بدا الأمر عظيماً لوهلة، عظيماً حقّاً. امتلاء السماء بتلك الكثافة من التنانين أوحى باستحالة اتساعها لها كلها. لمعت الحراشف بكل تدرج وكل لون تحت الشمس. تجاوز خفق أجنحتها هسيس أي عاصفة. أي قوة تقف أمام هذا الحشد؟ أي خصم يصمد أمام القوة المجتمعة لكل تنانين العالم؟ دارت هذه الأفكار في عقول التنانين التي استدعاها لهب سياديّ، لكنه كان يعلم الحقيقة. أدركها منذ اللحظة التي وُلِد فيها ذلك المسخ اللعين.
صنعت الملوك السبعة لهب سياديّ بأيديهم. عرفهم أفضل من أي تنانين أخرى. استدعت روحه من اللهب الأبديّ، وصاغت جسده برونى القوة وأحلام السماء والشمس. كانت الشجرة الأم ابنتهم الأكثر حبّاً، فصار هو ابنهم المُفضّل. لذا انتبه فور استيقاظ المسخ. كيف لا؟ مثّل هو نقيض الملوك السبعة تماماً، انعكاساً مموّهاً ومعلولاً ومكسوراً للآلهة التي أحبّها بكل قلبه. وكان عظيماً. عظيماً بما يتجاوز مقياس أي خصم تخيله.
رآه من بعيد بروحه وبسحره، عملاقاً من معدن معلول ومعلول يبكي، يصرخ وجوده بالكراهية والغضب في وجه العالم. بلا فم ولا عيون ولا وجه. ومع ذلك ترددت صرخاته في كل عوالم الوجود، وحفرت نظراته في كل روح. حمل نفس شكل الملوك السبعة، لكن استهزاءً قاسياً فقط. طالت أطرافه ونحلت بفرط، ولم تحمل العلامات على جسده رُناً مقدّسة، بل شتائم وتجديفات بلغة لم يتعلمها لهب سياديّ قط، حُفرت معانيها في عقله.
لم يسكن جوف المسخ نار مقدّسة. سكنه برد عميق ورهيب ومبتلع لكل شيء، فراغ وعلامات ظلام وجوع. مثلت الملوك النار والنور اللذين ولدا العالم. وُلِد هذا المسخ مما مكث في الظلام الطويل قبل خلق العالم، ولا يزال ينتظر في الظلام الطويل الكائن حتى ما بعد الموت. لم يدر لهب سياديّ أي تقلب قاسٍ للقدر جلبه إلى هنا، لكنه أيقن ضرورة إيقافه. لذا استدعى أبناء عمومته، كل تنانين العالم.
واستجابوا. وقادهم، كلهم، في رحلة مجيدة عبر السماء. إن خاضت الملوك المعركة ضد هذا الخصم، فلن تخوضها وحدها. ثم إن سقطت الملوك، فأين يذهب هو والآخرون؟ لا. إن نجح هذا المسخ في قتل الملوك، فسيأتي لأجلهم جميعاً، وأي خصم قوي بما يكفي لقتل الملوك سينجز أمره سريعاً حتى مع أعظم التنانين. أدرك في قرارة نفسه أنه يقود رفاقه إلى حوتهِم. حتى مع اقترابهم من موقع المعركة، استشعر إطفاء نيران العشرات من الملوك الصغرى مثل الشموع في الريب.
عجز الملوك السبعة بالكاد عن صمود مواقعهم، وتغطت أجسادهم الضخمة المعدنية بالجروح أصلاً. لم ترجُ القوة المجتمعة لكل تنانين العالم أمل ترجيح الكفة ضد خصم بهذه الشراسة. اقتصرت غايتهم على شراء لحظات معدودة من الوقت. ووجب أن تكفي. عند صدور أمره بالهجوم، لم تتردد التنانين الرفاق. انشقت السماء مع اندفاع النار والبرق والجليد والحمم البركانية والعديد من الهجمات الأخرى بقصف قادر على شق العالم نصفين.
لم يفعل شيئاً. لم يلتفت المسخ، الملك المكسور، نحوهم حتى. حدث عوضاً عن ذلك تدفق للإرادة، للعدم المتجسد، رهيب وفخور. ثم هوى لهب سياديّ، وهوى بقية التنانين معه، لتتطاير حراشفهم المحطمة وأجسادهم المكسورة كالمطر. استقبله الظلام. ورأى في ذلك الظلام تاجاً، غامض التفاصيل لكنه لا يُخطئ في جماله. ثم استيقاظه، وما إن التفت حوله حتى وجد خراباً محضاً. من بين كل التنانين المرافقة له، نجا الأعظم شأناً فقط.
تصاعد نفسه في شهيق عميق ومتقطع، ولأول مرة تذكرها شعر بالبرد. أحسّ بغرابة الإحساس، فرمق جسده بنظرة. تحطمت حراشفه وتكسرت عظامه، لكنه بقي حيّاً. وبقائه حيّاً يعن إمكانية القتال. رغم الألم، رغم البرد الجليديّ المخالب لأطرافه، دفع نفسه للهواء مجدداً. انضم إليه الآخرون، التنانين العظماء الملازمون له منذ البدء، التنانين المخلوقة بأيدي الملوك السبعة أنفسهم. تركوا خلفهم مقبرة شاسعة لدرجة استحال تصديق واقعيتها.
أراد الحزن. العواء والزئير والبكاء. لكن الوقت انعدم. استمرت الملوك في القتال. وبقي أمل ما.
تمتم لهب سياديّ: "نمضي إلى حتفنا".
جاءه رد أنياب التناقض. رافق لهب سياديّ كأخ طوال كل هذه السنوات، وانعدم شخص يثق به أكثر منه.
"نمضي".
عجز عن الطيران تماماً مثل لهب سياديّ، وخرجت الكلمات عبر فك مكسور.
"لكن ماذا نفعل غير ذلك؟ إن فررنا، لتعقبنا ذلك الكيان. القتال أفضل، والموت أفضل إن حسّن فرص الملوك ولو بنسبة ضحلة".
ضحك لهب سياديّ بغض النظر عن شدة الألم.
"طالما قالت الشجرة الأم إن شجاعتي ستقتلني".
كشف عن أنامله.
"لا أملك إلا أرجو أن يكون موتاً جديراً بالقصص والأغاني".
دخلا المعساة مجدداً. اتصفت الملوك بقوة لا تُتصوّر، ورغم ذلك دُفعت إلى الخلف. ضربت مراراً وتكراراً، ضربات عادية ذات قوة محطمة للعوالم امتزجت بهجمات تصدع الواقع وتغير طبيعة الوجود ذاتها. لكنهم عجزوا عن فعل الكثير أمام المسخ. بدا الأمر مرعباً. لكن تحت الرعب والحزن، لم يشعر لهب سياديّ سوى بغضب متصاعد. استدعى أبناء عمومته للمعركة، وهلك الكثير منهم. وحتى الآن، سقط رفاقه، الأقدم والأعظم من جنسه، واحداً تلو الآخر.
ومع ذلك... ومع ذلك عجزوا عن ترك جرح واحد حتى في خصمهم. تجاوز ذلك... تجاوز ذلك طاقة قلبه، وما تحتمله روحه. أحسّ في أعماقه ببدء تراجع البرد المخالب لأطرافه مع اشتعال النار في جوفه، النار التي أُخبر باحتراقها الدائم والأبديّ، لتتأجج بحرارة وغضب لم يعهدهما قط.
تمتم أنياب التناقض: "نحن الأخيرون. أنت وأنا".
التفت لهب سياديّ محيطاً بنظره. صدق صديقه. مرت دقائق معدودة، وسقط الآخرون بالفعل. عمالقة وقفوا ببأس على أي ساحة معركة أخرى، وبذلوا حياتهم دون ترك جرح واحد في خصمهم.
أردف بصوت خفيض: "أنا... آسف. لقد قُدتُنا جميعاً إلى حتفنا".
أجاب أنياب التناقض: "فعلت. لكننا علمنا جميعاً بذهابنا إلى حتفنا. ما احتجت إخبارنا. علمنا. واختيارنا اتباعك وقع رغم ذلك".
سأل لهب سياديّ: "لماذا؟".
أجاب: "لا نعترف كالتنانين بملك، لكنك بقيت الأعظم بيننا، لا لقوتك فحسب، بل لذلك القلب العظيم، قلب شاسع وجشع لدرجة مطالبته بنا كلنا. كُنّا جميعاً جزءاً من كنزك يا صديقي، وقدرتنا فوق كل كنوزك الأخرى. ما كنت لتطلب منا اتباعك لولا انعدام سيل آخر، فأي تنبن حقيقي يتخلى عن كنزه بلا داعٍ؟".
ضاقت عيناك أنياب التناقض.
"النار في داخلك تحترق بحرارة تعلو ما عهدته. لو امتلكنا وقتاً أطول... لعله كفاني عام إضافي. تفهم ما أعنيه".
تصلب لهب سياديّ. بلغ صحوته الرابعة منذ أمد بعيد، لكن الصحوة الخامسة استعصت عليه. عجزت الملوك نفسها عن إخباره بما يفعل، مكتفية بالقول إنها حقيقة يتوجب عليه اكتشافها بمفرده. أحس طوال العقد الماضي باحراز تقدم، وببدء فهمه أخيراً لما عليه فعله. والآن، فهم أخيراً. تمنى صِغر التكلفة ووفرة الوقت.
هتف لهب سياديّ: "أخشى المحاولة، ليس الآن".
استمرت المعركة، وسُرقت لحظات من انتباه الملك المكسور بواسطة مجموعة من الملوك الصغرى الواصلة لإلهائه، كي يعيد الملوك السبعة تنظيم صفوفهم. ماتوا جميعاً، لكن موتهم اشترى للآلهة الوقت اللازم لاستعادة توازنهم.
رد مخالب التناقض: "يجب عليك".
سالت دموع الدم على خديه.
"شهدت اليوم من موت التنانين ما فاق تصوري. رأيت تنانين ناديتها بأخ وأخت لآلاف السنين تسقط. وعجزت عن ترك جرح واحد في خصمهم".
انقبضت مخالبه.
"أنا أضعف من الثأر لهم. وأضعف من ترك أثر. لكنك أنت... أيها الصديق القديم.. فستفعل".
"إن استشعر خصمنا ما أفعله..."
"سيحاول إسقاطك".
ضحك مخالب التناقض. تجمع السحر حول مخلبه، ثم غرس الطرف بعمق في صدره. توهج السحر، واشتعلت روحه. بدأ لحمه يحترق، متسرباً بقوة خام عبر حراشفه المكسورة.
"سأموت. لكنني سأشتري لك الوقت اللازم".
"أنت تحرق روحك لتعزيز قوتك..."
عجز لهب سياديّ عن تصور الألم الذي يشعر به صديقه. اعتبر البقاء بوعي معجزة بحد ذاته، أما البقاء محلقاً والشروع في حياكة سحر دفاعي فتجاوز الكلمات.
"حسناً. أمنحك كلمتي، أيها الصديق القديم... أخي، فحتى لو كلفني ذلك حياتي، سأجرح هذا الخصم. سأُظهر لكل أهلنا الموتى أن تضحياتهم لم تذهب سدى".
ابتسم أنياب التناقض.
"إذن افعل ما يلزم... وليكن قدرنا القادم أرفق من هذا".
بينما دفع الملوك السبعة المَلِكَ المكسور إلى الوراء، للحظات على الأقل، نظر اللهب السيّد في داخله. كان هناك ضغط يتراكم في أعماقه، مدّ لا يقهر لا يمكن ردّه. وُلد من أشياء لا تُحصى: السنوات التي عانها، والمعارك التي خاضها، والكنوز التي جمعها. كانت تلك هي الوقود، لكن الشرارة كانت الكمد، والغضب، والأسى الذي يشعر به. الإحساس الطاغي بالفشل الذي يملكه، والحاجة الملحة للثأر لمن سقطوا وتكريم تضحياتهم، والواجبات التي يحملها التنين الموصوف بأنه الأقوى — كل هذا وأكثر...
لقد صاغ إيقاظه الأول جسده. وصاغ إيقاظه الثاني عقله. وصاغ إيقاظه الثالث روحه. وحرّر إيقاظه الرابع روحه. فما عساיَ يكون الإيقاظ الخامس؟ لطالما تفكّر في هذه الفكرة طويلاً. ولطالما بحث عن سبي لتوجيه القوة الهائلة التي يمتلكها، والقدرة المذهلة التي يمارسها. بلا وجهة، لم يكن يرجو إيقاظاً أبعد، وقد سافر في كل فجّ، مستشيراً كل من ظنّ أنه قد يعينه. وحدها الآن، في ختام عمره، أدرك.
سيكشف الإيقاظ الخامس عن ماهيته. لم يكن الأمر متعلقاً بكيف يراه الآخرون، أو ما يتوقعه منه الآخرون. لم يكن متعلقاً بما أمله الملوك أن يصير أو بما رسمه القدر أمامه. كان متعلقاً بمن يكون، في صميم كيانه. كان متعلقاً بما يعيش من أجله وما يستعد للموت في سبيله. لا عجب أن أيّ تننين لم يبلغ إيقاظه الخامس. كان للعالم نفسه توقعات منهم، فقد حدد الملوك طبائع ذاتهم. أبناء الريح والنار.
آلات الغضب والدمار. أسياد السماء والمعركة. كل هذه كانت ألقاباً وتوقعات، وكلها مُنحت من آخرين. لقد جعلت تلك الألقاب التنانين أقوياء، حتى إن العالم نفسه اعترف بهم، فاحتضنوها. احتضنوا كل ما صُنِعوا ليكونوه، دون أن يفكروا البتة فيما يودون حقاً أن يكونوه. سمعوا القصص والأساطير، فأصبحوا كائنات جديرة بالرواية والأنشودة، بالأطحوصة والأسطورة. ارتدوا تلك القيود لأنها جعلتهم أقوياء، لكن القيود الأصعب نزعاً كانت دائماً تلك التي تُلبَس طوعاً.
كان عليه أن يطرح كل ذلك جانباً. مَنْ يكون؟ الآن، هنا، في آخر عمره، عرف من يكون. إنه اللهب السيّد. إنه أقدم التنانين جميعاً وأكثرها شحّاً. لم يمتلك أيّ تننين كنزاً ضخماً ككنزه، إذ لم يجسر أيّ تننين على المطالبة بكل التنانير الأخرى كجزء من كنزه! وليس التنانير وحدها! ألم يكن الابن الأحب للملوك؟ ألم يكن مفترضاً أن تكون كل الأشياء الأخرى ملكاً له؟ بلى! كل ما تحت السماوات، وكل ما تحت الأمواج، وكل ما على الأرض، كل ذلك كان جزءاً من كنزه!
ألم يكن واجب التنين حماية كنزه؟ ألم يكن واجبه العزيز عليه؟ تلك كانت طبيعته الحقيقية، وغايته الحقّة. لم يكن آلة دمار وفوضى، بل حارساً تمتد أجنحته لتعانق السماء، وتضيء ناره الليل، وتتصدى حراشفه للضربات الموجّهة لمن هم تحت كنف أجنحته. لتنشر الشجرة الأم أغصانها نحو السماء وتؤوي كل من تحتها. لقد كان مثلها، لكن بدل الأغصان، كانت له أجنحة. والآن... الآن زال الكثير من كنزه.
أولئك الذين أقسم على حمايتهم، خذلهم. قادهم إلى المعركة وهم موقنون بالموت، وكل ذلك على أمل يائس في أن يتمكنوا من ترجيح كفة معركة فاقت طاقتهم بكثير. كان الأمر حتمياً، إذ كانوا سيموتون بغض النظر عن انتصار المَلِك المكسور، ولكن مع ذلك... مع ذلك كان فشلاً. وكان ذلك الفشل يحترق في جوفه، يحترق ويحترق ويحترق. لقد أخفق لأنه كان ضعيفاً. إن أراد حماية ما تبقى له، وإن أراد تكريم من خذلهم، فلن يمكنه البقاء ضعيفاً بعد الآن.
كان عليه أن يغدو قوياً. قوياً بما يكفي لانتزاع العالم. وقوياً بما يكفي لحمايته. وقوياً بما يكفي لتكريم من سقطوا. وقوياً بما يكفي لامتلاكه بأسره... والإبقاء عليه. في صميم كيانه، كانت هناك نار. اشتعلت منذ لحظة مولده، وستستمر في الاحتراق حتى لحظة مماته. تدفق مد القوة المتصاعد ليسقي النار... لكنه لم يكن كافياً... كان أقل بقليل... أدنى بيسير من عتبة كان يكاد يبصرها.
غرغر اللهب السيّد: "لا... ليس هكذا... أرفض الفشل هكذا..."
وحينها أبصرها ثانيةً، التاج يتلألأ في الظلام. لم يكن مخصصاً له. أدرك ذلك بطريقة ما، لكنه أدرك أيضاً أنه إن أخفق هنا، فلن يتحقق قط. فإن من خُلق لأجله سيموت قبل أن ينال فرصة كسبه. ولذا صلّى، لا للملوك العالقين في المعركة، ولا لأرواح الراحلين الذين تبعوه، بل للعالم نفسه، للأرض، والبحر، والسماء، للنار المشتعلة أبداً والنجوم المتلألئة في السماوات. صلّى لهم جميعاً... فأجابوه.
تدفقت القوة في عروقه، طاقة جامحة وقوة دافعة، وزمجرت النار في جوفه. احترقت روحه واحترقت واحترقت. وحينها انطفأت نار التنين في صميم كيانه. لكن للحظة واحدة فقط. وعندما اشتعلت مجدداً، لم تعد نار تنين. حلّ مكانها شيء آخر، مشتعل بقوة وضراوة لم يعهدها اللهب السيّد قط. نار سماوية.
سقط ناب التناقض. اصطدم بالأرض وبقي ساكناً، عاجزاً بالكاد عن التنفس. احترقت روحه عن آخرها، وزال العظمة التي نالها. لكنه ضحك. ضحك لأنه رأى الشمس التي ولدت في السماء فوقه. لقد كان اللهب السيّد. تلألأ تاج فوق رأسه واختفى، طوق شبحيّ من لهب مشع. لكن تلك النيران... مستحيل...
"نار مقدسة؟"
ضحك ناب التناقض.
"إذن هكذا الأمر!"
ضحك مراراً وتكراراً.
"روح تحررت من قيود الزمن... إلى أين يمكنها الذهاب بعد ذلك سوى إلى مرتبة الملوك؟"
بدأت عيناه تطبقـان.
"هذا هو مدى رحلتي، أيها الصديق القديم... الباقي... عليك."
رمقه اللهب السيّد بنظرة.
"سأراك قريباً."
اشتعلت النار المقدسة المتدفقة منه.
"لأن هذا وحده لن يكفي. مع ذلك... إنه لأمر مضحكة."
"ماذا؟"
سأل ناب التناقض.
"كنت أول من دعاني بالملك بلا تاج. ومع ذلك... سأموت وتاجي على رأسي."
"هاه!"
أطلق ناب التناقض ضحكته الأخيرة ثم سكن تماماً. فوقه، رفع اللهب السيّد مخلباً ثم غرزه عميقاً في صدريـه. وكيفما فعل ناب التناقض، فليفعل هو أيضاً. لم يكن الاستيقاظ الخامس ليكفي، خصوصاً أنه حديث وعميق الاضطراب. بل سيرفع قدرته إلى أبعد، ليحرق ذات النار المقدسة التي حصل عليها للتو كوقود.
"بضع دقائق،"
تمتم.
"هذا كل ما أملكه. لكنه سيكفي. لا بد أن يكفي."
توقف.
"وددت لو أرى التاج الذي استعرتُه حين يُمنح حقاً."
كشف عن أنسابه.
"ولهذا علينا الانتصار. هكذا على الأقل، ربما تراه ابنتي."
انطلق بزئير نحو المعركة، طائراً بسرعة تجاوزت كل ما عرفه في حياته. تحته، احترق المشهد بأسره، وكفى مجرد ظل مروره لإشعال الأرض. سال الحجر، وتبخرت السحاب. حتى البحار انفتحت، وتبخرت مياهها في ومضة. وحوله، أزّ الواقع، وحرقت الحرارة الهائلة في داخله الحدود بين عوالم الوجود المختلفة. وأماماً، حول الملك المكسور نظره عن الملوك السبعة، وشعر اللهب السيّد بثقل انتباه المسخ واقعاً عليه...
لكنه ثبت هذه المرة. أدرك اللهب السيّد أنه التاج. الملك المكسور... أكان... يخاف من التاج؟ ضحك اللهب السيّد.
"إذن يمكنك أن تشعر بالخوف؟"
كشف عن أنسابه.
"جيد. والآن... أود أن أعرف... هل يمكنك النزف؟"