اهتمام حاد بالحرفية وخلفية توحي بانه لن يواجه مشاكل في العمل مع الاقزام. في الواقع تلك الخلفية بالذات هي ما جلب بايرهارت الى انتباهه.
طفق دوموينغ يملي عينيه بالتنين الأصغر الواقف أمامه. تنين من الإيقاظ الثاني. ومن سلالة آشهارت أيضاً. وإن خالف مظهره صديقه قليلاً. بدت هيئة هذا التنين أشبه بقطع سبتيّة مسننة ملتحمة، لا صخوراً منصهرة. غير أن الضوء البرتقالي المشؤوم المتسلل من بين حراشفه كان متشابهاً. وربما كان هو مصدر اسمه أيضاً. أكثر ما لفت انتباه دوموينغ هو رسوخ أساساته المطلق ونقاء سحره. تجاوز هذا الأمر حدود الموهبة البسيطة.
وما هذا إلا ثمرة كنز لا يُقدر بثمن استُخدم أثناء إيقاظه. ومع ذلك كان بايرهارت تنيناً مُستقلاً بلا ظهير كبير. للحق، كان معروفاً. فقد زكّاه تناسُب حارق ورفاق يخضعون لسيطرة كواككلو وآشهارت. وكما تشهد كل الروايات، تمتع بايرهارت بموثوقية ونزاهة في معاملاته.
سأل دوموينغ: "أترغب في الانضمام إليّ؟"
أومأ بايرهارت برأسه. عيناه برتقاليتان ساطعتان كالحمم الطازجة.
وأجاب: "أرغب".
"لماذا؟"
سؤال في غاية البساطة. لكن إجابته ستكشف الكثير.
"عاملت تنانين تخدم آشهارت وكواككلو. كلاهما أقرب إليّ شبهاً منك. فلماذا تخدمني لا هما؟ أهو الطموح المجرد؟"
يصعب على تنين مستقل أن يعتلي المراتب في فصيل رسوخ أقدام الكثيرين فيه مسبقاً. إن أجاب بايرهارت بنعم، فلن يسيء دوموينغ الظن به. الطموح في حد ذاته ليس شراً. ينبغي للتنين أن ينشد الترقي والمجد. لا يتحول الطموح إلى آفة إلا حين يطغى على الواجب والولاء والحكمة. تلك كانت خطيئة صولسيكر. لم تكن الرغبة في تفوق ريغال فليم خطيئة، بل كان السماح للطموح بدفعه نحو ذلك الخيانة هو سبب هلاكه.
درس بايرهارت كلماته بعناية.
"لن أنكر رغبتي في بلوغ شأو عال. أنا أيضاً أنشد أموراً أعظم. وأعترف بأن تحقيقها أصعب عليّ في فصائل تجذر الآخرون فيها مسبقاً. بيد أن هذا ليس السبب الرئيسي لقصدي إياك".
"إذن لماذا؟"
قال بايرهارت: "لأن تحت إمرتك أقزاماً".
ضيق دوموينغ عينيه. سأل آخرين عن تاريخ بايرهارت. لكن التنين الآخر أحاط ماضيه بحراسة شديدة. ما استطاع أحد إخباره بما فعله قبل بلوغ إيقاظه الأول.
فقال دوموينغ: "تكلم. لكن اعلم أني سأدرك إن كذبت".
رد بايرهارت: "لا نية لي بإخفاء الحقيقة".
وأطلق خحخات خافتة.
"في الواقع، تمنيت مراراً الحديث عن الأمر لكني لم أجد الوقت المناسب قط".
وهز رأسه.
"فإن لم يكن الآن، فمتى؟"
انبعثت رجفة من أعماق صدره. وتوهج النار الكامن فيه قبل أن يخبو حتى بالكاد تبين الضوء البرتقالي بين حراشفه.
"كنت صغيراً حين أسقط النسور العظام والديّ. عشنا في الجبال. وكان النسور يسيطرون على القمة المجاورة لنا. لكنهم كثروا، وما عادت جبلهم تسعهم جميعاً. فجاءوا لأجل جبلنا".
صمت دوموينغ. النسور العظام خصوم أشداء للتنانين الضعيفة، سيّما بأعداد غفيرة. قد لا يملكون الحجم المطلق والقوة البدنية لمواجهة تنين وجهاً لوجه، لكنهم قلة يضاهون التنانين في القتال الجوي. ومع كفاية الأعداد وحسن التنسيق، لا يُمثل سقوط تنانين الإيقاظ الأول أو الثاني أمراً غير معتاد، خصوصاً إن انعزلوا وابتعدوا عن المدد. بطبيعة الحال، يقلّ إقدام النسور العظام أمام التنانين الأقوى.
توجد عدة أسراب من النسور العظام في الأراضي القريبة من مقاطعة ريغال فليم، لكن مرّت عصور منذ أن تجرؤوا على مطاردة تنين. المرة الأخيرة التي أبدوا فيها مثل هذه الجرأة، جلبَت هي النار والدمار لأعشاشهم. كان زعيمهم، نسورياً يُدعى تايفون تالون، أحمق بالقدر الكافي لملاقاته في المعركة. لقد كان تايفون تالون قوياً، نسراً وُلد في العصر الثاني. مزقته ريغال فليم إرباً ثم ألقت بجثته المحطمة فوق الأعشاش قبل أن تضرم فيها النار.
ولم يبقَ من تلك الأعشاش سوى فوهات عظيمة من الصخور المنصهرة. وما عاود النسور تحديها قط. توهجت عينان بايرهارت بلطف، وتسللت خطوط صفراء وسط البرتقالي.
"كنت صغيراً حينها، أصغر وأضعف من أن أعينهم في المعركة. أمروني بالفرار والتواري في مكان دلوني عليه من قبل. وعدوني بالعثور عليّ بعد انقضاء المعركة. انتظرت هناك ثلاثة أيام".
تمتم دوموينغ: "ولم يأتوا للبحث عنك، أليس كذلك؟"
"لا. حقاً، أدركت بعد اليوم الأول حتمية موتهم. لو انتصر والداي في المعركة، لما استغرق الأمر يوماً كاملاً. وإن خسرا، فلن يبقيهما النسور على قيد الحياة قط. لكني انتظرت رغم ذلك. ما زلت أرجو، مهما بدا الأمر أحمق. لكني في اليوم الثالث، ما عاد بإمكاني تجاهل الحقيقة، ولا مقاومة جوعي".
قبض بايرهارت مخالبه.
"هربت بعيداً عن الجبال. كنت صغيراً نعم، لكني أدركت ما سيحل بي إن عثر عليّ النسور. مكثت في الغابة حيناً أصطاد الأيل وغيره من الفرائس. لكن صغر سني آنذاك جعلني طفلاً أحمق وغراً. في إحدى مرات الصيد، اصطدمت بهيدرا. كان عليّ الهرب، لكن الجوع أكلني فقاتلت. وانتهى الأمر بسوء".
التوت شفتاه.
"نجوت بأعجوبة، لكني ما قدرت حتى على بلوغ الكهف الذي اتخذته وكراً. بل انهيارت في الطريق".
قال دوموينغ: "محظوظ أنت لنجاتك. تنين يافع، جريح ووحيد، يتربص الكثيرون لاغتنام هكذا موقف".
حتى قلب التنين اليافع وأعضاؤه الأخرى قد تفيد الكائنات الساعية للارتقاء كثيراً.
"ماذا حدث؟"
"حين أفضت، وقف فوقي قزم عجوز يحمل فأساً".
ضحك بايرهارت خفيفاً.
"ظننت أنه سيقتلني".
"لكن...؟"
"بل ضحك وأبعد فأسه. قال إنه لو كنت ميتاً حقاً، لشق صدري واقتلع قلبي، لكن لما كنت حياً، فسيساعدني".
ابتسم بايرهارت باتساع.
"حين سألته السبب، أجاب بأن قتل طفل، حتى لو كان طفل تنين، سيكدر منومه ليلاً. لم أصدقه في البداية، لكنه منحني جرعات عدة وعالج جروحي. واستفسر عن سبب بلوغي هذه الحال المزرية. وحين أخبرته بقتالي الهيدرا، وصفني بالأحمق وقال إن والديّ وجبا تعليمي أفضل من ذلك".
لم يبرز في نظرة بايرهارت أي حقد، بل حنين دافئ أدركه دوموينغ تمام الإدراك.
"ثم أخبرته بموت والديّ قبل تمكنهما من هدايتي. رمقني بنظرة... ثم أمرني باتباعه. تري، كانت له مقصورة في الغابة، وهناك أمان لي حتى أتماثل للشفاء".
سأل دوموينغ: "أذهبت معه؟"
أومأ بايرهارت.
"أدرك مدى حماقة الأمر، لكني بقيت وحيداً منذ رحيل والديّ. تملكتني الوحدة، وبدا لطيفاً".
عقب دوموينغ: "قد تدفع الوحدة الناس لأفعال غريبة".
"لحسن الحظ، لم يكن لطفه تمثيلاً. امتلك مقصورة حقاً، وسمح لي بالمكوث فيها لحين شفائي".
تنهد بايرهارت.
"حين حان أوان الرحيل، ترددت، وهنا عرض عليّ القزم عرضاً. كان وحيداً مثلي تماماً، ويكسب عيشه من الصيد والتعدين في الغابة وبيع ما يصطاده أو يجده في بلدة قريبة. مع ذلك، تقدمت به السن، وبوسع الاستعانة بيد مساعد وأنس. سنقتسم الغنائم مناصفة ونعمل سوية. وعرض أيضاً تلقيني ما يعرفه عن الصيد والحرفية، إضافة لسبل البقاء في الغابة".
"لا بد أنك ارتبت".
"ارتددت، لكن الوحدة واليأس أكلاني. كنت محظوظاً بنجاتي من الهيدرا. ولم أظنني سأحظى بمثل هذا الحظ مجدداً. فكرت أيضاً أن خانه، استطعت قتله. وعلى الأقل، سيكون قتله أيسر من الهيدرا. وإن أوفى بوعده، فمكاسبي جمة، فلم لا أجرب؟"
رفع بايرهارت بصره نحو السماء.
"لقد كان أفضل قرار اتخذته بحياتي".
"أحقاً كذلك؟"
أجاب بايرهارت: "مكثت رفقته ثلاثين عاماً. وخلالها، واجهنا أعداء كثر واستخرجنا كنوزاً جمة من باطن الأرض. علمني كل ما خبره عن البقاء بالالغابة وقهر كائناتها، إضافة لما ألمّ به من حرفية الأقزام وسحرهم. ألا ترى، لم يكن له أهل أو صحب. كنت كل ما يملك، فمنحني كل ما يملكه".
انقلبت ابتسامته حزينة.
"وكنت كل ما أملك. لقد... عددته عائلتي حقاً. ثم ذات يوم..."
غيمت نظراته بالحزن.
"تشاجرنا. لقد كان أمراً فظيعاً. وفي النهاية، أمرني بأخذ كيس التخزين الذي أملكه والرحيل. فاستبد بي الغضب وفعلت تماماً ما أمرني به. غادرت ولم ألتفت وراءه. ولم أكتشف لاحقاً، وبعد أن هدأت بوقت طويل وعكفت على تفقد كيس تخزيني، إلا أنه ترك رسالة لي داخله".
عاش دوموينغ طويلاً بما يكفي لتوقع ما سيأتي.
"لقد كانت تمثيلية، أليس كذلك؟ لقد طردك عمداً".
انقبض فك بايرهارت، واشتعلت النيران في جوفه حتى فاض الضوء البركاني من بين حراشفه. بدا الأمر كالتحديق في نصب سبتي عظيم ومشتعل.
"شرح في رسالته سبب عيشه وحيداً بتلك الغابة. في شبابه، كان قزماً رفيع المقام. كان منقّالاً ومحاربًا عظيماً، شأنه شأن أبيه، وأبيه وصولاً لنهاية العصر الثالث. وقبل لقائي بدهر، عقد العزم على بلوغ جبل عده قومه ملعوناً. لقد كان مكاناً بائساً، وهلك كل من سعى لاستكشافه بطرق مروعة. لكن صديقي وثق بقدرته على قهر لعنة الجبل. ذلك الجبل امتلكه ملكه. وثرية كانت عائلة صديقي، فعرض على الملك ثمناً ملكياً حقاً لشراء الجبل وكل ما يحويه. ووافق الملك، فقاد صديقي حملة عظيمة لذلك الجبل. وبدهاء وحكمة واستعداد دقيق، نجوا من لعنة الجبل. توغلوا في أعماقه، واكتشفوا كنوزاً وفيرة. ومن بين تلك الكنوز، برز كنز فاخر يفوق البقية قيمة. وحين سمع الملك عنه، استبد به الطمع".
قال دوموينغ: "طالما كان الطمع آفة الأقزام. يحتاط خيارهم منه بحذر، ويقع أشراهم فريسة له".
"نكث الملك بعهده، وطالب بالكنز الذي عثر عليه صديقي. وحين تردد صديقي، هاجمت قوات الملك. قُتل أهل صديقي، ومعه العديد من صحبه وأتباعه. ولم ينجُ سواه وثلة قليلة. وعقب ذلك، تواروا عن الأنظار. لكنك تعلم ما يحل بالأقزام متى فارقوا جبالهم".
قال دوموينغ: "يتضاءلون. وتلك السنين الطويلة الممنوحة لهم تتبدد كالسحاب على النسيم".
"نعم. واحداً تلو الآخر، فارقه رفاقه الباقون، سواء بنحس، أو معركة، أو التضاؤل الذي تذكره. في النهاية، بقي وحده، يقتات من الغابة بعيداً عن أعين المملكة التي خلفها وراءه. كم اعتصره الأسى. وكم من ليلة أمضاها محدقاً بالظلام متسائلاً عن الجرم الذي ارتكبه ليستحق هكذا مصير. ثم التقاني".
ابتسم بايرهارت باسترخاء مرير.
"أدرك دنو أيامه. لم يكن له صحب يتقاسم معهم تلك الأيام، ولا أهل أو أتباع يحملون إرثه من بعده. لم يوجد سوى تنين أحمق ويافع. لم يوجد سواي".
قال دوموينغ بهدوء: "لقد اكتُشف أمره. لهذا السبب أبعدك، أليس كذلك؟"
صمت بايرهارت طويلاً.
"نجاحنا هو ما قضى عليه. فبالعمل معاً، حققنا إنجازات ضخمة، وجذبت تلك الإنجازات اهتماماً غير مرغوب فيه. تجار تلك البلدة، ودون علم صديقي، شرع بعضهم بالتعامل مع المملكة التي فرّ منها. وخلال إحدى رحلاته لجلب المؤونة، رآهم صديقي، وأيقن بأن العثور عليه بات مسألة وقت لا غير. أنظر، لم يسلم ذلك الكنز الذي وجده للملك أبداً. هرب به، لكن لمعرفته بأن الاحتفاظ به لا يشكل أماناً، أخفاه بعيداً عن مقر استقراره. كانت خطته استعادته فور إعادة تأسيسه هو ومن تبقّى من أتباعه، لكن ذلك اليوم لم يأتِ قط".
أردف دوموينغ: "تشاجر معك لترحل؛ لأنه لو أبقاك لمت. بعد ثلاثين عاماً فقط. لكنت لا تزال تنيناً لم يُوقظ. وقزم عجوز وتنين بمستواه يواجهان نخبة مملكة أقزام حقيقية... ما كان لهذا إلا أن ينتهي بنتيجة واحدة".
قال بايرهارت: "لكنت متُّ مسروراً بالقتال بجانب”. "ولهذا حرص على خداعي أنا أيضاً.
وفي نهاية الرسالة، دلني على مكان الكنز". سأله دوموينغ: "أعثرت على الكنز؟"
أخرج بايرهارت صندوقاً. وتعرف دوموينغ على مادته. إنها مادة صنعها الأقزام لإخفاء الأشياء بالغة القوة. وبذاتها تمثل كنزاً يفاخر به أي تنين من الإيقاظ الثاني. بل تعد ممتلكات فاخرة حتى لتنين من الإيقاظ الثالث. حقاً، لقد كان صديق بايرهارت صانعاً ماهراً أو شديد الثراء لامتلاك شيء كهذا. فتح بايرهارت الصندوق، فاتسعت عينا دوموينغ.
تمتم دوموينغ: "هذا... أمر عظيم. والتفكير في أن صديقك عثر على قلب جبل، وليس جبالاً عادية. إنه قلب بركان".
أغلق بايرهارت الصندوق.
"كنز يفوق ثمن مملكة بأكملها - كنز كلف صديقي كل شيء".
قال دوموينغ: "شجاع أنت لإظهاري هذا. ألا تخشى سلبي إياه؟"
هز بايرهارت رأسه.
"هذا أول لقاء يجمعنا، لكنك دوموينغ. سيرتك معروفة للكثيرين. ولو ظننتك من صنف التنانين السالبي الأشياء، لما كنت هنا".
توقف هنيئة.
"ثم، إن أردت التقدم، فلا يمكنني مواصلة إخفائه".
حدق دوموينغ بالصندوق.
"أرنيه ثانية".
فتح بايرهارت الصندوق.
"أدرك. فاقت القوة الكامنة فيه حاجتك لبلوغ الإيقاظ الأول والثاني. لكن تلك القوة شرعت بالخبو والتضاؤل. لست أحمق. ولا بد أنك تدرك قدرة قلب البركان على امتصاص السحر المحيط. فإن استطعت استعادة طاقته السابقة، فسيغدو محفزاً مثالياً لإيقاظ ثالث، بل رابع. لكن بعث الحياة في غرض عظيم كهذا لن يكون سهلاً. أنت بحاجة لمكان مهيب حقاً، وتلك الأماكن تحت سيطرة التنانين البدائية أو أشباههم بالقوة".
أجاب بايرهارت: "نعم. والداي ميتان. وصديقي ميت. وما بقي سواي. تكريماً لذكراهم، يجب أن أمضي قدماً. يجب أن أبلغ إيقاظاً أعمق".
وحنى رأسه.
"لهذا أود الانضمام إليك. تحتضن أرضك بقاعاً قادرة على إحياء قلب البركان. إضافة لوجود أقزام تحت إمرتك. علمني صديقي كل ما عرفه، لكنه طالما تحدث عن ولعي بحرفية الأقزام ومتعجباً من احتمالات اكتساب المزيد من المعرفة عبر أسياد آخرين. افترقنا قبل تحقق ذلك، لكن الوقت لم يفُت بعد لتحقيق أمنيتي. لقد تحدثت عن روعة مزج أشكال سحرية مختلفة. وأوافقك الرأي، ولا أحسب بين الأحياء تنيناً غيرك أقدر منك على دمج سحر التنانين بسحر الأقزام وحرفيتهم".
أمعن دوموينغ النظر في بايرهارت.
"لقد صدقت القول. حسناً. سأقبل بك".
انحنى بايرهارت.
"لك مني الامتنان والولاء. لن أخذلك".
سأل دوموينغ: "قل لي، أتدرك ما آلت إليه حال الأقزام الذين تعقبوا صديقك؟"
"لا أدري. كنت أضعف من مطاردتهم آنذاك، وحين قويت، حلت الكارثة السادسة بالعالم".
"آه".
طلب دوموينغ من بايرهارت إخباره بالمزيد عن الفصيلة التي انحدر منها صديقه. وشارك التنين الأصغر كل تفصيلة ألمّ بها.
"إن كانوا أولئك الأقزام... فالانتقار مستحيل إذاً".
سأل بايرهارت: "ماذا؟ ماذا حل بهم؟"
"غطست في سبات طوال الألف سنة الفارطة، لكن في لحظات استيقاظي، تواصلت بمن أعرفهم. ومن بينهم، غامر صديق لي في الأرض التي سيطر عليها هؤلاء الأقزام قديماً. بغية تكليفهم بصنع بدلة درع. لكنه حين بلغ الجبال حيث قامت قاعاتهم، وجدها خاوية. وبسحر الدماء، التمس حقيقة الماضي. وكما تعلم، دفعت الكارثة السادسة الكثيرين للجنون. انقلب الأهل على الأهل، والصديق على الصديق. ومع وجود... هكذا بشر خونة بينهم، كالمالك الذي غدر بصديقك، فما ترجح حدوثه؟"
همس بايرهارت: "تقاتلوا فيما بينهم".
"نعم. غرقت قاعاتهم بدمائهم. ومن نجون من ذلك الجنون تفرسوا كالريح، وعجزوا عن صمد القاعات بوجه الأعداء. وسواء بقي أي من نسلهم، فلا أستطيع الجزم، لكن مملكتهم غبار، وقوتهم تحطمت".
قال بايرهارت: "نهاية تليق بهم".
راقب دووموينج بينما كان بايرهارت يتحدث إلى الأقزام. بدا أنهما متفقان تماماً. بل لم يمض وقت طويل حتى أخذا يتناقشان في أمور الكيمياء والصنعة الغامضة إلى جانب شتى تقنيات الحدادة والتعدين. حقاً لقد أحسن صنعاً بقبول بايرهارت في خدمته. ومع هدوء الحديث المفاجئ تكلم دووموينج.
"صديقك".
قال لبايرهارت.
"عليك إخبار الأقزام باسمه كي يبنوا له ركماً من الحجارة تخليداً لذكراه. كانت تلك عادة أقزام أصل صديقك في ذلك الزمان. لم تعد شائعة الآن لكنهم لا يزالون يتذكرون كيف يفعلون ذلك".
"ركماً؟"
سأل بايرهارت.
"أولئك الأقزام، الذين ينحدر منهم صديقك، بنوا ركوماً لإحياء ذكرى موتاهم. لم تُتَح لك قط فرصة دفن صديقك، لكن لا يزال بإمكانك بناء ركم له".
كشف دووموينج عن أنيابه.
"اعتقد أولئك الأقزام أن أرواح من يُتذكّرون وحدها هي الأبدية. أولئك الذين قتلوا صديقك. من يعيش الآن ليتذكرهم؟ أما أنت... فما زلت تحيا، وما زلت تتذكر صديقك. لقد زالوا هم. أما صديقك فخالد".
ارتجف بايرهارت ثم أومأ برأسه ببطء.
"كانت لك صداقات بين الأقزام".
قال.
"كيف كنت تكرمهم؟"
"لم تكن هناك أجساد لأدفنها، والمواطن التي سكنوها ابتلعها البحر أو هوت من السماء. لقد تكفلت الكارثة الثالثة بذلك".
نفض دووموينج جناحيه.
"لكنني أتذكرهم جميعاً، وأسماؤهم مدونة على النصب التذكاري فوق الهضبة الكبرى. ما دام العالم قائماً، وما دام في صدري نفس، فلن يُنسوا أبداً. هكذا أُكرمهم".