قاوم «جناح الهلاك»
رغبته في إطلاق نفخة ساخرة بينما بدأ التنين البدائيّ الآخر بالوصول.
في الهواء إلى جانبه، أصدرت «الشعلة المهيبة»
صوتاً ينمّ عن التسلية. لابدّ أنّها استطاعت استشعار... ازدراءه للاستعراض والمظاهر التي رافقت أقرانهم من التنّين البدائيّين.
تمتمت «الشعلة المهيبة»: "تعلم أنّه يتوجّب عليهم الحفاظ على المظاهر".
كانت حرشفاها تتألق في ضوء الصباح. غلبت على حرشفها حمرة داكنة عميقة، لكنّها تخللتها ومضات من البرتقاليّ والأصفر، أشبه بجمرات النار أو آخر خيوط شمس الغروب المتلاشية.
أردفت: "لا يكفي المرء أن يكون قوياً..."
ردّ «جناح الهلاك»
بصوت عميق: "بل يجب أن يبدو قوياً أيضاً".
لقد كانت مقولة قديمة، سمعها للمرّة الأولى من «الشجرة الأم»
رغم أنّ الحوريّة لم تدّعِ يوماً أنّها ابتكرتها، بل عزتها إلى «الشعلة السيّدة».
كانت الحوريّة الراحلة والتنين صديقين حميمين، أو هكذا اعتادت «الشجرة الأم»
القول.
لم يسبق لـ«جناح الهلاك»
أن رآهما يتجاذبان أطراف الحديث، لكن في ظلّ ما امتلكاه من قوّة، كان التواصل بالسحر أمراً في غاية السُّهولة.
إلى جانب ذلك، أفصحت العناية التي أسبغتها «الشجرة الأم»
على «الشعلة المهيبة»
عن الكثير.
تابع قائلاً: "أنا أدرك هذه الضرورة وأمقتُها في الوقت عينه".
أطلقت «الشعلة المهيبة»
ضحكة خفيضة.
"التنانين الأصغر سناً تستمتع بذلك أيضاً. بالنسبة لمعظمهم، أقراننا أساطير. يسمعون قصصهم ويقرأون عن مآثرهم العظيمة، لكنّهم لا يرونهم بأعينهم أبداً. رؤيتهم تعني إدراك أنّهم حقيقيّون، والإيقان بأنّ الأساطير حقيقيّة. وهذا أمر ليس بلا قيمة".
رمتْه بنظرة من طرف عينيها.
"أم أنّه فاتك كيف ينظر إليك البعض".
هزّ «جناح الهلاك»
جناحيه. كان بإمكانه التحليق بسهولة مستخدماً قدرته على تحريك الأشياء عن بُعد، لكنّ الحركة ساعدت في تبديد بعض... التوتّر الذي لن يعترف قط بالشعور به. قيادة الآخرين أمر يسير. فقد جعلت منه قوته الهائلة، وحكمته، وصلابته، كذلك. لكنّ أقرانه من التنانين البدائيّين لم يكونوا كالبقيّة. فقد امتلكوا هم أنفسهم قوّة وحكمة وصلابة طاغية. إنه يقود... لكن فقط لأنّهم اختاروا اتّباعه. إن أراد تحقيق غاياته، فعليه توخي الحذر الشديد.
بعضهم يمكن استمالتهم بحوافز مباشرة. والبعض الآخر يتطلّب تفاوضاً دقيقاً. وواحداً منهم على الأقل سيكون إقناعه بالغ الصعوبة.
أجاب «جناح الهلاك»
أخيرفاً: "إنّهم لا يسمعون سوى عن انتصاراتي، لكنّهم لا يسمعون شيئاً عن إخفاقاتي. أنا لست معصوماً، واعتقادهم بخلاف ذلك هو أمر... خطير".
ردّت قائلة: "القدامى يفهمون، أو هكذا أظنّهم يفعلون. أولئك المنتمون إلى اليقظة الثالثة والرابعة يدركون جيداً أنّ أحداً منا — ولا حتى أنا — ليس كاملاً. أمّا من هم دونهم، فسيتعلّمون إخفاقاتنا هم أيضاً في الوقت المناسب. العالم سيتكفل بذلك. لكن في غضون ذلك، لا ضرر يُذكر في ترك الصغار يؤمنون. لقد كنا مثلهم تماماً في نهاية المطاف".
أومأ «جناح الهلاك»
موافقاً.
"في كلماتك حكمة".
تذكّر بوضوح تامّ أيّام شبابه. في ذلك الوقت، كان يعتقد أنّ والديه هما الأجدر بالحكمة بين جميع كائنات العالم. أظهر له الوقت سخافة ذلك الاعتقاد، لكنّ والديه لم يخلوَا من الحكمة أيضاً. لقد فهمَا جيداً أنّه بالنسبة لتنين شاب لا يزال يحاول إيجاد مكانه في العالم، من المهم أن يشعر بوجود آخرين يمكنه الاعتماد عليهم.
كانت هناك «الشجرة الأم»
وديون بالطبع، فضلاً عن «سن العاصفة»، لكنّ «الشجرة الأم»
وديون كانتا تتحملان مسؤوليّاتهما الخاصّة، بينما كان «سن العاصفة»
في مثل عمره. إن كان والداه قد أخفيا عنه همومهما وهواجسهما، فلم يكن ذلك لمجرد خداعه، بل ليمكّناه من عيش حياة أفضل من دون حمل أعبائهما أيضاً.
قالت «الشعلة المهيبة»: "يبدو أنّ «جار العاصفة» و«قاهر الأعماق» يصلان معاً".
تابع «جناح الهلاك»
بصرَه. تجمّعت سحب سوداء على طول الأفق، ولوح ووميض البرق. ما لبث دويّ الرعد أن بلغهم، وتحركت الرياح باضطراب. بيد أنّ البحار تحت العاصفة كانت هادئة تماماً.
زمجر «جناح الهلاك»: "لا بدّ أنها تحيك مكيدة ما".
قالت «الشعلة المهيبة»: "ربما شيئاً مزعجاً. وبالتأكيد مثيراً للمتاعب، لكنّه ليس خيانة".
"«جار العاصفة» أشياء كثيرة، لكنّها ليست خائنة. عندما تكره شخصاً أو شيئاً ما، فإنّها لا تكلف نفسها عناء إخفاء ذلك".
التفت «جناح الهلاك»
بنظره نحو «ذيل النار»
الذي كان يحلّق بجانبهم.
"عليك إبلاغ المتفرّجين بالاستعداد. أثق في ألّا يحدث «قاهر الأعماق» فوضى، لكن لا يمكنني قول الشيء نفسه عن «جار العاصفة»".
مال «ذيل النار»
برأسه، وشعر «جناح الهلاك»
بسحر التواصل يتململ إلى الخارج. كان ثلاثتهم يحرسون الساحل المطلّ على الصحراء.
وكان ينبغي للتنانين التي تراقب معهم أن تكون بخير، وكذلك الحوريات، لكنّ جنّ الصحراء قد يجدون أنفسهم في ورطة بسهولة إن باغتهم وصول «جار العاصفة»
في أرض مكشوفة.
ولن تكون حوريّاتهم مسرورات، وكانت «الشعلة المهيبة»
تؤمن بشدة بضرورة أن يكون المرء جاراً صالحاً. لقد كانت سياسة حكيمة. فحوريات الصحراء قويّات، ولا فائدة تُجنى من إثارة عداوتهن بلا داعٍ.
وصل «جار العاصفة»
و«قاهر الأعماق»
بسرعة مذهلة، وتنفس «جناح الهلاك»
الصعداء في قرارة نفسه حين رأى العاصفة المحيطة بالتنينين البدائيّين الآخرين تتبدد قبل هبوطهما.
لم يكن متأكداً ممّا إذا كانت «جار العاصفة»
تتعلم أخيراً التحلي بالحكمة في استخدام قواها، أم أنّ «قاهر الأعماق»
أقنعها بأن تكون أقل إزعاجاً. لقد سرّه فحسب وصولهما من دون إحداث فوضى. بالطبع، تصرفاتها عند الوصول لم تفعل شيئاً يُذكر لتحبيبه فيها.
"أوه! ما ألطفكما لاستقبالنا... ومعاً أيضاً".
ابتسمت «جار العاصفة»
وحلقت حولهما في دائرة سريعة ومحكمة، متقلبة ومفتولة في الهواء.
"عادةً، حاكم هذا الإقطاع وحدَه يستقبلنا. حسناً، هذا أو القرين".
تفادت هجوم اللهب الذي أرسلته «الشعلة المهيبة»
في اتجاهها، ثم أبطأت سرعتها وهي تتأمل «ذيل النار».
"همم... ألم تكن في عداد الأموات أساساً آخر مرة التقينا فيها؟"
أطلق «ذيل النار»
ضحكة خفيضة.
معظمهم كان ليجبن أمام وطأة اهتمام «جار العاصفة»
الكامل، لكنّه ثبّت قدميه بأفضل ما يمكنه.
"هذا صحيح، أيتها العظيمة «جار العاصفة». بيد أنّه بمعونة العظيم «جناح الهلاك» وسيدتي النبيلة، أُعدتُ إلى الحياة".
"أُعدت؟"
مال «قاهر الأعماق»
إلى الأمام في الهواء.
"أنت أقوى درك رايته منذ زمن طويل".
أجاب «ذيل النار»: "شكراً لك".
وأومأ باحترام.
"أأريكما الملاوين اللذين خصصناهما لكما؟"
أجابت «جار العاصفة»: "لا مانع لديّ. يسرّني البقاء للثرثرة، لكنّني لا أرغب في إغضاب مضيفنا الكريم".
ورغم كلماتها، فقد تجاهلت بتبلد نظرة الغضب التي رمتها بها «الشعلة المهيبة».
"علاوة على ذلك، بعض أتباعي متعبون من السفر. أنا متأكدة من أنّهم بحاجة إلى الراحة".
التفتت ناظرة من فوق كتفها.
"«ذيل الثريد»، ابق هنا. يمكنك تقديم نفسك للضيوف الآخرين".
أمر «قاهر الأعماق»: "ابق هنا أنت أيضاً، «ناسج المدّ». عرّف بنفسك للآخرين فور وصولهم".
وجّه اهتمامه مجدداً إلى «جناح الهلاك»
و«الشعلة المهيبة».
"لدينا الكثير لنناقشه، لكنّ لا يزال لديكما ضيوف لاستقبالهم. سأنتظر الاجتماع في مأواي، رغم أنّ هناك أموراً أودّ الحديث فيها على انفراد أيضاً".
مال «جناح الهلاك»
برأسه.
"على الرحب والسعة. سيكون هناك متسع من الوقت للحديث في أمور أخرى على انفراد".
لطالما كان «قاهر الأعماق»
منطقيّاً.
إن كانت هناك أشياء يبتغيها من «جناح الهلاك»، فستكون لديه أشياء مستعد لتقديمها في المقابل.
وعلى أقل تقدير، كان يمكنه التعويل على «قاهر الأعماق»
للإصغاء إلى أفكاره. وإن رفضها، فسيكون ذلك لاعتقاده بأنّها لا جدوى منها، لا لمجرد الحقد.
قالت «الشعلة المهيبة»: "بالطبع. مأواك أبعد قليلاً من مأوى «جار العاصفة»، لكنّه بجوار أكبر بحيرة في إقطاعي. ظننت أنّك ستُقدر ذلك".
"بالقرب من بحيرة كبيرة؟ نعم. أتذكر ذلك المأوى. استخدمته خلال زيارتي الأخيرة. كان... مريحاً".
بينما غادر «ذيل النار»
برفقة التنينين البدائيّين الآخرين وحاشيتيهما، حوّل «جناح الهلاك»
انتباهه نحو الاثنين اللذين بقيا خلفهما.
لقد تقدّم «ذيل الرعد»
كثيراً منذ آخر مرة رآها فيها. ولعلّ يقظتها الرابعة لم تكن بعيدة.
وكذلك تقدّم «ناسج المدّ»، محققاً يقظته الرابعة وبسلاسة تامة، إن صحّ كل ما سمعة «جناح الهلاك».
كان على وشك الكلام حين شعر بالسحر يمتد نحوه.
كان مألوفاً، فالتفت إلى «الشعلة المهيبة».
لقد استطاعت هي الأخرى استشعاره.
أما الآخران، فكانا غافلين، لربما لعدم تعاملهما مع صاحب هذا السحر المخصوص بالقدر الذي تعامل به هو و«الشعلة المهيبة».
قال «جناح الهلاك»
قبل أن يتموّج سحره إلى الخارج: "لا تفزعا".
على الرغم من كلماته، تراجع كلّ من «ناسج المدّ»
و«ذيل الرعد»
للوراء بينما انفجر عمود من الضوء الأزرق صعوداً من «جناح الهلاك».
اخترق السحر السحب فوقهما وطرقع متوهجاً في الأرض تحتها.
"ابقيا هادئين. هذه مجرد منارة".
سأل «ذيل الرعد»: "منارة؟"
"سحر الانتقال بعيد المدى أسهل بكثير، سواء من حيث التعقيد أو التكلفة، عندما تكون هناك منارة على الجانب الآخر. سيكون من الوقاحة أن أدعو لاجتماع ثم لا أساعد في هذا الأمر".
توقف «جناح الهلاك»
برهة ثم أشار إلى الأعلى.
"انظرا".
انشقت السماء فوقهما، وبدا أنّ كل الألوان قد نزفت من العالم. التوى الزمان والمكان وتهدّلا، ثم انحنت الشقوق في السماء إلى الداخل لتشكل بوّابة هائلة. ومن أعماق تلك البوابة، انبثقت تنانين.
لم تكن «هيمنة الفراكتل»، بحذرها المعتاد، أول من يخرج، لكن لم يكن هناك خطأ في المظهر الفريد للتنين البدائيّ الآخر.
أو ربما، لم يكن فريداً إلى هذا الحد، إذ إنّ ابنها يشاطرها سلالتها.
استقبل «جناح الهلاك»
التنينة الأخرى: "هيمنة الفراكتل".
التقت نظرتها بنظرته، لكنّ عينيها الغريبتين المتلونتين بألوان الطيف بدا وكأنّهما تنظران من خلاله ومن خلفه معاً. لقد كان أمراً مقلقاً، لكنّه اعتاد عليه منذ زمن طويل. لم يكن بمقدورها دفع ذلك عن نفسها أكثر مما استطاع مارس دفع حاجته للدماء.
"هل أنت بخير؟"
جاء صوت «هيمنة الفراكتل»
هادئاً: "أنا بخير، يا جناح الهلاك. وأنت؟"
أجاب: "أفضل مما كنت عليه منذ زمن".
"هذا جيد".
حوّلت «هيمنة الفراكتل»
اهتمامها إلى «الشعلة المهيبة».
لم تقل شيئاً، بل حدقت فيها فحسب حتى كاد صمتها يغدو قليل الأدب.
ثم رسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها ومالت للأمام، متحركة حتى لامست جبهتها جبهة «الشعلة المهيبة».
استطاع «جناح الهلاك»
رصد استخدام سحر التواصل، لكن أياً كانت الكلمات التي تبادلتاها فقد كانت لهما وحدَهُما. كان بإمكانه محاولة التنصت — فقد امتلك المهارة اللازمة لذلك قطعاً — لكنّه لم يكن فظاً إلى حد اقتحام محادثة خاصة بين تنينين لم يمنحاه قط أي سبب لعدم الثقة بهما.
بدا أنّ كل ما قالته «هيمنة الفراكتل»
قد سرّ «الشعلة المهيبة»، إذ ابتسمت التنينة الأكبر حجماً بحرارة ووجهت إحدى تابعاتها لتقييد «هيمنة الفراكتل»
ومجموعتها إلى مأواهما.
وبينما غادرت «هيمنة الفراكتل»،منحتها «الشعلة المهيبة»
تربيتة لطيفة على الخاصرة بذيلها.
قال «جناح الهلاك»: "تبدين مسرورة".
أجابت «الشعلة المهيبة»: "لقد رأت شيئاً قد يَسُرُّني".
"أوه؟"
لم يستطع «جناح الهلاك»
إلا أن يساوره الفضول.
فرؤى «هيمنة الفراكتل»
عديدة.
وذكرها الأمر لـ«الشعلة المهيبة»
بحد ذاته كان أمراً مثيراً للاهتمام.
قالت «الشعلة المهيبة»
وما زالت الابتسامة على محياها: "ليس أمراً ينبغي لك القلق بشأنه. لقد كان... شأناً شخصياً".
"لم تقل لنا شيئاً..."
أصدر «ذيل الرعد»
صوتاً استاء منه.
"كان مفترضاً بي أن أقدم نفسي".
بدا «ناسج المدّ»
مذهولاً بالمثل. لم يكن مألوفاً أن يتم تجاهل تنين من اليقظة الرابعة.
قال «وميض اللغز»: "لا تخافا. ستتحدث إليكما أمي عندما يحين الوقت المناسب".
وأطلق ضحكة خفيضة.
"في هذه الأثناء، سيتعين عليكما الاكتفاء بي".
رأى «جناح الهلاك»
التنينين الأصغر سناً يقيمان «وميض اللغز».
ومثل أمه، لم يكن التنين الأكثر مهابة جسدياً. لكن مثلها تماماً، كان ماهراً للغاية فيما يتعلق بالسحر، وكان يشاركها هبتها.
سرّ «جناح الهلاك»
أن يرى أن أياً من «ذيل الرعد»
أو «ناسج المدّ»
لم يبدُ وكأنه يأخذه باستهانة.
من الواضح أنهما استمعا حين تحدث الشيوخ عن «هيمنة الفراكتل»
وأتباعها.
نظرت «الشعلة المهيبة»
إلى السماء وقالت: "لا بد أنه مريح السفر بالطريقة التي تسلكها".
"إقطاعها هو الأبعد عن إقطاعك، وهي موهوبة في سحر الانتقال. علاوة على ذلك، ليس كل أتباعها ملائمين للرحلات الطويلة".
توقف «جناح الهلاك»
برهة.
"وربما تستمتع بإحداث مدخل مميز أيضاً".
كان وصولهما التالي وجهاً مألوفاً، وكاد «جناح الهلاك»
يضحك للتعبير المرسوم على وجه «ناسج المدّ»
حين اقترب «قلب الرماد»
وأتباعه.
استقبله صديقه القديم بضحكة مجلجلة — وبنفخة حمم جانحة دفعها «جناح الهلاك»
بعيداً بيده.
قال «قلب الرماد»
وهو يحلّق باتجاه «الشعلة المهيبة»: "لقد طال الغياب".
تفادت التنينة بخفة محاولته لمعانقتها، وحول اهتمامه فوراً إلى التنانين الأصغر سناً المنتظرة بجانبه.
"آه، يسرني كثيراً أن أرى أبناء زملائي من التنانين البدائيّين في مثل هذه الحالة الطيبة. همم... رغم أنني أظن تقنياً أنك حفيد «جار العاصفة»".
كشف عن أسنانه بوجه «ناسج المدّ».
"تبدو بحال جيدة".
أجاب «ناسج المدّ»: "لقد تعلمت الكثير من معركتنا، وأنا تتوق لأخرى".
"أكذلك؟"
ألقى «قلب الرماد»
برأسه إلى الوراء وضحك.
"هاه! وأنا أتطلع إليها أيضاً".
وأشار بيده إلى ابنيه.
"ابناي. عليكما التعارف. الحياة لم تُخلق لنُعاش وحدَنا. الأصدقاء الأجلاء والأنداد الأكفاء ضرروريون للاستمتاع بها تماماً".
تحولت نظراته إلى الحدة.
"أنت تتعلم الفرق بين الكبرياء والغرو. هذا جيد".
ابتسم واسعاً للتنين المذهول الذي جاء ليُظهر له ولأتباعه مأواهما.
"تقدّم، أيها الشاب. همم... إلى أي سلالة تنتمي؟ حرشفك يقول تنين نار، لكن..."
أشرق وجه التنين الشاب فرحاً.
"كانت أمي تنينة من سلالتك، أيها «قلب الرماد» العظيم!"
بينما غادر «قلب الرماد»
والآخرون، كبح «جناح الهلاك»
ابتسامة.
"لقد تفاديت عناقه".
ارتعشت «الشعلة المهيبة».
"بقدر ما يسرني رؤيته بصحة جيدة مجدداً، فهو لا يدرك دائماً مبلغ قوته. ما يسميه «عناقاً» هو ما قد يدعوه كثيرون ملازمة لملزمة".
ضحك «جناح الهلاك».
"حقاً. اعتاد معانقتي أكثر حين كنا شابين... إلى أن أدرك أن الصوت الذي تصدره أضلاعي لم يكن شيئاً طيباً".
حدقت التنانين الأصغر سناً، وبدا عليها الذهول من لحظة المرح تلك.
قاوم «جناح الهلاك»
رغبته في الضحك.
لقد كان هو و«قلب الرماد»
صديقين قديمين، وفي الحياة ما هو أبعد من الموت والمعارك.
سألت «الشعلة المهيبة»: "برأيك، من سيكون التالي؟"
"همم... أعرف من سيكون الأخير إن حضر أصلاً، أما من سيكون التالي... فلربما «أغنية الحلم». بوسعها الوصول بسهولة تامة عبر السفر عبر أراضي الأحلام".
"صحيح".
تجعّدت حاجبا «الشعلة المهيبة».
"أراهن على «مرآة الجوهر»".
"إذن فلنَر أيّنا كان محقّاً".
في النهاية، لم يكن أي منهما على حق، إذ كان التالي في الوصول هو «ناعي العدم».
وصل التنين ذو الحراشف السوداء مع أتباعه، ورمى «جناح الهلاك»
نظرة تحذيرية إلى التنانين الأصغر سناً. لقد تبين له بنظرة واحدة مبلغ القلق الذي سببه لهم تننين الفساد وأتباعه، وكان من الصعب لومهم.
ففي نهاية المطاف، مجرد حضور تنين فساد بقوة «ناعي العدم»
كفيل بإلحاق الأذى بتنين أصغر سناً، وكان أتباع سلالته خطيرين بحقهم أيضاً.
مع ذلك، كان «ناعي العدم»
تنفيناً يُكنّ له «جناح الهلاك»
تقديرًا عالياً. فهو لم يتردد قط في تلبية النداء للمعركة، وأثبت جدارته في مواجهة كل من الكوارث.
ولن يتسامح «جناح الهلاك»
مع أي قلة احترام موجهة إليه، سيما مع علمه بمدى الأسى الذي يعتصر قلب التنين الآخر حين يرى ردود أفعال الآخرين، كما أن «ناعي العدم»
لم يكن قادراً على تغيير طبيعته.
جعل ذلك «جناح الهلاك»
يتساءل عما أراده الملوك له ولسلالته. بدا الأمر... قاسياً، ورغم أن الملوك لم تكن لطيفة دوماً، إلا أنها لم تتصرف قط بلا غاية.
لحسن الحظ، كان «ناعي العدم»
يحكم سيطرته على طاقته تماماً، وكذلك أتباعه.
أومأ بحزم إلى «جناح الهلاك»
و«الشعلة المهيبة»، لكن اهتمامه ما لبث أن انجذب نحو «وميض اللغز».
"ولدي..."
"أبي..."
قالت «الشعلة المهيبة»
وقد عاد الدرك في هذه الأثناء: "ألا تأخذ «ناعي العدم» إلى مأواه يا «ذيل النار»؟"
وأومأت برأسها نحو «وميض اللغز».
"اصحب «وميض اللغز» معك. أنا واثقة من أنه سيستمتع بالمنظر في تلك المنطقة أيضاً".
غادر «ناعي العدم»
من دون أن ينطق تقريباً بكلمة موجهة إليه أو إلى «الشعلة المهيبة»، لكن «جناح الهلاك»
لم يغضب منه لذلك.
لقد عرف جيداً القصة وراء انفصال «ناعي العدم»
عن ابنه.
كانت «الشعلة المهيبة»
تمنح تنين الفساد أكبر قدر ممكن من الأعذار لقضاء الوقت معه، ولم يكن تنين الفساد تافهاً إلى الحد الذي يجعله يتجاهل المعروف الذي يُسدى إليه.
تمتمت «الشعلة المهيبة»: "أتمنى أن يجدوا من السعادة ما استطاعوا".
أجاب «جناح الهلاك»: "هذا أقصى ما بوسع أي منا فعله. مأواه؟"
قالت «الشعلة المهيبة»: "مكان في الصحراء، اختير ليمنحه راحة البال".
"آه".
أومأ «جناح الهلاك».
"خيار حكيم".
في الصحراء، بعيداً عن الآخرين، سيشعر «ناعي العدم»
بعبء أقل.
إنّ وضعه في قلب إقطاع «الشعلة المهيبة»
قد يُعد شرفاً، لكنه بالنسبة لتنين الفساد لن يمثل سوى عبء، يجبره على الحفاظ باستمرار على أشد درجات السيطرة صرامة على طاقته.
"سيتعين علي التحدث إليه لاحقاً. لقد تعلمت الكثير منذ آخر مرة صنعت فيها تعاويذ لمساعدته وفصيلته في كبح طاقتهم".
"أظنه سيقدر ذلك".
وصلت «أغنية الحلم»
و«مرآة الجوهر»
الواحدة تلو الأخرى.
ولمبعث ارتياح «جناح الهلاك»، لم تحدث «أغنية الحلم»
وتنانين الأحلام المرافقون لها جلبة تذكر. لا يزال التوتر قائماً بينهما، لكنه يتلاشى ببطء. كانت تعلم تماماً أنه لا يزال بحاجة إلى الوقت والمسافة، وكان ممتناً لاستعدادها لمنحه إياهما. ومما ساعد في ذلك أن غضبه قد خف قليلاً أيضاً.
كان ينبغي لـ«أغنية الحلم»
أن توقف «كاجامي».
هذا صحيح.
لكن صحيح أيضاً أن «جناح الهلاك»
كان أحد أقرب أصدقاء «كاجامي».
وكان عليه هو الآخر أن يرى بوادر جنونها المتنامي.
جعله ذلك يتساءل عما سيفعله لو قرر «مارس»
السير على خطى أبيه البائسة. أسيتمكن من الإطاحة بمصاص الدماء دون تردد؟
وماذا عن «قلب الرماد»؟
لو تسلل بعض الظلام إلى قلب صديقه، أيمكنه حقاً الهجوم بنية القتل؟
غادرت «أغنية الحلم»
واعدةً بمزيد من الحديث مع «الشعلة المهيبة»، ووجه لها «جناح الهلاك»
إيماءة حازمة. لقد فهمت الإيماءة على حقيقتها وردتها بابتسامة خافتة.
وصلت «مرآة الجوهر»
بعد لحظات. كانت مجموعتها مزيجاً فريداً من تنانين شتى السلالات. ويرجع جزء من ذلك لندرة سلالتها إلى حد لا يشاركها فيه سوى حفنة قليلة من تنانين العالم أجمع، لذا فقد اعتادت رفقة السلالات الأخرى ولم تفضل إحداها على وجه الخصوص. غير أن جزءاً آخر كان براغماتياً.
فحتى الآن، وبعد مرور كل هذه السنين على لقائها، لم يكن «جناح الهلاك»
متأكداً تماماً من كيفية عمل قدرتها على نسخ الآخرين. بيد أنه لا يمكن إنكار فعاليتها.
فمن بين جميع التنانين البدائيين، ربما تمتلك «مرآة الجوهر»
مجموعة القدرات الأكثر مرونة. ومن خلال ما لاحظه، لم تكن القدرات التي تنسخها بجودة تلك التي تحاول محاكاتها، لكن النطاق الهائل للقدرات التي يمكنها استخدامها كان مهولاً إلى أقصى حد.
غير أن هناك قيداً رئيسياً، شيئاً لاحظه بسبب غياب «ميزان الفجر».
بوسع «مرآة الجوهر»
نسخ قدرات الآخرين...
لكن تلك القدرات المنسوخة يمكن «استنزافها».
كانت بحاجة لاستيفاء شروط معينة لإعادة شحنها، ولم تستطع فعل ذلك إن لم يكن الشخص الذي تحاول نسخ قدراته موجوداً.
لقد عرف ذلك لأنه عرض عليها مكافأة كان حتى التنين البدائي ليعدها ضخمة نظير شفاء «قلب الرماد»
عقب سقوط «النجم المنفي».
لقد أوضحت أنها لا تستطيع لأن الوحيد الذي يمتلك القدرة على شفاء جراح «قلب الرماد»
بسرعة كان «ميزان الفجر»، وقد استنفدت منذ زمن بعيد أي قدرات نسختها منه لمجرد إبقائهما على قيد الحياة أثناء معركتهما ضد الكارثة.
"جناح الهلاك".
ظل مظهر «مرآة الجوهر»
مذهلاً كعهدها، سحابة على شكل تنين من المرايا تبدو كأنها تعكس كل شيء ولا شيء في آن واحد.
"لقد طال الغياب".
"فعلاً".
فحصها «جناح الهلاك»
بتمعن. أكثر من مرة، راودته الرغبة في استخدام أقوى سحوره في الاستطلاع والتحليل ليسبر أغوار كيانها ليفهم كيف تعمل قدراتها، لكنه لم يكن فظاً إلى حد فعل ذلك.
إلى جانب ذلك، سبق أن أوضحت له «الشجرة الأم»
أن فعل ذلك سيكون بلا جدوى.
فحتى هي، الأقدم والأحكم بين الحوريات قاطبة، لم تستطع الإلمام تماماً بقدرات سلالة «مرآة الجوهر».
"تبدين مسرورة لرؤيتنا".
أطلقت «مرآة الجوهر»
ضحكة خفيضة.
"بالطبع. يسعدني دائماً رؤية زملائي من التنانين البدائيين".
ولجزء من الثانية، تغيرت المرايا لتغدو تنتيناً بحراشف زرقاء وحمراء.
«الشعلة المهيبة».
تحولت المرايا إلى حمرة دامية.
"من الجيد رؤيتك كالمعتاد".
ضحكت «الشعلة المهيبة»
بسخرية عند تلك التورية.
"حقاً".
وأشارت بيمينها نحو «وميض اللغز».
"أي حظ؟"
أصدرت «مرآة الجوهر»
صوتاً ينمّ عن الاستياء.
"سلالته هي سلالة أمه. آخر مرة حاولت فيها استخدام تلك... القدرة الخاصة بها، ظننت أن رأسي سينفجر. لا أدري كيف يديرها أي منهما".
تنهد «جناح الهلاك»: "يا للمحنة".
كان جعل «مرآة الجوهر»
تنسخ قدرات «هيمنة الفراكتل»
أحد أول الأمور التي جرباها. للأسف، لم تستطع سوى استخدام نسخة ضعيفة نسبياً منها، والتي كانت رغم ذلك مؤلمة وموهنة للاستخدام. ومع ذلك، أثبتت حتى تلك النسخة الضعيفة فائدتها في مناسبات متعددة.
غير أن الارتداد جعل استخدامها متكرراً أمراً عسيراً، وكان في جعبة «مرآة الجوهر»
مجموعة من القدرات الأكثر فائدة التي تستطيع الاستعانة بها.
سألت «الشعلة المهيبة»
بهدوء مغيرتاً الموضوع: "أسيحضر؟"
استقرت «مرآة الجوهر»
مجدداً في مظهرها المعتاد.
قالت أخيرًا: "نجل".
تتخذ مظهراً وعراً صخرياً.
"في الواقع..."
بدأت الأرض تحتهما بالاهتزاز، وتمايلت رمال الصحراء باضطراب. وفي الأفق، مقترباً مع كل لحظة تمر، ظهر شخصية مجنحة هائلة.
من بين جميع تنانين العالم، كان «قلب الرماد»
وحده أكبر حجماً من «مخلب الزلزال»، وليس بالكثير.
تمتم «جناح الهلاك»: "مخلب الزلزال..."
نصحت «مرآة الجوهر»: "كُنا حذرين، كلاكما يحمل جراحاً قديمة".
انقبض فك «جناح الهلاك»، وتأجج اللهب في شدقيه.
"سأكون بمنطقة معقولة بقدر ما هو عليه".
تبادلت «الشعلة المهيبة»
و«مرآة الجوهر»
نظرة.
تنهدت «مرآة الجوهر»
وأشارت بجناحيها.
"علينا إفساح المجال، سيحتاجان إليه".
عبست «الشعلة المهيبة»: "هذا إقطاعي".
أجاب «جناح الهلاك»: "بلى، هو كذلك. لكنني أنا من أصدر الأمر. لقد تمادى «مخلب الزلزال» في التمرغ بحزنه بما يكفي. وإن كانت المعركة هي ما يحتاجه ليستفيق، فليكن".
كشف عن أسنانه.
"لكن... إن كان قد نسي من أكون، فسأضطر لتذكيره".