حارت سيليرا في الأرض. حين هوت الشجرة الأم وانهار العصر الذهبي للجن والحوريات، حارت. سقط الكثير من بني جنسها. ولت أيام كان نداء النفير يستدعي غابة من الرماح الذهبية والدروع المذهبة تمتد حتى أفق السماء. ولت قبل أن تهب أجنحة الجبابرة ويحرق لهيب التنانين كل شيء. سلم العصر الثاني زمامه للثالث، وارتفعت البحار لتبتلع العالم. بطريقة ما، كانت تلك رحمة. اختفت المهاوي المحترقة التي خطت نهاية حلم الشجرة الأم، وأخلت الغابات التي لا تنتهي مكانها لمحيط لم يستثنِ سوى قمم العالم.
لكن سيليرا ظلت حائرة. وحين عجزت رجلاها عن حملها في أنحاء العالم، راحت تُبحر في المحيط عوضاً عن ذلك، استلت طوق نجاة صُنِع بفظاظة أولاً، ثم سفينة اشترتها من بعض الجن المغامرين. كان أولئك الجن صغاراً. لم يعرفوا الشجرة الأم. لم يروا الملوك بأعينهم قط. العالم الوحيد الذي عرفوه هو ذاك الذي يمتد فيه المحيط من أفق إلى أفق. أبحرت لقرون بحثاً عن وطن فقدته بالفعل وأصدقاء رحلوا.
من بين جن العصر الثاني العظام، أولئك الذين بلغوا من العمر ما يجعلهم يتذكرون حين كانت قوة الملوك لا تزال تشكل معالم الأرض، كانت هي الأخيرة. الآخرون إما لقوا مصارعهم دفاعاً عن الشجرة الأم أو ذبلوا من ألم العجز عن حمايتها. بقيت وحدها، وظنت أن لذلك صلة كبيرة بهدية صديقتها القديمة الأخيرة. كانت هناك قوة في قلب خشب جذع الدم. حين يفقد الجني الحورية التي عاهدها، فترضى نفسه بالوهن حتى يجد أخرى يرتبط بها، وحتى ذلك كان يفشل غالباً.
صار الموت احتمالاً أدنى وحتمية أقرب. ورغم ذلك، بقيت سيليرا. لن تخدم حورية غيرها. كيف تفعل؟ حتى أعظم بنات الشجرة الأم ما كنّ سوى ظل باهت لها، وقد هوت أعظم أولئك البنات جنباً إلى جنب مع الشجرة الأم. أما الباقيات فكنَّ إما خائنات رفضن مساعدتها أو مجرد أطفال بالكاد يُدعين ظلاً لها. لم تعاهد سيليرا أياً منهنّ. الذبول مثل البقية أفضل. الموت حفاظاً على العُهود التي قطعتها في الأيام التي كان فيها قومها عظاماً وأغصان الشجرة الأم تبدو عظيمة لدرجة تظلل العالم، أفضل.
القوة التي كان يفترض أن تتسرب من جسدها كمصفاة تمسكت بها بعناد. من بين كل الجن الباقين في العالم، قد تكون الأعظم. لعلها استطاعت القتال لتسود قومها. لو كان جذع الدم حياً، لربما حاولت حقاً. لكن صديقتها ماتت، ومن يتبعها وسط مصير من حاربوا بجانبها؟ بقيت التنانين، ولم يبقَ أحد يقف في وجهها. صحيح أن الكثير منها سقط في المعركة، ولكن مع ذلك، من بقي ليصمد أمام أمثال قلب الرماد أو جناح الهلاك؟
لعلهم عمالقة الأعماق العظام، لكنهم لا يأبهون بنزاعات من يحكمون الهواء أو يقطنون اليابسة. خبا حزنها مع الوقت. تحول من سيف من فولاذ مرير إلى خنجر صدئ. كانت لا تزال تائهة، لكن فرصة العثور عليها باتت قائمة. وحينها سمعت همسات الساعين نحو السماء. نبذتها كحماقة في البداية. ما شأن الجن أو الأقزام بالسماء؟ أي حورية تتخلى عن حضن الأرض تفضيلاً للرياح والغيوم؟ لكنها رأت ذلك بعدئذ: المدينة التي تقطن السحب، مدينة يتشاركها الجن والأقزام، مدينة بنيت حول حورية تجرأت فحلمت بالسماء.
ما عساها تفعل سوى الذهاب؟ كانوا حمقى، جميعهم. أدركت ذلك سريعاً، لكن تلميحاً للعظمة اختبأ تحت حماقتهم، وكأنها تسمع أصوات صديقتها القديمة والشجرة الأم. لكانتا معجبتين، وإن ساورهما بعض الحيرة إرباكاً لقرار ترك الأرض وراءهم. بقيت في النهاية لأن الحلم حركها. لم يكن حلمها. حلمها مات. لكن شيئاً في سعيهم المشترك إليه حركها. قد تكون الشجرة الأم ميتة، لكن بعض ظل العالم الموحد الذي سعت إليه بقي.
من كان ليخيل الجن والأقزام يعملون معاً؟ من كان ليخيل الحوريات تصادق التنانين بعد نهاية العصر الثاني؟ سعى المزيد والمزيد من الجن والأقزام نحو السماء، ومدت المزيد من الحوريات أيديهن نحو السحب. كادت سيليرا تجرؤ على الإيمان مجدداً. كان حرياً بها أن تعلم أفضل. الملوك ماتوا. الشجرة الأم ماتت. الأمل مات. ومن أعماق المحيط جاء سيد المد والجزر، ومعه نهاية من سعوا نحو السماوات.
شهدت نهاية العصر الثالث. رأت طالبي السماء يبذلون أرواحهم في المعركة اليائسة ضد النسل الملتواء لتنين ووحش بحري. كان تضحيتهم نبيلة. كانت بطولية. مهدت الطريق للنصر الذي تلى. لكنها ظلت تضحية. ولا زال الجن والأقزام والحوريات موتى. لكن سيد المد والجزر هوى. رأت التنانين تطرحه أرضاً. سعى في سكرات موته لقتلهم أيضاً، لكنه اخفق. أوه، أصابت التنانين جراح بليغة، لكنها انتصرت. وأي أفكار باهتة متضائلة راودتها بشأن الانتقام تلاشت.
نما جناح الهلاك والآخرون بأسًا وازدادوا مهارة ومكراً. واجهوا أعظم سادة الأعماق، وفازوا برغم إغراق سيد المد والجزر للعالم وإغراقه بعواصف لا تنتهي. انحسرت البحار. انكشفت الأرض. وظهرت أولى الخطوط البيضاء في شعرها. كادت تبتسم. الموت، الذي أرجئ طويلاً، بات يقترب. لربما خاف جني أقل شأناً، لكن سيليرا كانت آخر الجن العظام. ولدت في الأيام المتضائلة للعصر الأول، وشهدت أمجاد العصر الثاني وأهواله.
لم يكن رحيل العصر الثالث سوى محطة أخرى، لبنة أخرى في جدار حياتها. رغم ذلك، راودتها أحياناً تساؤلات عن سيد المد والجزر. لابد أنه ولد في العصر الأول. أتعرفت الشجرة الأم بشأنه؟ يكاد يكون مؤكداً. فكيف لمثل هذا الكيان أن يفلت من ملاحظتها؟ أغلب الظن أنها تجاهلته، إما رحمة أو شفقة في غير محلها. لو علمت بما سيقترفه لاحقاً، أكانت لتقتله حينها؟ أكانت لتخنقه في مهده قبل أن يغدو كارثة؟
لا. اتسمت الشجرة الأم بالرحمة والشفقة. أخبرتها الحورية يوماً، قُبيل نهاية العصر الثاني، أنها ظلت تشك في معارضة جناح الهلاك لها لكنها أملت في إقناعه. أحبت الشجرة الأم التنين كابن لها، ولم تطاوعها نفسها على نصب كمين له وقتله كما قتلت جن العصر الخائنين اللاتي دلتها وفاتهن على الدرب أولاً. حين سمحت الشجرة الأم لطموحاتها بالتمسك جذورها أول مرة، كان جناح الهلاك أصغر سناً وأضعف بكثير.
كان الأمر ليبدو أبسط بكثير لو أن الشجرة الأم استدعته ثم طرحته أرضاً. لكنها لم تفعل. ولم تستطع. لأنها الشجرة الأم، وهذا كان أمراً هو الأفضل والأستر. في الأيام الأولى للعصر الرابع، حارت سيليرا مجددًا. رأت أموراً شتى. انتشرت الحياة عبر الأرض مرة أخرى، وارتفعت أعداد قومها. لكن أحلامهم كانت أحلام الماضي البعيد، الأرض الصلبة تحت أقدامهم والغابات الممتدة طولاً وعرضاً. لم يحلم أحد بالسماء، ولا حتى القتلة القلائل الذين نجوا من سقوط مدن السماء.
ربما ظل الألم طازجاً، أو ربما تعلموا أن السماء تترك لمن يملكون الحراشف والمخالب والنار. كانت الأرض حيث ينتمي الجن، هناك مع الأشجار والحوريات وأهل الأشجار المتثاقلين. التقت به أثناء حيرتها تلك. كان مصاص دماء، واسمه أوريليان.
سمعت سيلِيرا بمصاصي الدماء. سرت همهمات عنهم خلال العصر الثالث، بشر تحولوا إلى شيء آخر بعد طقوس فاشلة. سواء أكانت شائعات أصلهم صحيحة أم لا، فقد تأكدت من حقائق عدة. يشربون الدماء للبقاء، ويتحاشون ضوء الشمس. في المقابل، يفوقون البشر قوة بمراحل، ولا يبدو الهرم عائقاً لهم. بالطبع، تعذر الجزم بأنهم تحرروا حقاً من قيود الزمان. فعصر واحد لا يكفي أبداً للقطع بذلك. على ما سمعت، اتسم مصاصو الدماء بتقلب المزاج، وغلب عليهم القسوة والشبق والجشع.
بدا الأمر كأن التحول من بشر إلى مصاص دماء قد ضاعف أسوأ صفاتهم، إلى جانب قوتهم. لم تعرهم اهتماماً يذكر في الماضي. مع أن قوتها بدت بالاضمحلال، فلم يشكل سوى نفر قليل منهم تهديداً لها، وبدوا غالباً قانعين بالاستقرار في وطنهم الذي اختطوه لأنفسهم بعد انحسار مياه العالم. صادفت قلة خارج تلك الأراضي، لكنهم كانوا صغار السن، يفتقرون إلى قوة شيوخهم وحكمتهم. خلال ترحالها في الأراضي المتاخمة لوطن مصاصي الدماء، التقت أوريليان.
عثرت على مستوطنات عديدة يعيش فيها مصاصو الدماء جنباً إلى جنب مع البشر، والاقزام، والاورك، والغلن، وقوم الوحش. بل وجدت بضع جنّيّات بينهم. كانت تلك المرة الأولى التي تصادف فيها مستوطنات مختلطة بهذا الشكل منذ أيام الشجرة الأم. تساءلت في البداية إن كان مصاصو الدماء قد استعببوا البقية ببساطة. لكان ذلك متسقاً مع طباعهم، ومطابقاً للشائعات والقصص التي سمعتها. لكن ويا للعجب، ورغم سيادة مصاصي الدماء على الفئات الأخرى، سادت هناك شبه...
رحمة، إلى جانب فرص أتاحت للآخرين الارتقاء إلى مناصب القيادة بالاستحقاق والولاء. راقبت لأعوام، متخفية في الظلال، متساءلة عما إن كان السلام الذي تراه مجرد واجهة خادعة. اضطرت أخيراً للاعتراف بأنه حقيقي، وبأن الاهتداء والرضا اللذين شهدتهما لم يكونا مجرد أوهام لطيفة تخفي خلفها حقيقة قاسية ولا مبالية. دفعها ذلك للتساؤل عما إن كان حلم الشجرة الأم لم يمت بعد. بحثت عن أوريليان.
لم يكن كما توقعت. لم تكن لديه مخططات كبرى، ولا حلم عظيم. بل كان مجرد رجل تحول إلى مصاص دماء ويحاول صنع شيء قابل للبقاء. حدثها عن أصول مصاصي الدماء، عن السلف الأصلي الذي تنحدر منه نسوسهم، وعن الأسلاف الخمسة اللاحقين الذين وضعوا أساس ما يعد نبيلة بين مصاصي الدماء. كان أوريليان أحد أولئك الأسلاف الخمسة، وعمل باحثاً قبل تحوله إلى مصاص دماء. وُلد خلال العصر الثالث، ودرس تاريخ العالم بقدر ما استطاع.
حيث انغمس مصاصو الدماء الآخرون في قوتهم وهيبتهم الجديدتين، أبصر أوريليان بذور سقوطهم. تماماً مثل الطفيليات النجمية التي صاغت حقيقتهم، لم يبنِ مصاصو الدماء مجتمعهم، بل غزوا المجتمع البشري ولوّوه لغاياتهم الخاصة. كان وطنهم إمبراطورية، مسجوعة على صورة الممالك البشرية السابقة، غير أن العملة فيها لم تكن ذهباً، بل دماء. كل ما فعله مصاصو الدماء صُمم لخدمة توسعهم وقوتهم المتنامية، بغض النظر عن ثمن المعاناة.
وكل من لم يكن مصاص دماء لم يعدو كونها أداة للاستخدام أو مورداً للاستهلاك. كان البشر الأكثر نفعاً لقدرتهم على التحول بسهولة إلى مصاصي دماء مع أداء دور الغذاء. أما الأجناس الأخرى فأقل نفعاً، إما لاستحالة تحويلها أو لقلة صلاحيتها كطعام. ونتيجة لذلك، أبادهم مصاصو الدماء أو عاملوهم كالماشية. لم يزعم أوريليان أنه رجل صالح، لكنه أراد الاعتقاد بأنه ليس شريراً. والأهم من ذلك، استطاع استشراف مآل الجوع النبهم والجنون المتنامي لمصاصي الدماء.
إما أن يثور المحكومون عليهم ويسقطوهم في النهاية، أو يشتد عزمهم لدرجة يتحدون فيها في طغيانهم القوى الحقيقية للع العالم. إمبراطورية مصاصي الدماء قوة جبارة لا شك، لكن كيف لها أن تقف في وجه التنانين التي صرعت الشجرة الأم، أو عمالقة الأعماق الذين ساهموا في غمر العالم؟ بصفته أحد الأسلاف الخمسة، لم يرغب أوريليان في دمار شعبه. بل أراد لشعبه البقاء طويلاً في المستقبل. صعود دمه هو ما دله على الدرب المضي.
في معركة السيطرة على جسده، توصل هو وطفيليّه النجمي إلى اتفاق. غديا شريكين لا خصمين، وقويت شوكتهما بذلك كثيراً. لم يخشَ أوريليان الشمس، وحتى السحر النجمي والمقدس والنوراني عجز عن إلحاق الأذر به. تضافرت موهبته الفطرية في التشكيلات والخطوط السحرية مع سحر دمائه المتنامي لتبلغ آفاقاً جديدة ما كان ليطالها بمفرده. إن استطاع هو وطفيليّه النجمي تحقيق الشراكة والتكافل، فلمَ لا يحاول فعل المثل على نطاق أوسع؟
لمَ لا يؤسس إمبراطورية حقّة، يحكمها مصاصو الدماء بينما يزدهر الجميع بجانبهم؟ حينها لن يخشوا الإطاحة بهم، وإن استطاعوا كبح دوافعهم الأسوأ وحكموا بحكمة، تجنبوا إثارة حنق من يستحيل دحرهم. بالطبع، لم يكن بالغباوة التي تدفعه لكشف أفكاره للأسلاف الآخرين بعد. من بين الأسلاف الخمسة، لم يكن أي منهم رحيماً على طريقته. مع ذلك، لم يكن السلف الأصلي الحاكم عليهم أحمق. إن قدّم أوريليان أدلة كافية، فقد ينجح في استمالته.
خطط أوريليان لحكم إقطاعيته كما يرتأي ثم عرض النتائج على السلف الأصلي. ربما كان الأمر ساذجاً، لكنه الخيار الوحيد المتاح لأوريليان. كان السلف الأصلي أقوى من أن يُقضى عليه،وحتى بين الأسلاف الخمسة لم يكن أوريليان الأعظم رغم أنه لم يكن الأدنى بحال. إن استطاع توحيد الأسلاف الخمسة، احتمل أن يتمكنوا من إسقاط صانعهم، لكن لا ضمانة لتحقيقه ذلك، وحتى لو فعل، لم يثق بالأربعة الآخرين ليحذوا حذوه بعد.
مع ازدياد خصلات الشيب بوضوح في شعر سيلِيرا، قررت البقاء. أرادت أن ترى بعينيها مدى المبلغ الذي سيبلغه أوريليان، فإن ساعدته مشورتها الشحيحة وحكمتها فليكن. في تلك الأيام المبكرة التقت بسيرجيو وجارن. كان سيرجيو مصاص دماء شاباً نشأ تحت إمرة أوريليان. بالنسبة لأوريليان، مَثّل نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه مصاصو الدماء مستقبلاً: ذكياً وماكراً بلا افتقار للرأفة أو الحكمة.
ورغم حداثة سنه، بدا واضحاً أنه يُدرّب لشغل منصب الرجل الثاني لأوريليان مستقبلاً، وحقيقة خلوّ سجل المخضرمين تحت إمرة أوريليان من أي اعتراضات تحدثت بلغة واضحة عن كفاءته. أما جارن فقزم... وناجٍ من إحدى مدن السماء. تفاجأت سيلِيرا بلقائه. هلك جل أقزام السماء في المعركة مع انقضاء العصر الثالث، ومن كتب له النجاة من تلك الكارثة إما عاد لجذوره الجبلية أو استسلم للحزن على نحو يشبه الجنّيّات إثر مصرع الشجرة الأم.
كان جارن واحداً من نفر قليل بقوا ممن يحلمون بالسماء. عجز عن التخلي عن الحلم، فطار في أرجاء الأرض بحثاً عمن يشاركونه إياه. لم يجد الكثيرين، وحتى مجتمعين، كانوا أقل من أن يعيدوا البداية. والآن، في خريف عمره، ظفر بحلم آخر: مساعدة أوريليان في بلوغ غاياته. إن عجز جارن عن البناء ليرى الأقزام تجوب السماء ثانية، فلعل أولئك الأحياء مع غيرهم في نطاق أوريليان يدركون ذلك. وعلى الأقل، حظوا بفرصة أفضل لاستعادة السموات مقارنة بالأقزام العائدين إلى الجبال، قانعين بالعيش في جوف الأرض داخل قاعات محفورة بالحجارة، بعيداً عن السموات المفتوحة التي استمتع بها جارن ورفاقه ذات يوم.
لقرون طويلة عمل الأربعة معاً: أوريليان، سيرجيو، جارن، وسيلِيرا. عاماً بعد عام، وفصلاً إثر فصل، ازدادت إقطاعية أوريليان رخاءً. لاحظ السلف الأصلي ذلك، ورغم امتناعه عن الالتزام بأي تحول جذري في مسار إمبراطورية مصاصي الدماء، غادر أوريليان كل لقاء معه أكثر أملًا من ذي قبل. من بين الأسلاف الخمسة، غدا أوريليان الأكثر ثقة، والشخص الذي يلجأ إليه السلف الأصلي حين يبتغي مشورة حكيمة وصادقة.
وحينها قضى السلف الأصلي. مع جهل أوريليان بالمسؤول، تيقن من تورط أحد الأسلاف الآخرين. لم تتفكك إمبراطورية مصاصي الدماء. بل انشطرت إلى خمسة فصائل، يحكم كل سلف إقطاعيته الخاصة. نظراً لارتياب كل سلف بالآخرين، توقفت اللقاءات الفردية. عوضاً عن ذلك، التقوا حصراً كجماعة في عاصمة الإمبراطورية السابقة، مصطحبين قواتهم ومعتمدين على الريبة لمنع أي حوادث. ففي نهاية المطاف، من اغتال السلف الأصلي حتماً قويّ، لكن هل يقدر على مواجهة الأربعة والانتصار؟
مع ذلك، لم يكن أوريليان بالغباوة التي تجعله يظن أن سلاماً هشاً كهذا سيدوم. سيجد المسؤول عاجلاً أم آجلاً سيلة لعزل البقية والتخلص منهم فرادى أو كسب ولائهم. ومثل هذا فرصة لأوريليان أيضاً. إن استطاع دحر قاتل السلف الأصلي ثم دحر باقي الأسلاف أو استمالتهم، حاز حلمه المنشود. لكن أوريليان لم يكن مقاتلاً محنكاً. كان باحثاً. وما احتاجه هو وسيلة لتعديل الكفة، شيئاً لرتق الفجوة.
احتاج سلاحاً. وامتلكت سيلِيرا ما يصلح ليكون جوهر سلاح جبار بحق. كان خشب قلب جذع شجرة جذر الدم. لقد عُد من أعظم قوم الأشجار، ومع مرور السنين، ظلت القوة المترسبة في خشب قلبه جبارة حقاً. وامتلك جارن أيضاً كنزاً وظفه لصناعة سلاح: شظية حديد القلب من العصر الأول. صُدمت سيلِيرا حقاً لحيازة القزم كنزاَ كهذا. حديد القلب معدن خاص، ولد في صميم جبل. غالباً ما كان قلب الجبل جوهرة هائلة القيمة والقوة.
لكن نادراً ما يكون معدناً. كان حديد القلب ذاك معدناً عجيباً، حائزاً على قوة مادية وسحرية لا تُضاهى. جاءت شظية جارن من جبل دُمِّر حين حاصر الملك المكسور وطن الأقزام المفقود. فر أحد أجداده بها، واحتفظت بها عائلته طوال العصرين الثاني والثالث. افتقر أسلافه للقدرة على تشكيلها، فلا يملك مهارة كهذه سوى أعظم حدادي الأقزام، لكن جارن حاز تلك المهارة أخيراً في شفق عمره. وإذ غدت السماء بعيدة المنال، أراد توظيفها لمساعدة أوريليان.
في المقابل، يكرم مصاص الدماء الأقزام تحت إمرته ويرعاهم، ويساعدهم في التماس السماء مجدداً. إلى خشب القلب وحديد القلب، يضيف أوريليان دم قلبه. ثلاثة قلوب لصناعة سلاح واحد، سلاح يضاهي أو يفوق أي سلاح في الوجود. كابد الثلاثة لعقود، مجربين خامات أدنى أولاً قبل الشروع بحسم الأمر حين استوعبوا تماماً أفضل سبل دمج الكنوز الحقيقية بحوزتهم. خلال تلك الفترة، عقد أوريليان تحالفاً ما مع أحد الأسلاف الآخرين المسمى فيروس.
ورغم افتقار فيروس لرحمة أوريليان، شرع في تبني بعض إصلاحاته سعياً لتحسين إقطاعيته. ولمّا عاين التحسن، التمس مزيداً من المشورة لدى أوريليان. كان فيروس أمهر سحرة الدماء في العالم ومشعوذ قوة مريعة. ورغم عدم ثقة أوريليان المطلقة به، فقد أدرك حاجته لإقناع أقرانه الأسلاف أو دحرهم. كان فيروس عاقلاً بما يكفي للاقتناع، وطلبه لمشورة أوريليان بشر بالخير. وأكثر من ذلك، إن آلت الأمور للقتال، فسيمثل فيروس حليفاً قوياً حقاً.
صناعة السلاح لم تكن عمراً يُنجز في يوم أو يومين. استغرقت أعواماً، وتطلبت خطوات عديدة. وجب إنجاز الخطوات الأولى مجتمعين، إذ تطلب الأمر دمج خشب القلب، وحديد القلب، ودم القلب. ووقع عبء بث قوة السلف في السلاح على عاتق أوريليان، بينما تولى جارن استخلاص القوة الكاملة لحديد القلب، حديد القلب القادم من جبل صمد أمام جنون الملك المكسور، ولو للحظة. وخصت الخطوة الأخيرة سيلِيرا، فحين تقرر شكل السلاح ووظيفته، استطاعت إيقاظ ما تبقى من قوة صديقها القديم ونسج أغانيها في صميم السلاح.
أما السلاح ذاته، فاتفقوا جميعاً على كونه رمحاً، إذ فضل صديقها القديم الرمح عند مواجهة أشس الأعداء، وبالرمح سُحق الملك المكسور. ذكريات كهذه تحمل قوة، وما تلك القوة بالصغيرة. كان جارن أول من منح الرمح اسماً. سماه غورثانغير. بلغة قومه، تعني شوكة الدم، اسماً ملائماً لرمح يحمله مصاص دماء ويدخل في جوهره خشب قلب جذر الدم. أعطت سيلِيرا الرمح اسماً ثانياً، بلغة قومها هذه المرة.
عنى الاسم رمح يغني الموت، وهو اسم لائق حقاً. فحين تفرغ، سيحمل الرمح كل الأغاني التي تستطيع إنشادها، وحين يغني، لن ينتظر أعداءه سوى الموت. ينتظر أوريليان اكتمال الرمح ليخلع عليه اسمه الثالث والأخير. تلك كانت الخطة، على الأقل. غير أنه لم يظفر بتسميته أبداً في النهاية. بينما كابدت سيلِيرا في العزلة لإنهاء الرمح، عُقد مجلس عظيم للأسلاف الخمسة. لم يملك أوريليان خياراً سوى الحضور مجازفاً بفقدان السيطرة على الوضع كلياً.
تعمق تحالفه مع فيروس، وتأكد من قدرته على إبقاء الوضع مستقراً أو إمالته لصالحه بمعونة فيروس. رافقه سيرجيو، إضافة لكثير من أتباعه الأقوياء والأوفياء. لكن أوريليان لم يعد قط. عوضاً عنه، عاد سيرجيو وحيداً. انكشفت الحقيقة في المجلس. كان فيروس هو من اغتال السلف الأصلي، ونسج سراً روابط ليس مع أوريليان فحسب، بل مع سائر الأسلاف أيضاً. وفي المجلس انقلب عليهم أخيراً، وأرداهم جميعاً بنفسه.
أراد سيرجيو الموت بجانب أوريليان، لكن أوريليان أمره بالفرار، بالعودة إلى منطقته والاستعداد. لن يتأخر فيروس في تعقبه، ومع مصرع الأسلاف الآخرين، خلا العالم من مصاص دماء يقدر على صده. لكن إقطاعية أوريليان كانت مزدهرة وغنية. وإن قبل سيرجيو الخيانة وتسليمها لفيروس، احتمل نجاته من القتل. فما من أحد، حتى فيروس، يقدر على إدارة كل شيء بنفسه. سيحتاج لإداريين أكفاء، وأثبت سيرجيو كفاءته كرجل ثانٍ.
لم يمتلك سيرجيو قوة تمكنه من مواجهة فيروس. جهل سبيل بلوغ مصاص الدماء الآخر قوة مكنته من تحدي الأسلاف ودحرهم، لكن إن كتب له البقاء... إن تعلم كيف حاز فيروس تلك القوة واكتسبها لنفسه، فستبقى ثمة فرصة، ضئيلة كانت، لصرع فيروس. استلزم الأمر قروناً. تطلب نيل ثقة فيروس وإظهار الولاء، لكنه مصاص دماء. وكان الوقت بصفته. أما الرمح... أمكنهما إخفاء حقيقته الفعلية. عند نسج قوته بداخله، اتخذ أوريليان تدابير تضمن طمس الحقيقة إن لزم الأمر.
ففي النهاية، إن دخل اجتماعا حاملاً سلاحاً بذاك الوضوح من القوة، حذر الأسلاف فوراً. وحدها قدرته على إخفاء ماهيته مكنته من اصطحابه. لكانت خطة مثالية لو لم ينصب فيروس فخه. خُصص الرمح لمصاص دماء بصعود الدم، ولم يخطُ سيرجيو تلك الخطوة بعد، ناهيك عن خطوات فيروس لرفع قوته لما يتجاوز ذلك المستوى. تظل الرمح بحوزة سيرجيو إلى حين استعداده لاستخلاص كامل قوته، ووقتها ينتقم لأوريليان.
وفي الأثناء، يبدو سلاحاً فائق الجودة، لا جارحاً لتوجس فيروس. بعد سماع خطة سيرجيو، لم تملك سيلِيرا سوى إتمام عملها وذرف دموع مريرة. مات الحلم ثانية، وشكت في إدراكها فرصة لمحاولة أخرى. نصحها وسيرجيو جارن بالهرب. قد يتسامح فيروس مع بعض التغيرات التي أجراها أوريليان، لكنه بعد إفصاحه عن طينته الحقيقية، سيصفي غالباً كل من يقدر على المقاومة. أصر جارن على البقاء. سيرحل أقرباؤه وأتباعه، ويبقي هو.
سيحتاج سيرجيو لإثبات ولائه بطريقة ما، ولن يرضي فيروس هروب هذا العدد من الأقزام. كان جارن طاعناً في السن. وما بقي من عمره إلا القليل. كان أوريليان صديقه، وبدا سيرجيو كابن أخيه. ليأخذ سيرجيو رأسه ويقدمه لفيروس إثباتاً لولائه ورغبته في الخدمة. وليساهم موته الداني أصلاً في نجاة سيرجيو وربما، الثأر لأوريليان. وهكذا فرت سيلِيرا من الإقطاعية التي عاشت فيها قروناً. ومع نهاية العصر الرابع، عادت إلى وطن مصاصي الدماء.
حينها، كان سيرجيو قد قضى، لكنه وأوريليان قد أُخذ بثأرهما. يا للسخرية في أن يُجلب ثأرهم على يد الشخص ذاته الذي صرع الشجرة الأم. جناح الهلاك. ترددت بين الضحك والبكاء. في النهاية، ومع تمزيق جناح الهلاك للسماء وتخريبه لا فيروس فحسب، الكارثة الرابعة، بل وطن مصاصي الدماء كذلك، قررت فعل الأمرين. أسقط سحر جناح الهلاك الشجرة الأم. وعدَّت إسقاطها لها شرفاً تقريباً. وهكذا رحلت سيلِيرا، آخر جنّيّة شهدت الملوك وأمجاد العصر الأول.
أما غورثانغير، شوكة الدم، الرمح الذي يغني الموت... لرجحت ضحكها وبكائها مجدداً لعلمها بأن من اختاره سيرجيو لتسليمه السلاح هو ماركوس، أحد أبناء فيروس الذي غدا لاحقاً من أقرب أصدقاء جناح الهلاك. وربما رسمت ابتسامة شجية ومريرة إثر علمها بأن حلم ماركوس لم يختلف كثيراً عن حلم أوريليان.