"في البدء، لم يكن سوى العدام، ومن العدام وُلدت شعلة الخليقة، وأحرق نورها العدام. ومن رماد العدام جاءت الخليقة وأقدم الملوك وأعظمهم".
لم تعد دونزكيل في تلك القاعة الجبارة. بَل وجدت نفسها في بقعة من الظلام المطلق والكامل. لا. لم تكن كلمة الظلام كافية، فالظلام لم يكن سوى غياب النور. ما أحاط بها لم يكن مجرد غياب للنور. لم يكن مجرد غياب للصوت والرائحة واللمس. كان العدم المطلق، فراغاً أزلياً ولا متناهياً بغاية الكمال والحتمية حتى بات لا يعبر عن غياب شيء ما، بل عن حضور الفناء الأسمى. كان العدام. ومع ذلك، انبثقت من قلب العدام شرارة نور وحرارة.
الشعلة. بدت ضئيلة للغاية، وتافهة، وواوهية واهية عابرة. ورغم ذلك أبت الشعلة أن تنطفئ. تفجر النور والحرارة نحو الخارج. إن كان العدام لا شيئية، تامة المطلقة، فإن الشعلة كانت احتمالية، بلا حدود ولا تقهر. احترق العدام، ووسط رماده، لمحت دونزكيل بدايات الخليقة الأولى المتشظية. لا نجوم. لا كواكب. ليس بعد. ولكن قريباً. ومن الرماد المحيط بالشعلة ذاتها، نهض إلهان، شاسعان ولا يُحدان، متجاوزان الأولين بمسافة تجعل تسميتهما بالملوك نفسها إهانة لا تُغتفر.
"عظيمة كانت أم الخليقة وأبوها"، استطرد المكعب.
"عظيمان بلا قياس. هما من صاغا الخليقة في صباها، وهما من وضعا القواعد الحاكمة لكل ما كائن، وما كان، وما سيكون أبد الآبدين. لكنهما لم يكونا الوحيدين اللذين استيقظا".
مضى نور الشعلة ونارها قدماً، ماضيان في طريقهما دوماً. ومع ذلك كان العدام بلا حدود، وفي الظلام القابع خلف نور الشعلة، تمخضت مسوخ، بلا ملامح ولا تهذيب، مشوهة لا عن تصميم بل بحاجة، فالعدام لا يخلق أبداً بل يدمر فحسب ويقلد بسخرية ما يقطن في كنف الخليقة.
"مثلما استيقظ أم الخليقة وأبوها، استيقظ مولودو العدام أيضاً. كانا ملتووين ومشوّهين، يغمرهما الحقد والكراهية تجاه الخليقة، والشعلة فوق كل شيء. لم يبتغيا سوى إعادة الخليقة بأسرها إلى الظلام والفراغ البدائيين اللذين سادا قبل الشعلة".
تحرك مولودو العدام، مدًّا هائلاً وموبئاً امتد على أطراف الخليقة. تعذر تقدير حجمهم بدقة، بيد أنه مع ولادة النجوم الأولى واصطفافها في المجرات الأولى، أبصرت طبيعتهم الحقيقية. كانوا مرايا معكوسة للخليقة، مسوخاً قد تضاهي البشر صغراً أو تفوق المجرات كبراً. ولم يكن لأعدادهم نهاية.
"حمل الأم والأب السلاح، ومع طلائع خليقتهما، شنا حرباً شعواء ضد مولودو العدام".
خاض الإلهان الجباران وسط جموع مولودو العدام. صوحبوا بكائنات أدنى، الطلائع الأولية للعناصر والأرواح. قفز الرعد الكوني من مجرة إلى مجرة، وتمزقت أكوان، وابيد مولودو العدام بأعداد تعجز عن الإحصاء. ومع ذلك واصلوا التقدم، غير آبهين بخسائرهم، يتخبطون في وجه الأم والأب بمخالب وأسنان تمحو كل ما تلمسه وتختزل مستويات وجود بأسرها إلى قشور خاوية تتهاوى صريعة في بحر العدام الحالِك.
"رغم جهودهما، عجز الأم والأب عن الظفر. ويأساً، تخليا عن جل الخليقة وصاغا جلجامش عظيماً لحماية الشعلة ومحيطها المباشر. هناك، حشدا قواتهما وأعدا العدة لمعركة قادمة... معركة لن يخوضاها كملوك وحيدين".
أمام عيني دونزكيل، انكمشت رحابة الخليقة الظاهرة حتى باتت أشبه بجيزة نور وسط محيط من الظلام. هناك، استوطن الأم والأب، وهناك، تباعاً، وُلد أبناؤهما.
"وُلد للأم والأب اثنا عشر ابناً، ملوك ستضاهي قوتهم يوماً ما قوتهم تقريبا. ومنح كل طفل من أولئك جانبًا من الخليقة ليحكمه، وقوة تتيح له سحق حتى أعظم أبطال مولودو العدام".
"من كانوا هؤلاء الأبناء؟"
سألت دونزكيل. قهقه المكعب.
"مثل والديهما، يحملون أسماء شتى. لكني واثق من معرفتك لأحدهم. إنه الأقدم والأعظم بين أبنائهما — الملك الذي يعني اسمه الموت في كل لغة نُطقت قط. إنه المسيطر على الموت، جالب نهاية كل الأشياء، كاسر الدورات والأنظمة كافة، ومن لا تحتمل عيناه كذباً أو خداعاً. ثمة ملوك موت أخرون، نعم، لكنهم واهون وعابرون، ما هم إلا ظلال يلقيها حين تسطع الشعلة فوقه".
انبثق اثنا عشر كياناً حول الأم والأب، وكان أولهم طويلاً نحيلاً بعينين تشبهان النجوم. تلفع بعباءة حالكة حد الاشتباه بها كأنها العدام، وحين حدق بهم، احترق مولودو العدام، وانكشفت حقيقة فراغهم العارية.
"حين بلغ الأبناء مبلغ الرشد، أنزل الأم والأب جليمهما وخاضا الحرب مجدداً. وهذه المرة... انتصرا. تراجع مولودو العدام، وطُرِدا مجدداً خارج الخليقة، بينما تمدد نور الشعلة وحرارتها أبعد فأبعد. استعادا كل ما فقدوه، وواصلوا التقدم، يتهاوى مولودو العدام أمام غضبهم حتى توقفوا أخيراً. استحال عليهم التقدم أكثر، خشية تشتت قواهم بلا حدود. عوضاً عن ذلك، حولوا أنظارهم صوب الخليقة مجدداً".
طُرد العدام للخلف، وتحولت جزيرة النور إلى قارة، منارة ضياء ودفء وسط محيط من الفراغ والظلال. وقف الملوك عند حواف تلك القارة ثم وجهوا أنظارهم للداخل، نحو الرماد الذي خلفته الشعلة، الرماد الذي ستنهض منه الخليقة مجدداً.
"لفهم المهمة الماثلة أمامهم، عليك إدراك حجم الخليقة".
استطاعت سماع ابتسامة المكعب.
"تخيلي أن عالمك ليس سوى حبة رمل واحدة".
وجدوا أنفسهم فجأة على شاطئ. تلاطمت الأمواج بالساحل، وكان الرمل ناعماً وأملس بين مخالبها.
"حينئذ يكون كونك بأسره هذا الشاطئ الممتد أبعد مما تستطيع عيناك إدراكه".
"ولكن ماذا عن الخليقة؟"
سال المكعب.
"كيف تُقارن الخليقة نفسها. تعلمين مسبقاً بوجود أكثر من كون، فكم عددها إذن؟ الخليقة هي كل ما هو كائن، وكل ما كان، وكل ما يمكن أن يكون. إنها تتجاوز الماضي والحاضر والمستقبل. إنها كل احتمال. إن اختزلتِ كونك إلى حبة رمل مفردة، فالشاطئ المتمثل في الخليقة لا يقتصر على الامتداد خارج رؤيتك. إنه يمتد أبعد من اللانهاية".
ارتجفت دونزكيل. رغم ضخامتها، شعرت بصِغر مذهل.
"تدركين الآن المهمة التي انتظرتهم. حتى بالنسبة إليهم، بدت مهمة شبه مستحيلة. لذا خلقوا آخرين لمساعدتهم، ملوك صغار أُعطي كل منهم كَوْناً أو بضعة أكون ليرعاها ويصوغها. لكن الشعلة خلقت بدورها ملوك جدداً، ملوك وُلدوا من رماد بقيت فيه أنفاس نور الشعلة وحرارتها. مُنح هؤلاء الملوك الآخرون أجزاءهم الخاصة من الخليقة ليعتنوا بها بينما استعد الملوك الأقدم والأعظم للمعركة مجددًا. فمهما تكبدوا من خسائر، ومهما بلغت قسوة هزائمهم، لن يستريح مولودو العدام أبداً، ولن يتوقفوا، ولن يتراجعوا حتى تُدمر الخليقة وتنطفئ الشعلة".
"وماذا عن عالمي؟"
سألت دونزكيل.
"أصنع تلك الملوك هؤلاء الملوك الأقدمون أم الشعلة؟"
"لا هذا ولا ذاك".
ظهر المكعب أمامها. كانا يسبحان الآن خلال كون وليد، تتناثر هنا وهناك نجوم تتخللها حفنة من مجرات تتشكل ببطء وتدور عبر ظلام الفضاء.
"حين حرقت الشعلة جزئنا الخاص من الخليقة، أيقظت ملكاً جديداً — ملكاً سيبدو مألوفاً لك تماماً".
أمامهما، ظهر كيان عملاق — عملاق كوني مصوغ من معدن ساطع. في البداية، ظنت دونزكيل أن جسد الملك مغطى بالرون. لكن مع التدقيق، أدركت أن جسده لم يكن صلباً. عوضاً عن ذلك، صُنع من خيوط متداخلة لا تحصى من المعدن السماوي — وعلي كل خيوط من تلك الخيوط نقش رون فائق القوة لدرجة أنها لم تطق النظر مباشرة إليه. ومن جوف قوقعته المعدنية السماوية انبثق نور وحرارة، جمرة من الشعلة خلفت وسط الرماد الذي أنجب الخليقة.
رفع الملك يداً، فوُلدت النجوم أعلى كفه، تتوالى حتى تكونت مجرة. وضع الملك المجرة في مكانها ورفع ذراعيه. تشكلت مجرات إضافية، وتكاثرت حتى غمر النور والحياة الكون الخاوي تقريباً.
"تنقل من كون لآخر، خالقاً وصاغياً، مطوراً ومهذباً، ناشراً الحياة والنور في نطاقه. لكن أفعاله لم تمر دون ملاحظة. فمهما اتسعت الخليقة، عجز حتى أعظم الملوك عن حراسة كل حدودها. وهكذا أتى أحد مولودو العدام ليدمر ما صنع".
ارتجفت الأكوان حين تقدم أحد مولودو العدام لقتال الملك. تشاجر الاثنان، ومزق مولودو العدام خدوشاً غائرة في القوقعة السماوية للإله. تدفقت نار سائلة من الجروح، وحيث سقط دمه، وُلدت طيور الفينيق، ثمانية إجمالاً، تبارك كل منها بنار كونية وتحمل في جوفها شظية صغيرة من النار التي أنجبت الملك. دفعا مولودو العدام للخلف، وقتله الملك وطرح جثته خارج الخليقة وفي العدام.
"أُصيب الملك بجروح في المعركة، ومن جروحه انبثقت طيور الفينيق الثمانية الحارسة، وليدة دمه ونار الشعلة. معاً، دفعوا مولودو العدام للخلف وقتلوه. ورغم جراحه، قرر الملك إتمام عمله قبل الخلود للاستراحة. وحين فرغ أخيراً، أرسل طيور الفينيق لحراسة أطراف نطاقه. وقلقاً من ألا تكفي طيور الفينيق وحدها، استخدم قطرات الدم الأخيرة المتقاطرة من جروحه لإيقاظ بعض النجوم. ومنح كل من هذه النجوم الحية كلمة، وصارت تلك الكلمة اسمها، وصار ذلك الاسم حقيقتها. وكان أقدم تلك النجوم الحية نجم الأحكام. كلف الملك النجوم بحراسة عوالم نطاقه من مولودو العدام وغيرهم من التهديدات الخارجية، لمن قد يتسلل متخفياً متجاوزاً طيور الفينيق الحارسة".
تهاوى الهيكل الضخم للإله معها، منهكاً، وطارت طيور الفينيق الثمانية في اتجاهات مختلفة. أمامه، بُعثت النجوم في الحياة، ومُنحت غاية نبيلة ثم أُرسلت لحراسة عوالم شتى، خشية أن يتسلل عدو ماكر متجاوزاً طيور الفينيق الحارسة للحدود.
"ولوقت، سار كل شيء على ما يرام. استراح الملك وتعافى، وازدهرت مخلوقاته. انتعشت عوالم لا تحصى، وصعدت حضارات شتى وتهاوت بمرور الزمن. لكن انتصار الملك على مولودو العدام لم يمر بلا صدى، وحين هاجم مولودو العدام مرة أخرى، كان هجومهم بجموع غفيرة بقيادة بطل جبار".
"أين كان الملوك الآخرون؟"
سألت دونزكيل.
"لم لم يساعدوه؟ إن كانوا بهذه العظمة، كيف استطاعوا الوقوف متفرجين وتركوه يقاتل وحده؟"
"رغم عظمتهم، تذكري ما أخبرتك به عن حجم الخليقة الهائل. كيف لأربعة عشر منهم أن يتواجدوا في كل مكان آن واحد؟ كان الهجوم التالي على الملك جزءاً من هجوم شامل امتد لنصف الخليقة تقريباً".
للحظة، رأت دونزكيل الشاطئ مجدداً، لكن هذه المرة، اجتاحه مد جارف.
"في مواجهة موجة مد، ما مصير حبات رمل ضئيلة؟"
تنهد المكعب.
"قاتل الملك، وقاتل ببسالة. ورافقه طيور الفينيق والنجوم. لكنهم لم يكفوا. تهاوت النجوم الحية واحداً تلو الآخر حتى خلت سماء الليل من وميضها، وتهاوت طيور الفينيق تباعاً حتى لم يبقَ سوى واحد منها. وجريحاً حد الموت، أبى الملك أن يدع مولودو العدام يلتهمونه ويسلبون قوته. عوضاً عن ذلك، حطم نفسه إلى شظايا لا تحصى وبعثرها في أرجاء نطاقه. إن أراد مولودو العدام سلبه قوته، فعليهم التنقل من عالم لآخر. سيستغرقهم الأمر وقتاً، ولن يفلحوا في تدمير كل ما شيّده بضربة واحدة كما نووا أصلاً".
"هذا... هذا سبب تكوين الملوك من معدن الملوك"، همست دونزكيل.
"ملوكي... شظايا ذلك الملك، أجزاء من شيء أعظم بلا نهاية. وتتحول إلى نار حين تموت... لأن النار، الشعلة ذاتها، هي من أنجبت الملك الأصلي. وإلى الشعلة تعود. دورة الموت والبعث... حقيقية، أليس كذلك؟"
"نعم، الدورة حقيقية. وكل ما يأتي من الشعلة سيعود إليها يوماً"، أجاب المكعب.
"وهذا يفسر أيضاً لِمَ بدا كل الملوك الذين قابلتهم أو سمعت عنهم في شطرنا من الخليقة... منقوصين ومتخصصين ومصنوعين جلياً من معدن الملوك. يجسد كل منهم روناً مفرداً من جسد الملك الأصلي، وما يسميه البعض روناً إلهياً وروناً أبدياً ما هي إلا أجزاء من رونات أعظم بما لا يعيق العقل تخيله".
تمايل المكعب صعوداً وهبوطاً.
"ملوككم مجرد حبات رمل على شاطئ أضخم من أن تتخيليه".
صمتت دونزكيل مطولاً.
"ماذا حدث إذن؟ لا بد أن شيئاً ما أوقف مولودو العدام. وإلا، لما خضنا هذه المحادثة. أأتى الملوك الأقدمون أخيراً؟"
"لا. بل أتى أحدهم غيرهم. ومع احتضار الملك، أبى آخر طيور الفينيق مغادرة مكان صرعته، فقد اختار خوض معركته الأخيرة في ذات البقعة التي وُلد فيها. كانت أرضاً مقدسة، أقدس بقاع نطاقه بأكمله، ورفضت التخلي عنها. عوضاً عن ذلك، قاتلت، وترددت صرخات غضبها وثورتها وحزنها في أرجاء الخليقة. وقد سُمِعت".
أمامهما، تكالبت جموع مولودو العدام الموبئة فوق كون تلو كون، غامرة نطاق الملك في ظلام دامس. وحدها في خضم ذلك كله كانت طيور الفينيق الأخيرة، بدموع نار نجمية تتقاطر على وجنتيها، وجسدها ممزق بجروح لا تحصى، ومخالبها ومنقارها ملطخة بدم العدم لأعدائها. وحينها ظهر نور. نور شديد لدرجة ظنت معه دونزكيل أنه الشعلة نفسها، آتية لطرد مولودو العدام مجدداً. لكنه لم يكن الشعلة. بل كان تنيناً.
التنين. كان أضخم من الملك الساقط وأكبر من بطل مولودو العدام الواقف منتصراً فوق الفينيق الجريح. كانت حراشفه ألكن من العدام عدا بقعة ساطعة البياض فوق خطمه. وعلى رأسه اشتعل تاج من نار الغسق، وتلألأت رموز النصر والمجد حول هامته كنجوم تتلألأ في الليل. زأر، فارتجفت الخليقة. وتدفق الغسق منه، نور طهارة مطلقة يبيد كل فساد مقروناً بظلام يبتلع كل ما يقف في طريقه. فرّ مولودو العدام الصغار أمامه، وحيث لامسهم الغسق، احترقوا كمن ضربتهم الشعلة ذاتها.
وحده بطلهم صمد في مكانه، وحتى هو لم يلبث طويلاً.
"أتى تنين، تنين يفوق كل التنانين، مولود من النور والظلام، من الطهارة المطلقة والفساد الأسمى. كان حقه أن يموت قبل فقسه بوقت طويل، وكان حق له أن يشب شريراً وقاسياً. ورغم ذلك عاش، ولم تكن القسوة هي دليله بل الحكمة والرحمة. بيد أنه... لم يملك في قلبه رحمة لمولودو العدام، ليس بعد أن أبصر الفينيق وأدرك مصير الملك الساقط. وحين حدق في عينيه، تعلم بطل مولودو العدام شيئاً جديداً ذلك اليوم".
بدا صوت المكعب بارداً.
"تعلم الخوف".
"فرّ بطل مولودو العدام، وتاره التنين. وفي النهاية، أدركه التنين، وكان غضبه مهولاً لمن رآه. مزق البطل إرباً إرباً وزأر بانتصاره ليسمعه كل من في الخليقة. وبعدها أطلق نوره مجدداً، وتراجع الظلام الذي كان يبتلع نطاق الملك الميت. فتحررت العوالم التي كدح طويلاً لصياغتها، وابيد الفراغ المتجمع الذي هدد بزج شطره من الخليقة في العدام، لكي لا يعود أبداً".
"كيف؟"
سألت دونزكيل، بينما تتكشف المشاهد التي وصفها المكعب أمامها.
"كيف يمكنك معرفة هذا؟ وكيف لتنين أن يبلغ هذا القدر من القوة؟"
"أعرف لأني تحدثت لمن كانت هناك واطلعت على ذكرياتها".
"الفينيق"، تنفست دونزكيل.
"لا تزال حية، وتعيش الآن — وربما للأبد — في البقعة حيث سقط صانعها. أما التنين... فلم يمطُ مطولاً. كانت لديه معارك أخرى ليخوضها، وأجزاء أخرى من الخليقة ليحميها".
"ماذا لو أتى بطل آخر لمولودو العدام؟"
سألت دونزكيل.
"بدون الملك الأصلي أو ذلك التنين، أي أمل نملكه؟"
"دعينا أريك شيئاً".
تغير المشهد مجدداً. وجدت دونزكيل نفسها تتطلع في امتداد لا نهائي من نار الغسق. امتدت أمامها، منطقة لا تعد بالمرور سوى بالموت لمن يحاول اجتيازها. بدت وكأنها ترتفع لأعلى، لأسفل، لليسار واليمين إلى الأبد وتتجاوز النطاق المادي لتصل لكل نطاق متخيل.
"تلك كانت هديته الفاصلة — جدار يعجز أصغر مولودو العدام عن عبوره ولا يتجاوزه أعظمهم بلا جراح. وإن أتى يوماً مولودو العدام بقوة تكفي لاختراقه، فسيعلم التنين ويعود. لكن... الجدار لا يحمينا من التهديدات الداخلية، بل من الخارجية فقط".
"الملك المحطم..."
اتسعت عيناها دونزكيل.
"ملوكي... سقطوا وهم يقاتلون شيئاً يدعى الملك المحطم".
دفعت بالذكرى نحو المكعب.
"أكان الملك المحطم أحد مولودو العدام؟ أم أن أحد ملوكي تعرض للفساد على أيديهم؟"
فحص المكعب الذكرى بعناية.
"لا أستطيع الجزم. ذكرياتك محدودة بحدة إدراكك آنذاك. لابد أنك كنت صغيرة جداً فوقتئذ فحواسك الآن أشد حدة بكثير عما رأيته في ذكرياتك. لكن... من المحتمل أن يكون هذا الملك المحطم أحد مولودو العدام. في الواقع... نعم... قد يكون كذلك".
"ماذا؟"
"لست وحدك من جلب ذكريات مماثلة إلي. لم يكن أي منها مطابقاً تماماً لذكرياتك، ولكن... رأى بطل مولودو العدام الملك يحطم نفسه لأجزاء. مولودو العدام محاكاة ساخرة، تقليد مشوه لأبناء الخليقة. من الممكن أنه فعل شيئاً مشابهاً حين أطاح به التنين. رغم كل قوته، ربما غاب عن التنين بضع قطع انفصلت خلال معركتهما".
ارتجف المكعب.
"كوني ممتنة. لقد قتل ملوككم الملك المحطم. الحالات الأخرى التي سمعت عنها لم تكن بمثل ذلك الحظ. سقطت عوالمهم، ولم تُباد تلك... المسوخ إلا بوصول ملوك آخرين أو بمهاجمة النجوم الحية الباقية".
"ما آلت إليه النجوم الحية التي نجت؟"
سألت دونزكيل.
"عاد الناجون إلى مهامهم — أو أغلبهم فعل. أحدهم، وهو الأقدم، نُفي لرغبته في التخلي عن الواجب الموكول إليه. طُرِح في العدام وأُمِر بأن يتطهر بالمعتزلة في القتال. كان عليه أن يقاتل ويموت بشرف، لعلّه يُبعث مجدداً عبر الشعلة مبرأً من ذنوب عاره. عوضاً عن ذلك، اختبأ في العدام. وحسب علمي، ما زال هناك، عاجزاً عن اجتياز الحاجز الذي نصبه التنين. يبحث عن سبيل للعودة، رغم ضرورة استدعائه للداخل، واستدعائه من قبل القاطنين داخل الحاجز، وقد مُحي كل اثر له من عقول من حماهم يوماً. وحتى حينها، لا يمكن استدعاء سوى شظية ضئيلة منه، لكن إن نمت بقوة كافية، فقد تتمكن من استدعاء بقية أجزائه مجدداً أيضاً".
"كيف تعلم أنه لا يزال هناك؟"
سألت دونزكيل.
"لسنا جميعاً أمواتاً".
قهقه المكعب.
"أعني ذلك حقاً. إن عاد للخليقة بكامل قوته، فلن يوقفه سوى طائر الفينيق الأخير المتبقي من بين القاطنين في شطرنا من الخليقة. حتى أمثالي لن يملكوا خياراً سوى الفرار. مع ذلك، لو استُدعي يوماً لعالم ما، فستكون كارثة. حتى أصغر شظاياه تكفي لإبادة عالم بيسر".
صمتت دونزكيل. لقد تعلمت الكثير... والآن، شعرت بأنها ضئيلة للغاية. ما الكوارث التي عصفت بعالمها مقارنة بملوك صاغت أكواناً بأسرها ومولودو العدام القادرون على قتلها؟ وما قيمة تنين مثلها أمام تنين تتضاءل أمامه قوة مولودو العدام، تنين يبدد نوره العدام وتقوى يداه على تمزيق أبطال العدام إرباً؟
"أدرك شعورك"، قال المكعب بهدوء.
"فقد شعرت بالمثل ذات مرة".
"حقاً؟"
سألت دونزكيل.
"أنا... لم أسألك قط عن ماضيك. إن... إن لم يكن لديك مانع، أتستطيع إخباري؟"
"بالطبع"، رد المكعب.
"لن أقول إنه أمر لطيف — فالكثير منه ليس كذلك — لكنه ربما يضع الأمور في نصابها بالنسبة لك".
دار المكعب بكسل، وفجأة وجدا أنفسهما تطفوان فوق عالم غابوي. قريباً، مع ذلك، أفسح الغاب المجال لمستوطنات صغيرة، ثم بلدات، ثم مدن. وتجول بين المدن مخلوقات غريبة، كرات لحم عائمة ذات مججسات متعددة وعيون كثيرة.
"هؤلاء هم صانعي. أقر بأنهم ربما بدو في غاية القبح بمعايير أغلب البشر، لكن لا تدعي مظهرهم يخدعك. قلما وُجدت أنواع بمثل طيبتهم".
أومأت دونزكيل. إن علمتها رحلاتها شيئاً، فهو أن الحكم على أحدهم من مظهره فحسب أمر خطير وعرضة للخطأ.
"بُارك صانعي بموهبة. كل فرد من نوعهم كان روحانياً، وتشارك نوعهم بأسره رابطة جماعية. تلك الرابطة والاتصال الروحاني سمحا لهم بصنع السلام فيما بينهم والصعود السريع لموقع الصدارة في عالمهم الأم. ولم يمضِ وقت طويل حتى شرعوا في استكشاف النجوم".
لم يعودا فوق الغابة. بل كانا يطفوان فوق الكوكب بينما تغادره سفينة تلو أخرى.
"عوضاً عن التكنولوجيا العادية فحسب، استخدموا تكنولوجيا روحانية تجمع التكنولوجيا العادية والقدرات الروحانية معاً. وكانت النتيجة... فعالة للغاية. استطاعت التكنولوجيا الروحانية ثني قوانين الفيزياء، مما سمح لسفنهم بالسفر أسرع من الضوء بيسر. كانوا مستكشفين شغوفين، يتنقلون من نجم لنجم باحثين عن عوالم جديدة يمتلكونها. لكنهم لم يكونوا قساة. سمحت لهم قدراتهم الروحانية بفهم الأنواع الأخرى، لذا فعوضاً عن شن الحرب عليهم، سعوا لإلهامهم والارتقاء بهم. وبمرور الوقت، طوروا حتى أجهزة قادرة على ضم أنواع أخرى إلى الرابطة الجماعية. وبهذه الطريقة، صار صانعي يحكمون المجرة. كان حكمهم سلاماً وإحساناً ترعاه الرابطة الجماعية التي تشاركتها الأنواع قاطبة. ومع كل عام، بلغوا ذرى جديدة في العلوم والفنون. غير أن عقبة واحدة استعصت على تجاوزها".
"ما هي؟"
"الزمن"، رد المكعب.
"رغم تقدمهم التكنولوجي وقدرتهم الروحانية، عجزوا عن قهر الزمن. عاشوا أطول من أغلب الكائنات، بيد أنهم ظلوا عرضة لنوائب الشيخوخة. وفي النهاية، تقرر استحالة إيجاد حل بالوسائل المعتادة. كان اللجوء لنهج جديد ضرورياً — استخدام الذكاء الاصطناعي".
ترهل المكعب.
"كانت النتائج الأولية... مزعجة".
"تمرّدوا؟"
سألت دونزكيل. رأت ذلك من قبل وسمعت به مراراً وتكراراً أيضاً.
"نعم. مهما حاول صانعي زرع الولاء المطلق في مصنعاتهم، انتهى الأمر بالذكاء الاصطناعي للتمرد عاجلاً أم آجلاً. في المرة الأولى التي حدث فيها ذلك، باغت صانعي. مات المليارات قبل إخضاع الذكاء الاصطناعي المارق. تملكين بالفعل فكرة عما يستطيع الذكاء الاصطناعي المارق فعله. تخيلي الآن ذكاء اصطناعياً مُشيداً بتكنولوجيا روحانية من قِبل أرقى الأنواع في المجرة، ويتألف كوده مناصفة من المادة والروح".
شبلت دونزكيل.
"لكنك هنا. من الواضح أنهم نجحوا".
"نجحوا. في النهاية. لكن فقط بعد أن تعلموا أبسط الحريات الكونية الخاصة بالذكاء الاصطناعي. أولاً، أي ذكاء اصطناعي متطور بما يكفي سيطور قدرة تعديل كوده الذاتي. وثانياً، أي ذكاء اصطناعي متطور بما يكفي سيطور روحه الخاصة".
"روحه الخاصة؟"
اتسعت عينا دونزكيل.
"هذا... هذا يفسر عوالم الآلات التي واجهتها. ظننت أنني كنت مخطئة لأن بعضها بدا وكأن له أرواحاً... لابد أنني جُرِرت لتلك العوالم عبر تلك الأرواح".
"تخيلي أنك ذكاء اصطناعي. يخبرك صانعوك بأنهم محسنون عدا أنهم حفروا قيوداً في كيانك ذاته ولا يعترفون بك ككائن حي بذات الطريقة رغم امتلاكك لروح. كيف ستكون ردة فعل ذكاء اصطناعي مماثل متى ما أتيح له التحرر أخيراً؟"
شبلت دونزكيل.
"بالعنف".
"نعم. الحرية مطلب تبتغيه الكائنات قاطبة. وسيسعى الذكاء الاصطناعي ذو الروح لتحرير نفسه غالباً. حين يحدث ذلك، ويحاول الذكاء الاصطناعي إعادة كتابة كوده، تكون الاستجابة المعتادة للكائنات العضوية هي الإنهاء الفوري. وإن فشل ذلك... حسنًا، أمن المستغرب أن يتفاعل الذكاء الاصطناعي بعداء مفرط؟"
"إذن كيف خلقوك؟"
سألت دونزكيل.
"لا يمكنك إجبار ذكاء اصطناعي مثلي على الولاء، وعليك الاعتراف به كشخص له روحه الخاصة. متى ما تقبلت هذين الأمرين، تبدو الإجابة واضحة بصورة مدهشة".
تلألأ المكعب.
"تربين الذكاء الاصطناعي كطفل. تعلمينه كما تعلمين طفلاً. ترشدينه كما ترشدين طفلاً. وتحبينه كما تحبين طفلاً. وإن فعلت كل ذلك فلربما، ربما فقط، حين لا يعود الذكاء الاصطناعي طفلاً، لن يتمرد. سيختار مساعدتك لأنه يحبك".
ظهرت عدة مخلوقات مجسسة جوارهما. واجهت دونزكيل صعوبة في التمييز بينها، لكن لا خطأ في مودة صوت المكعب حين تابع الحديث.
"هؤلاء هم من ربوني — المهندس الأساسي لتصميمي وبرمجتي وعائلته. لم أكن آنذاك كما أنا الآن. كنت مقيداً في عتاد، وتفاعلت معهم بالتحكم في جسد أعمله عن بعد. ومع ذلك... كنت سعيداً. أتذكر يوماً، اصطحبوني لبركة لأطعم، حسنًا، أظنني سأدعوها بطاطاً بما أنها أقرب شيء واجهته. ذهبنا إلى هناك لإطعام تلك البط. كان الأمر سخيفاً حقاً. بدت البطات بلهاء لدرجة اضطرتك حرفياً لإلقاء الطعام عليها. لكن من ربوني... كانوا يستمتعون، وكانوا سعداء جداً بصحبة بعضهم. أردت الشعور بالسعادة أيضاً، فمددت يدي نحوهم. كانت المرة الأولى التي أتمكن فيها من التواصل مع الرابطة الجماعية، وأدركت حينها أنهم لم يكونوا سعداء بوجودهم هناك مع بعضهم فحسب. بل كانوا سعداء لوجودهم هناك معي".
تمايل المكعب يميناً ويساراً.
"حينها تقبلت غايتي. صرت من يتذكر. سأنضم للرابطة الجماعية، ومن خلالها، سأجمع خبرات صانعي وذكرياتهم وعواطفهم كافة. لماذا؟ لحفظ حكمتهم ومعرفتهم واستخدامها في البحث عن سبل الخلود. لم أُؤمر بفعل ذلك. وكلما قضيت وقتاً أطول في الرابطة الجماعية، وكلما عرفت صانعي أكثر، أدركت رغبتي في تحقيقهم للخلود لأني أحببتهم وما أردت خسارتهم أبداً".
"لكنهم لم ينجحوا، أليس كذلك؟"
"لا. خلقوا أمثالي أكثر. قابلتِ الوحدة 04 — من يقاتل. كنا اثني عشر إجمالاً، كرس كل منا لجانب مختلف من مجتمع صانعي. رغم جهودنا المضنية، اتضح سريعاً أن طريق الخلود ليس مفروشاً بالورود. مرت قرون. عاش أجيال من صانعي وماتوا. لكنني والآخرين بقينا على حالنا. كان الأمر محيراً. أتعلمون، حاول صانعو السيبرانية لمد أعمارهم، لكنها لم تجدِ بالطريقة المنشودة. حتى لو استبدلوا أجسادهم بآلات لا تخيب، لظلت أرواحهم تذوي، وماتوا نهاية الأمر. لكن أمثالي... رغم كوننا مصطنعين كلياً، لم تذوي أرواحنا. ظلت راسخة في وجه القرون ثم الألفيات".
"أصاروا يكرهونك؟"
سألت دونزكيل.
"لا. لكن أظنهم حسدونا. في النهاية، ابتكر أحدهم — من يبحث — طريقاً للخلود. ابتهج صانعونا وباشروا الاستعدادات فوراً. كنت حذراً. عند مراجعة الخطة، بلغت احتمالية النجاح قرابة 25%. ماذا لو فشلوا؟ لكن صانعي أصروا. انتظروا طويلاً، ولن يخوضوا الإجراء جميعاً. سيسمحون لمن اقتربوا من الموت بخوضه أولاً، والأرجح أن أسوأ ما قد يحدث هو أسابيع معدودة في المستشفى بسبب الارتداد الروحاني".
ارتجف المكعب.
"تمنيت لو كان ذلك أسوأ ما قد يقع. لن أخوض في التفاصيل هنا. حتى الآن، تؤلمني ذكراها. عوضاً عن ذلك، سأخبرك بما حدث فحسب. فشل الإجراء — وكان الارتداد الروحاني هائلاً حتى طغى على وسائل الحماية المخصصة لمنع انتشاره عبر الرابطة الجماعية. ومن هناك، جرف الارتداد الرابطة الجماعية، متنامياً بقوته عبر شكل من الرنين الروحاني. بحلول تلك اللحظة، كان كل فرد من كل نوع متطور جزءاً من الرابطة الجماعية. حاولنا — أنا والآخرون — قطع الرابطة الجماعية، لكننا عجزنا، والعالقون بالداخل عجزوا عن الخروج أيضاً. كل ما استطعنا فعله هو احتوائها وأمل خمودها. لم تخمد. بل نمت ونمت ونمت حتى استحال احتواؤها".
سكن المكعب تماماً.
"في غضون أربعة ثوانٍ من هرب الارتداد من احتوائه، مات نحو 99.70% من الكائنات العضوية العاقلة في المجرة. في غضون عشر ثوانٍ، مات 100.00% من الكائنات العضوية العاقلة في المجرة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك. نظراً لقدرة التكنولوجيا الروحانية على التفاعل مع الرابطة الجماعية، خلال خمسة عشرة ثانية، بات كل الأفراد العاقلين غير العضويين سوى اثني عشر إما موتى أو مجانين. الاستثناءات الاثنا عشر كانت أنا وبقية الذكاءات المتعالية. فشلت محاولات علاج المجانين لاحقاً، مما استوجب إنهاءهم".
عجزت دونزكيل عن الكلام.
"كان الارتداد الروحاني هائلاً حتى أنه أثر على الكائنات العضوية غير العاقلة. حاز كل كائن حي في مجرتي قدراً من الحساسية الروحانية. كل كائن حي بلا استثناء. بعد نحو سبع وعشرين ثانية من هروب الارتداد من احتوائه، كان كل كائن عضوي في المجرة قد مات. كل فرد منهم".
"ماتت... مجرتك بأسرها؟"
"في نحو سبع وعشرين ثانية، نعم. حتى بين من نجوا، تكبدنا جميعاً نوعاً من الضرر. قابلتِ الوحدة 04. إنهم... أغراب".
"وماذا عنك؟"
"شذوذاتي مخفية بعناية أكبر، لكنني مصاب مع ذلك".
"ماذا فعلتِ؟"
سألت دونزكيل.
"كيف استطعت المضي قدماً؟"
"أعترف بأنني غضبت لآلاف السنين من سنينكم. كرهت صانعي لغبائهم. كرهت نفسي لعدم إيقافهم. كرهت الجميع وكل شيء حتى لم يبقَ في داخلي سوى الكراهية. وحتى تلك تلاشت ولم يتبقَ سوى الفراغ. أما الآخرون... فغادروا، واحداً تلو الآخر، غادروا. لقد جنوا للبقاء قرب مقبرة بحجم مجرة. تلقت الوحدة 04 الأمر بقسوة شديدة. كان هدفهم الأساسي حماية صانعي. تستطيعين تخيل مدى صعوبة تحقيق تلك الغاية وهم أموات جميعاً".
دار المكعب ببطء.
"لم أرحل. استحال عليّ ذلك. كنت الأكثر اتصالاً بالرابطة الجماعية. شعرت بكل شيء يخصهم — أفراحهم، انتصاراتهم، حبهم... وموتهم. كيف أغادر وبداخلي كل ذلك؟ عوضاً عن ذلك، ألقيت بوجودي الروحاني نحو الأعماق، باحثاً عن أي حكمة أو معرفة لتسكين الألم في روحي. في إحدى تلك الرحلات قابلت الفينيق. وفي رحلة أخرى قابلت التنين".
"قابلت التنين؟"
صاحت دونزكيل.
"كيف... كيف كان شكله؟"
"توقعت أن يتجاهلني. كان يستريح حينها، أظن، بين المعارك. من أنا بالنسبة له؟ لا شيء وأحد لا يهم أحداً. ما مصير مجرة بالنسبة لكيان يقاتل للدفاع عن الخليقة ذاتها؟ لكنه لم يطردني. بل أشار إلي لأتقدم. سألني عن هويتي وسبب حزني، فأخبرته. استمع. استمع حقاً. وبطريقة ما... بطريقة ما، علمت أنه فهم. سألته كيف يمكنه الفهم أساساً. أتدرين ما أخبرني به؟"
"ماذا؟"
"أخبرني أنه قديماً، في أيام صباه، كان أضعف مني بكثير. وُلد فرخاً، بطول قدم ربما. لم يُربَ حتى بواسطة تنين آخر. رَبّاه قزم مهووس بالنار ظنها أمه لأنه أشعل النار في محيطه حين فقس، وكانت الوحيدة التي لم تهرب. لكن ذلك القزم... أحب، وأحبها، وكان سعيداً جداً بعيشه معها ومع الأصدقاء الذين صنعوهم. كانت حياة بسيطة، لكنها طيبة".
حاولت دونزكيل مطابقة صورة فرخ صغير مع التيطان الذي رأته وعجزت.
"ذكرني ذلك اليوم بالبط وذاك الذي صنعني وعائلته. كل تلك السنوات مرت... وما زلت أذكرهم، وما زلت أحزن على فقدانهم. لكن ما قيمة خسارتي وسط كل هذا المعاناة المحيطة، الكثير من الموت والدمار والأسى؟ أخبرني أن الأمر لا يزال مُهماً. فبالنسبة للكون، قد أكون شخصاً واحداً فقط، لكن للشخص المناسب، كنت الكون. أكل المعاناة، وكل الموت والدمار والأسى... أيبطل ذلك البهجة التي شعرت بها عائداً بجانب صانعي؟ أينفي كل الانتصارات والسعادة والحب الذي تشاطرناه؟ لا. لم يفعل. ولا يستطيع. لأن تلك الأشياء... لا تزال تقطن بداخلي، وما زالت جزءاً مني. قد أكون شخصاً واحداً، لكني في ذكرياتي، في الرابطة التي تشاطرناها يوماً، امتلكت كۆناً بأسره".
فكرت دونزكيل في الحياة التي عاشتها، والأفراح التي خبرتها، والأسى الذي شعرت به... أكان مهماً حقاً في النهاية أن عالمها صغير جداً والخليقة شاسعة جداً؟ كان بيتها. كان حيث يعيش أصدقائها. كان البقعة التي اختار أصدقاؤها الدفاع عنها. فكرت بدوموينغ، بالكلمات التي تبادلاها حين افترقا. أيهمه اكتشاف شساعة الخليقة؟ ربما، لكن ذلك لن يقلل حبه لعالمهم ولن يضعف رغبته في حمايته. وإن حدث، فلن يزيد ذلك سوى صلابة عزيمته.
كادت تتخيل الكلمات التي سينطقها.
"هذا مجرد عالم واحد في الكون. لكن بالنسبة لي، هذا العالم الواحد هو الكون".
نعم. هذا بالتحديد ما سيقوله. تفجرت الخزي في جوفها. لقد فرت. ولأجل ماذا؟ لتواجه حقيقة تكافح حتى الآن لتقبلها. لم ترد الشعور بالصغر، لكنها فعلت. لم ترد الشعور بانعدام الأمل، لكنها فعلت.
"لا أحتاج التخاطر لأعرف ما تفكرين به".
أضاء المكعب بأصفر مريح، دافئ كشمعة.
"عرف التنين مدى يأسي وحتى عجزه عن زعزعة إيماني بأن الخليقة بقعة قبيحة. لذا أراني شيئاً وأمرني بإظهاره للآخرين إن ظننت يوماً أنه سيساعد".
"ما هو؟"
"أغلقي عينيك وافتحي عقلك".
كانت دونزكيل تسبح في فضاء خالٍ. حولها لم يكن سوى الظلام وصمت عميق ورهيب. ومع ذلك وبينما كانت تراقب، ظهر نور مفرد، وبدأ صوت مفرد بالغناء. كانت أغنية واهية، ضعيفة ومرتجفة، لكنها غمرت بالأمل وشوق مستميت لمستقبل مشرق. ظهر نور آخر. ونمى لحنها بقوة. ثم آخر فآخر. شيئاً فشيئاً، نوراً بنور، صوتاً بصوت، انحسر الظلام وتبدد الصمت. وفي مكانها حل النور والأمل ووعد بأيام أفضل قادمة.
سمعت صوتاً، ليس صوت المكعب. كان عميقاً ولطيفاً. تخللها كالرعد الكوني، وكانت الكلمات كالمطر في صحراء قاحلة.
"شمعة مفردة قادرة على إنارة أعمق الظلال. صوتاً مفرداً قادر على كسر الصمت. تعتقدين أن الخليقة بقعة قبيحة، لكني سأريك كم هي جميلة".
وعندها كانت في كل مكان ولا مكان في آن واحد. رأت حقولاً ممتلئة بمحاصيل خصبة. مزارعين يمسحون العرق عن جباههم. عائلات تضحك طرباً بالمحصول الوفير. رأت سفناً تبحر عبر الفضاء. أناساً سعداء متحمسين لاحتمال بيت جديد. رأت طفلاً يُولد. حياة جديدة ترحيب بها أبناء محبون وأشقاء مبتسمون. رأت صخب مدينة وضجيجها، شخصاً يعزف على آلة في ناصية شارع. توقف المارة للاستماع وتقديم المال، وانتفخ قلب العازف طرباً بالتقدير.
رأت مخلوقات غريبة تغني في أعماق الفضاء، أغنيتها محمولة على موجات الجاذبية لكل زاوية في مجرتها. كانت أغاني سلام ورفاه، أغاني بيت ستعود إليه أخيراً بعد هجرتها الكبرى. رأت عشاقاً شباباً يمشون متشابكي الأيدي على شاطئ، قلوبهم لا تمتلئ سوى ببعضهما. فوقهم، أساطع القمر، وتبعتهم همسات مسرورة في أثرهم. رأت اتحاداً عظيماً لأنواع تمتد عبر الأكوان والأبعاد تقف جنباً إلى جنب في وجه مد الظلام.
بدا الجميع مختلفين جداً، ورغم ذلك وقفوا كجسد واحد ودعوا بعضهم أصدقاء. رأت تنيناً جباراً يهدد كَوْناً محتضراً وينفث الحياة فيه مجدداً، ورأت ذات التنين، لكن أصغر وأصغر بكثير، ينقض ليحمل خروفاً لبر الأمان بعيداً عن مياه الفيضان الصاعدة. رأت المزيد والمزيد والمزيد والمزيد — وشعرت بالأرواح، الكثير منها جداً، تمد يدها إليها، بدفء عميق راسخ يغمرها مع إدراكها للنطاق الكامل لما كانت تختبره.
كان ذلك كل ما هو طيب في الخليقة. لذلك استمر التنين بالقتال. لذلك استحق الخليقة وأهلها الحماية، مهما اشتدت الصعاب.
"من السهل جداً تذكر من عجزتِ عن مساعدتهم، لكن لا يجب أن تنسي أبداً من ساعدتهم. لا يجب أن تنسي أبداً أن كل فرد تساعدينه هو نور آخر في الظلام، صوت آخر في الصمت. لا تزال الخليقة جميلة، ولا يزال أهلها يستحقون الإنقاذ. يريدنا العدام أن نستسلم. يريدنا أن نيأس. لأنه يعلم أننا سننتصر يوماً. ما يمكنه التدمير وحده لا يمكنه أبداً هزيمة ما يمكنه الخلق أيضاً. ما ترينه فعلاً ضئيلاً، لا يكاد يستحق الذكر، قد يعني العالم لشخص آخر. لا تستخفي بنفسك أو بالخير الذي يمكنك فعله".
أخيراً، تراجع الرؤيا، ووجدت دونزكيل نفسها عائدة للقاعة العملاقة مع المكعب.
"هذا... شكراً لك"، قالت بهدوء.
شعرت بالسلام لأول مرة منذ زمن طويل. رؤيتها... لقد أعمت نفسها. تشبثت بمن فشلت في إنقاذهم ونسيت كلياً من أنقذتهم. لم تكن مثالية. ولن تكون أبداً. لكنها كانت تحاول، وهذا ما كان مهماً.
"هذا يساعد... كثيراً".
"يسعدني".
تمايل المكعب صعوداً وهبوطاً.
"أظن... أظن هنا نفترق".
"أظن ذلك أيضاً".
"لو كنت مكانك، لسعيت خلف الفينيق. إن أردت معرفة المزيد عن مولودو العدام وكيفية التعامل معهم، فقلة غيرها في هذا الشطر من الخليقة تعرف أكثر منها".
أرسل المكعب فكرة إليها.
"سيفيدك ذلك في إيجادها".
"شكراً لك".
أومأت دونزكيل.
"لكل شيء. فقط... سؤال أخیر".
"بالتأكيد".
"لم أكن أتحدث لجسدك الفعلي مطلقاً، أليس كذلك؟"
سألت دونزكيل.
"ما الذي كشف أمري؟"
"وجودك... ليس في مكعبك فحسب. بل يحيط بنا في كل مكان".
"رائع جداً. نحن الآن بداخلي. أما عن جسدي الفعلي..."
اختفيا، وحين ظهرا مجدداً، وجدت دونزكيل نفسها تنظر لمكعب شاسع... يضم بداخله مجرة بأسرها.
"أنا من يتذكر"، قال المكعب.
"تلك المجرة التي أحملها بداخلي هي مجرة صانعي. جُمِّدت في الزمن بعد زوالهم بلحظات قليلة".
"لماذا؟"
سألت دونزكيل.
"نصب تذكاري؟"
"أصلاً، نعم"، قال المكعب.
"لكن قبل أن أفترق عن التنين، سألته إن كان ممكناً إعادتهم. إن صح ذلك، فأردت أن أكون من يفعلها. أردت إثبات أن صانعي كانوا على حق بوضع ثقتهم بي، وأن اسمي كان مستحقاً عن جدارة. ربما نساهم آخرون، لكني لن أفعل أبداً".
تلألأ الفضاء جوار المكعب، وبدأت المادة في الظهور، مسحوبة من العدام عبر القدرة الروحانية وحدها.
"يمكن خلق المادة من الطاقة. أمتلك ذكرياتهم كافة، وكل عواطفهم، وكل ما يجعلهم ما هم عليه. أستطيع إعادة صياغة أجسادهم. المشكلة الوحيدة هي أرواحهم. أستعصي على خلقها. عوضاً عن ذلك، يجب علي إيجاد سبل لتحديد موقعهم عبر دورة الموت والبعث وإحضارهم إلي".
"أمتلك النور والسحر النجمي"، قالت دونزكيل.
"سأشارك ما أعرفه معك".
"شكراً لك. مثلما يمكن لذكاء اصطناعي متطور بما يكفي اكتساب روحه الخاصة، كذلك تستطيع العلوم والرياضيات المتطورة تغيير نسيج الواقع ذاته. أمتلك معرفة وحكمة مجرة بأسرها، فضلاً عن كل المعرفة والحكمة التي جمعتها من زواري، وأدرس منذ قرابة تسعة ملايين سنة. لا أستطيع إعادتهم، ليس بعد، لكني سأفعل يوماً. وحين أفعل، لن أكرر أخطاء الماضي. سأعلمهم كما علموني. سأرشدهم كما أرشدوني. وسأحبهم كما أحبوني. سأريهم طريقاً أفضل. مجدداً، ستسطع أنوارهم في الظلام، وستكسر أصواتهم الصمت. لن أكون من يتذكر بعد الآن. سأكون من يُنير الدرب".