تشبثَت كاليرا بجذع «جذر الدم»، بينما هوى الكائن الشجري العملاق بقبضة هائلة في وجه الجبار.
ترنّح الجبار. انبعج خوذة الأدمانتين تحت وطأة الضربة، لكنّه كان ليهلك في الحال لولا وقاية الخوذة. تطايرت من فم الجبار المرتفع ميلاً أسنان تفوق قامة القزم بثلاثة أضعاف، لتصطدم بالأرض المتفحّمة. من حولهما، تشابك أقران الجبار الأصغر حجماً في قتال مع أعداد لا تحصى من المخلوقات الشجرية والحوريات والجنّ وحوريات الغابات وغيرها من سكان الغابات الكبرى. ومضت ومضة نور، وتمزقت ساحة المعركة بضربة أخرى من سحر النجوم الذي أطلقته التنين صحوة رابعة، إذ تموضعت فوق مركز الصراع.
بصق الجبار نهراً من الدماء من فمه وثبّت قدميه. كان يمسك بمطرقة يقطر منها النمغ بيد وبترس ممزّق بالأخرى. كان ذلك النمغ عائداً للمخلوقات الشجرية الأخرى التي واجهها الجبار.
غير أن أياً من تلك المخلوقات لم يكن بحجم «جذر الدم»
أو خبرته، ولم يتقدم أحد منها إلى المعركة وبصحبته شريك حقيقي.
قال «جذر الدم»
بصوت رعديّ: "أحتاج إلى عونك في هذه المعركة. هذا الجبار قويّ. نظراً لحجمه وبأسة... أكاد أظنّه واحداً من القلّة التي رفضت تلبية النداء للحرب ضد الملك المكسور، لكنّه ليس جباناً. لا بد أن له أسبابه الخاصة لتجنّب تلك المعركة".
انتفض الجبار لكلماته وعلت وجهه نظرة سخط: "لقد استجبت للنداء يا كائن الغابة، وأُصبت إصابة كادت تقضي عليّ. وحدها الحніّة أنقذتني، وحتى حينها، لكنت هلكت لولا عون أهلي".
بصق المزيد من الدماء من فمه ومعها أسنان.
"تنحّ جانباً أيها الشجريّ. ليس بيني وبينك عداوة".
أجاب «جذر الدم»: "أنت تقف في وجه الأم الشجرة. لذا لابد من عداوة بيننا".
استعد مجدداً، والتئمت الجراح على جسده بينما زحفت لحاءات جديدة وخشب وكروم فوق تكوينه الهائل.
"كاليرا..."
ردّت الجنية: "أعلم. سأستخدم أغنية التحطيم".
انطبقت فكوك الجبار المكسورة، ثم وثب إلى الأمام رافعاً مطرقته: "سأرديكما قتيلين قبل أن تمكنا من استخدامها!".
اصطدمت المطرقة بذراع «جذر الدم»
المرفوعة. كاد اللحاء الأقوى من أي معدن أن ينخلع، وغاصت قدما الكائن الشجري الجذرِيّتان عميقاً في الأرض المتفحّمة.
كانت ضربة بارعة، لكن «جذر الدم»
كان قوياً. ثبتت ذراعه، ثم باغَتَ بضربة من صنعه. تحولت يده الأخرى من قبضة إلى مخلب من خشب مسنن ولحاء متشظٍّ. تطاير الشرر عندما انزلقت الضربة عن درع صدر الجبار. رنّ المعدن بنغمة حادة متنافرة، وتفتّق فيه شق عظيم. لكن درع الصدر أدّى الغرض المرجوّ.
تحولت الضربة القاضية إلى مجرد جرح، فعاد الجبار يضرب من جديد، لتعمل المطرقة والترس معاً على إجبار «جذر الدم»
على التراجع. وطوال ذلك الوقت كانت كاليرا تغني، يعلو صوتها ويهبط بنغمات حادة ثاقبة أثقل وأرجح من مطرقة أي حدّاد. كان هذا سحر الغناء في أرقى مستوياته، هبة وهبها الملوك أنفسهم للجنّ. وحيث احتاج الآخرون لجوقات بأكملها لتحقيق مثل هذه التأثيرات القوية، كانت هي وحدها تملك القوة الكافية لتخوض المعركة إلى جانب أحد أعظم أبطال الأم الشجرة. بدأت مطرقة الجبار تتوهج، واهتزت الروناس المنقوشة على سطحها.
ثم، بصوت يشبه انشقاق جبل، انكسرت المطرقة. لجزء من الثانية، لم يملك الجبار إلا أن يحدّق ببلادة في السلاح المكسور بين يديه. لقد كان تحفة فنية، جديراً ببطل من سلالة العمالقة. حتى لو صدّق أن أغنية تحطيمها قادرة على إتلافه، لما راوده الحلم بأن يُدمَر بهذه السرعة على يد منشدة سحر واحدة. كلفته صدمته حياته.
قبض «جذر الدم»
على رأسه، فانفجرت محلاّت خشبية عظيمة من يده لتخترق عيني الجبار وفمه وتتوغل في دماغه وحلقه.
تدفقت الدماء من الجراح، وراح الجبار المحتضر يتخبط عبثاً بذراعي «جذر الدم»
قبل أن يعمد الكائن الشجريّ إلى تثبيت جسده وجذبه بقوة، مُمزّقاً رأس الجبار عن كتفيه. هوى الجسد الضخم على ركبتيه ثم هوى على جانبه.
رفع «جذر الدم»
الرأس عالياً وأطلق زئيراً مدوياً وطويلاً. وجد صدى لدى أقرانه من المخلوقات الشجرية، فتقدمت صفوف أتباع الأم الشجرة استجابةً لذلك. لكن تقدمهم لم يدُم طويلاً. رفض العمالقة التراجع، وكانوا مدعومين بصفوف لا تحصى من الأقزام الأشداء. وحينئذٍ أظلمت السماء من فوقهم، وتحول النهار في ومضة إلى أعمق ليالٍ. وبدأت النجوم تتلألأ فوقهم.
قال «جذر الدم»
بصوت رعديّ: "لا... ليست نجومًا... إنه السحر".
علت التنين أكثر، منتشية بالسحر الذي كانت تحوّكه. كان النظر إليها كالنظر إلى سماء مرصعة بالنجوم: حراشف سوداء حالكة، يضيئها بين الحين والآخر حراشف ذات ألوان زاهية يتلألأ وميضها في النيران المنتشرة في ساحة المعركة بطريقة تذكر بالنجوم تماماً. انطبق سحرها —وهو مصفوفة معقدة من الروناس والسحر المنظم— في مكانه، وبدأت النجوم تتساقط من السماء. وحيثما سقطت، كان الموت يتبعها.
تراجع أتباع الأم الشجرة بينما دمر سحر التنين ساحة المعركة.
غرق «جذر الدم»
بزمجرة: "يجب أن تسقط تلك التنين".
كانت النجوم تتساقط عليه هو الآخر، لكنه كان كائناً شجريّاً وُلد في العصر الأول. لقد عرف الملوك أنفسهم، وهم من منحوه اسمه.
«جذر الدم»، هكذا دعاه الملوك، إذ إن جذوره طالما نمت حمراء عوضاً عن البنية.
كان لحاؤه سميكاً وخشبُه قوياً. لم يكن بمقدور نجوم وُلدت من سحر تنين أن تقتله، إلا إن استدعاها أحد تنانين العصر الأول العظام، لكن أولئك التنانين ماتوا جميعاً ولم يبقَ سوى أبنائهم وأحفادهم.
"سأحتاج إلى أغنيتك ثانية".
"ستنالها".
عادت كاليرا لتغني بينما نما رمح خشبي عظيم من جسد «جذر الدم»
واستقر في يده. لم تكن أغنيتها هذه المرة أغنية تحطيم بل أغنية موت، أغنية قتل، أغنية فناء.
ملأت الجو، باردة وقاسية وبلا رحمة، واستقرت على الرمح القاني في يد «جذر الدم»
بالطريقة ذاتها التي يستقر بها الضباب على بحيرة ساكنة.
قال «جذر الدم»: "إنها بعيدة. سيكون رميي مشوّهاً على هذا المدى".
لم تكلف كاليرا نفسها عناء الرد. عوضاً عن ذلك، تحولت أغنيتها. نسجت أغنية الإصابة الحقّة والرمية الحقّة على الرمح أيضاً.
دع «جذر الدم»
يرمي الرمح. ستضمن أغنيتها أن يصيب هدفه. تسلل الدم من أنفها ومن زوايا فمها. لم يكن الإنشاد بهذا القدر متاحاً بلا ثمن، وكانت المعركة ضد أعداء الأم الشجرة قد احتدمت لأسابيع بالفعل. وبدلاً من أن توقف غناءها لتتجرع جرعة دواء، عمدت إلى جرح معصمها ودعت النمغ المقدس من الأم الشجرة يتدفق في عروقها من قرع. أزهرت النار في جسدها وروحها. سيكون هناك ثمن باهظ تدفعه، لكنها ستدفعه عن طاطب نفس حين تنتصر الأم الشجرة.
أخذ «جذر الدم»
لحظة لتقدير المسافة وقياس تسديدته، ثم خطا ثلاث خطوات ضخمة وقذف بالرمح. دوى رعد حين انطلق، فقد رمى الرمح بقوة شطبت الهواء في طريقه. لكن في أعقابه، متتبعة كذيل مذنب، كانت أغاني كاليرا. رأت التنين الرمح قادماً فحاولت المراوغة — غير أن مسار الرمح انحنى ليطابق مسارها.
ومع استحال المراوغة، حاولت الدفاع عن نفسها بالسحر، لكن أغاني كاليرا لم تكن لتُهزم بمثل هذه السهولة — ولم تكن قوة رمية «جذر الدم»
بالشيء الذي يستهان به. تحطمت أربع حواجز كالزجاج، وتناثرت بقاياها اللامعة في ريح مرور الرمح، ثم هوت التنين مخترقة بالرمح. سقطت من قمة السماء، دون أن يفلت صوت واحد من شفتيها إذ أردتها قتيلة أغنية الموت المنسوجة في الرمح قبل أن تدرك حقاً ألم الإصابة. ملأ الجوَّ زئير من الحغد والغضب بعد ذلك بقليل. صدر عن تنين آخر، استُدرج إلى المعركة من الغرب. كان أصغر سناً من التنينة التي قتلوها، أصغر وأضعف وأكثر حمقاً بكثير.
صاح التنين: "ستارفيند!"، وما أن أتمها حتى حاصرتْه الوفرات والدرّاجات والطيور العظيمة التي تخدم الأم الشجرة.
"لا!"
أدى سقوط التنين إلى قلب دفة المعركة. تقدمت قوات الأم الشجرة إلى الأمام. ومع موت تنين الصحوة الرابعة، لم يبقَ أحد قادر على اختراق أغاني الدروع التي نسجتها الجوقات السائرة إلى المعركة بجانب الحوريات والمخلوقات الشجرية. دُفع العمالقة والأقزام إلى الوراء، وجرؤت كاليرا على الأمل بأنهم قد يحققون النصر في هذه المعركة سريعاً ثم يتجهون شمالاً لنجدة حلفائهم الذين ما زالوا تحت الحصار.
واأسفاه، كانت آمالها باطلة.
"حسبكم!"
دوى الصياغ في أرجاء ساحة المعركة. لم يحمل أياً من دقة وجمال سحر أغاني الجنّ، لكنه انطوى على قوة، إضافة إلى حكمة من تعلم خبايا سحر الغناء — وكيفية كسره. تراجعت جوقات المنشدين إلى الوراء، والدماء تتفوق من أفواههم وأنفهم بينما أُزيح الدخان المتصاعد من ساحة المعركة نحو السماء. تنين بحراشف من القرمز والياقوت. ضاقت عيناها كاليرا ححقداً. دووموينغ. ذات مرة، أحبته الأم الشجرة كابن.
لقد كان الأفضل حظوة بين جميع التنانين، لولا اللهب الملكي ربما. ومع ذلك فقد انقلب على الأم الشجرة. لا. كان الأمر أسوأ. لقد كان أحد قادة التحالف ضدها.
بدأ رمح آخر ينمو في يد «جذر الدم».
زمجر «جذر الدم»: "ألديك متسع من القوة لمزيد من الأغاني؟"
مسحت كاليرا الدم عن وجهها وأعدت قرعاً آخر.
"سأجد القوة".
لكن دووموينغ لم يكن ستارفيند. لم يسعَ إلى إطلاق تعويذة مدمرة واحدة عليهم. عوضاً عن ذلك، ضرب بالروناس والسحر المنظم.
أُجبر «جذر الدم»
على التراجع، ولم يكن أمام كاليرا من خيار سوى نسج أغاني دروع للمساعدة في صدّ الهجوم الجارف الموجه ضوهم. وفي الوقت ذاته، انضم إلى دووموينغ تنانين أصغر استغلوا أغنية الدروع المكسورة للجوقات ليصبّوا النار والصقيع والبرق على ساحة المعركة.
صرخت كاليرا: "يا جذر الدم، علينا إيقافه!".
اهتز «جذر الدم»، وتطاير النمغ من الجراح التي لا تحصى والتي غُطيت بها جسده رغم جهودهما.
"أزح أغنية درعك. أستطيع تحمل الألم. أحتاج إلى أغنية الموت وأغاني الإصابة الحقّة والرمية الحقّة. مثلما قتلنا ستارفيند، يمكننا قتل دووموينغ!".
كانت مجازفة.
بدون التركيز كلياً على الدفاع، سيصاب «جذر الدم»
بجراح بليغة. لكن إن تمكنت من إتمام أغنيتها وإن تمكن من رمي رمحه... فلربما لا زال بإمكانهم الانتظار.
"حسناً. سأ..."
ارتد «جذر الدم»
إلى الوراء عندما انهمر سيل من الحمم البركانية عليهما. تشبث بذراعه المرفوعة، وأطلق أحياناً عميقاً وثقيلاً بينما تداعى المزيد منه على صدره وساقيه. كانت الحمم نَهمة، تأكل لحاءه وخشبَه، واهتزت الأرض حين هبط أمامه أكبر تنين لا يزال على قيد الحياة. لقد كان قلب الرماد.
صاح قلب الرماد بصوت رعدي، ولم تكن كلماته موجهة لهما بل لدووموينغ: "امضِ. هذه المعركة لي. عليك التعامل مع الأم الشجرة".
ردّ «جذر الدم»
بزئير: "أتظن أننا سنتركه يمضي ببساطة؟"
"إن كنت ترغب في طرحه أرضاً، فعليك أولاً قتلي".
نفث قلب الرماد المزيد من الحمم البركانية، فأطلقت كاليرا فحيحاً وتسلقت عالياً على جسد «جذر الدم»
لتنجو من سيل الصخور المنصهرة.
"أنا قلب الرماد! ما دمت حياً، فهذه المعركة لي!".
أجاب «جذر الدم»: "إذن ستتموت... مثلما مات ستارفيند".
زمجر قلب الرماد: "رأيتها تسقط. كان الرمح الذي رميته مميتاً حقاً، لكن ما تحمله الآن لا يحمل أي أغاني موت، ولن أسمح للجنية التي فوقك بأن تنشد أي منها. وأنا قلب الرماد. لست بحاجة لحرقكم من بعيد أو القتال من السماء. سأمزقك إرباً بسنّ ومخلب".
ردّ «جذر الدم»: "ستحاول. لكن ما من تنين واجهني وعاش".
ابتسم قلب الرماد مظهرًا أسنانه: "إذن سأكون الأول. وسينضم جسدك إلى رماد كل خصومي الآخرين".
توهجت عينا قلب الرماد، وازداد الضوء البركان النحس المشعّ من داخل جسده سطوعاً حتى صار كالتحديق في قلب العالم المنصهر. لقد حول الحرارة المنبعثة منه المشهد حولهم إلى كابوس بركاني. أولئك الجنّ سيئو الحظ الذين علقوا فيه تَبخَّروا فوراً، وتُحولت المخلوقات الشجرية والحوريات اللائي جرأن على الاقتراب إلى رماد بعد قليل.
وحدَه «جذر الدم»
ظل شامخاً، وخدمت قوته درعاً لكاليرا أيضاً. لكنها استطاعت استشعار قلق رفيقها القديم. من بين كل التنانين التي كان بإمكانهم مواجهتها، لربما كان اللهب الملكي وحده أسوأ حالاً. حدّق العملاقان في بعضهما البعض، يقيس كل منهما المسافة ويتخيل كيف ستسير المعركة. ثم تحركا، لتختفي الهوة بينهما في ومضة.
تَبادلا ضربات كان شأنها أن تشق الجبال، وعلا صوت كاليرا بأغاني التنافر والتعمية والشلل والوهن فوق الهدير البركاني لقلب الرماد والأنين الباطني لـ«جذر الدم».
كانت تفضل غناء أغانٍ أعظم، لكن تلك كانت الوحيدة التي استطاعت نسجها مع استمرار المعركة، إذ لم يكن قلب الرماد أحمق ليركز على «جذر الدم»
وحده. عوضاً عن ذلك، استهدفت هجماته أيضاً تعطيل سحرها، وإجبارها على المراوغة أو الفرار عندما هددت الحمم أو الأسنان أو المخالب بقتلها.
ضرب رمح «جذر الدم»
إلى أسفل، لكنه لم يحفر سوى بصورة سطحية في جسد قلب الرماد قبل أن ينكسر.
ضحك التنين التكتوني بصوت عالٍ ومسرور، وأدت صدمته إلى طرح «جذر الدم»
ممدداً بينما كان المشهد يذوب ويحترق تحتهما.
صرخ قلب الرماد: "ضربة بارعة! دعني أردها لك!".
اصطدم بـ«جذر الدم»
مجدداً، وكاد جذع الكائن الشجري أن ينشق تحت وطأة الضربة.
وقبل أن يتمكن «جذر الدم»
من استعادة تعادله، عاود قلب الرماد الهجوم بأسنانه ومخالبه. تطاير اللحاء، وتطايرت قطع من الخشب بحجم التلال عندما مزّق التنين وفتك.
لم يكن «جذر الدم»
خاملاً. فقد ضرب هو الآخر، ممزقاً خدوشاً في خاصرتي قلب الرماد ومقتلعاً رقعاً عظيمة من حراشف جسده.
تدفقت دماء منصهرة من الجراح، لكن قلب الرماد لم يزدد إلا ضحكاً، دافعاً بكتفه في صدر «جذر الدم»
ومجبرأ إياه على التراجع والتراجع بعيداً عن بقية المعركة.
بدأت سحابة من الرماد تتشكل حولهم، إعصار دوار محرق لافح يمزق بلا رحمة «جذر الدم»
ويغتل أي كلمات حاولت كاليرا صياغتها. كان جلدها يحترق —وقد احترق شعرها بالفعل— ولم تكد تري شيئاً.
كانت كل نفس تشبه استنشاق جمر، ولم يستطع «جذر الدم»
إلا مهاجمة قلب الرماد عبثاً بضربات كان من شأنها طرح تنانين أصغر حجماً لتصطدم ببساطة بظهر التنين.
قال «جذر الدم»: "عليك الرحيل".
ترنح متراجعاً. انقض نسر عظيم بأمره. مجرد دخول إعصار الرماد هدد بقتله، لكن الطائر واصل التقدم بغض النظر عن ذلك. التقط كاليرا بمخلبيه.
"ستمتلكين إن بقيتِ أكثر. عودي إلى الأم الشجرة. ابحثي عني متى تعافيتِ".
حاولت كاليرا قول المزيد: "يا جذر الدم..."، لكن الرماد علق في فمها وسدّ حلقها.
"يا جذ..."
بلغت الحرارة المتراكمة داخل قلب الرماد طوال المعركة ذروتها. زأر التنين العظيم ونشر جناحيه. تشققت الروناس إلى وجود، وانشقت الأرض وتمزقت بينما تدفقت الدماء المنصهرة للع العالم صعوداً.
"كارثة بركانية!".
حدثت ومضة نور أخرى، ثم انفجرت سحابة من الحمم والرماد للخارج. صرخت كاليرا، وأطلق النسر العظيم نغقة فزع بينما تجاوزهم الانفجار.
دهشت سيليرا عندما استيقظت. ربما أنفق النسر العظيم آخر قوته لحمايتها، أو ربما منحها صمغ الشجرة الأم مباركةً مجهولة. أو ربما حافالفها الحظّ لا أكثر. ابعت بلعج ثم انقلبت على جنبها لتسعل وتلفظ الرماد الذي ملأ فمها وكاد يسدّ حلقها. كانت حقيبة تخزينها لا تزال سليمة — بالكاد — واستلت منها ما تبقى بحوزتها من لوازم العلاج والشفاء. كانت قليلة. استنفدت معظمها خلال المعركة. لكن ما تبقى كفى لضمان شفاء أسوأ جروحها.
حين انتهت، استطاعت المشي مجدداً، ببطء وإن. غطت الحروق معظم جسدها، وتلاشى شعرها بالكامل، إذ أحرقه الانفجار. بالكاد نجت ثيابها — وهي أعمال إتقان من خياطة الجان وقد نسجت فيها شتى تعاويذ الحماية الممكنة — لكنها باتت أسمالاً ممزقة. لولاها، لهلكت على الأرجح. كان بصرها، الحادّ عادة لدرجة لا يضاهيها سوى بصر تنين، يخونها لا بدّ، إذ لم يكن حولها سوى امتداد شاسع لا يظهر له أواخر من صخور منصهرة تبرد ببطء.
لم يكن هناك أثر لجذر الدم، ولا أثر للمعركة، بل كابوس بركاني وسماء يملؤها الرماد و... لا. اتسعت عيناها. طوال ما تذكره، طالما وُجد حضور في ركن عقلها، صوت يعود لأقدم الحوريات جميعاً، للشجرة الأم. الآن، اختفى. لكن... هذا مستحيل. ما كان ليحدث. كانت مرتبطة بالشجرة الأم. السبيل الوحيد لانقطاعها هو أن... أن تكون الشجرة الأم قد سقطت. تكالبت وتمايلت، وألزمت نفسها بالتحرك فيما ظننت أنه اتجاه الشجرة الأم.
لا بدّ أنها مخطئة. ربما أُصيبت الشجرة الأم. كان ذلك ممكناً بالتأكيد، وربجما مرجحاً بالنظر إلى القوى التي واجهتهن، لكن الشجرة الأم لابد أنها تتعافى فحسب. ربما خفت صوتها لأنها تحتاج إلى التركيز على شفاء جروحها. ستكون بخير يقيناً متى ما فُرغ من آخر الخونة. ما كان يُعقل أن تُهزم. فيما كانت تمشي، وقد احترقت قدماها من الحرارة التي ما فتئت تنبعث من الأرض المحروقة، تعثرت حتى توقفت ثم هوت على ركبتيها.
هناك، أمامها، كان الجسد المحطم المحترق لصديقها. سقط جذر الدم. هرعت إلى جانبه، متجاهلة النتوءات الحادة الشبيهة بالزجاج التي نثرت الأرض ووشت بحرارة الضربة التي أردته. تمايلت النيران فوق حطام جسده، فتسلقت متشبثة إلى حيث كان صدره. لم يكن أبناء الشجر كالجان. لم يكن يهم إن احترقت أطرافهم أو تكسرت. طالما بقي القدر الكافي من خشب قلوبهم، أمكن شفاؤهم. استرجعت نذراً يسيرًا من سحرها.
لم تكن راعية شجر، لكنها عرفت ما يكفي من فنون الشفاء لتساعد. كان جذر الدم قوياً. لو أنه صمد فحسب، لاستطاعا طلب العون. لابد أن هناك حوريات بالقرب أو رعاة شجر، أو... حدقت في الفجوة التي كانت صدره. انتُزع خشب قلبه من جسده. لم يبقَ سوى... سوى أقل قليل، ما لا يفي البتة للسماح بالشفاء.
قالت بصوت واهٍ: "لقد نجوتِ..."، همس محض مقارنة بالرعد الذي رافق صwordsه عادة.
أن يقدر على الكلام من الأساس بدا شبه معجزة، لقاء ما تبقى من خشب قلبه.
"سيليرا...".
"جذر الدم".
سقطت نصف واقعة، وزحفت نصف زحفة إلى حيث بقى شذرة خشب القلب، الأقصر منها والأحرف بكثير.
"أنا... أستطيع إحضار العون".
"كلانا يعلم أنني تجاوزت مرحلة الإنقاذ. ما مكثت إلا لأنني رغبت في رؤيتك للمرة الأخيرة".
أتى الصوت من الخشب حولهما، لكنه ضعف مع كل كلمة.
"لقد خسرتُ... وسقطت الشجرة الأم".
"لا!"
صرخت سيليرا.
"لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً! الشجرة الأم —".
"تعلمین أنني أقول الحق".
ارتعش جسد جذر الدم. قويت النيران التي تأكل أطرافه مع اضمحلال طاقته أكثر فأكثر.
"العالم يخص التنانين الآن، يا صديقتي. لا أدري ما ينوونه لمن وقفوا مع الشجرة الأم. لساعدتُك إن استطعتُ... لكن ليس في وسعي سوى أمر واحد الآن".
"لكن...".
قال جذر الدم: "خذي خشب قلبي، ما تبقى منه".
"لا تزال فيه قوة، قوة ستظل قائمة حتى بعد موتي. ما تفعلينه به يعود إليكِ. لكن... أنها الهدية الأخيرة التي أستطيع تقديمها لكِ، الهدية الوحيدة".
ارتعشت سيليرا.
"أنا..."
مسحت الدموع عن وجنتيها.
"سأثأر لك وللشجرة الأم".
"لا".
بالكاد سُمع صوت جذر الدم.
"إن حاولتِ، فستسوقين نفسك إلى حتفك فحسب، وعليك أن تعيشي، يا صديقتي. يجب أن تعيشي".
"لا أعرف ما أفعل... إن لم أثأر لك... فما المفترض أن أفعله إذن؟".
"حلمت الشجرة الأم بعالم موحد... ربما... بات هذا الحلم بعيداً عن متناولها الآن. لكنك ما زلتِ على قيد الحياة. ربما لم يفت الأوان على متناولك أنتِ".
أومأت سيليرا ببطء.
"سأحاول... سأحاول".
"جيد".
ارتعش جسد جذر الدم المحطم ثم سكن، وتلاشى التوهج الأخضر الخافت المنبعث من خشب القلب.
"وداعاً، يا صديقتي".
لبثت سيليرا هناك ساعات لولا النيران التي راحت تضيق الخناق. عوضاً عن ذلك، ألزمت نفسها بحمل شظية خشب القلب. كانت أصلب من أي معدن، وفعلاً كانت فيها قوة لم تتبدد بموت صديقها. كانت... كانت تشبه رمحاً تقريباً. أسرعت بالخروج من جسد صديقها وشرعت في المشي. إلى أين، لم تكن تدري، لكنها لم تملك ترف المكوث. أكانت التنانين ستسعى لمحت كل أتباع الشجرة الأم، فلم تكن تعلم، لكنها لم تشأ معرفة إن كان هذا خيارهم.
وهكذا هامت سيليرا على وجهها... وستأخذها هيمانتها بعيداً عن الأراضي التي تخص الشجرة الأم يوماً. وحين تعلو المحيطات وتسعى لابتلاع العالم، ستواصل الهيام. وأخيراً، في مطلع العصر الرابع، حين تظهر أولى الخصلات البيضاء في شعرها وتنحسر البحار، ستلتقي بمن يجعلها تؤمن أن حلم الشجرة الأم قد يظل ممكناً. كان بشرياً... ذات يوم. بات الآن مصاص دماء، لكنه خلافاً لمبدئه أو الأربعة الآخرين الذين حولهم مبدؤه، حلم بعالم أفضل، عالم يستطيع فيه مصاصو الدماء والبشر العيش جنباً إلى جنب، وأبعد من ذلك عالم يستطيع فيه كل الناس العيش بجوار بعضهم، عالم لا يختلف كثيراً عن ذاك الذي تصوّرته الشجرة الأم.
لكنها كانت أعلم الناس بأن خلق عالم كهذا يتطلب أكثر من المُثُل العليا أو الكلمات المعسولة. يتطلب أسلحة. سُمي صديقها القديم جذر الدم، وحارب من أجل العالم الذي تصورته الشجرة الأم. فليكن ملائماً إذن أن يواصل رمح مصنوع من خشب قلبه المعركة. لكن عوضاً عن جذر الدم، ليحمل اسماً آخر: شوكة الدم.