سافرت دونسكيل بعيداً بحثاً عن طائر الفينيق الحارس الأخير. منحها العارف دليلاً، لكن الذكاء الاصطناعي عجز حتى عن تحديد موقعها الدقيق. وكل ما استطاع فعله هو توجيهها نحو أولئك الذين قد يملكون معرفة أوسع. مرت سنوات، سنوات طوال، ورأت دونسكيل بعينيها المجرّدة اتساع العوالم كافة التي صنعها ملك الخلق الميت منذ أمد بعيد. كانت هناك عوالم قريبة جداً من الجنة حتى أنها اغرتها بالبقاء.
امتلكت تلك العوالم قوى تفوق إدراكها ونظرت إليها بمزيج من الإعجاب والشفقة. بدت لهؤلاء عابرة مهشمة وطفلة ضالة تبحث عن ملاذ آمن. عرضوا عليها مكاناً بينهم، وحين رفضت، لم يأخذوا الأمر عليها. بل علموها ما استطاعوا من حكمة ومعرفة قبل أن ترتحل. كانت عوالم أخرى كوابيس، مرعبة لدرجة أنها بالكاد تستطيع تحمل النظر إليها. في بعض الأحيان، كانت تساعد، مانحة قوتها للمضطهدين. وفي أحيان أخرى، لم تستطع فعل شيء، لأن الكائنات التي حكمت تلك العوالم مُلئت بقسوة وشر جعل مجرد معرفة وجودها يؤلم روحها.
لكن الأسوأ كانت عوالم مجدبة قاحلة تحكمها ملوك محطمة، وما تبقى لم يكن سوى خراب وموت وصمت يبدو أقدم من الزمن. ومع ذلك، لم تكن غالبية العوالم التي صادفتها جناناً ولا كوابيس. بل كانت ممتلئة بـ... البشر. بعضهم أقوى. وبعضهم أضعف. ومعظمهم حاولوا عيش حياتهم بأفضل ما يمكن. أحياناً، كانت تمكث، متعلمة ما تستطيع. وأحياناً، كانت تغادر سريعاً، يخببرها حدس ما بأن المكوث أكثر لن يكون حكيماً.
التقت بتنانين وملوك أخرى، ولم تنتهِ كل تلك اللقاءات بسلام. اضطرت للهرب أكثر من مرة، ولولا تنامي قوة سحرها لتركت تلك اللقاءات ندوباً في جسدها وروحها. لكن اللقاءات المسالمة وُجدت أيضاً، وتعلّمت الكثير ممّن استعدّوا للتعليم أو، على أقل تقدير، مقايضة جزء من معرفتهم بمعرفتها. متبعة الشائعات والخرافات والأساطير القديمة، اقتربت أكثر فأكثر من وجهتها حتى التقت أخيراً، في الظلام العظيم بين النجوم، وفي الفراغ الشاسع بين المجرات، بمن قد يستطيعون أخيرًا أخذها إلى طائر الفينيق الحارس الأخير.
سمعتهم قبل وقت طويل من رؤيتهم، لا بأذنيها. كلا. فالذين انتظرتهم لم يغنوا بالكلمات بل بالجاذبية. تموجت أغنية الجاذبية الخاصة بهم عبر الظلام، سيمفونية استحضرت همس الكواكب جوقة النجوم. صعدت وهبطت، مرددة صدى الرعد الكوني للكوازارات والأداجيو الثابت للسدم. رنّت النقات، فريدة ومؤثرة، حمل كل منها قوة نجم يتحول إلى مستعر أعظم. أطلّوا أخيراً: حيتان النجوم. كانوا... ضخاماً. أصغرهم بحجم كوكب، وأكبرهم عظيم كنجوم.
سبحوا عبر الظلام، راكبين أمواج الجاذبية التي صنعتها أغانيهم ومقتاتين على طاقات لا حصر لها من الزبد الكمي، مدعومين بقوة الاحتمال. تساءلت للحظة عما ستفعله إن هاجموها. بغض النظر عن القوة التي بلغته، كان بإمكان أضعفهم سحقها كحشرة. ومع ذلك، لم تلمس منهم عداوة، بل فضولاً و... ألفة؟ عرفت اللحظة الدقيقة التي وجّه فيها أكبر حيتان النجوم انتباهه إليها. ما زالت أغنية جاذبيته تملأ الظلام، لكن انضمت إليها أغنية الحلم.
وصلت إليها كلمات، مصوغة من الصور والأحاسيس بقدر ما صيغت من الأفكار والمشاعر.
"أنت بعيدة جداً عن الوطن، أيتها التنانين. لماذا أنت هنا؟"
"أرغب في لقاء طائر الفينيق الحارس الأخير،"
أجابت دونسكيل.
"لكن... أتعرفني؟"
"أعرفك."
أصبحت أغنية جاذبية حوت النجوم لطيفة حين توقف. وتوقف الآخرون أيضاً، وغمرتها أغنية أحلامهم كنسيم ربيع دافئ.
"حين كنت صغيراً، لعبت في جذور شجرة الأم الممتدة في البحر. كانت فتية هي الأخرى، رغم أنها لا تزال أقدم مني بكثير. ومع نموي، حلمت، غارقاً في الأعماق ونادراً ما أصعد إلى السطح. هكذا التقينا. كنت فتية آنذاك، أيتها التنانين، وما زالت الملوك تمشي في العالم."
"أنت..."
حدقت دونسكيل.
"أنت حوت جزيرة!"
"كنت... ذات يوم. الآن، أصبحت أكثر."
غنّى حوت النجوم، ونسجت أغنية حلمه وأغنية جاذبيته معاً لتستحضرا صورة من الماضي البعيد: العالم الذي وُلدا فيه قبل خراب الملك المحطم وكابوس الكوارث الأخرى.
"أتعرفين ماذا يحدث حين تحلم حيتان الجزيرة؟"
"لا. سألت أغنية الحلم مرة، لكن حتى هي لم تستطع إخباري."
"أنا أعرفها أيضاً،"
همس حوت النجوم.
"يختلف الأمر من حوت لآخر، لكن... حين يحلم حوت جزيرة بعمق وطول كافيين، تأخذه أحلامه إلى مكان... مهد النجوم. إنه... جميل، مكان لا تزال تعلَق فيه أحلام ملك الخلق وذكرياته، مكان لا تزال النجوم الحية تسكنه ويحترق فيه نار طائر الفينيق الحارس الأخير. هناك، إن أثبت حوت الجزيرة جدارته، يولد نجم داخله. وحين يحدث ذلك، لا يعودون مقيدين بعالم واحد، ولا تعود البحار وأراضي الأحلام موطنهم. بل يصبح الخلق كله موطناً لهم، محيطاً لا يملّ كأي محيط آخر."
صمتت دونسكيل. تجاوز هذا توقعاتها بكثير.
"أفكرتِ يوماً في العودة؟"
سألت بهدوء.
"بقوتك..."
"لست أنا من ينقذ عالم ولادتنا،"
قال حوت النجوم.
"كلا. منذ اللحظة التي نغادر فيها، وحتى يوم موتنا، لا نعود نحن حيتان النجوم إلى عوالم ولادتنا أبداً. ليست هذه طريقتنا. علاوة على ذلك، يجب أن يكون من ينقذ عالمنا ممن لم يتخلوا عنه قط."
ازدادت أغنية حوت النجوم كآبة.
"لكن ما زلت أرى عالمنا في أحلامنا، وأتمنى بشدة أن يتحقق ما رأيته. أما أنتِ... فقد جلبَتني تيارات الحلم إلى هذه اللحظة بالذات."
"أيعني هذا أنك ستأخذني إلى طائر الفينيق الحارس الأخير؟"
"سأقدم العون الممكن."
أشار حوت النجوم إليها لتتشبث به.
"هناك أبواب عديدة تؤدي إليها، لكنها محروسة جميعاً. يقف نجم اليقظة حارساً. يرى نظره كل شيء، وسيفه المصنوع من النار والنور غير مقيد بالمكان أو الزمان. لكنه يعرفني. لن يقتلني. سأأخذك إليه، لكن لا يمكنني الجزم إن كان سيسمح لك بالمرور."
"شكراً لك."
قصدت دونسكيل الكلمات بكل ألياف كيانها.
"الفرصة أكثر من كافية."
"سيستغرق الوصول إليه بعض الوقت،"
قال حوت النجوم.
"ورغم أنك لست واحدة منا، فعليك أن تغني أيضاً."
"لا يمكنني التحكم بالجاذبية أو الأحلام بالسهولة التي تستطيعها."
"هذا صحيح، لكنك تمتلكين روحاً، والأرواح تستطيع الغناء. دعِي أغنية روحك تردّد صدى أغنيتنا. لعلّ... لعلها تفيدك."
وهكذا تشبثت دونسكيل بحوت النجوم بينما واصل هو ورفاقه رحلتهم. غنّوا أثناء ارتحالهم، ورغم أنها بدأت بتعثر في البداية، فقد غنّت معهم. غنّوا عن الأشياء التي رأوها والبشر الذين تقابلوهم. وغنّت هي عن تلك الأشياء أيضاً. بدا لها غناؤها فجاة مقارنة بغنائهم، قبيحاً ومتعثراً. ومع ذلك، لم يكن حوت النجوم مخطئاً. كلما غنّت أكثر، شعرت بتحسن، وأصبحت أغنية روحها أكثر سلاسة. لم تكن عذبة في أذنيها، ليس بعد، لكنها لم تعد مرة أيضاً.
ارتحلوا طويلاً. وصلوا في النهاية إلى سديم شاسع. وقف في قلبه عملاق من النور والنار، أكبر حتى من العارف. حفر نظر العملاق عميقاً في روحها، وأمسك في يديه بسيف من نار النجوم. كان حدّه حاداً لدرجة أن الفضاء والزمان انشقا عليه، وعرفت، بطريقة ما، أن ضربة واحدة من النصل يمكن أن تهز أركان الكون. لم تكن هناك تاج فوق رأسه. بل كانت هناك كلمة، وكانت الكلمة اسمه وحقيقته معاً. اليقظة.
النجم الذي يراقِب. النجم الذي يحرس. النجم الذي يقف مستعداً. تذكرت حينها كلمات العارف. كانت النجوم الحية أطغى الكائنات أصالة في هذه العوالم، باستثناء ملك الخلق الميت منذ أمد بعيد وطيور الفينيق الحارسة، التي لم يبقَ منها سوى واحد. لم يتكلم النجم الحي. بل مُنحت أفكاره شكلاً وحُوّلت إلى حقائق راسخة لا تقبل العصيان.
"أنت معروفة لدي، يا حالمة النجم والمطر. كنت فتية آخر مرة التقينا."
غنّى حوت النجوم تحية خاصة به.
"لقد أحضرتُ أُخرى من عالم ولادتي. لقد سافرت بعيداً. وهي تسعى خلف طائر الفينيق الحارس الأخير."
"ولماذا أسمح لها بالمرور؟"
هزّ السؤال الواقع، وتطلب إجابة. لم تتكلم دونسكيل. لم تكن هناك حاجة. بل نظر نجم اليقظة داخلها وعرفت... كل شيء. كل ما كانت عليه. كل ما اختبرته. كل ما أملته. كُشف كل شيء عارياً أمام نظره.
"لقد تقابلتِ مع العارف. أحمق... لكنه أحمق أحترمه. وأنت مثل إلى حد كبير."
توهّج النجم الحي، أكثر سطوعاً من مليار كوازار. وحدها رحمته حالت دون محوها وحيتان النجوم بالكامل.
"لست نجم الأحكام. لقد رحل ذلك الخائن عن هذا المكان ولا يمكنه العودة أبداً. لكنني سأحكم عليك على أي حال. جهّزي نفسك. نار النجم الحي لا تشبه أي نار أخرى."
صدّت دونسكيل خوفها.
"افعل ما يجب."
احترقت. أبد الدهر، احترقت. تراجعت النيران أخيرًا.
"روحك تحمل ندوباً، أيتها التنانين، وليست كل الندوب سيئة. سأسمح لك بالمرور، لكن كوني حذرة في كلماتك وأفعالك. قد لا يكون الآخرون رحماء مثلي، وحيث تذهبين أرض مقدسة."
بجانب النجم الحي، ظهر باب وانفتح.
"اذهبي."
شكرته دونسكيل وعبرت الباب.
⟦1꒱ المجرات. هذا أول ما رأته دونَسكيل. ثُمّ حين اعتاد عقلها استحالة ما تنظر إليه أدركت ما تريه عيناها حقاً. لم تكن المجرات سوى أضوار تلمع في عيني طائر الفينيق. كم... يفترض أن يكون حجم الفينيق هائلاً بلا حدود. تمرد عقلها نفسه على احتمال أن يكون أي شيء بهذا الكبر. ومع ذلك ها هي ذاك الطائر العظيم المصنوع من النار والنور والمجد. كانت ريشاتها شظايا من لهب منشور، والجمرات القوس قزحية التي تتطاير من جسدها تحجّم السدم.
بثّ الفينيق جلالاً وبهاءً جعل دونَسكيل تخشى لبرهة أن ينفطر قلبها. لقد عرض عليها من يذكر رؤى لطيور الفينيق الحارسة، لكنّ تلك الرؤى لم تقارن البتّة برؤية واحد منها لحماً ودماً. النار. النور. المجد. كان الفينيق الثلاثة مجسّدة، كائناً عجيباً لدرجة أن محاولة وصفه بالكلمات عبث. بل إنه كان... أبعد من أن يُوصى لدرجة أن دونَسكيل لم تدرك متأخرة إلا وهي مغطاة بجروح لا تحصى. قطرات الدم تسيل من تلك الجروح فتلد نجومًا زائفة ومستعرات أعظم، وترنّح الفينيق وبصيص الإشراق المطلق مع نظرتها يخفت.
انخفض رأسها العظيم وانكسرت منقارها ومخالبها. وبجانبها كانت هناك أربع نجوم حيّة، كلّ منها بقوة نجم اليقظة، ومع ذلك لم يرفع أحد يدًا لمساعدتها.
"لقد قطعتِ طريقاً طويلاً"، قال الفينيق.
وفوراً أدركت دونَسكيل أن الكلمات لم تُنطق. لو تحدثت الفينيق بصوتها لماتت دونَسكيل في مكانها. بل حيكت الكلمات بطريقة تقيها الهلاك.
"ما الذي ترغبين في الحديث عنه؟"
"أنا..."
تلاشت أسئلة دونَسكيل الأصلية في فمها ووجدت نفسها تسأل شيئاً آخر.
"ماذا... ماذا حدث لكِ؟ هذه الجروح، من ألحقها بكِ؟ لقد تحدثتُ إلى من يذكر. كنتُ أظنّ أنكِ شُفيتِ من جروح تلك المعارك القديمة".
"من يذكر؟ طفل لطيف. لطيف لكنه أحمق".
بثّ الفينيق مزيجاً من حزن لا يُوصى ولطف لا يلين.
"هذه الجروح ليست من تلك المعارك. إنها جديدة ولن تُشفى حقاً أبداً".
"لا أفهم".
إن كان شيء ما قادراً على جرح الفينيق بهذا السوء فلماذا لم يدمر ببساطة الأكوان التي تركها الملك الصانع؟ فبعد كل شيء لم يبقَ أحد أقوى منها.
"أخبريني بعد أن لمحتِ تلك المعارك القديمة، لماذا ترين أن التنين العظيم لم يُمكث هنا؟"
كان صوت الفينيق رقيقاً لكن كانت تحته حدّة خفية أيضاً.
"كانت لديه معارك أخرى ليخوضها"، أجابت دونَسكيل.
"آخرون كان لا بدّ من إنقاذهم".
"أنتِ لستِ مخطئة، لكنّ تلك ليست الأسباب الرئيسية. في الحقيقة، لو مكث هنا لأحدث ضرراً بالغاً".
تنفس الفينيق الصعداء بتعب.
"لقد خلق صانعي هذا الكون إلى جانب الأكوان المحيطة به. كان كيانه ذاته... مرتبطاً بها بلا رجعة. كانت جزءاً منه، مولودة من جهده ومصنوعة من إرادته. عندما سقط... جُرحت هي الأخرى جروحاً بالغة".
تنهّد الفينيق.
"تخيّلي أوراقاً عظيمة من الورق. كلّ ورقة منها تمثل كَوْناً. عندما سقط صانعي لم تُمزق تلك الأوراق ببساطة. كان الأمر أشبه بغمرها بالماء. أخبريني أيتها التنينة. ماذا يحدث عندما يبتل الورق؟"
شحبت دونَسكيل.
"يصبح أكثر هشاشة بكثير".
"نجل. حضور التنين العظيم هو... شبيه بوزن جبار، لتلك هي قوته. ورقة ورق جافة قد تستطيع تحمّل بعض الوزن عندما تكون ممدودة، أما الورقة المبتلة تماماً؟ ستتمزق وتتلف. لو بقي التنين العظيم لكان ثقل حضوره المحض، وقوته، قد أحدث ضرراً لا يصدق في هذه الأكوان، وربما تجاوز حتى الضرر الذي تركه مولودو الفراغ وبطلهم الملعون. هذا هو السبب الرئيسي لرحيل التنين العظيم، ولماذا لا تسمح جدار لهب الشفق الذي تركه خلفه لأي كيان بتجاوز مستوى قوة معين. إنه لحماية هذه الأكوان ريثما تشفى".
"لكن إصاباتكِ..."
"صانعي ميت. لو كان لا يزال حياً لكانت هذه الأكوان قد شُفيت بالفعل. ليس لدي سوى جزء ضئيل من قوته، ولست مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً كما كان هو. ولا بدّ من وجود صلة. مع الضرر الذي عانته بالفعل، لو حاول غريب إصلاحها فتحطم هذه الأكوان كالزجاج".
ضحك الفينيق بخفة.
"هذا المكان... أرض مقدسة. إنه المكان الذي استيقظ فيه صانعي... وحيث سقط. وهو المكان الذي سقطت فيه أخواتي وحيث سقط الكثير من النجوم الحية. إنه قلب هذه الأكوان، وهنا وحدها تكون صلتي بها عميقة بالقدر الكافي. أنا فينيق. أنا نار ونور ومجد وحياة أبدية. وحدي لا أملك القوة لشفاء هذه الأكوان، لكن بعد أن أدركت ما أردت فعله ترك لي التنين العظيم هدية قبل أن يرحل".
"ماذا أعطاكِ؟"
سألت دونَسكيل.
"لقد صنع سحراً عظيماً رهيباً. لقد ربط روحي وجسدي بهذه الأكوان. يتطلب الأمر... ظروفاً استثنائية حقاً لقتل فينيق، وخصوصاً واحدة مثلي. تطلب الأمر بطل مولود الفراغ لقتل أخواتي، وحتى حينها لم يكن الأمر سهلاً. أما أنا؟ فأشك في أن شيئاً قد بقي في هذه الأكوان قادراً على قتلي. هذه الجروح ليست من معركة. بل أعيش إلى الأبد، وأعاني إلى الأبد، وأموت إلى الأبد، لأبعث إلى الأبد فحسب... وفي كل مرة أُبعث فيها تشفى هذه الأكوان ولو قليلاً. كل موت وبعث يشبه لبنة واحدة في جدار يمتد عبر النجوم. لكن... مع عدد كافٍ من اللبنات..."
حدقت دونَسكيل في الفينيق بعدم تصديق. لقد تفاقمت جروح الفينيق بينما كانتا تتحدثان، وبدت الآن وكأنها تصارع للحفاظ على وعيها.
"كم مرة يجب أن تموتي؟"
ضحك الفينيق.
"وجدت أنه من الأفضل عدم التفكير في الأمر. في الحقيقة، لولا الجزء الآخر من هدية التنين لكنت قد ضعفت بالفعل، ولتصدع عقلي وتحطمت روحي لدرجة تعجز حتى قدرتي على البعث".
انحنى الفينيق وارتجف ثم رقد ساكناً. واختفى النور والنار اللذان بدا بلا حدود في داخلها، وزال المجد المنبعث منها. لقد ماتت. ثم كانت حية. انفجرت النار نحو الخارج. ملأ النور الظلام. وغنى المجد مرة أخرى. كان الفينيق حياً، محاطاً بنار تفوق تلك السماوية.
"ترتبط كل طيور الفينيق بطريقة ما بنلام الخلق، لكن قليلين منا يحظون بفرصة رؤيته بأعينهم. لقد فعل التنين العظيم أكثر من رؤية اللهب. لقد احترق في داخله. في اللهب صاغ روحه من جديد عندما كان مجرد فرخ، واللهب هو ما أشعل القوة التي تحترق بقوة في داخله الآن - روح بعظمة الخلق، تضيئها النار ذاتها التي ولدت الخلق. تلك هي طبيعة قوته. وجزء من هديته لي كان أن يريني بعض ذكرياته عن اللهب. تلك الذكريات وحدها تكفي لدعمي، ولإبقاء عقلي وروحي سليمتين حتى تكتمل مهمتي الكبرى".
"لماذا تفعلين هذا؟"
سألت دونَسكيل.
"لماذا لا... لماذا لا تجدين مكاناً آخر تعيشين فيه؟"
"لأن صانعي أحب هذه الأكوان وكل من فيها... وأنا أحببت صانعي. هذه الأكوان ليست مثالية. فبعد كل شيء لم يكن صانعي مثالياً فكيف تكون مخلوقاته مثالية؟ ومع ذلك هناك الكثير ليُحب فيها، والكثير ليُحب في أولئك الذين يقطنون هنا، والكثير مما يستحق الإنقاذ. قبل أن يسقط أمرني صانعي أن أعيش. كانت أمره الأخير. لقد اخترت عصيانه. اخترت الوقوف هنا على هذه الأرض المقدسة والقتال لأنني لم أكن أطيق خسارتها ورؤيتها مدنسة على يد مولود الفراغ. بالنسبة لي كان الموت أفضل من ذلك. لقد أمرني أن أعيش، لكن هل كنت لأكون حية حقاً لو كان جسدي حياً بينما قلبي وروحي ميتان؟ أن أرى كل ما خلده، كل ما ماتت أخواتي والنجوم الحية دفاعاً عنه يسقط في العدم؟ لكان ذلك ليقتلني بصورة أصدق من أي ضربة من مولود الفراغ. معاناتي... هذه الأكوان شاسعة... لذا قد تبدو معاناتي بلا نهاية، لكن في يوم ما بعيد من الآن ستشفى هذه الأكوان، ليس تماماً بل بالقدر الذي قد تجيء معه المساعدة من خارجها. التنين العظيم ليس القوة الخيرة الوحيدة هناك. سيقدم هو وأولئك الآخرون مساعدتهم متى استطاعوا، لكن حتى ذلك الحين عليّ التحمل".
صمتت دونَسكيل. كان حجم مهمة الفينيق المحض محيراً للعقل.
"مولودو الفراغ، أتدرين أنهم ما زالوا باقين؟"
"أدري".
بدأت الجروح تظهر على جسد الفينيق لكنها احتملتها بلا شكوى. كم مرة تكررت هذه الدورة؟
"حطم بطلهم جسده، ومثل شظايا صانعي تبقى بعض شظاياه. إنها ترقد مخفية ولا تستيقظ إلا عندما تشعر بأعمال شظايا صانعي. لقد نظرت في عقلكِ. كان عالمكِ مكاناً خُفيت فيه شظاية ذلك المخلوق البائس".
"سقطت ملوكي"، قالت دونَسكيل.
"معظم أبناء جنسي والكثير غيرهم. لكن الملك المكسور هُزم. ومع ذلك... لم يكن الأخير. جاءت كارثة وكوارث هددت عالمي".
عبس الفينيق.
"لعنة ما. مثلما صاغ صانعي قواعد هذه الأكوان، هكذا حرّفت موته وقوة بطل مولود الفراغ تلك القواعد أيضاً. في العوالم حيث استقرت شظايا البطل ستكون هناك دائماً محاكمات وتحديات. سيكون هناك دائماً ظلام ينتظر حتى يبرز من يملك القوة لخلع ذلك التدنيس. ومع ذلك... إن انتصر أولئك الذين يعيشون على عالمكِ... فقد رأيتِ بأعينكِ العوالم حيث قُتل الملك المكسور وأُخضعت الكوارث".
"بعضها كان أرضاً يباباً لا حياة فيها، لكن أخرى كانت مجيدة".
"ليست كل العوالم مجرد صخور تدور في الفضاء. للبعض أرواحها الخاصّة، وتلك الأرواح تزداد قوة بأفعال من يقطنون فيها. وكلما ازدادت روح العالم قوة ازداد سكانه قوة. إنها دورة فاضحة، أحد الطرق الكثيرة التي صنعها صانعي ليرتفع الآخرون عالياً. لقد حرّف بطل مولود الفراغ ذلك المسار لكنه لم يستطيع تدميره".
"كم كارثة يجب أن نواجه؟"
سألت دونَسكيل.
"تختلف من عالم لآخر. لكن كان هناك سبعة ملوك عظام على عالمك. محاكمة لكل واحد منهم. سبع كوارث".
"سبعة؟"
"نعم. بعد ذلك، إن ظل عالمك قائماً ينبغي أن يكون هناك من يملك القوة لتطهير التدنيس منه، ولدفع أي ظلام يجرؤ على الظهور من ظل ملكك المكسور".
حادت نظرة الفينيق نحو الحدّة.
"أعرف عالمكِ... وكل انعكاساته. بعضها سقط بالفعل. وما زال البعض الآخر يكافح. والبعض الآخر قد انتصر بالفعل. لكن عالمكِ، ذلك الذي تركته... لقد هزموا ست كوارث. والآن لم يبقَ سوى كارثة واحدة".
"هل واجهوا اثنتين أخريين بعد أن رحلت؟"
همست دونَسكيل.
"فعلوا وانتصروا رغم ألا الثمن لم يكن ضئيلاً".
ضاقت عينا الفينيق.
"لكن الكارثة السابعة ليست متشابهة لكل... انعكاس لعالمك، وما يقترب من عالمك ليس كارثة عادية".
"ماذا تعني؟"
"ماذا ترين أنه يحدث للعوالم التي يفوز فيها الملك المكسور؟"
"أنا... لقد رأيت عوالم بقيت فيها مخلوقات تشبه الملك المكسور. لم يبقَ شيء سواها".
"شظايا بطل مولود الفراغ تشبهه كثيراً. إنهم يكرهون كل شيء. يسعون لتدمير الخلق وكل من يقطن فيه. وعندما لا يبقى شيء ليدمروه يذهبون بحثاً عن أماكن أخرى ليدمروها. تلك المخلوقات التي رأيتِها... لم تبقَ إلا لأنها لم تكتسب بعد القوة لمحو العوالم التي أفرغتها من الحياة أو ربما كانت تنتظر القوة للانتقال من عالم لآخر".
برّدت تلك الكلمات عظام دونَسكيل.
"إذن..."
"هناك أمواج موبئة من الملوك المكسورة تنتشر من مكان لآخر. في يوم ما كانت النجوم الحية لتزيلها، لكنها الآن قليلة للغاية وهي مطلوبة بيأس في مكان آخر. هذا المكان... وأماكن معينة أخرى يجب حراستها، فلو سقطت فلن تكون العوالم هي التي تعاني بل الأكوان هي التي تنتهي. علاوة على ذلك تستطيع النجوم الحية المساعدة في تثبيت أجزاء هذه الأكوان المصابة بأشد الجروح رغم أنها لا تستطيع شفائها كما أستطيع".
"إذن يُتركُ لنا أن نبقى وحدنا؟"
صرخت دونَسكيل.
"لنواجه تلك المسوخ؟"
"نعم".
لم يبذل الفينيق أي جهد لتجنيب مشاعرها.
"التوقف عن عملي هنا قد يلغي كل شيء، وخسارة تلك الأماكن الحاسمة تعني كارثة على نطاق كوني. ولأني إن نجحت وأصلحت هذه الأكوان بما فيه الكفاية فسيمكنني طلب المساعدة من الخارج. مولودو الفراغ الباقون سيفنيهم أولئك الذين يستجيبون لندائي - وسيكون هناك من يستجيب".
ازدادت نظرتها حزناً.
"لا أُحب التضحية بالكثيرين لإنقاذ ما هو أكثر، لكن ليس بوسعي فعل الكثير غير ذلك. أخبريني أيتها التنينة. أتفضّلين سقوط مليون عالم أم كَوْن؟"
زمجرت دونَسكيل.
"بالتأكيد هناك بعض المساعدة التي يمكنكِ تقديمها! إن لم تكن قوة سلاح فعلم أو حكمة!"
"تلك أستطيع إعطاءها".
صنعت الفينيق بلورة بيديها.
"أنتِ لستِ الأولى التي تسعى خلفي ولن تكوني الأخيرة. تحتوي هذه البلورة على ذكريات أولئك الذين انتصروا في مواجهة كوارث تشبه ما ينتظركِ... وذكريات أولئك الذين فشلوا. استخدميها كما تشائين. وتحتوي أيضاً على معرفة وحكمة أخرى قد تجدينها مفيدة".
انحنت دونَسكيل برأسها وقبلت البلورة.
"هذا... شكراً لكِ! لا توجد كلمات تعبر حقاً عن امتناني!"
ابتسم الفينيق بخفة.
"بطريقة ما أنت محظوظة".
"لماذا؟"
"التنين العظيم هو من قتل بطل مولود الفراغ وذبح حاشيته. مات البطل والرعب يعتصر قلبه. وحتى الآن تخاف شظايا البقية منه نار التنين، لأنه تنين أوقعه أرضاً منذ زمن بعيد. من الجيد أن لا تزال هناك تنانين في عالمك".
"كم من الوقت لدي؟"
سألت دونَسكيل. في الحقيقة فقدت تقريباً حساب الزمن في بحثها الذي بدا بلا نهاية عن الفينيق.
"يجب ألا تتأخري. لكن لا تهملي من تقابلينهم على طول الطريق، فأنتم وعالمكم لا تواجهون هذا الرعب وحدكم".
"أرى ذلك".
"عليكِ الذهاب"، قال الفينيق.
"لكن قبل أن تفعلي هناك شيء يجب أن تريه. لقد وصلتِ في الوقت المناسب تماماً لرؤيته".
غمرتها قوة الفينيق فصارت فجأة في المستوى الفلكي. بدا الفينيق والنجوم الحية هناك ساطعين، أكثر سطوعاً من أي شيء رأته تقريبا، كمنارات من الضوء والقوة بلا حدود. ومع ذلك كان يتدلى فوق كل شيء النور ذاته الذي طالما رأته. كان النور المولود من صدى التنين العظيم... ثم تغير ذلك النور.
"ما الذي يحدث؟"
سألت دونَسكيل.
"يتحرك التنين العظيم. هناك معركة وشيكة، معركة لا يمكنك تخيلها. تتزعزع حدود الخلق. يهاجمها مولودو الفراغ بأعداد لا تُحصى، وأقواهم عظمة لدرجة لا يمكن حتى للبطل الذي قتل صانعي مقارنتهم بها. ساحة المعركة شاسعة والكثيرون هم من يقاتلون فيها. أقدم الملوك وأعظمها تمسك بالوسط، متحملة العبء الأكبر من هذا الهجوم الجديد. لقد مُنح التنين العظيم مهمة - أن يأخذ من سيتبعونه ويضرب في أعماق الفراغ ذاته لقطع تعزيزات مولودو الفراغ وتخريب معاقلهم. وإن أثبت نجاحه سيُجبر مولودو الفراغ على تقسيم تركيزهم أو حتى الارتداد للتعامل معه. والآن يُطلق نداء النفير".
"من سيمضي معه في مهمة كهذه؟"
سألت دونَسكيل.
"هناك الكثيرون ممن يتبعون لأنه هو من يقود، وبينهم تنانين كثيرة".
هز زئير أساسات المستوى الفلكي ذاته. كان طويلاً وعالياً وملأ قلبها وروحيها عزماً. كان زئير التنين العظيم.
"رغم أنه لا يسمي نفسه ملكهم، إلا أن التنين العظيم هو من اختاروه. عندما يدعي يجيبون. وعندما يقود يتبعون. إلى أعماق الفراغ وما وراءه".
ردّت زئيرات على زئير التنين العظيم، المزيد والمزيد والمزيد.
"لقد عاش طويلاً"، قال الفينيق.
"وصنع العديد من الأصدقاء والحلفاء. التنانين التي تشاركه حبه للخ الخلق كثيرة. يسمون أنفسهم تحالف التنانين الحارسة، والآن ولأول مرة منذ عصور جمعوا كامل قوتهم".
ولبرهة رأت دونَسكيل ذلك، وجعل المنظر الدموع تنحدر على عينيها. ذكرها بمجد جنسها قبل أن ينزل غضب الملك المكسور عليهم. كانت هناك تنانين من كل لون، وأقلهم شأناً ما زال عظيماً لدرجة تعجز الكلمات عن وصفه. حتى الأضعف كان أقوى من الفينيق، وكان هناك عشرة فاقت قوتهم قوة صانع الفينيق الراحل منذ زمن طويل. ومن بين هؤلاء العشرة كان أعظمهم التنين العظيم نفسه. تدور المجرات حوله وتتشبث بحراشفه، والخلق نفسه يغني بينما يتقدم قادة أولئك الذين أرادوا الاتباع.
"إنه محبوب من الخلق"، قال الفينيق.
"لذا اختار الخلق تسليحه. وكما قد يحمل العملاق مملككة على ظهر، يحمل التنين العظيم قطعاً من الخلق إلى المعركة كعباءة ودرع".
"لماذا ترينني هذا؟"
لم تستطع دونَسكيل إلا أن تخشى أن يلقى هذا التجمع المجيد نفس مصير التنانين التي واجهت الملك المكسور.
"لكي ترين أن الشر والظلام لا ينتصران دائماً، وأن هناك من يستطيع الوقوف في وجههما... والانتصار".
وعندما رأت ذلك. تمّ دحر أمواج مولودو الفراغ الموبئة والمهدّمة وغير المقدسة وتشتيتها مثل القش في الريح. تقدمت التنانين مشحونة ورائعة وحقيقية، كفخر ومجد جنسها وهي تدفع الظلام للوراء. مرة أخرى زأر التنين العظيم - تحدٍ، وفخر، وصرخة حشد - ولم يجرؤ أحد من مولودو الفراغ على الوقوف أمامه أو الرد على التحدي. مثل رمح من نور دُفع في قلب الظلام، ضغطت التنانين للأمام وتفسّح الفراغ أمامها.
"رغم أنهم لا يستطيعون القدوم لمساعدتنا بعد، يجب أن تدركي أنكِ لا تقاتلين وحدكِ"، قال الفينيق.
"هناك عدد لا يحصى من الآخرين الذين لم يتوقفوا عن القتال أبداً. نحن جميعاً جزء من صراع أعظم... وقد نكون جميعاً جزءاً من نص عظيم".
ابتسم الفينيق بخفة.
"اذهبي الآن أيتها التنينة. المستقبل ينتظركِ... إن امتلكتِ أنتِ وأهل عالمكِ القوة لاقتناصه".