بدت الليل عميقة ومليئة بالأهوال في أعين البشر، بضعف أبصارهم وأجسادهم وسحرهم المزري. الأمر اختلف مع التنانين. لم يكن بصر التنين أقل ححدة في الليل عنه في النهار، وقليلون هم من تبقى في العالم من قوى قادرة على تهديد تنين في ذروة بأسه. لم تكن الليل شيئاً يثير الخوف، بل وقتاً للتأمل، وفرصة للغوص في أمور طالما دفعت بها جانباً كثرة المسؤوليات والواجبات التي تشغل النهار.
هكذا تأمل «دوموينغ».
لا في وكره ولا على منحدرات سلسلة الجبال الكبرى التي شكلت قلب قطاع «ريغال فليم».
تأمل عوض ذلك في السماء بلا شيء سوى الريح وضوء القمر على حرشافه، معلقاً لا بخفق أجنحته العظمة بل بقوة التحريك الذهني وحدها. هناك، غارقاً في تيارات السحر المحيطية الغنية التي تدفق في السماء، ترك أفكاره تطفو بحرية، واثقاً من أنها ستجد طريقها عاجلاً أم آجلاً إلى ما يهم حقاً.
كانت تلك هدية أخرى من الأخ «تايغر»، واحدة من هبات كثيرة تلقاها، وواحدة من أخريات عجز عن ردّها قبل هلاك صديقه.
«دع العقل حراً»، هكذا قال له الأخ «تايغر».
«فهو أدرى بما يهم، وسيجد طريقه إلى هناك في وقته. وكما قد يفلح الحداد في إتلاف نصل بكثرة ما يطلب من صلبه عند الكير، كذلك قد يصاب حتى أثقب العقول بالأذى حين يثقلها ما يزيد عن حده».
لم يكن ذلك الهيام الذهني بالامر الهين على «دوموينغ»، المعروف بحكمته وعلمه.
كان عقله قوياً، وتتدفق أفكاره بحدة سريعة ويقينية. كان عقله في نواحٍ عدة نصلاً، والنصل الملوح به بغير احتراس عرضة لإلحاق الأذى.
غير أن «دوموينغ»
أقر مع الوقت بوجود الحكمة في كلمات صديقه أيضاً. فما من نصل، مهما اشتد، يستغني عن الراحة والصيانة. إرخاء العنان لليسار هو إراحة له، وتركه ينساب بطبيعية نحو ما يهم هو شحذ لحدّه مرة أخرى.
وفعلاً، وجدت الحكمة طريقها أيضاً إلى الكلمات التي شاركته إياها «الأم الشجرة»
يوماً: أولئك ذوو الحدود غالباً ما يتعلمون أفضل سبل تجاوزها.
بالطريقة ذاتها التي قد لا يكلف الساحر نفسه عناء تحسين كفاءته إن ملك سحراً بلا حدود، نما غرور «دوموينغ»
مع ذكائه المنقطع النظير، فصار يدفع عقله باطراد أقسى دون إتاحة الوقت له للراحة.
كان مؤسفاً تطلب الأمر «الكارثة السادسة»
ليدرك كم كان ذلك الإرهاق قاتلاً وماكراً. لكنه نجا، وكعادته، تعلم من أخطائه.
ومع قلة ما يفعله وهو يصارع التعافي من جراحه، استغل سني يقظته العابرة ليتقن ببطء ولكن بيقين التأمل الذي سعى الأخ «تايغر»
لتعليمه إياه منذ زمن طويل. لم يكن مستعداً لتعلّمه حين كان صديقه لا يزال على قيد الحياة، لكن موت صديق آخر بمخاليبه هو جعله مستعداً للتعلّم. وها هو ذا قد بات أستاذاً له. تعددت الفوائد، وتصدرتها دفعة متجددة من الحيوية الذهنية. أمكن محو تراكم الإرهاق الذهني البطيء والثابت، مما سمح لذكائه وحواسه بالعمل في ذروتها. وجدت فوائد غير متوقعة أيضاً.
صُممت تقنيات التأمل التي سعى الأخ «تايغر»
لتعليمه إياه لأبناء الوحوش.
لكن «دوموينغ»
كان تنيناً، والتنانين كانت، في نواحٍ عدة، أبعد بكثير عن أبناء الوحوش. حتى الآن، ورغم إرخائه العنان لأفكاره، استطاع أن يشعر باتصاله بتيارات السحر في السماء يزداد عمقاً. للأرض نبض، وكذلك البحر... والسماء. واستطاع سماع ذلك النبض. كان إيقاعاً ثابتاً ولدته السماء، والغيوم، والريح، والعاصفة. وكلما غاص أكثر في تأمله، تحول نبض السماء من مجرد إيقاع إلى ما يشبه الكلمات بالكاد.
حدثته عن العاصفة العظيمة في الغرب، جدار من السحب السوداء أعلى من الجبال، وقد شق البرق أحشاءها وتتابع دوي الرعد. وهمست أيضاً بالجليد والثلج في أقصى الجنوب، وبالرياح العاتية التي تضرب الجبال والعواصف الثلجية التي لم تتشكل بعد. وإلى الشرق رياح جافة وعواصف حارقة. ارتفع الدخان إلى الأعلى جنباً إلى جنب مع صلوات العالقين في طريق حرائق الغابات التي أحرقت السهول. وإلى الشمال، صارعت إعصاراً لتولد، إذ منحت مياه المحيط الدافئة الحياة لعمود دوار من الهواء قد يصبح، لعل وعسى، شيئاً أكثر من مجرد عاصفة.
كل هذه الأشياء وأكثر بلغت «دوموينغ».
ترك تلك الأفكار تتردد برهة ثم أطلق سراحها. وأخيراً، هيم عقله نحو ما يهم: الطريق أمامه. أدرك، بطريقة غريزية، أن حتى القوة التي يمتلكها حالياً لن تكفي.
لقد رأى، وإن من بعيد، «الملك المحطم»، وسمع من «الأم الشجرة»
عن القوة التي استلزمتها ردية ذلك المخلوق اللعين.
لم يكن «دوموينغ»
متبجحاً، لكنه لم يكن أحمق ليستهين بقدراته الخاصة أيضاً.
لكان علمه وحكمته يتألقان مقارنة بأي تنين، حتى أساطير العصر الأول، وجرؤ على مقارعة إتقانه للسحر حتى بوالد «ريغال فينه»
الذي كان أعظم مستخدم للسحر بين تنانين ذلك العصر الغابر. لكن القوة... تلك كانت المشكلة.
لم يعوز «دوموينغ»
العلم والحكمة. وبالمثل، لم يفت سحره التنوع ولا العمق.
ورغم عجزه عن مجاراة «أشريارت»
في محض قوة السلاح، لم يكن مقصراً كمقاتل أيضاً. كما كانت خبرته بارزة، صقلتها عصور من الصراع والكدح.
ومع ذلك، كان «الملك المحطم»
دليلاً على مدى تفاهة تلك الأمور في مواجهة قوة غاشمة. في وجه تلك النوعية من القوة، ما نفع المهارة والشجاعة والخبرة؟
لا تنفع تلك الأمور إلا في تنافس الأنداد، ولم يكن «دوموينغ»
من الحمق بحيث يأمل أن تكون «الكارثة الأخيرة»
بمثل تلك الرحمة. لقد كانوا محظوظين، محظوظين جداً، لكون الكائرتين الرابعة والسادسة تفتقران نوعاً ما إلى قوة القتال المحض. أوه، لقد عوضتا ذلك بطرق أخرى.
استخدم «مصاص الدماء المجنون»
طقوساً كبرى وشعوذة لتحويل قارة بأسرها إلى سلاح. لو أفلح في تفادي أنظارهم لفترة أطول قليلاً، لربما تجاوز مجموع بأسه، مقاساً لا بالقوة الشخصية وحدها بل بالزومبي والطقوس والاتباع وما شابه، قدرتهم على الهزيمة.
لكن فور أن جردوه من تلك الأشياء، وفور أن نجح «دوموينغ»
في اختزال الصراع إلى معركة اضطر فيها «مصاص الدماء المجنون»
لمواجهته وحده، انتهت المعركة لصالح، رغم أنها لم تكن سهلة بحال.
كانت «كاغامي»
أسوأ حتى في نواحٍ عدة. فهجماتها الذهنية حولت الناس بعضهم على بعض، محولة ما مفترض أن يكون نقصاً عددياً ميؤوساً منه إلى ميزة.
ورغم أنها لم تملك العبقرية الفكرية ذاتها التي تمتع بها «مصاص الدماء المجنون»، إلا أن مكرها كان أعظم بكثير.
لو كان «دوموينغ»
أقل إدراكاً لعمق مكرها، لهلك في إحدى حيلها الكثيرة وأسلحتها السرية. وفعلاً، لو كان أقل حظاً بقليل، لكان رمح معدن الملك نهايته. أبطأ قليلاً في المراوغة، أبطأ قليلاً في رد الفعل، وأقل جنوناً بالارتياب من الخداع... ولمان مات قبل أن تتاح له الفرصة لتدميره. ومع ذلك، فإن تلك الضربة ذاتها، التي استغرقت ألف عام ليتعافى منها، منحته أيضاً فكرة عن الدرب الذي ينبغي له سلوكه.
لقد شعر به حين تفصد دم حياته من صدره وحامت روحه على حافة التصدع: نار الملك داخل الرمح. نار الملك... جوهر الملوك، قوة لا يملكها سواها. إن كان معدن الملك لحمهم وعظمهم، فروحهم صيغت من نار الملك. لقد رأى كليهما مراراً في العصر الأول.
فبعد كل شيء، كان «ديون»، أحد أعز أصدقائه، ملكاً، وهناك العديد من الملوك الأخرى في ذلك الوقت أيضاً.
ومع ذلك، وعند بحثه في ذكريات تلك الأيام العتيقة، أدرك «دوموينغ»
أمراً بسيطاً. التنانين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنار. إنها في دمائهم، وفي أرواحهم ذاتها. غير أن نار الملك كانت مختلفة. لم يستطع استشعارها بالطريقة التي يستشعر بها أشكال النار الأخرى. حين كان تنينائً شاباً، ظن أن الأمر يرجع ببساطة لعمره وقوته، وبأنه سيكتسب مع الوقت والقدرة القدرة على استشعارها كما يفعل بالنار الدنيوية والسحرية. والآن، علم عكس ذلك. نار الملك تختلف نوعياً.
تختلف عن النار الدنيوية والسحرية لا بمصطلحات عددية بسيطة بل في النوع. بالطريقة ذاتها التي يعجز الأعمى عن الإبصار، يعجز غير الملوك عن إدراك نار الملك كلياً. ومع ذلك، وفي تلك اللحظة، على حدود الحياة والموت، شعر بنار الملك داخل الرمح.
أشر ذلك، مجتمعاً مع فهمه الخاص للصحوات، نحو حقيقة «الصحوة الخامسة».
دمرت «الصحوة الرابعة»
الجسد وأعاد صياغته، مزيلة العيوب ومتجاوزة الحدود البشرية البحتة كالشيخوخة. مؤكد أن أمراً كهذا كان مفيداً.
لكن بالنظر إلى روح تنين «الصحوة الرابعة»
العادي، لم يكن جسد بهذا المستوى ضرورياً تماماً لاحتواء روح بقوة مماثلة. كانت هناك مساحة فائضة. لكن التنانين خلقتها الملوك، والملوك، بغض النظر عن الأخطاء التي اقترفتها، لم تتحرك قط بلا سبب. لماذا تفضي الصحوة الرابعة إلى جسد يفوق الروح التي يحتويه إلى هذا الحد... ما لم تكن النية خلق جسد قادر على تحمل روح أقوى حتى، روح تتجاوز بكثير تلك الروح المعززة المكتسبة في الصحوة الثالثة.
نعم. القطع تتلاءم. صحوة رابعة لخلق جسد ملك بشري... وصحوة خامسة لخلق روح ملك بشري أيضاً.
ومع ذلك، وحتى إن صح حدسهم، لم يحل ذلك المشكلة الأوضح: ما الشروط الواجب توفرها لبلوغ «الصحوة الخامسة»؟
تبادر إلى ذهنه عدة شروط، لكنه طرحها جانباً بتفكير نادٍ. المحن والابتلاءات العظمى؟ لا يمكن أن يكون ذلك وحده.
لقد لعب «دوموينغ»
دوراً رئيسياً شخصياً في إلحاق الهزيمة بست كارثات. قد لا يوجد شخص واحد في العالم تطابق أفعاله أفعاله الخاصة. الحكمة والعلم؟
مرة أخرى، افتخر «دوموينغ»
بإنجازاته. وقليلون حقاً من يستطيعون مجاراة عمق حكمته أو اتساع علمه. قد يتواجد من يستوعب موضوعاً معيناً أفضل منه، لكن من حيث الحكمة والعلم الشاملين، واثق هو من صموده في وجه أي كان. المهارة والخبرة؟
بمعزل عن أيام شبابه الغابرة، لم يتراخَ «دوموينغ»
قط في تدريبه وممارسته. أظهرت له قسوة الواقع مدى خطورة ذلك. إن كانت المهارة والخبرة شرطين أساسيين، فلينبغي أن يستوفيهما بسهولة. أهي القوة إذن بكل ببساطة؟
هل هناك عتبة معينة من القوة ضرورية لتحقيق «الصحوة الخامسة»؟
ربما.
إن كانت القصص التي حكتها «الأم الشجرة»
عن القوة التي استشعرتها من «اللهب السيادي»
قبل سقوطه صحيحة، فلعله نجح في بلوغ حيث لم يبلغ أي تنين سواه.
وحتى الآن، كان «دوموينغ»
واثقاً من عدم امتلاك أي تنين للقوة الخام ذاتها التي امتلكها «اللهب السيادي»
في الأيام التي سبقت «الملك المحطم».
لقد كان والد «ريغال فليم»
أعجوبة، صاغته أيدي الملوك السبعة ووُهب كل مَزِيّة متصورة يمكنهم منحه إياها. ولم يكن كسولاً أيضاً، واشتهرت شجاعته وعزيمته حتى قبل وفاته.
وفي السنين الطويلة منذ موت الملوك، أدرك «دوموينغ»
التبعات الكاملة لفقدانهم. كان هو ورفاقه من التنانين البدائية أقوى من أقرانهم تناين الصحوة الرابعة، ولا يرجع ذلك لمجرد أعمارهم أو خبراتهم. لقد امتلكوا قوة يصعب تحديدها أو قياسها، لكنها جعلتهم جبابرة بطرق تعجز عنها تنانين الصحوة الرابعة الأصغر سناً.
لم تتحدث «الأم الشجرة»
عن ذلك، إذ توت قبل أن يصبح الفارق شديد الوضوح، لكنها أدلت بعدة ملاحظات قبل رحيلها قادت «دوموينغ»
إلى استنتاج. إن حضور الملوك يقوي مخلوقاتها، ويغيرها على مستوى أساسي. وبدون الملوك، وُلد التنانين الأصغر محرومين من هذا التغيير، وصاروا أضعف بسببه.
واصل «دوموينغ»
ورفاقه البدائيون الازدياد قوة على مر السنين، لكن تلك القوة كانت كمية بحتة. كانت قوة أعظم، لكن من النوع نفسه. أكان تحقيق الصحوة الخامسة زيادة نوعية في القوة أمراً ضرورياً؟ وهل... يمكن تحقيق شيء كهذا أصلاً بدون الملوك؟ فبعد كل شيء، إن كانت الصحوة الخامسة تدور حول الحصول على روح تشبه أرواح أشباه الملوك، فلا بد أن الملوك ستتورط بطريقة أو بأخرى. لكن، الآن، ماتت الملوك جميعاً.
أبواب الصحوة الخامسة موصدة هكذا للأبد؟ كلا.
رفض «دوموينغ»
تقبل ذلك. لا بد من وجود سبيل. لقد رأى التيجان أيضاً في أراضي الأحلام. إن لم يكن هناك طريق للأمام، فلماذا لا توجد، رغم ترجيح كون واحد على الأقل من الطرق الأمامية غادراً ينبغي له تجنبه بأي ثمن.
مرة أخرى، مع ذلك، تذكر الرمح الذي ضربته به «كاغامي».
معدن الملك ونار الملك. لقد امتلك الرمح كليهما، الكثير من الأول ولمسة من الثاني.
لم يستطع «دوموينغ»
قط، ولن يستطيع أبداً، نسيان شعور التعرض لضربة من سلاح كهذا. إن استطاع فهم تلك المشاعر بصورة أفضل، فلعله يفهم الرمح بصورة أفضل، ومن خلاله معدن الملك ونار الملك اللذين صُنِع منهما. ومن هناك، لعلّه يجد سبيلاً إلى الصحوة الخامسة. وبهذا، وجد أفكاره تحوم في اتجاه آخر. ماذا سيفعل بعد الكارثة الأخيرة؟ إن تمكنوا من الفوز، لا، سيفوزون، بطريقة ما، كيف سيشغل أيامه؟ مؤكد، سيواصل دراسة السحر ومواضيع أخرى.
لا سبب للتوقف. وفي الواقع، لربما أمكنه التركيز على مواضيع أقل فائدة مباشرة لمرة واحدة دون تهديد كارثة معلقة فوق رأسه. لكن عدا ذلك..؟
هامت أفكاره نحو «ريغال فليم»
والكلمات التي تبادلاها. في الحقيقة، نادراً ما منح تفكيراً يذكر لأمور القلب. حين كان تنيناً شاباً، نظر في الأمر، لكن نهاية العصر الأول حطمت تلك الآمال. الصديق العزيز الذي ربما تحول في النهاية إلى شيء أكثر هلاكاً جنباً إلى جنب مع الكثيرين غيرهم. لاحقاً، كان هناك آخر، لكنها رحلت هي الأخرى، ولسع الأمر أكثر لعدم أخذها من قبل شر كابوسي. بل اختارت المغادرة عوض ذلك. حتى لو عادت...
حتى لو عادت، فلن يستطيع أبداً النظر إليها بالطريقة ذاتها. لأنها هربت.
وإن كان هناك شيء واحد لن يفعله «دوموينغ»
أبداً، فهو ذلك.
إن قُدِر لـ«دوموينغ»
الموت، فسيحدث هنا، فوق العالم الذي أنجبه ووالديه، العالم الذي مات والداه دفاعاً عنه، العالم الذي سفك الدموع والدماء حماية له. هنا ولد كل أصدقائه، وهنا مات الكثير منهم.
بغض النظر عن الخصم، بغض النظر عن استحالة النصر، لن يتخلى «دوموينغ»
عن هذا العالم. يفضل الموت مدافعاً عنه على الفرار والعيش.
«ريغال فليم»...
كن يكنّ لها عميق الاحترام، وليس بالقليل من المودة أيضاً. مستقبل معها... استطاع تخيله، لكنه احتاج وقتاً. لا مجرد وقت للتعامل مع قطاعه، بل وقت لاستيعاب مشاعره الخاصة وقرار أفضل سبل مقاربة المسألة.
لم يكن جباناً، لكن «ريغال فليم»
تستحق ما هو أفضل من أنصاف الحلول والجبن. إن وافق، فسيحدث ذلك بكل قلبه، ولم يكن متأكداً بعد. ومع ذلك، شكل الاحترام والمودة المتبادلان أساسين جيدين للبناء عليهما. مؤكد أنه رأى تنانين تدبر أمورها بما هو أسوأ. استدعى بلا قصد كلمات نطق بها والداه له منذ زمن بعيد. سألهما عما يريدان له في المستقبل. جاء ردهما بسيطاً: كن سعيداً، كن قوياً، كن ثرياً، وأنجب بعض الصغار. سعيداً؟
كان «دوموينغ»...
سعيداً، على ما يعتقد، لكنه سيكون أسعد حين تموت الكارثة الأخيرة ويأمن العالم. القوة والثروة، لقد حققهما بكل تأكيد. قليلون من يستطيعون مواجهته في المعركة ويأملون الخروج منتصرين، واعتبرت ثروته مثيرة للإعجاب حتى بين أقرانه. غني عن القول، وخارج نطاق زملائه التنانين البدائيين، لم يوجد تنين واحد في العالم يقترب حتى. أما الصغار... فسيحتاج إلى رفيقة من أجل ذلك. إلى ذلك، ماذا يدريه عن تربية الصغار؟
مؤكد أنه راقب أحياناً صغار الآخرين، لكن لعب دور جليس الأطفال يختلف تماماً عن كون المرء أباً. ورغم فائدة ميوله العلمية في نواحٍ عدة، إلا أنه رأى ما يكفي ليدرك أن الأبوة شيء يُختبر لا يُدرس مسبقاً ببساطة. إن كتب له إنجاب صغار، فعليه الاعتماد على رفيقته لمساعدته وعلى أصدقائه للنصيحة.
يمكن الركون إلى «أشريارت»
لمنح نصيحة صلبة. تحدث صديقه ببساطة ووضوح، وقد سبق له تربية ابن جيد. ويا للأسف، كان العارف الأكبر بالصغار بين زملائه التنانين البدائيين هو نفسه الأكثر احتمالاً للتصرف بازعاج حيال الأمر.
لقد ربت «ستورمبرينغر»
صغاراً أكثر من أي منهم، وساعدت كثيراً في تربية أحفادها أيضاً. ربما قلائل من التنانين الأحياء من يستطيعون مجاراة حكمتها وخبرتها في هذا الصدد... ومع ذلك، علم أن سؤالها سيكون مزعجاً.
إن بلغ به اليأس إلى ذلك الحد، فعليه ربما الاقتراب من «تايتشي»
أولاً.
بدت درياد أرجح عقلاً بلا حدود ويمكن الاعتماد عليها لكبح أسوأ عادات «ستورمبرينغر».
وعليه أيضاً إعداد هدية، بعض الحيوانات الغريبة التي لم تلقِ بها بعد في «بركة الصعود»
اللعينة. أو ربما أمكنه إعداد محفز، شيئاً قادراً على تعزيز قوة البركة. أكان شيء كهذا ممكناً؟ لم يمنحه تفكيراً يذكر، لكن ربما. ثم مرة أخرى، إن فعل ذلك، فستزعجه بمحفزات أقوى للأبد.
رفرف إحساس جديد عبر حرشاف «دوموينغ»، فانفتحت عيناه.
حل الفجر، وأفسح الأفق المظلم سابقاً المجال لدرجات الذهب والورد والبرتقالي والأحمر. أمضى الليل بأكمله غارقاً في التأمل، ورغم ذلك شعر براحة ذهنية تفوق أسابيع. ببطء، قبض مخاليبه ثم بسطها.
ماذا سيقول «ديون»
و«الأم الشجرة»
لو رأياه الآن؟ ماذا سيقول أصدقاؤه الآخرون، الراحلون منذ زمن طويل؟ أسيشعرون بالفخر؟ أسيعدهم ذلك؟ هز رأسه. في النهاية، لقد ذهبوا، وبقي هو. وكل ما يمكنه فعله الآن التأكد من أن تضحياتهم تعني شيئاً.
«كنت هنا طوال الليل».
كانت «ريغال فليم».
لقد خرجت من وكره، وانزلقت على الريح بجانبه.
«أأنت جائع؟»
«ليس تماماً»، أجاب «دوموينغ».
«لكن... قد يفيدني طعام على أي حال».
«في هذه الحالة...»
أشارت «ريغال فليم»
بذيلها.
«شوهدت حيتان قبالة الساحل».
«حيتان؟»
أومأ «دوموينغ».
«لن يكون الحوت طريقة سيئة لبدء يومي».
«فلنصتاد معاً إذن»، قالت «ريغال فليم».
«نعم...»
نفض «دوموينغ»
نفسه ثم انحرف نحو الساحل.
«يسرني ذلك».