"لن يطول انتظارنا حتى يصلوا"، هكذا قال الأخ التنين.
مدّ شيان يده ليُثبّت هايتاو فوق رأسه. استمرّ السمندل قادراً على الاستقرار براحة تامة فوق هامته الآن، لكنّه جهل مدى بقاء الحال هكذا. أخبره الأخ التنين بأنّ السمندلات تبلغ أحجاماً مهولة حقاً.
"أسيُرسلون إشارةً قبل وصولهم؟"
ضحك الشبيه بتهكم.
"طول جناح الهلاك ميلٌ كامل. فأيُّ إشارة يحتاج إلى إرسالها؟ مجرد إطفائه لسحر التخفّي كفيل بجعله ظاهراً للعيان، ناهيك عن المرافقين له".
"أما عن أولئك…؟"
"تنانين"، ردّ الأخ التنين.
"سيبقى بعضهم في هذه الناحية. ويرافق الباقون جناح الهلاك إلى مكان آخر. أما المقيمون هنا فهم الأنسب للشواطئ أو الغابات الاستوائية وأشجار المنغروف. لا داعي لخوفك منهم. فقد أقسموا بالولاء لجناح الهلاك. ولن يلحقوا الأذى بك أو بقومك. بل سيخضعون لإشراف مباشر مني".
"إذن ستبقى في هذه المنطقة؟"
سأل شيان. تعرّف إلى الأخ التنين جيداً، أو هكذا بدا له، فعدّ الشبيه صديقاً له. كان الأخ التنين ضئيل الحجم شديد البأس. والأهم من ذلك أنه كان حكيماً عليماً، ومسروراً بنشر حكمته ومعرفته لمن يراه أهلاً لذلك. كما أنّ قصر قامته جعل الحديث معه أيسر. فلم يدرِ شيان قط أين يوجه بصره حين يخاطب جناح الهلاك. استحال تقريباً تلافي نظرات التنين الحادة مع فارق الحجم الهائل بينهما، في حين بدا مخاطبة قدميه أو ذيله ضرباً من قلّة الأدب.
"نعم. فنقلي إلى مكان آخر لن يجدي نفعاً".
توقف الأخ التنين برهة.
"علاوة على ذلك، أنا أستمتع بالبقاء هنا. الجوّ… هادئ، رغم جهلي بمدة دوام هذا الهدوء".
عقد شيان حاجبيه.
"أثمة خطب؟"
"ربما، لكن ليس من النوع الذي يعينك القلق بشأنه".
تحول بصر الأخ التنين إلى الشاطئ أمامهما. انبثقت أشكال بشرية عدة من بين الأمواج، وتطاير الماء عن حراشفها.
"جميل. لقد وصلوا في الموعد".
أخذ شيان لحظة يتأمل شعب البحر بينما أرسل هايتاو زقزقة وديّة تحيتهم. كان شعب البحر قد التمس العون من الأخ التنين منذ أمد بعيد، عارضين خدمة جناح الهلاك في مقابل المأوى وسط الصراعات المتأججة في أعماق البحار الواسعة. فوافق الأخ التنين. شملت أراضى جناح الهلاك امتدادات طويلة من السواحل وتوغلت في البحر لتتسع لعدّّة مجموعات من شعب البحر. وبدلاً من ترك تلك المساحات المائية بلا حماية، بدا قبول من يستطيع استغلالها بالشكل الأمثل خياراً أحكم بكثير.
"التحية"، قالت زعيمة شعب البحر.
دُعيت كيمو، وتشابه صوتها مع نبرات الصفير الغريبة التي يطلقها أبناء جنسها خارج الماء. أخبره الأخ التنين سراً باعتقاد البعض أن ذلك إرث من أصولهم. اعتقد كثيرون من شعب البحر أنهم خُلِقوا باستخدام حراشف اللفياثان الأول، وكانت اللفياثان كائنات شبيهة بالأفاعي، وإن تجرأ أحمق باحث عن الموت أو تنين فحسب على تشبيه اللفياثان بالأفعى. مثل معظم قومها، غلبت على حراشفها زرقة فاتحة تذكر بمياه الشواطئ الضحلة، وتخللتها خطوط خضراء تحاكي عشب البحر على طول أطرافها وجوانبها.
"لن يطول الوقت حتى يصلوا".
"أهلاً بكم"، أجاب الأخ التنين.
"وما الذي يجعلك تظنين أن الأمر لن يطول؟"
ابتسمت كيمو. كانت أسنانها حادة مدببة، تضاهي أسنان شيان حدةً.
"أنا منشدة العواصف. حين أنشد، تجيبني العاصفة… وحين تتكلم الرياح، أُصغي إليها".
لمعت عيناها الزرقاوان.
"توسوس الرياح بقرب وصول التنانين وبصحبتهم طائر عظيم".
كشف الأخ التنين عن أسنانه. بدا مسروراً.
"فراستك مذهلة".
أمالت رأسها.
"لست بمحتربة عظيمة، لكنّ ذلك لم يكن دوري يوماً بين القبيلة".
"من يقف وحيداً يجب أن يقدر على فعل كل شيء. أما الانتماء إلى جماعة فيعني الاضطلاع بواجباتك وحدك"، قال شيان.
"نحن قوم النمر ندرك ذلك جيداً. أنا أُقيّد وأُقاتل، لكنّ غيري أجدر بالطبخ، والبناء، والشفاء، والصيد، وما شابه. طالما أدى كلّ واجبه، فلا عيب يعتريه".
"هذا صحيح تماماً".
ضيّقت كيمو عينها ثم أشارت بإصبعها.
"ها هم يقتربون".
اتبع شيان نظرتها. هناك، على الأفق، تحركت سحابة. كلا. لم تكن سحابة. إنه جناح الهلاك، وقد ضخم جسده حتى ليُظنّ سحابة لولا اقترابه ووضوح حمرته وزرقة حراشفه الزاهية. تلاه عدد من التنانين وغراب عملاق.
تمتم شيان: "ذاك الطائر… أيُّ مخلوق هو؟"
"إنه غراب العواصف"، قال الأخ التنين.
"يمكنك اعتباره بقوة تضاهي تنينًا من الصحوة الثانية، على الأقل فيما يتعلق بالسيطرة على الطقس والبراعة السحرية. أما في القتال المباشر، فسيكون من الأفضل له الانسحاب إن واجه تنينًا بذلك المستوى".
قالت كيمو: "تابع مفيد. فالتحكم بالطقس أمر بالغ الأهمية على السواحل".
وأضاف شيان: "وفي الداخل أيضاً. فالقدرة على التحكم بالطقس تعين كثيراً على نمو المحاصيل".
"بالتأكيد".
أومأ الأخ التنين برأسه.
"سيكون مشغولاً، لكنّي أتوقع أن يقضي جُلَّ وقته في هذه المنطقة".
"أهكذا؟"
تفاجأ شيان قليلاً من ذلك.
أجاب الأخ التنين: "إنه أمر شخصي. هممم… سيحتاج إلى مكان ملائم لبناء عشّه. توجد أماكن عدة في الغابة المجاورة، وإن عجزت، فسأبني له موضعاً بنفسي. برج صخري عظيم سيفي بالغرض، ومثل هذا البناء البسيط يدخل في نطاق قدرتي".
كبح شيان ضحكة. كان رؤية الشبيه الصغير يبرز قوته يبعث على الرهبة والتسلية في آن. فقد أخفى مظهره الضئيل قوة قادرة على سحق جميع الخصوم إلا أشدهم بأساً. بالتأكيد، لم تمثل جماعة أثباج البحر التي سعت لاصطياد كيمو وقومها قبل أسبوع تحدياً يذكر. فحسب كيمو، قضى عليهم الأخ التنين في ومضة قبل أن يترك بقاياهم لشعب البحر ليتولى أمرها. واستغل شعب البحر أعداءهم الصرعى خير استغلال.
فلحم أثباج البحر مغذٍّ وقوي، وأما أسنانهم وعظامهم وحراشفهم فصالحة لصنع شتى الأغراض.
سأل شيان: "أعلينا جمع الجميع؟"
هز الأخ التنين رأسه.
"لم تصطحب كيمو سوى مستشاريها الموثوقين. وما عليك سوى استدعاء قومك. يمكن للآخرين مواصلة العمل. لن يجدي حضورهم نفعاً، وربما يصيبهم الذعر إن واجهوا هذا العدد من التنانين".
"ملاحظة وجيهة".
أدرك شيان شجاعة قومه، لكن التنين بالنسبة لهم يشبه قوة طبيعية لا كائناً حياً. ولقاء هذا الجمع سيفوق احتمال معظمهم.
"لكني سأعلمهم بأمر التنانين الأخرى. وحتى لو لم يلتقوهم، فمعرفتهم بحضورهم ستُهدئ روعهم".
"افعل"، قال الأخ التنين.
لم يستغرق وصول جناح الهلاك ومن معه وقتاً طويلاً. تطلب الأمر كل طاقة شيان العقلية ليحافظ على تماسكه. كان جناح الهلاك، بلا منازع، أقوى كائن التقى به شيان قط. غير أن جناح الهلاك برع أيضاً في إخفاء قوته الحقيقية مقارنة بتلك التنانين الأصغر سناً والأقل بأساً. تدفقت القوة منهم أمواجاً، واضطر شيان لتصلّب نفسه كي لا يجثو، أو يفرّ، أو يستل سلاحه. لكن حين بلغ الضغط حداً لا يُطاق، تلاشى فجأة.
ضاقت عينا جناح الهلاك الذهبيتان قليلاً، وبذلت التنانين المتجمعة جهداً واعياً للتحكم بقوتها على نحو أفضل.
أوضح الأخ التنين، بكلمات نُقلت بسحر ضمن للجميع وسماع شيان وربما كيمو وحدَهما: "إنها غريزة. فبين التنانين، تنعدم الحاجة تقريباً لإخفاء القوة. بل الأجدر إظهارها علانية. بالطبع، لا تحتمل الغالبية مثل هذه العروض بسهولة. لقد أحسنتما صنعاً في الحفاظ على هدوئكما".
نعق الغراب العملاق بسخرية قبل أن تُستقر عيناه على شيان. ظهرت على وجه الغراب لمحة بدت ابتسامة قبل أن يستعيد وجهه هدوءه المعتاد. لم يضيع جناح الهلاك الوقت في الكلام. عرّف شيان وكيمو بالتنانين الباقية في المنطقة، وأتاح للاثنين تعريف أنفسهما للتنانين. ثم عرّف الغراب -الجناح الصدئ- بنفسه، لأنه سيبقى بالقرب هو الآخر. ومن هناك، صار الأمر بغاية البساطة حين شرح جناح الهلاك واجبات الجميع، ليعرف كل فرد كيف تسير الأمور.
وكان الحديث المفتوح عن تلك الأمور تذكيراً وتحذيراً في آن. فمن يتهاون في واجبه، سيعلم الجميع بأمره. وضمنياً، عُدّ معلوماً أن من يلاحظ تقصير أحد رفقائه عليه رفع الأمر إلى الأخ التنين المعترف به علانية سيداً لهذه المنطقة، ولا يأتمر إلا بأمر جناح الهلاك. سجّل شيان بدقة ملاحظاته عن التنانين التي رافقت جناح الهلاك. ورغم انفراد بعضها، فقد لفت الانتباه أن عدداً غير قليلاً منها كانوا أشقاء أو أزواجاً مع أبنائهم.
ومجدداً، تولى الأخ التنين الشرح، مخاطباً إياه بالسحر.
قال الأخ التنين: "تغدو الحياة شاقة للتنانين المستقلة. فلترتفع طاقات التنين، لا يحتاج إلى وفرة الغذاء فحسب بل وإلى موارد نادرة، كبؤر القوة والمواد النادرة. تستطيع بعض التنانين المستقلة الحصول على ذلك بمفردها، لكن هذا غالباً ما يتطلب حظاً وافراً أو قوة جبارة. أما الأقل حظاً وضعفاً، فيسهل تعثر نموهم. فالتنانين لا تتصارع فيما بينها فحسب بل مع كائنات أخرى أيضاً".
وأمال رأسه تحية لجناح الهلاك.
"صحيح أن تنين الصحوة الرابعة -ناهيك عن التنين البدائي- يكاد يكون منيعاً، بعيداً عن متناول معظم الخصوم. لكن لا ينطبق ذات الأمر على التنانين الأصغر سناً والأضعف. فالتنانين غير المستيقظة، وتلك التي في الصحوة الأولى أو الثانية، مععرضة للخطر بطرق لا يواجهها نظراؤها الأكبر سناً والأقوى. لن تشكل أي جمهرة من الدريكات خطراً على جناح الهلاك البتة. غير أن سرباً منها قادر بسهولة على القضاء على تنين في الصحوة الأولى أو الثانية، لا سيما إن أُخذ على غرة".
تحول بصر الأخ التنين إلى أتباع جناح الهلاك الجدد.
"منطقة جناح الهلاك غنية بالفرائس والموارد النادرة. وتزخر ببؤر القوة أيضاً. فخدمته تعني بلوغ تلك الموارد -ونيل حمايته من الأخطار العظمى. صحيح أن جناح الهلاك يتوقع من أتباعه مواجهة الأخطار الصغرى. فعلى سبيل المثال، تركتُك وقومك لتتعاملوا مع أخطار كالنمور والنمور المرقطة والتماسيح. بالطبع، سيتوقع جناح الهلاك من هذه التنانين الصمود أمام خصوم في ذات المستوى. بيد أن ظهر خطر يفوق طاقتهم، فيمكنهم الاطمئنان إلى أن جناح الهلاك سيتولى الأمر بنفسه… وقليلون هم في هذا العالم من يقوون على مقارعة غضب جناح الهلاك إذا استعر".
وتابع الأخ التنين: "أما عن الصغار، فخدمة تنين بدائي تكفل ضمان نموهم. ومثلما يتعذر إقامة برج متين على أساس ضعيف، يترتب نمو التنين اللاحق على الأسس الموضوعة في صباه. وإضافة إلى الموارد التي يوفرها، يمتلك جناح الهلاك معرفة لا نظير لها بكل ما يتعلق بنمو التنانين وتطورها. وستُشاطر هذه المعرفة مع أتباعه، بل وربما تتوفر لهم الموارد والكنوز إن أثبتوا جدارتهم".
تمتم شيان: "وجودهم حولنا سيكون خيراً إذا ما نشب خطب".
أضافت كيمو بعبوس: "آمل أن يمنع ذلك أي حماقات أخرى من الأعماق".
أجاب الأخ التنين: "هذا جزء من الأمر. فمهما بلغت قوة جناح الهلاك، يستحيل أن يتواجد في كل مكان آنياً. ستقوم الحاشية البقية في هذه المنطقة بدوريات لتأمينها. وهذا كفيل بردع جل الأخطار. وإن قصرت، فيمكنهم إعلامي، وسأتكفل بالأمر. وإن عجزتُ أنا، فسأضمن على الأقل انسحاباً آمناً إلى حين وصول جناح الهلاك شخصياً".
ارتجف شيان لذكر خصم يعجز الأخ التنين عن صده. كشرت كيمو.
"إن أُجبرت أيها الأخ التنين على التراجع، فهذا يعني قدوم أحد عمالقة الأعماق. وحينها، لن يكون أمام قومي خيار سوى الفرار إلى اليابسة ريثما تستعيد البحار أمنها".
أقر الأخ التنين كلامها بإيماءة.
"لا تخافي. لقد ناقشت هذا الأمر مع جناح الهلاك. لقد… استولى خلال العصر الثالث على عديد من كنوز الحماية وأدوات المراقبة الفعالة تحت الماء. وسنُحضَر بعضها هنا لاستخدامكم".
أحنت كيمو رأسها.
"أنا بالغة الامتنان".
ردّ الأخ التنين: "لم تحظَ بكثير استخدام. لكن الآن وقد صرتم في خدمة جناح الهلاك، فمن الصواب إخراجها".
واهتزت شفتاه.
"علاوة على ذلك، من الممتع رؤيتها تعين قضيتنا".
"أهكذا؟"
أجاب الأخ التنين: "اُنتزعت معظمها من أعدائه نهاية العصر الثالث. إنها غنائم حرب وليست هدايا. وكم يناسب أن تُستخدَم أسلحة عدوه القديم من قِبل من يخدمونه".
مرّ المساء قبل أن تغادر التنانين. رحل بعضها لترسيخ ملكيّة البيوت الجديدة التي مُنحت لها. أُخبر شيان بمكان هذه البيوت، ومُنحت أشياء تتيح له التواصل معها إن دعت الحاجة. قيل له أيضاً إنّها ستجوب المنطقة بانتظام، مع أنَّ جدول تلك الجولات لم يُحدد بدقة بعد. بدا أنَّ مثل هذه المهام مفيدة للغاية للتنانين الصغيرة، وسيلة تدريب أكثر أماناً من القتال المباشر ومع ذلك تتيح تطوير مهارات مهمة متنوّعة.
أمّا التنانين الأخرى، فرَحلت برفقة جناح الهلاك. قُدِّر لها الاستقرار في مكان آخر داخل أراضي جناح الهلاك، وسينقلها التنين العظيم إلى هناك بنفسه. أمّا الجناح الصدئ، فقد تحدّث غراب العاصفة مع التنين الأخ، وحوّل الشبيه تلاً كبيراً يبعد أميالاً قليلة عن القرية إلى قمة صخرية ملائمة للطائر. قد يصبح توسيعها أكثر ضرورة في المستقبل، لكنَّ التل احتل رقعة وعرة من التضاريس قرر شيان تجاهلها من قبل.
مع توفر هذه المساحة الشاسعة، بدا من الأجدر أن يقتصر أي توسّع مستقبلي على التضاريس الأكثر استواء قرب الساحل. مع ذلك، لم تمضِ طويل وقت حتى عاد غراب العاصفة. كان شيان يمشي على الشاطئ مع هايتاو. مع حلول الظلام، عاد معظم رفاقه إلى القرية. لكن شيان شعر بقليل من التململ. بطبيعة الحال، رافقه هايتاو. وعوضاً عن الاستقرار على رأسه، كان السلمندر يهرول بجانبه. اضطر شيان إلى إبطاء خطاه، وما لبث أن وجد نفسه يهمهم ناظراً إلى الأمواج وفي يديه قطعة خشب جرفتها المياه.
تساءل عن المسافة التي قطعتها. لم تشبه قط أي نوع من خشب الغابة. انطلق هايتاو برشاقة نحو المياه الضحلة وعاد بثلاث سمكات. ابتسم شيان. كانت براعة السلمندر في صيد السمك لا تُضاهى حقاً.
قال شيان بصوت خفيض: "علينا طهي هاتas".
أشعل ناراً قريباً، لكن انتباهه انجذب إلى خفق أجنحة جبّارة. كان الجناح الصدئ. حط غراب العاصفة بالقرب ونظر إليه وإلى هايتاو. ومع ذلك، لم يكن في نظراته أي عداء أو تعالٍ. بدا... مهتماً أكثر من أي شيء آخر. تردّد شيان، غير متأكد ممّا يقوله، لكن هايتاو لم يفعل. زقزق السلمندر بسعادة، واضطر شيان إلى كبح ضحكة.
قال شيان أخيراً: "يريد أن يعرف إن كنتَ ترغب في سمكة. بما أن لدينا ثلاثاً، ونحن ثلاثة".
ضحك الجناح الصدئ بخفة. كان صوتاً دافئاً، يفيض مرحاً حقيقياً.
"أنت كريم، أيّها السلمندر الصغير، لكن يمكنك الاحتفاظ بالسمك. عليك أن تأكله بنفسك. ما زال أمامك الكثير من النمو لتكمله".
نفخ هايتاو صدره باعتزاز وزقزق مجدداً.
"نعم، قد تكون صغيراً الآن، لكنني واثق من أنك ستكون مهيباً للغاية في المستقبل".
ومضت عينا الجناح الصدئ بريقاً.
سأل شيان: "أتململ؟".
أجاب شيان: "قليلاً. أتسااءل كم تعرف عن ظروفي، لكن الكثير قد تغير بالنسبة لي ولشعبي".
قال الجناح الصدئ: "شرح لي جناح الهلاك أثناء سفرنا. لقد تحمّلت الكثير".
ردّ شيان: "فعلت. لكن تلك المحن قادتني إلى هذا المكان حيث يمكن لعائلتي وشعبي أن ينعموا بالسعادة. أظن أن هذا يجعل الأمر يستحق العناء".
أجاب الجناح الصدئ: "قد تكون الحياة قاسية جداً. لكنها قد تكون لطيفة جداً أيضاً".
ضحك بسرور.
"أتعلم، كنت يوماً بحجم السلمندر تماماً".
حدق شيان.
"حقاً؟".
أومأ الجناح الصدئ برأسه.
"كنت غرَاباً عادياً صادف أن عبر طريق الصعود. بالطبع، ما كنت لأصل إلى هنا قط دون مساعدة".
"قليلون هم من يستطيعون اجتياز الحياة بمفردهم".
"بالتأكيد".
استقر الجناح الصدئ على الشاطئ. رغم حجمه، بدا مرتاحاً بشكل غريب على الشاطئ.
"أتعلم، حاولت يوماً هزيمة رجل نمر وتنين في مسابقة لمعرفة من يمكنه بناء أفضل قلعة رمل".
سأل شيان: "كيف سار الأمر؟".
"بسوء. كنت غرَاباً عادياً حينها، والمنقار ليس أفضل أداة لصنع قلعة رمل".
"إذن من فاز؟ التنين أم رجل النمر؟".
قال الجناح الصدئ: "التنين. ولم يكن الأمر متعلقاً بامتلاكه مخالب. لمريد ألا يخسر، لذا استخدم السحر لبناء قلعته الرملية. كانت... مذهلة، قل أقل ما يمكن".
ضحك بخفة.
"لكن بإلحاح من رجل النمر، أهدى التنين القلعة الرملية لأطفال المنطقة ليستخدموها ملعباً. بل وضع عليها سحراً لتصمد طويلاً".
سأل شيان: "هل ما زالت موجودة؟".
سحر التنين يمكنه الحفاظ على الأشياء لفترة طويلة جداً.
قال الجناح الصدئ بهدوء: "لا. وهذا الشاطئ لم يعد موجوداً أيضاً. لقد دُمّر في الكارثة الخامسة".
ابتسم بابتسامة خافتة.
"لكن بعض الأطفال نجوا على الأقل. كانت قريتهم تتحلى بالحكمة الكافية للهرب عندما حذرهم روحهم الحارس بدلاً من البقاء والأمل في أن يستطيع روحهم الحارس هزيمة خصم عجز حتى تنانين البداية عن قهرهم".
قلاع رملية... ابتسم شيان بابتسامة خافتة.
"اعتدت صنعها عندما كنت صغيراً، لكن بعد أن فقدنا قريتنا...".
هز رأسه.
"ربما يجدر بي صنع بعضها مع أطفالي غداً".
زقزق هايتاو.
"وبالطبع، يمكنك المساعدة أنت أيضاً، يا هايتاو".
قال الجناح الصدئ: "ربما ينبغي لي الانضمام. ما زلت لا أملك يدين — وأشك في أنني سأملكهما يوماً — لكن لدي سحر هذه المرة".
"صحيح".
جلسا لفترة أطول قليلاً في صمت مؤنس. كان الأمر غريباً. لقد التقى بالجناح الصدئ للتو اليوم، ومع ذلك لم تكن هناك أيّ ريبة بينهما رغم اختلافاتهما الكثيرة.
سأل الجناح الصدئ: "أترغب في تعلم شيء ممتع؟ إنها تقنية تأمل".
سأل شيان باتساع عينيه: "تقنية تأمل؟".
كانت مثل هذه الأمور تُعد نادرة وثمينة.
"أتعرف واحدة؟".
"أعرف. في الواقع، صادف أن تعلمتها من رجل نمر قبل سنوات عديدة".
قهقه الجناح الصدئ.
"أنا مندهش من أنك لا تعرفها بالفعل، رغم أنني أُدرك أنه قد يكون صعباً على تننين أن يعلمك. لديهم الكثير من الميزات لدرجة يصعب معها عليهم تعليم تقنية أقل كفاءة في الواقع ممّا يفعلونه بشكل طبيعي".
أومأ شيان برأسه. كان التنين الأخ يعلمه عدداً من التقنيات، لكن كان واضحاً أيضاً أن هناك حداً لما يمكنه فعله. وسواء أكان ذلك بسبب كون المرء شبيهاً أم تنفيساً لتنين، فقد كانت هناك فروق جوهرية في كيفية تعاملهما مع السحر ممّا جعل الأمور صعبة.
"أهي آمنة؟".
ربت الجناح الصدئ على صدره بجناح واحد.
"بشرفي، أقسم أنها آمنة. في الواقع، نظراً لتناغمك مع سحر الماء وموقعنا الحالي، ينبغي أن يكون تعلّمها مفيداً جداً لك".
خفض صوته.
"وإن كنت تظن أنني أخدعك، فأخبر التنين الأخ فحسب. سيتولى تسوية الأمور".
كان ذلك صحيحاً. لم يشعر شيان بأن الجناح الصدئ يخدعه، ولكن حتى لو شعر بذلك، لكان بإمكان شيان ببساطة إعلام التنين الأخ، وينتهي الأمر عند هذا الحد. مهما بلغت قوة غراب العاصفة، كان شيان واثقاً من أن التنين الأخ وحده سيكون كافياً لهزيمته، ناهيك عن جناح الهلاك بنفسه.
سأل شيان: "إذن ما الذي أفعله؟".
"اجلس، واشبك ساقيك، وأغمض عينيك".
رمش الجناح الصدئ نحو هايتاو.
"يمكن لصديقك الصغير هناك أن يجلس في حجرك. في الواقع، نظراً لما هو عليه، قد يتعلم أسرع منك حتى. وحتى إن لم يفعل، فمجرد وجوده بالقرب منك سيساعد".
فعل شيان ما طلبه الجناح الصدئ.
قال الجناح الصدئ: "جيد. والآن إليك ما تفعله...".