رقد اللهب السيّد محطّماً على الأرض. اقتُلعت جناحاه، وما كانت ذراعاه أو ساقاه بأفضل حال. فُقد اثنان منها، وبقي اثنان يتدلّيان بخيوط واهية. كان ذيله حطاماً مقطوعاً. انطفأ النار الأعظم في داخله إلا قليلاً. حتى إحراق روحه وقوداً لم يكفِ للوقوف نداً أمام الملك المهطَم. نعم، لقد جرح الكائن البغيض. أحرقت ناره السماوية ما كان حرقُه محالاً، واستغل الملوك تلك الثغرة تمام التغاضي — ثغرةً لم تُرتهن بحياته وحدها بل بحيوات التنانين كافةً التي رافقته.
لكن مع ذلك... مع ذلك لم يكن الأمر كافياً. كادت أقلّة الملوك أن تهلك عن آخرها. ما بقي منهم سوى شرارات من نار مقدسة لم تلتحق بعد بدورة الموت والبعث الكبرى. ظلت قوتهم عالقةً، شاهدةً على إرادتهم الصلبة، ورغبتهم الراسخة في إعانة من تبقى في ساحة الوغى. كان الملوك السبعة في رمقهم الأخير. ومن بين أعظم الكائنات في العالم، لم يبقَ سوى واحد قادراً على الإتيان بما يشبه المقاومة الحقة بأي شكل من الأشكال.
والملك المهطم؟ وقف ذلك المسخ الملتوي منتصراً فوق ساحة المعركة، عملاقاً امتد إطاره الضخم متجاوزاً الغيوم. كانت كل خطوة يخطوها تزلزل الأرض، خارقةً المستوى الأثيري، وعوالم الأحلام، ونسيج الواقع ذاته، لا لتدمير، بل لتفكيك، واختزال العالم إلى عدمية عميقة ومفزعة، فراغ بدائي أرعب بكثير من كل ما عهده اللهب السيّد. غير أن الملوك الباقين واصلوا إلقاء بأنفسهم دونه، باذلين حيواتهم ليمنحوا ناسِجة النور والمصير الوقت اللازم لإطلاق هجومها الأخير اليائس.
رأى بعينه أنه لن يفي بالغرض. لذا أرغم اللهب السيّد نفسه على الحراك. صرخت العظام المحطّمة والعضلات المهروسة من شدة الألم. وتوسّلت روح على شفا الهاوية طلباً للراحة. هاه! وأي حاجة له بالراحة؟ سيستريح حين يموت، على أن الموت لم يكن بعيداً على أي حال. استخدم ما تبقي من ذيله وطرفيه الباقين ليزحف نحو الملك المهطم. وحين خذلاه، انزلق كأفعى. لم يتجشم الملك المهطم عناء الإجهزة عليه.
لمَ يفعل؟ وما عسى بتنين محطم يلفظ أنفاسه الأخيرة أن يدرك؟ كان التركيز على ناسِجة النور والمصير أجدى. وما إن تُهزم، حتى يتفرغ الملك المهطم لذبح بقية الملوك على مهل. ولأول مرة في حياته، سرّ اللهب السيّد أن يُستهان بقدره. كانت ناسِجة النور والمصير عملاقاً من معدن مصوغ بفجر الأول، عملاقاً من فولاذ الشمس يشع محض حضوره قداسةً وطهارةً. في العادة، استحال النظر إلى هيئتها الحقيقية لشدة توهجها.
أما الآن، فخبا ضوؤها، وما عاد يزيد على شمعة في عالم غدا حالك الظلمة باطراد. تكاتفت التعاويذ حولها، وملأ نشيد روحها الأرجاء. وفي السماء المظلمة فوقها، أخذ رمح عظيم في التشكل. تراءت صورة في ذهن اللهب السيّد، لم تكن ذكرى تخصه، بل ذكرى ترددت في أرجاء الخليقة جمعاء. ذكرى وُلدت مع فجر الخليقة عينه. سبقت الملوك السبعة، بل سبقت الملك الذي لا بد أنه خلقهم. رمح يطفو في الظلمات، لم تصغه أيدي البشر ولا حتى السيادة، بل صاغته الخليقة ذاتها.
تردد اسم تلقائياً على شفتيه، برفقة كلمات لم تكن كلماته. مثل الرؤيا، ترددت عبر الأبدية والسرمدية. الفجر. رمح الفجر الأول، رمح كل الأبراج. لم تصغه أيدي البشر ولا السيادة، بل الخليقة ذاتها. رمح يقف في وجه الفراغ، ليصد قوى حاصرت الخليقة. رمح لا يقوى عليه شرّ، ولا يطيقه ظلام. رمح بقدم أقدم الملوك، رمح يمكن استدعاؤه عبر الزمان والمكان. سيستجيب دوماً متى دعاه الأكفياء، وحيثما حل، يعقبه النصر.
لم يكن الملوك السبعة أكفياء. لم تستطع ناسِجة النور والمصير استدعاء ذلك الرمح لأنفسهم. لكنها استطاعت استخدام صداه لتشكيل سلاح خاص بها، سلاح قادر على قتل الملك المهطم نفسه. وكل ما احتاجته كان الوقت. بدأ الرمح في السماء يتصلب، وتكاثرت نحوه شرارات النار المقدسة التي خلفها الملوك الساقطون. انضمت نيرانهم إلى الرمح، مانحةً إياه قوةً وجسداً حين ظهرت تعاويذهم المقدسة على نصله ومقبضه.
ثم شرع الملوك الباقون في الموت. بدأ الملوك الأقل شأناً، ثم الأعظم، وحتى الملوك السبعة أنفسهم. لقد صِيغ الرمح في الرؤيا بنار ولدت الخليقة. ولم يمتلك الملوك هنا مثل تلك القوة طوع أيديهم. والنار الوحيدة التي استطاعوا استخدامها لصياغة سلاح يقتل الملك المهطم كانت النار الكامنة في ذواتهم. ولم تبقَ سوى ناسِجة النور والمصير، وبدأت أطراف جسدها تتداعى مع تلاشي بقية الملوك السبعة.
وإن كان الملوك الآخرون أشرطة من نور، فقد كان الملوك السبعة حرائق هائجة، أتوناً من الجولان السماوي الذي حوّل الرمح من طيف باهت يكاد يكون عدماً إلى كيان يزلزل وجوده العالم بأسره. رفع اللهب السيّد بصره محاولاً نقش صورة ذلك الرمح في ذهنه، غير أن حتى هو، في صحوته الخامسة، عجز عن إدراكه حق الإدراك. تجمّد الملك المهطم عند مرأى الرمح. أجل. لقد عرفه هو الآخر، أو عرف على الأقل الرمح الذي ألهمه، ولم يكتفِ بالخوف من ذلك الرمح بل استبد به رعب تام.
وكلفه تلك اللحظة من الخلع والتردد الكثير. فبينما تحرك أخيرًا لتقليص المسافة بينه وبين ناسِجة النور والمصير، هجم اللهب السيّد. لم يمتلك أطرافاً يقبض بها على خصمه، ولا ذيلاً يعقده به. فقد جناحيه. لكنه امتلك فماً، ورغم تحطّم جل أسنانه، فقد بقي منها ما يكفي لهذه المهمة الأخيرة والأشد خطورة. وثب اللهب السيّد، دافعاً نفسه للأمام بدفعة يائسة من القوة — ثم أطبقت فكاه بإحكام حول كاحل الملك المهطم.
لُهَيْظة واحدة — هكذا كانت المدة التي أمسك فيها بالملك المهطم. لكنها بدت كأنها الأبدية. ذابت ناسِجة النور والمصير، وتحول جسدها المعدني السماوي إلى رماد بانضمام نارها السماوية إلى الرمح الطافي في السماء. لقد صاغ الملوك العالم بالتعاويذ السماوية والبدائية. وها هي كل تعويذة أخيرة تلمع كالنجوم فوق الرمح. بتلك التعاويذ وحيواتهم شكّل الملوك العالم. وها هم، بتلك التعاويذ وحيواتهم، سيفدونه.
ومض الرمح، وسعى الملك المهطم للفرار. توهّدت قوة قادرة على إعادة صياغة الواقع ومحو الوجود. لكن الرمح أبى إلا النفاذ. أحسنت ناسِجة النور والمصير استغلال تلك اللحظة الفردية. لقد كان سلاحاً بوزن عالم وكل الملوك خلفه. لم يكن سلاحاً يمكن تفاديه أو صده أو درؤه. ومنذ اللحظة التي اكتمل فيها، غدا الفرار منه محالاً. ومادامت قوانين الملوك تكبل العالم ومادام الملك المهطم يقطن العالم، فسيصيب الرمح هدفه حقاً.
وكانت المسألة برمّتها تتلخص فيما إذا كان الملك المهطم ليطيق الاحتمال أم لا. ولم يطق. على قدر جبروت الملك المهطم، وعلى قدر تفاقم قوته، حمل الرمح قوة العالم بأسره وكل الملوك. ومثلما أحرق اللهب السيّد روحه وقوداً، استخدم الملوك وجودهم ذاته لمنح الرمح القوة التي يحتاجها لردى هذا الخصم الأشد هولاً. وإن كان الملك المهطم هو جوهر اللawujud مجسداً، فقد كان الرمح نقيضه. هوى بثقل العالم من خلفه.
كل ما فعله الملوك يوماً، كل أرض شكلوها، كل كائن صنعوه، كل قانون سنّوه. جيء بكل شيء ليدخل المعركة. ليواجه الملك المهطم كامل إمكانات العالم الذي صنعه الملوك، ليقف في وجه الحلم الذي تقاسمه الملوك، وليواجه تيار القدر والمصير... وليهوي. هوى الملك المهطم، وانفجر الرمح، في هجوم لم يقصد به مجرد قتل الملك المهطم بل استئصاله، ومحْو وجوده محواً تاماً بحيث يستحيل عودته قط. وأما اللهب السيّد؟
لقد قضى نحبه، عالقاً في أتون الانفجار، ضاحكاً بينما صرخ الملك المهطم بغضب عقيم. هكذا انقضى العصر الأول. ومع موت الملوك، تغير شيء ما في العالم، فخبا وبهت. ومع ذلك، مدفوناً في مجرى الزمن، ومختبئاً في صميم العالم، بقي ظل لتلك الشرارة السماوية مرابطاً، ينتظر، ويرقب، ويأمل أن ينفخ أحد فيه الحياة مجدداً، ليأخذ الشرارة الأوهن ويولد منها حريقاً هائلاً.