ألقى فروستفانغ نظرة جانبية على سكوالوينغ. كان التنين الأصغر يلهث متعباً وهو يكافح لمجاراة خطاه. أخبر ستورمبرينغار بأنه سيبحث عن ريغال فليمنج تالياً، فطلبت منه اصطحاب سكوالوينغ معه. يبدو أن لحفيدها أعمالاً في أراضي ريغال فليمنج، ووجود فروستفانغ سيمنعه من جلب الموت لنفسه. ذكرت ذلك الجزء بفظاظة تامة، وبات واضحاً ما تعنيه. حقق سكوالوينغ يقظته الأولى، لكنه رغم بلوغه خمسمئة قدم طولاً، كان نقيض المهابة تماماً.
طيرانه بطيء ويفتقر إلى السرعة والخفة، وقدراته الجسدية وسحره بلا أثر يذكر. لكن ما امتلكه حقاً كان فهماً متطوراً بشكل غريب لمختلف المواضيع المرتبطة بالسحور، ولم يتوقف عن الثرثرة حولها. وقد ثرثر طويلاً. أبدى التنين الشاب حذراً شديداً تجاه فروستفانغ في البداية، وحين أدرك أنه لن يأكله أو يمزقه إرباً، انطلق يسهب في مواضيع شتى، من الخيمياء وطرق اختصار إلقاء السحور المنظمة إلى صناعة التمائم والبؤر السحرية.
لم يعر فروستفانغ مونولوج سكوالوينغ سوى انتباه عابر، لكن معرفة التنين الشاب تفوق المتوسط لمن هم في سنه بلا شك. لابد أنه باحث بطبعه، رغم أن إهماله لقدراته القتالية أمر مقلق.
قال فروستفانغ متباطئاً وهما يحلقان فوق المحيط: "أنت تتخلف عن الركب. كم مرة تطير؟"
تجهم سكوالوينغ.
"ربما أقل مما ينبغي".
توقف برهة. هذه مسألة ناقشها كثيراً فيما مضى، مع والديه ومع ستورمبرينغار.
"أفضل الدراسة على الصيد والقتال، وتقول أمي إن ذلك أنسب لسلامتي".
"ممم..."
لم يكن فروستفانغ من النوع الذي يتدخل في كيفية تربية التنانين لأطفالهم، لكن المسألة بالغة الأهمية. ولن يستبعد أن تكون ستورمبرينغار قد أرسلت سكوالوينغ معه ليسمع أفكار تنين بدائي آخر.
"الدراسة جيدة وكل شيء، لكن هذا العالم قاسٍ. إن لم تحسن القتال، فلا ينتظرك سوى الموت".
ارتعش سكوالوينغ بوضوح، وبطأت ضربات جناحيه المتهالكة وهو يعدل وضعيته لتوفير الطاقة. قطب فروستفانغ جبينه. ألهذه الدرجَة يندر تحليقه حتى بات التحليق في تشكيل مع تنين أكبر أمراً غير غريزي؟ استبعد أن تتسامح ستورمبرينغار مع هذا الاستهتار في تربية صغار التنانين، فلابد من تفسير ما.
قال سكوالوينغ: "أعلم. أنا... ضعيف مقارنة بأبناء عمومتي".
سأل فروستفانغ: "لماذا؟"
لم ير حاجة للغة دبلوماسية مفرطة. إن وجبت مشكلة، وجب حلها الآن وصغيره في مقتبل عمره بدل تركها تتفاقم. علاج ضعفه الجسدي والسحري سيسهل عليه بلوغ اليقظة الثانية لاحقاً إن لم يفعل شيئاً آخر.
قال سكوالوينغ: "أصبت بجروح بالغة حين كنت صغيراً. ابتعدت عن جانب أمي وواجهت سرباً من الدريكس".
زأر فروستفانغ. نادراً ما وفقت الدريكس والتنانين معاً. ترى التنانين الدريكس نسخاً أدنى منها، بينما يحقد الدريكس على المزايا الطبيعية التي تمتلكها التنانين، وأبرزها هجوم الأنفاس السحرية. يستطيع الدريكس تطوير أنفاس، لكنها دنيوية الطابع تماماً. مثلاً، قد يستطيع دريك النار إطلاق النار، لكن العملية دنيوية بحتة. نارهم تنتج عن مزيج مواد تفرزها غدد في أفواههم. في المقابل، نار التنين سحرية بطبيعتها، ثمرة لروحهم وسحرهم.
لا غضاضة في صيد صغار دريك النار من قبل البشر والجن والأنواع الأخرى. يقتلون الدريكس ويأخذون تلك الغدد لصناعة مواد قابلة للاشتعال. أما نار التنين فلا يمكن سرقتها بهذه السهولة. بل إن النار تزول إلى الأبد فور موت التنين. ولهذا تتصادم الدريكس والتنانين مراراً وتكراراً. عادة ما تكون الدريكس أصغر وأضعف من التنانين، ولا تقارن صعوداتها بيقظات التنانين. لكنها تعيش في جماعات ضخمة، ولا عجب أن تهاجم أسراب الدريكس التنانين الصغرى وتقتلها.
قال فروستفانغ بصوت أجش: "أحسنت صنعاً بالنجاة. ماذا حدث للدريكس؟"
"سمعت أمي صراخي. استطاعت إنقاذي قبل أن أهلك. وحين عرفت جدتي، تعاملت مع الدريكس بنفسها".
ضحك فروستفانغ خلسة: "لم يستغرقها الأمر طويلاً".
"على حد قول أبناء عمومتي، أمطرت السماء دريكس ذلك اليوم، وسقط الكثيرون أمام غضبها".
استطاع فروستفانغ تخيل ذلك بسهولة. ستورمبرينغار تنين بدائي. لا يوجد دريك حي يقف في وجهها، وغضبها مرعب حقاً. أذية أحد أحفادها؟ أمر لا تغفله، خصوصاً أن سكوالوينغ لم يكن سوى فرخ حينها.
سأل فروستفانغ: "كم بلغ حجمك حينها؟"
"حوالي ستة أقدام طولاً".
لفت ذلك انتباهه، فاستدار برأسه ليرمق التنين الأصغر.
"ستة أقدام؟ كانت أمك مهملة إذن. ما كان يجب أن تغادر ناظريها بذلك الحجم".
قال سكوالوينغ مدافعاً عن أمه: "كنت فضولياً. وبارعاً في التسلل. الخطأ خطئي لا خطؤها".
"قلت إنك أصبت بجروح بالغة".
"نعم. نجوت بأعجوبة، وكنت محظوظاً بشفائي دون أي ضرر دائم لجهازي الدوري السحرِي. لكن منذ ذلك اليوم، نادراً ما تدعني أمي أغيب عن ناظريها، وأصبحت متردداً في الابتعاد كثيراً عن منزلنا".
قال فروستفانغ: "كنتما خائفين معاً"، فانكمش سكوالوينغ.
الجبن أحد أسوأ الشتائم الموجهة لتنين. شتان بين تنين يتراجع لعجزه عن الفوز وحاجته لوقت ابتكار خطوة أو اكتساب قوة، وبين تنين يفر خوفاً.
"أنا... نعم".
تهاوى سكوالوينغ.
"استطعت بلوغ يقظة أولى بمساعدة جدتي، لكنها قالت إن بلوغي اليقظة الثانية بعيد المنال إن واصلت هكذا".
توتر جسده.
"أنا... لا أريد أن أكون ضعيفاً، ولا أريد الموت صغيراً هكذا. حين علمت جدتي بأنك متوجه إلى ريغال فليمنج تالياً، ترجيتها أن تدعني أرافقك".
"حقاً؟"
ربما امتلك الفرخ بعض الشجاعة بعد كل شيء.
"لماذا؟"
"يُفترض أن تملك ريغال فليمنج الكثير من الكتب عن السحر. تقول جدتي إن ريغال فليمنج تدين لها ببعض الخدمات البسيطة، ويمكنني مقايضتها بالسماح لي بنسخ تلك الكتب. لا أملك مخزوناً سحرياً ضخماً، لكني أعرف الكثير عن السحر. الكتب التي أريد نسخها تحتوي على طرق تدريب لزيادة المخزون السحري. إن فعلت ذلك، فلن أكون ضعيفاً هكذا ربما".
غريب تركيزه على اكتساب طرق تدريب جديدة، لكن لعل شيئاً فيه منعه من حسن الاستفادة من الطرق الشائعة. على الأقل هو يتحرك.
سأل فروستفانغ: "وما شأن أبيك؟ لم تأتِ على ذكره".
تهاوى سكوالوينغ: "سقط. كنت في البيضة بعد. جن جنونه أثناء الكارثة السادسة واضطرت جدتي إلى... إلى..."
"آه".
أومأ فروستفانغ بوجه متجهم. كانت قوى الكارثة السادسة نافذة حقاً. شمل جزء من ضربتها الاستباقية إجنان العديد من خصومها المحتملين ودفعهم لمهاجمة عائلاتهم وأصدقائهم وحلفائهم. على الأرجح، اضطرت ستورمبرينغار لإسقاط والد سكوالوينغ قبل ارتكابه أمراً فظيعاً. كان تحرير عقول المصابين ممكناً، لكنه لم يكن سهلاً، وتطلب خبرة لم يمتلكها الجميع حينها. لحسن الحظ، طورت دوموينغ تدابير مضادة وشاركتها مع من امتلك القوة والخبرة لاستخدامها، لكن الكثيرين وقعوا ضحية لمكائد الكارثة السادسة في تلك الأثناء.
قال فروستفانغ: "لا يمكنك تغيير الماضي. ركز بدلاً من ذلك على أن تصبح تنيناً يفخر به أبوك".
كشف عن أنيابه.
"أنت متعب. أشعر بذلك. لكنك تنين. لا تتراجع. مهما بدا جسدك ضعيفاً الآن، فسيتأقلم سريعاً إن واصلت دفع نفسك".
سأل سكوالوينغ: "ماذا إن سقطت من السماء؟ جناحيّ... يؤلماني كثيراً. لم أطير هذه المسافة دفعة واحدة من قبل".
قال فروستفانغ: "لن أجعلك تسقط. لذا واصل دفع نفسك. لسنا بعيدين عن اليابسة. سنستريح فور بلوغ الساحل".
نجح سكوالوينغ في البقاء بالجو حتى بلغا الساحل، ووجد فروستفانغ مكاناً مناسباً له للهبوط. كاد التنين الأصغر ينهار على رمال الصحراء بينما بقي فروستفانغ محلقاً، ماسحاً بنظره الحاد محيطهما. امتدت الصحراء مسافة معتبرة على طول الساحل وامتدت للداخل قبل أن تتوقف قرب سلسلة جبال شاهقة. وهناك في تلك الجبال اتخذت ريغال فليمنغ مسكناً لها، وخلفها غابة شاسعة تعج بالحياة. لا يعني هذا خلو الصحراء من الحياة.
عاشت هناك عدة دريادات، وارتفعت أشكالهن الشاهقة فوق الرمال كالجبال الحية. عاش جن الصحراء مع أولئك الدريادات. اتخذ بعضهم منازل داخل الأشجار نفسها بينما بنى آخرون مستوطنات في الظل الذي تلقيه الأشجار. وحفر آخرون مستوطنات في الأرض وسط الجذور. نجت الدريادات بسحب المياه من أعماق السطح وبحصاد السحر من التيارات القوية الجارية في الأرض. حسب ما تذكر، اقتات الجن على ما تجود به الدريادات، إضافة إلى المخلوقات الكثيرة المتربصة في الصحراء.
وجدت زواحف وطيور وثدييات بأحجام شتى، نجا الكثير منها بحفر الجحور أو بتطوير مقاومة للحرارة. ووجدت أيضاً مخلوقات ضخمة متربصة تحت الرمال، عمالقة تكفي لإشباع جوع تنين بدائي. اعتنى الجن أيضاً بأنواع مختلفة من الصبار طورتها الدريادات. بدت هذه النباتات مرعبة بامتلاكها دفاعات متنوعة كالشوك والسموم لردع المفترسات. لكن الجن تعلموا كيفية حصادها، وأخفى مظهرها المخبيء طبيعتها المغذية.
بالقرب من الساحل، استطاع جن الصحراء الصيد أيضاً لغنى مياه الساحل بكل أشكال الحياة البحرية. ونظراً لقلة الدريادات القاطنة قرب الساحل، بنى الجن هناك مستوطناتهم بأنفسهم، غالباً بحفر سفح التلال كالأقزام. وجدت حتى أنفاق تحت السطح تربط تلك المستوطنات الساحلية بالغرف الجوفية المتناثرة بين جذور أشجار الدريادات. دعمت الدريادات هذه الأنفاق وصاحبتها غالباً غرف أخرى لزراعة المحاصيل.
ما كان لعاديي الجن النجاة بتلك الطريقة، لكن لجن الصحراء رابطة أوثق بدرياداتهم مقارنة بالجن العاديين. يعني ذلك ندرة مغادرتهم لمنازلهم الصحراوية، لكنه سمح لهم بالازدهار في بيئة ليهلك فيها الجن العاديون قريباً. تسااءل فروستفانغ أحياناً عن سبب عدم محاولة الدريادات تحويل الصحراء إلى غابة، لكن يبدو أن السحر الجاري في الأرض يجعل المنطقة بأكملها مهيأة لتكون صحراء، فتبدو محاولاتهم بعيدة النجاح.
ربما حين يكبرون ويكثرون، سيستطيعون تغيير الأمور، لكن ذلك سيتطلب جيلاً أو جيلين على الأقل.
سأل فروستفانغ سكوالوينغ: "كيف حالك؟"
تحول سكوالوينغ من التهاوي على الأرض إلى استمداد السحر من حوله لتجديد قوته. حزم فروستفانغ طعاماً مسحوراً، فأخذ حوتاً اصطاده قبل مغادرة منزله وقذفه لسكوالوينغ.
قال فروستفانغ: "كل هذا. لم تبلغ سوى يقظتك الأولى، لذا سينفعك الطعام كثيراً في تعافيك".
كلما زادت يقظات التنين، أسرع وأكفأ في استعادة طاقته باستعمال السحر المحيط. في نقطة ما، تبرع التنانين في استمداد السحر لدرجة الاستغناء عن الأكل تقريباً. هكذا تستطيع التنانين القوية النوم لعقود – أو حتى قرون – متتالية. لا تكتفي بوضع أجسامها في حالة سبات بل تستمد السحر المحيط باستمرار لتغذية نفسها. حينها تأكل التنانين لمتعة الطعم غالباً ولأنه أسرع أحياناً من امتصاص السحر.
لكن تنيناً شاباً كسكوالوينغ ما زال بعيداً جداً عن تلك النقطة. بل إن تناول كميات هائلة من الطعام العادي يعد أسرع وسيلة لاستعادة طاقته. علاوة على ذلك، هو هزيل بالنسبة لطوله وعمره، فبعض الطعام الإضافي سينفعه. وبينما ينتظر استعادة سكوالوينغ لقوتهم، لاحظ عدة جن يمتطون سحالي ضخمة مقبلين نحوهم. لم يبذلوا جهداً لإخفاء أنفسهم، ولم يشهروا أسلحتهم، فسمح لهم بالاقتراب مستخدماً السحر لتنعيم هبوطه.
خلفه، حدق سكوالوينغ بالجن بحذر، وشعر فروستفانغ بنفخة ضعيفة من سحر الكشف تنبعث للخارج. فكرة مقبولة، وإن افتقرت للتنفيذ.
هتف زعيم الجن: "التحايا!"
امتلك هؤلاء الجن بشرة أداكن من أقاربهم قاطني الغابات، وبدت ألوان ملابسهم متناغمة مع الصحراء لا الأخضر والبني المفضلين لدى سكان الأشجار.
"أيحظى العبد الشرف العظيم بمخاطبة فروستفانغ العظيم؟"
تسلى فروستفانغ بكلام الجني المبالغ في تهذيبه وسرّه التعرف عليه.
"تفعل."
ترجل الجني عن سحليته، مربتاً على جانب الوحش بحنو، قبل أن ينحني بانحناءة أنيقة. اعتدل، وبرقت عيناه الداكنتان بحدة وهما تنتقلان بين فروستفانغ وسكوالوينغ.
"إذن اسمح لي بنقل أحر التحايا نيابة عن شعبي وسيدتنا النبيلة، فاسيليا".
قال فروستفانغ: "فاسيليا معروفة لدي. وأنا أرد تحاياك. أنت مؤدب أيها الجني، وهذا حسن".
أجاب الجني: "اللباقة بديهية، سيما عند التعامل مع مثلك".
نقر على صدره.
"أنا إيريموس، قائد جن الخدمة لدى اللادي فاسيليا. أيمكنني سؤال ما الذي أتى بك إلى هذه الأراضي؟ ظننت نطاقك في أقصى الشمال، عند سقف العالم".
"هذه الأراضي تخصني حقاً. لا عمل لي في الصحراء. أنا أعبر فحسب. شأني مع ريغال فليمنج في الجبال القابعة وراء هذا المكان".
"أه. بالطبع".
أمال إيريموس رأسه.
"مع ذلك، إن سمحت لي، أود عرض طلب نيابة عن سيدتي".
قال فروستفانغ: "تكلم. رغم أني لن أوافق على شيء حتى أعلم ما تريده فاسيليا".
"تُعرف بمن يجلب الشتاء معه. تمتلك سيدتي قدرات شتى، لكن البرد لم يخضع لها أبداً. مع ذلك، توجد... مشاريع معينة تود الشروع فيها وستستفيد بقوة من الوصول إلى السحر المسيطر على الجليد والبرد".
"أرى".
ضيق فروستفانغ عينيه. يستطيع الدريادات تعلم سحر الجليد والصقيع، لكن قليلات منهن بارعات فيه. سيكون الأمر أسهل بكثير لفاسيليا لو امتلكت أداة تحول طبيعتها وسحر الحياة والنماء إلى سحر مسيطر على الجليد والبرد وتمنحها قدراً من التحكم بالسحر الناتج. فروستفانغ قادر تماماً على صنع عنصر يؤدي ذلك. بل إن أي تنين من نسله خاض يقظته الأولى سيتدبر الأمر دون صعوبة تذكر. مع ذلك، تعتمد قدرات تلك العناصر بشدة على التنانين صانعيها.
كتنين شتاء بدائي، سيتفوق حتى جهده الكسول بسهولة على أي عنصر يصنعه سواه.
قال فروستفانغ: "أستطيع صنع هكذا عنصر. لكني لن أفعله مجاناً".
قال إيريموس بسلاسة: "بالطبع. سيدتي النبيلة ليست متسولة. تسعى لعنصر يطابق الناتج والتحكم النموذجيين لتعاويذ الرتبة الثانية عشرة".
"أه؟"
الرتبة الثانية عشرة محطة توقف مفيدة لكون تعاويذها قوية بما يكفي لإيذاء أغلب المخلوقات وبسيطة وسريعة بما يكفي لتكون عملية في المعركة.
"أنا قادر على صنع عنصر يذهب أبعد".
"سيدتي النبيلة حكيمة. قد يثبت هكذا عنصر أنه... أبعد من حاجتها".
سأل فروستفانغ بفظاظة: "وما نيتها إذن؟ لا رغبة لي في استخدام أي من مخترعاتي بتهور".
"بالطبع. ترغب سيدتي في زراعة نباتات مختلفة، لا ينجو الكثير منها هنا، حتى بمعاونتها. لكن توجد غرف تحت الأرض حيث يمكن استخدام سحر التبريد للمساعدة في نموها، ناهيك عن مزايا سحر التبريد للمساعي الحرفية والخيميائية المختلفة".
سأل فروستفانغ: "وماذا تقدم لي في المقابل؟"
قال إيريموس: "يُقال إنه لم يحاول أي دريك الاستقرار في أقصى الشمال منذ فترة ليست بقصيرة، لكن سيدتي تمتلك ابنة بدأت تحلم بالثلج والجليد. ما زالت شابة، لا تكعد أن تكون شتلة، لكن..."
درية شابة راغبة في تجربة حظها في أقصى الشمال؟ حرص فروستفانغ على إخفاء جشعه. إنها لمصادفة موفقة للغاية. لا علم له إن استطاعت الشتلة إنجاح الأمر، لكن مجرد إيجاد درية راغبة بالتجربة يعد انتصاراً.
"ممم..."
تظاهر بالتفكير قبل أن يومئ.
"سأحتاج لمحدثة فاسيليا شخصياً، لكن تلك الشروط تبدو مرضية لي. سأنهي أعمالي مع ريغال فليمنج ثم أببحث عن فاسيليا قبل مغادرتي هذه المنطقة".
"شكراً لك أيها الفروستفانغ العظيم. سأبلغ كلماتك لسيدتي".
أشار إيريموس نحو بروز صخري أسود في الأفق.
"إن كنت ومرافقك جائعين بعد، فقد ترغبان في تجربة حظكما هناك. ليس غريبأً وجود الديدان الكبرى في تلك المنطقة".
سأل فروستفانغ: "ديدان؟ ما حجمها؟"
"العديد منها بطول مرافقك، وأكبرها حجماً يتجاوزك أنت حتى".
قال فروستفانغ: "ممم... ربما نجرب حظنا".
قال إيريموس منحنياً: "إذن صيد موفق. سننصرف الآن".
استدار فروستفانغ نحو سكوالوينغ. لابد أن التنين الأصغر علم بما يفكر فيه لأنه انكشح رعباً.
سأل سكوالوينغ: "أعلينا ذلك؟"
"إن أردت الازدياد قوة، فلا وقت يضاهي الحاضر. وجودي يكفل عدم تعرضك لأذى حقيقي. استغل الفرصة لتصبح أقوى".
أومأ سكوالوينغ: "نعم، هكذا ينبغي لي النظر للأمر. علاوة على ذلك، هي مجرد ديدان. كم قد تكون صعوبة قتلها؟"
أهمل فروستفانغ توسلات سكولوينغ طلباً للمساعدة بينما هوى التنين الأصغر برأسه نحو الرمال. كانت الدودة التي اختار مقاتلتها أكبر منه بقليل وأشد شراسة بكثير. تجمعت ديدان أخرى تجاذبها القتال لكنها حافظت على مسافتها حذرة من فروستفانغ.
صاح سكولوينغ ناخباً مخالبه بهستيريا في الدودة: "ساعدني!".
للأسف كان جسد المخلوق محصناً بالكامل لذا لم يكن يفعل سوى إزعاجه أكثر. امتلأ فم الدودة بصفوف دائرية من الأسنان المسننة وتطاير الشرر بينما حاولت تمزيق جنب سكولوينغ.
رد فروستفانغ: "أنت بخير. توقف عن التخبط وثبت قدميك".
لعل الخوف أو اليأس دفعا سكولوينغ للطاعة. نجح التنين الصغير في تثبيت قدميه.
"جيد. أسند كتفك الآن تحت الدودة وارفعها".
"إنها ثقيلة!".
"أنت تننين. يمكنك رفعها. وإن لم تكن عضلاتك قوية ما يكفي فاستخدم القليل من السحر. أنت تعرف سحر التعزيز أليس كذلك؟".
زمجر سكولوينغ: "لم أستخدمه قط في موقف كهذا!".
كان قد أسند كتفه تحت الدودة قدر استطاعته لكن المخلوق رفض التحرك.
"قدماي تغوصان في الرمال".
"إذن اصلب الرمال تحتك بالسحر".
تقدمت دودة أخرى ببطء للتدخل وأرسل فروستفانغ دفقة من البرد القارس نحوها. فر الباقون بينما تجمدت الدودة تماماً.
"تنفس. استرخ. الجزء الأكثر خطورة في الدودة هو فمها. عندما تسند كتفك تحتها لن تتمكن من الوصول إليك. خذ وقتك".
تذكر فروستفانغ أول صيد حقيقي له. كان أصغر بكثير في ذلك الحين وقد بقي والده في الخلف سامحاً له بارتكاب الأخطاء بينما كان يواجه دبّاً عملاقاً. في ذلك الوقت شعر فروستفانغ وكأنّه يقاتل من أجل حياته لكنه أدرك لاحقاً أن والده كان بإمكانه التدخل في أي لحظة. مع تقدم المعركة تحدث إليه والده بصوته الهادئ مقدماً النصيحة حول أفضل طريقة لمقاربة الموقف. في ذلك اليوم تعلم فروستفانغ أهمية الحفاظ على رباطة جأشه وإتقان مشاعره.
قد تكون المشاعر أموراً مفيدة لكن التفكير بوضوح أثناء المعركة أمر أساسي. الغضب قد يجعل التنين متهوراً بينما الخوف قد يسلبه قوته. التنين الحكيم يتعلم كيف يسخر قوة مشاعره دون أن يسمح لها بحكمه قط.
قال فروستفانغ بينما صلبت الأرض تحت سكولوينغ: "هكذا تماماً. جيد. الآن استخدم سحر التعزيز الخاص بك ولا تنس إبكام قبضتك محكمة. لا تدع الدودة تتملص".
زمجر سكولوينغ وأبرز أسنانه بينما بدأ أخيراً في دفع الدودة إلى الخلف. ترقرق البرق فوق حراشفه ودفعت أجنحته الأرض لتعزيز زخمه.
قال فروستفانغ: "فقدت توازنها الآن. أدرها واقذفها. ستعرف كيف تفعل. إنها الغريزة".
زأر سكولوينغ ودار دافعاً الدودة فوق كتفه. اصطدمت برمال الصحراء وذهلت مؤقتاً.
"استخدم برقك! استهدف فمها!".
أراجع سكولوينغ رأسه إلى الخلف ثم أطلق صاعقة برق مستقيمة في فم الدودة. صرخ المخلوق ثم خمد وصمت بينما تصاعد الدخان من فمه. على الأرجح أحرق البرق أحشاءه ودماغه. أخذ سكولوينغ عدة أنفاس عميقة ثم انهار على ظهره ممدد الأجنحة وبالكاد يستطيع الحراك. ضحك فروستفانغ بخفة وارتفع فوق سكولوينغ. كانت حراشفه متشققة في عدة أماكن وتحرك أحد جناحيه بشكل غريب قليلاً وكانت لديه بضعة أسنان مكسورة من وقته الذي ارتكب فيه خطأ محاولة عض رأس الدودة.
"كيف تشعر؟".
حدق به سكولوينغ.
"كادت أن تميتني! كادت أن تمزق صدري! أنا... أنا...".
بدأ يضحك.
"أشعر... أشعر أنني حي!".
ابتسم فروستفانغ بعرض وجهه.
"جيد. تذكر هذا الشعور. هذا هو معنى أن تكون تننيناً".
رفعه واقِفاً على قدميه.
"يجب أن نذهب لزيارة اللهب النبيل الآن".
أشار سكولوينغ إلى جسده المهشم: "هكذا؟ أبدو بحال سيئة".
"اللهب النبيل ابنة اللهب المهيمن الذي كان أقدم وأعظم بنينا في أيام سماء الملوك القديمة حين مشى الملوك الأوائل في العالم. سموه الملك بلا تاغ فالتنانين بلا ملوك ومع ذلك لم يكن هناك تننين حيّ في تلك الأيام لن يفتخر بمناداته هكذا. كيف تعتقد أنه كسب احترام كل بنينا؟ كان ذلك عبر المعركة... عبر الدم والمخالب اللهب! لن تقلل من شأنك لوصولك جابراً جروحاً من صيد لائق".
أومأ سكولوينغ برأسه ببطء.
"أنا... أرى".
اختبر أجنحته.
"يمكنني الطيران وربما ليس بالسرعة المعتادة ولكنني استطيع الطيران".
قال فروستفانغ مستخدماً دفقة سحرية صغيرة لتقييم جروح التنين الأصغر: "أنت بخير. ليس أي من جروحك خطيراً. سيستغرق شفاؤكي أياما قليلة على الأكثر".
رفع الدودة وخزنها بسحره.
"يمكننا إهداء الدودة إلى اللهب النبيل. إن قلنا إنها من صيدك الحقيقي الأول ستقدرها حق قدرها".
قال سكولوينغ: "لكنني صددت من قبل".
"ليس هكذا. يمكنني أن ألاحظ ذلك. على الأرجح جعلتك والدتك تقاتل أشياء أصغر منك بكثير. هذه الدودة كانت تحدياً لائقاً والجروح التي تحملها هي شهادة على قوتها. هذا كان صيداً حقيقياً".
بدت الكلمات كأنها مست وتراً حساساً إذ انقبضت مخالفا سكولوينغ ونهد الكثبان المدمرة بعينين جديدتين.
قال أخيراً: "شكراً لك".
حدق به فروستفانغ مطولاً. لابد أن والدته كانت مرعوبة من فكرة فقدانه خاصة بعد ما حدث لرفيقها ومع ذلك فإن محاولاتها لحمايته لن تتركه إلا أكثر عرضة للخطر على المدى الطويل. قد يكون ضعيفاً لكنه لن يزداد قوة أبداً إن دُلل. ربما لهذا وافق جالب العاصفة على السماح له بمرافقة فروستفانغ. لن يتدلله فروستفانغ والنجاحات الصغيرة ظاهرياً مثل هذا الصيد يمكن أن تكون لبنات البناء للتحسين المستقبلي.
هممم... وبقدر ما فكر فروستفانغ في الأمر فإن دروساً كهذه لن تساعده إلا في تربية فراخه الخاصة.
قال فروستفانغ: "لا داعي لشكري. لكن إن كنت ترغب في إثبات امتنانك فازداد قوة. قد لا تبلغ قمم جدتك ولكن لا يوجد ما يمنعك من أن تكون أقوى غداً مما أنت عليه اليوم".