أغنية عن تنين نصف طيب الفصل 65 — التنانين تتدبّر الأمر

اقرأ أغنية عن تنين نصف طيب الفصل 65 — التنانين تتدبّر الأمر باللغة العربية على مانجا تايم.

ألقت رويناسكيل نظرة إلى الأسفل نحو التضاريس الممتدة تحتها. تخص هذه الأرض أباها، وكأي أرض يطالب بها تنين أصليّ، انعكست عليها سلالته. تبعد هذه البقعة كثيراً عن مركز نطاق سيطرته، وتطغى على أراضيها غابة شاهقة. غير أن في الأمر ما يبعث على الريبة، ظلّ عالقاً في الذهن بالقدر ذاته الذي يرشح في العين. كان الظلام أعمق تحت الأشجار مما ينبغي، والتوت الأشجار نفسها في أشكال غريبة تلمح إلى قوى من الأفضل عدم الخوض فيها.

لم تكن المخلوقات القاطنة في الغابة أقل إثارة للقلق. تحركاتها أسرع وأصمّ مما ينبغي، وعيونها أحده وأعظم دراية مما ينبغي. شاع في المكان خلور مريب، شعور بالانزعاج يتصاعد كلما أطال أحدهم المكوث حتى يتحول إلى رعب خانق — رعب يكمن في الدقائق، كابوس يتجلى في التفاصيل ويغذيه ألف موقف متنافر بدل أي صرخة فزع ممتدة.

لكن الغابة وغرائبها بدت لرويناسكيل ومن يشاركونها سلالة أبيها أكثر ترحيباً من كونها مخيفة. مثلت الغابة وكل ما فيها تذكاراً لقوى أبيها، وبدت الظلال المتربصة تحت الأشجار والمتسللة وسط الأدغال أقرب إلى أصدقاء مألوفين لا أعداء.

ما إن تجاوزت الغابة حتى تخلت الأشجار الطويلة الملتوية عن مكانها لمستنقع يبدو بلا نهاية، مستنقع تحكمه جداول متجشئة من المياه الداكنة الموحلة تحيط بجزر صغرى لا حصر لها تنتشر فيها أشجار المنغروف والقبقب والبتولا والبلوط والسرو. اختلفت الأشجار عن تلك التي في الغابة، إذ بدت أقصّر وأعرض وأشبه بالقفص بطريقة غريبة. تمايلت القصبات ذهاباً وإياباً في رياح لم تفعل شيئاً يذكر تبدد جو الانزعاج المخيم على المستنقع كالكفن.

انسلّت أشكال الهيدرا المستنقعية الضخمة عبر الوحل، وراقبت عيون لا حصر لها وانتظرت من المياه المضطربة الدوامة.

في أيام صباها، طالما مكثت رويناسكيل هناك. بل صادقت العديد من الهيدرا القاطنة في ذلك المكان. كانت مخلوقات غريبة، تختلف تماماً عن التنانين، لكنها ودودة على طريقتها الخاصة. ومع تعاقب السنين، اتسعت الهوة بينها، وواحدة تلو الأخرى، نفقت تقريباً كلها عاجزة عن الإفلات من قيود الزمن. لم يبقَ منها سوى القليل. كان أعظمها شأناً الهيدرا الأصلية التي صادقها أبوها في أيام شبابه الغابرة.

لكن تلك الهيدرا نادراً ما كانت تغامر بالابتعاد عن أعمق أجزاء المستنقع وأكثرها ظلمة. اكتفت بالإقامة في قلب الظلام، متخذةً من جذور شجرة درياد عُقداً تعشش فيه. كانت ترعى صغارها إلى أن تبلغ سن القدرة على الاعتماد على النفس ثم ترسلها إلى المستنقع لتلتمس أقدارها. قد يرى بعضهم في ذلك قسوة. لكن الهيدرا شهدت تعاقب العصور. شهدت سقوط الملوك وخيانة الشجرة الأم. احتملت طغيان البحار وجنون الموتى.

عاينت نجماً فاسداً يخوض حرباً ورأت كوابيس ثعلب تتجسد واقعاً. كانت أدرى من غيرها بمدى قسوة العالم، ولن تُدلّل أطفالها.

هيمنت شجرة الدرياد على المستنقع بأسره. في أيام العصر الثالث، ارتفعت مياه العالم وغمرت الأرض. وحدها الدرياد صمدت، وبقيت شجرتها راسخة في وجه أمواج ابتلعت الجبال. شادت شاهقة، طوبى لها ومفتولة، لكنها بلا انكسار ولا انحناء. بسطت أغصانها نحو السماء، أجنحة خشبية أعظم من أجنحة أي تنين، واسعة إلى حد جعلها تلقي على المستنقع بأسره غسقاً أبدياً. لم تسقط على المستنقع ضجيعة نجوم ولا أشعة قمر، بل كانت أوراق الشجرة تلمع كالنجوم، وتتألق الأزهار فوق الأغصان كمصابيح أقمار شتى.

حلقت رويناسكيل متجاوزة المستنقع. وخلفه، انتهت الجداول المتمتمة والقصبات المتهامسة. وحلّ محلها صحراء فسيحة مهيبة في وحدتها. تلك هي طبيعة قوة أبيها. فتنين الفساد يقلب كل شيء حوله رأساً على عقب. عن بُعد، يمكن لوجود أبيها أن يحيل غابة مزدهرة إلى بقعة من الظل والكآبة. ومروجاً تخللها الجداول إلى مستنقع. وسهلاً خصيباً ذات يوم إلى صحراء لا يسمع فيها رثاء الريح سوى الرمال والحجار.

على أطراف الصحراء، كانت الرمال حمراء داكنة ضاربة للصدأ. وكلما توغلت في التحليق، ازدادت الرمال شحوباً. في قلب نطاق أبيها تماماً، وعند مركز قوته، كانت الرمال أكثر بياضاً من العظم. يعتقد كثيرون أن السواد هو لون الفساد والعفن والاضمحلال والخراب. إنهم على خطأ. في النهاية، لا يترك الفساد خلفه شيئاً. فهو يلتهم كل ما يلمسه — وما رمال بيضاء هشة وخشنة إلا ما تبقى منه.

بينما استطاع الآخرون العيش في أماكن أبعد، وما زال هناك من يعدّ مناطق الصحراء الخارجية وطناً له، لم يستطع سوى أبيها ومن ينتمون إلى سلالته المكوث طويلاً في مركز إقليمه. حتى هي، وهي لحمه ودمه، شعرت بقبضة قوته الفولاذية وهي تلتف ببطء شديد حولها.

انزلقت نظرة رويناسكيل نحو الجبل الوحيد القائم في قلب الصحراء تماماً. قبل زمن بعيد، تخص مملكة من الأقزام. لقد كانوا أصدقاء لأبيها، لكن نطاقهم غمرته المياه في العصر الثالث. نجا القليلون، وأحياناً يكاد يُخيّل إليها أنها تسمع صرخات العالقين داخل الجبل بينما ترتفع المياه وتتحول قاعاتهم العريقة إلى مقابر. فرّ الناجون القلة ليؤسسوا لاحقاً مملكة جديدة — وما برحوا أن هلكوا في معركة ضد سيّد المد والجزر، إذ لم تقدم لهم قلاعهم الجزيرية سوى نذر يسير من الأمان في مواجهة غضب الكارثة.

بعد أن سقط سيّد المدّ وتراجعت مياه العالم، عاد أبوها إلى الجبل ليقيم ملكه. ربما لعبت العاطفة دوراً، لكن كان لديه سبب أكثر عمليّة بكثير لاختيار هذا المكان. لقد أظلمت المصير القاتمة للقزام الذين ابتلع البحر جبلهم، إلى جانب قلاع الجزر التي تقاسمت المصير ذاته، تيارات السحر هنا إلى الأبد. بالنسبة للآخرين، كان سحرٌ كهذا ليصبح لعنة. أما لأبيها ومن نسله، فقد كان نعمة، منبعاً طبيعياً للقوة لا يمكن سواهم الاستفادة منه حق الاستفادة.

في أيام العصر الثاني، صُبغت سحوح الجبل باللون الأحمر بفعل الحديد الكامن فيها. أطلق القزام عليها اسم جبل الدم الحديدي. وفي العصر الثالث، لوّن الحديد ذاته الماء ومنح البحار التي ابتلعت الجبل اسماً مختلفاً. أطلق القزام عليها اسم بحر الدم، اسماً مناسباً لمكان هلك فيه الكثيرون.

أما الآن، فقد كان الجبل أبيض، وقد استنزف بأس أبيها منه كل لون.

حين حطّت قرب الجبل، أخذت روينسكيل لحظة لتتأمل التباين. مثل أبيها، كانت حراشفها سوداء. وباعتبارها تنّيناً مفسداً —من بلغت اليقظة الرابعة— فقد كانت حراشفها سوداء بلون شديد العمق يبدو معه كأنها تبتلع الضوء لا تعكسه. أخبرها أكثر من تنين زميل أن الأمر يشبه التطلع إلى شظية من الليل صيغت على هيئة تنين. كان عيناها ببنفسجيّ عميق، بلون داكن يكاد يلتبس بالأسود. للوهلة الأولى، قد تبدو أجنحتها ممزقة، لكن المظاهر قد تكون خادعة.

في الحقيقة، كانت أجنحتها بقوة أي تنين، وكان طيرانها شديد السرعة بكل ما للكلمة من معنى.

حين شعر بوجودها، خرج أبوها من أعماق الجبل. وهناك، في الأعماق السحيقة تحت الأرض، يمارس كامل قوته، حاكياً سحوراً ذات بأس رهيب وصانعاً شتى أنواع الأدوات. وكان ذلك هو السبب أيضاً في غياب أمها. فقد كانت ترعى أصغر أشقاء روينسكيل. لم يكن شقيقها الأصغر قد خضع بعد ليقظته الأولى. ورغم انتمائه إلى النسل ذاته، لما صمد طويلاً لو تعرض للثقل الكامل لقوة أبيها.

ظهر أبوها، بطول ميل وبكل الهيبة الواجبة لتنين بدائيّ. وكانت حراشفه الخاصة أشد سواداً حتى من حراشفها. لم يكن الأمر شبيهاً بالتطلع إلى شظية من الليل بل بالتطلع إلى ثقبة في العالم نفسه. كان من الصعب التركيز عليه، لشدة نهم حراشفه في شرب الضوء. بدلاً من ذلك، كان تتبعه أيسر بالطريقة التي كانت ستتتبع بها ظلاً يمتد على جدار مضاء جيداً.

بدل البنفسجي، كانت عيناه بركتين توأمين من حجر السج، أفتح قليلاً من حراشفه ولكن فقط لأنهما تعكسان الضوء لا تمتصانه. توهجت نار الجزع لفترة قصيرة في فكيه، لهيب أسود حالك لا يحرق بقدر ما يُعفن ويفسد ويهلك كل ما يلمسه حتى لا يتبقى شيء. كانت ما تزال تذكر المرة الأخيرة التي استعملها فيها بجد. لقد رأت تنيناً بلغ اليقظة الرابعة يموت صارخاً، وتحولت حراشفه إلى رماد، وتعفن لحمه، وتناثر عظمه دقيقاً بينما كانت صرخاتهم تتردد صداها في الهواء.

لم يكن عبثاً أن قليلاً ممن تجرأوا تحدّوا أباها. فالموت على يديه لا يأتي سهلاً، ولا يمكن بأي حال اعتباره رحمة.

حدق أبوها في السماء —هنا، في قلب معقله، حتى ضوء الشمس بدا متجهماً، برتقالياً شاحباً لا ذهبيّاً ساطعاً— ثم أومأ لها لتتقدم. انضمت إليه على سحوح الجبل وأحنت رأسها. بصفتها ابنته الكبرى، فقد آلت إليها مكانة ذات سلطة، وتُرك الكثير لرعايتها، لا سيما بينما ركزت أمها على مساعدة شقيقها الأصغر للدفوع نحو يقظته الأولى. ولن يصبح آمناً لتجاوز أطراف الغابة التي تمثل البداية الحقيقية لمعقل أبيها إلا بعد تحقيقه إياها.

قال: "أنت هنا بسبب الرسالة".

كان صوت أبيها خافتاً، بيد أنه بلغ بوضوح عبر الهواء. بالنسبة لتنين بدائيّ، طالما وُجد فيه شيء لطيف على نحو غريب. استغرقها وقتاً طويلاً لتدرك السبب. ربما ظن البعض لطفه ضعفاً، لكن الأمر عكس ذلك تماماً. فمجرد وجوده كفيل بتحويل الحقول الخصبة إلى صحارٍ والبحار إلى مستنقعات. كان يتحدث بصوت خافت ويقبض بقوة على قوى لتجنب إيذاء الآخرين بلا داعٍ. كانت تلك منّة، وقد صدرت عن مركز قوة ساحقة، لا ضعف.

مقارنة بالكثيرين، عانى معقل أبيها قليلاً حين أطلقت الكارثة السادسة سحرها المشوه للعقول. لمَ؟ كان الأمر بسيطاً. لقد تعفن ذلك السحر وهو على الجذع، عاجزاً حرفية التعاويذ المعقدة والدقائق الصوفية عن الحفاظ على أشكالها وهياكلها في مواجهة القوة التآكلية التي تتغلغل في أرض أبيها.

قالت: "نعم يا أبتي".

مالت روينسكيل برأسها احتراماً لتفاجأ حين تجاهل أبوها محاولاتها للحفاظ على الاحترام لصالح جذبها إلى جانبه بأحد أجنحته.

"أبتي..."

قال: "لقد صرتِ قوية يا ابنتي، وصرت أيام حاجتك إلى حمايتي خلفك بمسافات. الآن، وحدها أشد الخصوم بأساً تستطيع تهديدك. ومع ذلك... ما زلت أباك. قد تكونين نسيتِ، لكني ما زلت أتذكر حين كنتِ مجرد فرخ. مهما تعاقبت السنوات أو بلغت من البأس، سيبقى دائماً جزء مني ينظر إليك ويرى ذلك الفرخ".

أصغت رونسكيل.

"أبي!"

وحدَه أبوها من يجرؤ على معاملتها بمثل هذه الطريقة. لم تعد أمّها نفسها تعاملها كطفلة. هي وريثة أبيها، وقد ثبّتت مكانتها بوصفها رفيقة دربِه الحقّ. في الشؤون المتعلّقة بنطاق أبيها، باتت تحظى بنفوذ يفوق حتّى نفوذ أمّها، ولا أحد سوى أبيها يستطيع معارضتها.

"همف."

برقت عيناه، وبدا تسليه واضحاً. غير أنّ نظرته حدّت سريعاً، وشعرت باهتزاز الهواء، حتّى إنّ الريح ذاتها اضطربت إذ تسرّبت بعض قوّته إلى محيطهما. لو لم تبلُغ اليقظة الرابعة، لُرِكِعَت على ركبتيها، ولشرعت حراشفها ذاتها في الشحوب، مجرّدةً من لونها. وعلى أيّ حال، ثبتت بقوّة، وتحوّل التسلّي الكامن في نظرته إلى استحسان.

"الأمور تتغيّر. ظلّ دوموينغ طوال حياته مكتفياً بالانعزال. حتّى في العصر السادِس، حين أقام في تلك المملكة البشريّة، لم يمنح العالم الفسيح سوى القليل من تفكيره. طالما لم يكن أحد يرتكب حماقات حقيقيّة، كان يكتفي بتركهم وشأنهم. أمّا الآن، فقد أُخبِرتُ بأنه يسعى لتأسيس نطاق خاصّ به على أكمل وجه."

"من أخبرك؟"

سألت رونسكيل. كانت قد سمعت شائعات كهذه بنفسها، لكنّ دوموينغ لم يكن قد استيقظ منذ مدّة طويلة، وكان أبوها في أعماق جبلِه يعمل على مشروع مهمّ. احتمل أنّه تواصل مع التنانين البدائيّة الأخرى، لكنّه لم يكن ممّن ينغمسون في الثرثرة. والحقّ أنّ الحاجة كانت تنعدم عموماً لاكتراثه بشؤون الآخرين نظراً لقوّة الدفاعات الطبيعيّة لنطاقهم. وحتّى بغضّ النظر عن قوّة أبيها، فإنّ القوى المجتمعة لأتباعه ممّن يشاركونه سلالته تعني أنّ أيّ مهاجم لهم سيصبح واهناً للغايه قبل أن تتاح له الفرصة حتّى ليوجه ضربة إليهم.

عوضاً عن الإجابة، ركّز نظره نحو السماء مجدّداً. تابعت رونسكيل نظرتَه، فاتّسعت عيناها. تشكّل شرخ في السماء فوقهما، وامتدّ كصدع عبر بحيرة متجمّدة. للحظة، بدا الزمن نفسه كأنّه توقّع حين استطال الصدع ثمّ تموّج نحو الخارج، متلوياً في نمط معقّد أبت عيناها التركيز عليه. التوى الفضاء وانحنى، ودارت أشعة الشمس الباهتة بجنون قبل أن تتوقّف كليّاً. نزف اللون من محيطهما — ليختزل العالم بأسره إلى كولاج مرعب من الأبيض والرمادي والأصباغ السوداء — قبل أن يتدفّق عائداً، مشكّلاً انفجاراً من الألوان المختلفة لُلِدَت إلى الوجود مع جريان الزمن مجدّداً وانبساط الفضاء من جديد.

لكنّ تننياً راح يطفو في الأعلى حيث كانت السماء الخاوية قائمةً من قبل، بحجم يبلغ تسعة أعشار حجم أبيها تقريباً، وله حراشف باللونين البنفسجي والأزرق، مزيج آسر من الأزرق السماويّ، والياقوتيّ، والنيليّ، والأرجواني، والورديّ المشرق. اشتعلت أنماط زاهية على تلك الحراشف لتستبدل بها نبضة قلب تالية، دوّامات من الألوان ترافقها تدفّقات ساطعة من الضياء منحت التنين مظهراً كليْدوسكوبيّاً — وهو أمر ملائم للغاية بالفعل، بالنظر إلى هويّتها.

عيون تغيّرت ألوانها وأنماطها بالتزامن مع تلك الحراشف الآسرة طفقت تحدّق نحوهما، مترعة بالدفء والمحبة. انطوت أجنحة رشيقة ثمّ انبسطت في اللحظة الأخيرة تماماً حين هبط التنين ليحطّ بجانبهما.

"فراكتال رين."

تمتم أبوها. كان صوته هادئاً، لكنّ المودّة التي احتواها كانت عميقة وراسخة، شبيهة بالأنهار التي تجري في الأعماق السحيقة تحت رمال الصحراء المبيّضة. تركت الكلمات المنطوقة وغير المنطوقة ثقلاً بين أبيها والوافدة الجديدة، وسرّت رونسكيل لكون أمّها غير موجودة هناك. طالما كانت أمّها وأبوها رفيقين. غير أنّ فراكتال رين، ومنذ أمد بعيد، أمدّ بعيد جدّاً قبل أن تجبرهما الظروف على التفرّق، كانت هي من عاشت إلى جانب أبيها.

"أوبليفيونكالر."

خفضت فراكتال رين رأسها. ربما سعى تننين أدنى شأناً إلى الاتصال الجسديّ، لكنّها كانت قد أدت قسماً لأمّ رونسكيل، ولذا حافظت على مسافة معينة، ليست بعيدة، لكنّها ليست قريبة أيضاً. لاحظ أبو رونسكيل تلك المسافة، وتقبلها، وردّ التحية بالمثل. ثمّ تحوّل انتباه فراكتال رين إلى رونسكيل، وبرز سرور حقيقيّ في صوتها حين تحدثت.

"لقد غدوتِ أقوى بكثير منذ آخر لقاء بيننا، وأصبح سحرك مستقراً بدرجة لا تصدق. بين تنانين اليقظة الرابعة، أشكّ في وجود الكثيرين ممن يستطيعون تفوقك — باستثناء التنانين البدائية مثل أبيكِ وأنا بالطبع."

وجدت رونسكيل نفسها تبتسم. أياً يكن التاريخ الكائن بين فراكتال رين ووالديها، فلم تكن التنينة البدائية سوى لطيفة معها، ولم تتردد قط في تقديم مشورة مفيدة وتوجيه حكيم.

"شكراً لك. لقد بذلت قصارى جهدي للاستفادة ممّا قدّمتِهِ من عون."

"التلميذ الجيد لا يقلّ أهمية بحال عن المعلم الجيد."

من بين جميع التنانين البدائية، كان معترفاً به على نطاق واسع أنّ دوموينغ هو الأقوى والأكثر مهارة حين يتعلق الأمر بالسحر. ومع ذلك، كان معترفاً به أيضاً أنّ فراكتال رين تأتي في المرتبة الثانية من حيث القوة والمهارة. بل إنّ هناك مجالات تتفوق فيها فعلياً على دوموينغ. وما ميّز دوموينغ بحقّ كان الاتساع الهائل والعمق الجمّ لمعرفته. كانت فراكتال رين متخصّصة بينما كان دوموينغ عامّيّاً حقيقيّاً — عامّيّاً يمتلك بشكل ما معرفة أعمق وفهماً أعمق حتّى لأكثر الحقول غموضاً ممّن يفترض بهم التخصص فيها.

سبق لأبيها أن لاحظ أنّ دوموينغ يمتلك موهبة تقارب الجنون. وحين أخبرت رونسكيل فراكتال رين، اكتفت التنينة الأكبر سناً بالابتسام وقالت إنّ كلمات أبيها لم تكن بعيدة عن الحقيقة أبداً.

"لا بدّ أنكِ سمعتِ رسالة دوموينغ. فحتى حواضكِ ما كانت لتستطيع حجبها."

هدر أبو رونسكيل.

قال: "سمعته".

تلمّعت عينا رين فريكتال بلون بنفسجي، وتسلّلت خيوط لازورديّة من حواف بؤبؤها إلى زوايا عينيها.

أضافت: "القيام بمثل هذا الأمر... لم أظنه ممكناً. لم تستخدم التنانين السحر على هذا النحو منذ زمن طويل، ليس منذ العصر الأول".

توقّف والد رينسكيل، وزحفت نار سوداء على طول فكه، فقال: "أهذا صحيح؟ ماذا رأيت؟".

قالت وهي تملي نظرها على الأفق: "أشياء كثيرة، لكنك تعلم تمام العلم مثلي أن ما أراه لا يلزم أن يقع".

ضحكت وتابعت: "لكن الصورة كانت باهتة لدرجة تجعلني غير متأكدة أكانت حلماً أم طريقاً لم يُسلك أم مساراً لم يأتِ بعد".

ارتجفت رينسكيل. امتلكت رين فريكتال هبات كثيرة، لكن أعظمها ربما كان قدرتها على لمس خيوط الماضي والحاضر والمستقبل. ما رأته لم يكن مضمون الوقوع. بل إن رين فريكتال أخبرتها ذات مرة أنها ترى أحياناً أشياء وقعت بالفعل — لكن في عوالم أخرى، نسخاً بديلة لعالمهم. كان قبول الأمر عسيراً، لكن التنينة الأكبر شبّهته ذات مرة ببيت من المرايا، حيث كل عالم تنويع على موضوع واحد، انعكاس ملتوي يولد من خيارات مختلفة.

قيل إن والد رين فريكتال، بارادوكس فانغ، امتلك هبة مشابهة. استطاع ذلك التنين الأسطوري قراءة تدفق السبب والنتيجة على نحو يقارب الاستبصار. ومثل صوفيفر بلايم، خلقه الملوك السبعة شخصياً، وعمل ساعداً أَيْمَنَ لصوفيفر بلايم حتى النهاية. في الحقيقة، كان ثاني أقدم تنانين العصور العظيمة سقوطاً، وقوته هي ما مهّد الطريق لصوفيفر بلايم كي يجرح ذلك الخصم الأرهب.

قال والد رينسكيل: "أفترض أنك ذاهبة إلى الاجتماع؟ ما كنت لتأتي إلى هنا لو نوَيت البقاء داخل نطاقك".

أومأت رين فريكتال وقالت: "أنت تعرفني جيداً. سأذهب إلى الاجتماع، وسأصحب معي بعض أتباعي. ثمة أمور يجب أن أناقشها مع دوموينغ والآخرين".

التوت شفتاها وأكملت: "قد تدحرج حصاة ببطء من قمة الجبل، لكن الانهيار الأرضي الذي تلدُه قد يرتطم بقوة هائلة عند القاعدة. أثق بأنك ستحضر أيضاً".

قال وهو يختلس النظر إلى رينسكيل: "كنتُ أدرس الأمر. أنت تعرف مدى كراهيتي لمغادرة أراضيي. بيد أن اجتماعات كهذه نادرة. سأكون أحمق لو فرّطت في الحضور. علاوة على ذلك، أبليت ابنتي بلاءً حسناً في واجباتها. في الحقيقة، باستطاعتها الآن حكم إقليمي بالفعل. كل ما تحتاج إليه هو المزيد من القوة والخبرة، والاجتماع سيوفر الاثنين".

قالت رين فريكتال: "سيوفر الاجتماع الاثنين بالتأكيد"، فارتجفت رينسكيل مجدداً.

حمل صوتها يقيناً، لا اليقين النابع من الثقة في رينسكيل وحدها. لقد رأت رين فريكتال شيئاً ما.

سأل والد رينسكيل: "أمتيقنة أنت؟".

قالت: "بقدر ما أستطيع التيقن".

كان والد رين فريكتال أجبَر تنانين سلالة تنانين الصدع، وكانت أمها من أعظم تنانين سلالة تنانين الأحلام. بطريقة ما، يمكن عدُّها قريبة بعيدة لكل من دوموينغ ودريمصونغ.

وأردفت: "تتفق تيارات القدر وخطوط السبب والنتيجة معاً".

ضحك والد رينسكيل خافتًا.

قال: "يا له من حظ سعيد. إذن لا بد أن أحضر، وستذهب رينسكيل معي بصفتها مساعدتي".

توقف، وثقل صمته بأفكار أرقته طويلاً.

تابع يقول: "العالم ليس لطيفاً دائماً مع المنتمين إلى سلالتي. ربما أكثر من أي شخص آخر، نحن نؤثر في محيطنا. حيثما نذهب، يتبعنا الموت والفساد في كثير من الأحيان. هذه الصحراء من حولي... لم تكن هكذا دائماً. أنت تعلم كيف كانت. بعد انحسار البحار، كانت مكاناً للحياة والحيوية. كانت هنا زهور بألوان تشبه حراشفك، وكانت أرواح الرياح تغني عن التلال الخضراء والأودية الوارفة. الآن، لم يبقَ سوى رمل مبيض، ولم تعد أرواح الرياح قادرة حتى على تذكر عَبَق الزهور وهي متفتحة بكاملها".

طبق مخلباً هائلاً على بعضه.

ثم أردف: "لهذا قضيت وقتاً طويلاً في صنع كنوز تستطيع احتواء هذا الأثر. الصغار بحاجة إليها أيضاً. قد يكونون مهملين في أحيان كثيرة، وأصدقاؤهم لا يملكون قوة أصدقائي".

لم تبتئس رين فريكتال بكلمة، وتساءلت رينسكيل إن كانت ترى الماضي الآن — المروج، والزهور، والمنظر الطبيعي الأخضر المتموج. وأخيراً، عاد بصرها إلى الحاضر.

فقالت: "سيكون حاضراً في الاجتماع أيضاً. لقد أصبح قوياً بالقدر الكافي لاحتمال حضورك الآن. لقد كان قوياً منذ زمن طويل".

اشتد فك والدها، واسترجعت رينسكيل القصص التي سمعتها عن الأخ الأكبر الذي لم تقابله قط. لقد ورث طباع رين فريكتال، وكاد يموت صغيراً حين أوشكت حياته الهشة على الانطفاء بسبب حضور والدها. لم يسامح والدها نفسه قط على ذلك، وظل يبتعد منذ ذلك الحين.

قالت رين فريكتال: "لم يكرهك قط".

أشارت بيدها، فظلت عدة بلورات تتراءى.

قالت: "أحضرتُ هذه لك. إنها تحوي ذكرياتي عنه، تلك الجديدة التي صنعتها منذ أن أعطيتك المجموعة الأخيرة. لقد عاقبتَ نفسك بما فيه الكفاية. يجب أن تذهب".

أطلق والدها هحيماً منخفضاً وقال: "ربما. لكن ما الذي يجعلك تقولين ذلك؟ ماذا رأيتِ؟".

بسطت رين فريكتال جناحيها وانطلقت في الهواء قائلة: "ليس الأمر شيئاً رأيته. إنه شيء أعرفه".

مرة أخرى، انشق السماء، وتموج مشهد متلألئ من الفضاء الملتوي والزمن المجمد إلى الخارج. وحين انجلى، كانت رين فريكتال قد اختفت، بيد أن والد رينسكيل واصل التحديق في السماء الخالية. ببطء، استرخى التوتر في جسده، والتفت مجدداً إلى رينسكيل.

أعدّي عدّتكِ. سنمضي إلى الاجتماع. آن أوان تجديد التحالفات القديمة وعقد جديدة. ولعلّ… آن أوان أن أرى أخاكِ مجدداً. لقد طال العهد منذ آخر مرة رأيته فيها بعينيّ هاتين.

استرخت حاكمة التكسر في عرينها وتلوّنت ملامحها بعبوس خفيف. حتى الآن، بعد كل هذه السنين، كان الأمر يبدو غريباً أحياناً حين تُسمّيه هكذا. لقد كان عرين أبيها، أعجوبةً صيغت بسحره — وكان ناب التناقض أهرى التنينات القديمة وأحذقها في فنون الغيب. أقام لهيب مهيمن في أعظم الجبال، لكن لم يكن لأبيها جبل، ولا كهف ولا قلعة. عوضاً عن ذلك، استعمل قوته لانتزاع كتل صخرية ضخمة من الأرض.

صنع منها جزرًا واستخدم سحره لتثبيتها في السماء. حتى مخزونه الجبار كان ليعجز عن إبقائها هناك طويلاً، لذا فقد طوّع تيارات السحر ذاتها في البحر والسماء لتدعيم سحر أبدّي. وللدفاع عن مملكته، جمع بين الكتمان والتحصين. الحاجز الذي ضربه حول دياره كان قادراً على صدّ أعتى الضربات إلا أعظمها، لكن ما جعله فريداً حقاً هو طريقته في تحريف الزمان والمكان لإخفاء دياره عن العالم الخارجي.

حتى جناح الهلاك، بكل مهارته وقوته، لم يفلح قط في إيجاد طريقه إلى هناك بلا دعوة.

في آخر مرة زار فيها جناح الهلاك، تمتم شاكياً من استحالة الأمر برمته. بيد أن تلك كانت طبيعة تنين التناقض — اليقظة الرابعة لسلالة تنين الصدع — القدرة على ثني القواعد الناظمة للواقع حتى يصير المستحيل ممكناً.

في قلب الديار التي ورثتها، كان يقوم المشروع الذي تركها له أبوها، ذلك الذي لم يستطع البدء فيه قط. لم يكن هناك متسع من الوقت ليتحدثا بشأنه. عوضاً عن ذلك، ترك لها مخططات وأفكاراً، لم يكن بعضها بأفضل من الهذيانات المعتوهة. أمضت شطراً كبيراً من العصر الثاني في فك طلاسمها والبتّ فيما يصح وما لا يصح. وفي النهاية، خلصت إلى النتيجة ذاتها التي خلص إليها. كان المشروع قد قُدّر لها وحدها لأنه، على عظم قوته، لم يكن شيئاً يستطيع إنجازه بنفسه.

وحدها من كانت من سلالتها تستطيع بلوغه إلى تمامه.

ألقت نظرة على جناحها الأيمن نحو الندبة التي ما زالت باقية. كان بإمكانها إزالتها بيسر، لكنها اختارت تركها هناك تذكرةً. لقد منحها إياها أبوها بنفسه يوم قضى نحبه إلى جانب الملوك والعديد من بني جنسهم من التنينات. رمقها بتلك العينين القادرتين على قراءة تدفق الأسباب والنتائج — قدرة استشرافية هائلة بلغت حد التنبؤ بالمستقبل — ثم وجّه ضربته، ضامناً ألا تستطيع اللحاق به.

توسلته أن يداويها، لكنه أبى. وعوضاً عن ذلك، طفق يحدثها بما لمحتْه أمها في تيارات الحلم العميق. من بين أطفاله الاثني عشر، اثنان فقط كان يمكن إنقاذهما. لقد رأت أمها ذلك، ورأت الاثنين وجب أن يعيشا. وحدها حاكمة التكسر وشقيقها الأكبر كان يمكن إنقاذهما، وكان أخوها قد غادر بالفعل. لم يذهب إلى شطر آخر من عالمهم. بل فرّ من عالمهم مع أطراف بيض منحها إياه الراغبون في المجازفة.

ذهب أبعد مما تستطيع قوة أبيه وقوته رميه، وكانت لديه أوامره الخاصة ليتبعها.

غير أن حاكمة التكسر كان لزاماً عليها البقاء. كان عليها إتمام العمل الجليل الذي تخيله أبوها، ذات العمل الأعظم الذي حلمت به أمها. في ذلك الحين، تساءلت حاكمة التكسر لم لم تأتِ أمها لتشرح رؤيتها بتفصيل أكبر. وقليلون هم المهرة في قراءة المد والجزر الفوضويين لأراضي الأحلام. ولم تفصح لها شجرة الأم بالحقيقة إلا لاحقاً. أمها، التي كانت مولعةً بالغوص في الحلم العميق، فقدت صوابها من جراء صدمات مولد الملك المشوه.

وقد استنفدت كل ما تبقى لها من قوة لنقل رؤيتها إلى أبي ثم وافتها المنية، وهي تصرخ من هول الكنيسة التي تجرأت على محاكاة الملوك.

السبب في إئتمان أبيها لها على هذا المشروع كان بسيطاً. فمن بين جميع الأبناء المولودين لتنينات تنتمي إلى السلالات ذاتها لأمها وأبيها، وحدها جمعت قوى الاثنين. لم يكن هناك اسم لسلالتها، إذ كانت الأولى. وحتى مولد ابنها، لم ترَ سبباً يذكر لابتداع اسم. لم العناء حين تكون الوحيدة؟ لكن ابنها وُلِد حينها، وخطر لها اسم، اسم للتنين الذي صارته عقب يقظتها الرابعة.

تنين منظار الألوان.

الصدفة والاحتمال، القدر والمصير، السبب والنتيجة — امتزاج قدرة أبيها على التنبؤ بقدرة أمها على قراءة تيارات أراضي الأحلام. وكانت النتيجة قدرةً شبيهةً بالتفرس عبر منظار الألوان. أتيح لها لمس الماضي والحاضر والمستقبل — لا عالمها فحسب، بل عوالم أخرى، عوالم بديلة. وطبعاً، لم تخلُ هديتها من نقائص.

كان الماضي أيسر للمح، إذ إنه حدث بالفعل. ومع ذلك، حتى حينها، لم تستطع رؤيتها بلوغ أبعد من مدى معين. على سبيل المثال، مهما اشتد سعيها، ظلت الأصول الدقيقة للملك المشوه خافية عنها. وكانت هناك أوقات تلمح فيها تواضياً أخرى، تواريخ بديلة تخص عوالم سوى عالمها. بعضها جعلها تشعر بالامتنان بينما تركها سواها مفعمة بالحنين.

كان الحاضر أيسر، بيد أنه كان دائم الحركة، وكان من السهل جداً أن تضيع في الظلال التي تلقيها المستقبلات المحتملة، وأن تجد نفسها مسمرةً تتأمل ما يمكن أن يكون عوضاً عن ما كائن. غير أن الإطالة في تأمل مجرد الاحتمالات كانت السبيل إلى الجنون.

كان المستقبل أصعب ما يُرى. اعتقد كثيرون أنه قابل للتنبؤ إن عُرف ما يكفي. تعلّمت مبكراً جداً كم كان ذلك الاعتقاد أحمق. مجرد التفرّس في المستقبل يكفي لتغييره، وهناك قوى هناك لا تستطيع إدراكها — قوى قادرة مع ذلك على تبديل المستقبل. كان النجم المنفي أحد أولئك الأعداء. لقد كان ثقبةً في بصيرتها، قوةً وطاقةً عجزت عن رؤيتهما. ورغم ذلك لمحت الخراب الذي سيُحدثه والموت الذي سيذريه.

لم تكن العرش الفراكتلي سيدة مصير، ولا ملاحاً قادراً على توجيه الأقدار. في النهاية، كل ما استطاعته كان التفرّس في بحر من الإمكانيات بلا حصر ومحاولة استخلاص التيارات التي سيتبعها القدر.

تجلت قوتها بطريقة أخرى أيضاً. حين كانت تنظر إلى أحدهم بقوتها، كانت تراه — لا كما هو فحسب. بل كانت ترى ظلال من كانوا… وظلال من قد يصبحون. حين توسلت إلى أبيها ليدعها تتبعه، طلب منها أن تنظر إليه، أن ترى المصير الذي ينتظره.

امتد أثر طويل من الظلال خلفه، شاهداً على سنوات عمره الطويلة. لكن أمامه، لم تكن هناك ظلال، ولا حتى تلميح. عرفت حينها ما يكون اليأس. في كل المستقبلات التي لا تحصى، وفي كل الطرق الممكنة التي قد يسلكها القتال القادم، لم يكن هناك أي مستقبل يعيش فيه. لم يكن موت أبيها إمكانية. كان حقيقة مؤكدة في كل عالم، وفي كل ماضٍ، وفي كل مستقبل.

في المرة الأخيرة التي وقعت فيها عينا العرش الفراكتلي على جناح الهلاك، كانت قد رأت الظلال الطويلة تمتد خلفه، بقايا العصور. ورغم ذلك، أمامه، باهتة، باهتة لدرجة بالكاد ترى معها، كانت هناك شرارة، جمرة رأت مثلها مرة واحدة من قبل.

حين جمع أبوها أتباعه، وصل لهيب السيادة. مثله مثل أبيها، لم تكن هناك ظلال أمامه، لا مصير سوى الموت في المعركة التي تقف أمامه. ورغم ذلك كانت هناك شرارة، جمرة لشيء أعظم تنتظر قبيل موته بقليل. وبطريقة ما، تمكن من جرح الملك المكسور، إنجاز ما كان ينبغي لتنين أن يقدر عليه.

مرة أخرى، فكرت في الرؤية التي لمحتها لتاج من اللهب الأحمر والأزرق. لقد رأته في مكان آخر، في عالم جُن فيه جناح الهلاك، هدية فراق أرسلتها نسخة ذلك العالم منها. لقد مزق جناح الهلاك عالمه إرباً، واجتث قلبه وولم عليه ليصبح أعظم حتى من أمضى أجدادهم. جناح الهلاك الذي تعرفه كان سيفضل الموت على تدنيس العالم الذي مات أبؤها وصديق طفولتها دفاعاً عنه، والذي سقط الكثير ممن عانقتهم طوال السنين في حمايته.

التاج الذي رأته حينها كان شيئاً مراً، صُنع من الدم والدموع والجنون. التاج الذي لمحت في رؤيتها لم يكن شيئاً كهذا. لقد كان تاجاً من معدن ملوك وخشب حي، تاجاً يربط المد والجزر والأموات، تاجاً يفوق النجوم ضياءً ويمنح الحياة للأحلام القديمة. لقد كان تاجاً لشخص أحب العالم وأحبه العالم بدوره، تاجاً لأحمق أعند من أن يستسلم حين استسلم الكثيرون غيره. لقد كان تاجاً لملك يَسرُّها أن تتبعه.

ورغم ذلك… ورغم ذلك أفلتت الرؤية — ذلك التاج — بين مخالبها، تياراً واحداً وسط محيط من الإمكانيات. مرات عديدة استطاع جناح الهلاك خياطة الخيط في الإبرة. أرادت أن تصدق أنه قادر على فعلها مرة أخرى.

أخبرها كل حدس امتلكته أن الأيام القادمة ستكون مهمة. كأنها موجة تسونامي، كان القدر والمصير يتحركان، يصعب تمييزهما في المياه العميقة، لكن أثرهما سيكون لا يُنكر في المياه الضحلة القادمة. احتجت إلى أن تكون في الاجتماع. كان الأمر بالغ الأهمية لدرجة أنها ستوقف العمل الذي استهلك تقريباً كل حياتها.

كان مشروعها ليصبح منارةً ودرعاً، باباً ومفتاحاً.

منارةً للأخ الذي رحل، لعلّه يجد طريقه إلى البيت ذات يوم. درعاً يحمي عالمهم ممن هم خارجه ممن يضمرون لهم الأذى. باباً، تحسّباً لأن يكون أخوها قد وجد مكاناً آمناً لهم، ومفتاحاً يفتح طريق التقدم، أياً ما كان ذلك الطريق. لقد كان مشمشيةً بحد ذاته، وحين اكتمل، احتجت فقط إلى إدارته حتى يظهر المنظر الصحيح بوضوح.

قال: "أمي."

التفتت. كان ابنها، وهج الغموض، هناك. ظهر خيالاً في ضوء مشروعها، الإشاعة المنبعثة من رموز سحرية لا تحصى تغطي الهيكل الجباري للمواد الغريبة وهي تلمع على حراشفه. وحد وحدهم من سلالتها استطاعوا العمل عليه، مما يعني أنها وابنها وحدها من استطاعا إتمام العمل عليه. ولهذا السبب، نادراً ما غادرت نطاقها، وتركت الكثير من حكمه لمرؤوسيها الموثوقين.

سأل: "كيف كان أبي؟"

قد يشارشها المظهر من نواحٍ عديدة، لكن صوته كان هدية من أبيه، ليناً هادئاً، ومليئاً مع ذلك بالقوة.

قالت: "هو بخير."

تركت كلماتها تتردد في الهواء قبل أن تتابع.

"سيهب إلى الاجتماع. ستتمكن من لقائه."

اتسعت عيناه.

قال: "أحقاً هذا؟ لقد رأيت ذلك، لكن مع ذلك… أنا مسرور."

قطب جبينه بضعف.

"لكن… لقد رأيت أشياء أخرى أيضاً."

قالت: "ماذا رأيت؟"

قال: "نور ما إن يزول قد يعود رغم أني لا أستطيع تحديد متى، والسبل التي تقود إلى هنا سالمة قليلة ومتباعدة."

قطّبت فراكتال رين جبينها. كانت متأكدة تقريباً ممّن يعنيه، ولم تدرِ كيف تشعر حيال ذلك. لقد كان دونونصكيل هو من أنقذ حياة إنيغما فيلار حين كادت قوة أوبليفيونكولير تودي به. مع ذلك، فإنّ هروبها... حتى وإن كانت فراكتال رين تعلم أنه احتمال وارد... ظلّ تجربة مريرة تجرّعتها بصعوبة. لكنها تركتها تمضي رغم ذلك؛ فمن بين كلّ المصائر التي رأتْها، كان الرحيل أفضل فرصة لصديقتها القديمة كي تنجو.

وطالما أنها على قيد الحياة، ظلّ هناك أمل لها. سواء أكانت السعادة هنا أم في مكان آخر، فلن تحقد فراكتال رين على دونونصكيل، ليس بعد أن أنقذت حياة إنيغما فيلار.

قطّبت جبينها وقالت: "أكذلك إذن؟ علينا توخّي الحذر إذن. استعدّ في هذه الأثناء".

كشفت عن أنيابها وتابعت: "ربّما تجد شريكاً في الاجتماع".

قهقهت وقالت: "أنت تعلم أنك لم تجد أنت ولا إخوتك غير الأشقاء شركاء بعد. طالما تمنّى أبوك أحفاداً يفسدهم. لقد بات يغار من ستورمبرينغ الذي رُزق بعدد منهم بالفعل".

عَبَس ابنها وقال: "أماه، أرجوك. لا تتحدثي في مثل هذه الأمور بعد الآن".