كادت هيكاري تنسى وقع صوت الجناح المهلِك وهو يروي حكاية. اعتادت في صغرها إلحاحها عليه للقصص. حكَت لها دريمسونغ أيضاً بالطبع. لكن الجناح المهلِك عرف حكايات أُخَر. أرادت هي سماع أقصى ما تطيق. تسللت غير مرة خارج حجرتها ومضت إلى حيث يستريح التنين. استقر عادة في البحيرة أو الريف المجاور. لم تخش قط وقوع مكروه بها. بدا لها الجناح المهلِك قوة طبيعية. اقترن حضوره بالأمان. تظاهر بالنوم في كل مرة.
فتح عينيه الذهبيتين فقط حين توشك هي على سباحة البحيرة أو تسلق خطمه. لم يوبخها على التسلل. سألها إن أحسنت الاستعداد. هل ارتدت الحذاء المناسب؟ هل أحضرت رداء؟ هل حملت وسيلة للدفاع عن النفس؟ تأففت هي دائماً وتبرمت. أصرت على أنها بخير. طالما كان قربها فما الذي تخشاه؟ مع ذلك اتبعت نصيحته في الغالب. فقط لتكف عن مضايقته. أدركت لاحقاً مرماه. لن يحميها إلى الأبد. لكن العادات التي ساعدتها على بنائها ستدوم.
أنقذت حياتها في مناسبات عدة. غير أنها كبرت حينها كثيراً. ولم يعد موجوداً لتشكره. الأمر سيان في الحكايات التي سردها. وجدتها آسرة في صغرها. مثل دريمسونغ، بدا طاعناً في السن إلى أبعد حد. رأى خير العالم وشره. تماثلت حكاياته عن الأماكن النائية والبشر الغرباء مع مشاكل مألوفة شاعت بين جماعات شتى عبر العصور. تضمنت الحكايات عِبراً أيضاً. لم تفقه كلها طفلةً. لكنه علم – كعادته دوماً – أن عقلها الفضولي لن ينسى تلك القصص.
ستحتفظ بها عزيزة في قلبها وتلتمس عندها العزاء حين يبرد العالم ويخبو الأمل. تفهم حينها تلك العِبر الأخرى. تدرك حينها الحكمة التي تظفر بها امرأة ناضجة من حكايات خيالية سُجِلت لتسلية طفلة صغرى. ومثل نصائحه الأخرى، وحين أدركت قيمة ما تلقته، لم يعد هناك ليشكر. لكنه هنا الآن. غمر الدفء قلبها مع انطلاق كلمات القصة المألوفة من شفتيه. عرفت الحكاية تماماً. استرجعت ذكرياتها لا يحصى من المرات.
كبرت الآن. أمكنها تبين الإعياء الشديد فيه والذي غاب عن طفولتها. ثقل العصور السبعة الحتمي القادر على إهانات قوة أوسع الأكتاف. غير أنها أبصرت قوته أيضاً. لا القوة التي حسدتها طفولتها — المخالب والأسنان القادرة على دك الجبال، اللهب الكفيل بإحراق العالم، والأجنحة التي تمتد عبر السماء. كلا. رמت القوة الحقيقية الكامنة فيه. القوة التي أتاحته مجابهة سنين العالم الطويلة والمكسورة، كل فصول الحزن والفقد التي تلتفت الواحدة تلو الأخرى حتى لم يبق سوى شتاء سرمدي، شديد البرودة لدرجة تطفئ حتى نيران التنين.
لكن ليس نار الجناح المهلِك. ستحترق النيران بداخله حتى نهاية العالم نفسه. تتأرجح أحياناً. تتعثر. ليس ملكاً، مهما بلغ من القوة أو الحكمة. لكن ناره ستصمد. شعلة غذتها تضحية العصور السبعة. شعلة تليق بأعظم تنانين العصر الأول، أولئك الجبابرة الموتى منذ أمد بعيد ممن ملكوا البأس حتى حين كان الجناح المهلِك نفسه صغيراً. في وجه كل آلام العالم وأحزانه، في وجه عواصف القدر والصدفة، في وجه الظلال المتجمعة والمياه الصاعدة، ستظل تلك الشعلة متأججة.
نوراً في الظلام، صوتاً منفرداً يتحدى العالم ليأتِ بأسوأ ما عنده، جبلاً رائعاً صامداً، نبتة نمت شجرةً انحنت لكنها لم تنكسر أبداً، صاعدةً صاعدةً حتى جسدت أخيراً السماوات والأرض. حين فرغ الجناح المهلِك من القصة أخيراً، أغمقت هيكاري عينيه واستمتعت ببقية كلماته.
قالت: "حين كنت طفلة، ظننت أن القصة تدور ببساطة حول صديقين سعدا بلقاء بعضهما مجدداً بعد زمن طويل".
سأل الجناح المهلِك: "وما ظنك الآن؟"
قالت هيكاري: "أن في القصة ما هو أكثر".
شرود عقل هيكاري إلى ليالٍ أخر مثل هذه. إلى ساعات تقضى على الشاطئ مع نار مخيم مشتعلة، ووالديها على جانبيها، وأصدقائها يتجادلون بلطف حول أمور جليلة وصغيرة.
"كان الباحث والقائد صديقين حميمين. ومع ذلك اختلفا في أشياء كثيرة".
"لم يحب الباحث الحرب حباً جماً. تمنى عالماً لا وجود لها فيه. شعر القائد أنه أكثر حيوية في ساحة المعركة واشتاق لحرب أخير تمنحه الموت الذي تمناه ــ موتاً مجيداً وتضحية شريفة قبل أن يسلبه المرض والشيخوخة قوته".
"ومع ذلك ظلا صديقين حميمين".
ابتسمت هيكاري ابتسامة خافتة.
"اعتدت الظن أن الأصدقاء يتفقون دائماً. لكن كلما كبرت، أدركت بطلان ذلك. لا يلزم الصديق الحقيقي موافقتك في كل أمر. حقاً، أود الاعتقاد أن صديقاً حقيقياً سيستعد لإخباري متى ظن أنني مخطئة لتقديم مشورة حكيمة".
رد الجناح المهلِك: "ومع ذلك ثمة أمور لا يسهل فيها تحديد الصواب من الخطأ".
ثقل نظره عليها بشدة. شعرت وكأنها طفلة صغيرة مجدداً. فما حكمة ألف عام أمام من يقيس حياته بالعصور؟
"يسهل حسم أمور الحقائق عادة. لكن أمور القلب والضمير والفلسفة نادراً ما تكون بهذه البساطة".
حدق عبر الماء صوب المدينة.
"سألت والدك يوماً عما سيفعله إن صادف مجموعة من البشر ترغب في عبور المحيط بسفين لم تعد صالحة للإبحار. قال إنه سيقدم لهم النصيحة. فإن رفضوا الأخذ بها، فسيمنعهم. سيحميهم من أنفسهم".
سألت هيكاري: "أما كنت لتفعل المثل؟"
والإجابة حاضرة في ذهنها.
"كلا. لو تجاهلوا نصيحتي لمضيت تاركاً إياهم لمصيرهم. لم يقسموا لي. ولم يكونوا أصدقائي أو حلفائي. أديت ما وجب علي من رعاية حين قدمت نصيحتي. فإن أرادوا الحماقة وتجاهلها، فليكن مصيرهم عبرة لغيرهم. وجدت أن الجهل يُداوى بالمعرفة، لكن لا قسط من الحكمة يفلح في إصلاح الغباء".
التوت شفتا هيكاري. طريقة تنينية محضة تماماً في رؤية الأمور. ومع ذلك، أمكنها تفهم وجهة نظره. كم مرة قدم فيها العون والمشورة ليقابل بتجاهل من توسلوه المساعدة لاحقاً؟ لم يكن قاسي القلب. لكنه لم يكن ينبوع رحمة وعطف أيضاً. غاية ما في الأمر قدرته المحدودة على الفعل. فلمَ لا يدخر قوته لمن أصخوا لنصيحته وامتلكوا الحكمة لفعل ما هو أفضل مستقبلاً؟
قالت هيكاري: "اتسم والدي دائماً بلطف القلب. أحبت أمي فيه ذلك ــ قدرته على التحلي بالقوة مع الرفة هكذا. مع ذلك ظنته ساذجاً بلا هوادة".
غدا نظرتها كئيبة.
"لو كان أقسى قلباً بعض الشيء، لربما أمكن تلافي الصراع الذي أعقب موته".
"ومع ذلك، لو كان أقسى قلباً، لما سعى خلفي ولما منح والدتك فرصة".
قالت هيكاري: "يمكن للمرء أن يصادق رغم رؤية العالم بطرق مختلفة تماماً. تلك إحدى عِبر القصة. رغم اختلاف وجهتيهما، وثق الباحث والقائد ببعضهما واحترم كل منهما الآخر. لم يصطحبا رغم الخلافات، بل..."
"بسببها".
تحرك الجناح المهلِك. جبل من الحشور الحمراء والزرقاء يذكّر بجزيرة مستريحة في الماء.
"إذن لأقص عليك قصة أخرى".
"أهي واحدة مما سمعته سابقاً؟"
"كلا. إنها حكاية رجل نمر صار راهباً".
"رجل نمر؟"
مثل الكيتسونه، عُدَّ أناس النمر بشراً وحشيين. بيد أنهم، على عكس الكيتسونه، عجزوا إلى حد بعيد عن الاندماج مع البشر. امتلكوا رؤوس نمور وأيدي وأرجل مخالب، وغطت الفراء أجسادهم. غالباً ما تميزوا بالطول وقوة البنية، ولطالما حظوا بسمعة محاربين أشداء بلا مساومة.
"قبل زمن بعيد، في العصر الخامس، حين بلغت أراضي البشر الوحشيين أوج قوتها، كثرت الممالك المتحاربة. ومن بينها مملكة حكمها أناس النمر. كانوا محاربين عظماء. نظروا إلى الحقول المزدهرة، والأسواق الصاخبة، والمناجم الغنية لجيرانهم فملأهم الحسد. لمَ لا يغتصبون هذه الأشياء لأنفسهم، وهم أعظم محاربي الأرض؟ استحق المرء في نظرهم امتلاك ما يستطيع انتزاعه وإمساكه بيديه فحسب. إن عجز الجيران عن للدفاع عن ممتلكاتهم، فهم لا يستحقونها أصلاً".
أطلق الجناح المهلِك هديراً خافتاً.
"وهكذا خاض أناس النمر الحرب. جاءت انتصاراتهم سريعة وعديدة، وتهاوى أعداؤهم أمامهم كأوراق الشجر المتساقطة خريفاً. غرقوا في نشوة الانتصار فنسوا شرفهم. قتلوا المستسلمين، وحصدوا المدنيين بلا مبالاة، بل التهموا أعدائهم لإطفاء ظمأهم المتنامي دوماً للدماء والقوة. لكن أفعال أناس النمر لم تمر دون تصدي. اتحدت ممالك أخر ضدهم وتشكل ائتلاف عظيم. ضم أناس نمر آخرين من ممالك مختلفة. لم ينسوا شرفهم. واشمأزوا مما آل إليه رفقاؤهم. زحف التحالف على أناس النمر الأشرار وسحقهم في المعركة".
قال الجناح المهلِك: "سُحب حكام أناس النمر الأشرار من قصورهم ليحاكموا. مَثُل الملك والملكة وكل الأمراء والأميرات أمام مجلس أعدائهم. حُكم عليهم بالموت. وحتى وهم سيقون إلى حقول المحاكمة ليُقتلوا ثم يُتركوا طعمة للنسور والغربان، رفضوا التوبة. عوضاً عن ذلك، زأروا متحدين، مقسمين على الانتقام من أعدائهم وداعين شعبهم للثورة ضد خصومهم. وحدٌ بينهم لم يزأر ولم يرعد ولم يلعن. بكى بدعوة".
سألت هيكاري: "أبكى؟"
عُرف عن أناس النمر الشجاعة الفائقة لدرجة قد يصفها البعض بالغباء. نادراً ما تعامل الكيتسونه معهم، ربما بسبب تفضيل الكيتسونه العمل السري والدسائس على القوة الغاشمة.
"أكان جباناً؟"
"كلا. لم يكن جباناً. تقدم من بين الحشود رجل غراب طاعن في السن. بلغ من الكبر أن ابيض ريشه، وكادت عيناه الحادتان سابقاً تعمان. كان رئيس دير. سأله الأمير عن سبب بكائه. أكان خائفاً؟ هز الأمير رأسه بالنفي. لم يكن خائفاً. بل خجلاً. خجل لعدم تفوهه بكلمة حين استسلمت عائلته وشعبه للجنون وشهوة الدماء. لم يقل شيئاً ولم يفعل شيئاً لوقفهم".
عضت هيكاري على شفتها كابحة تكشيرة.
"أشار رئيس الدير إلى أن الأمير شخص واحد فحسب. ماذا بوسعه فعله؟ إنه الأمير الخامس فحسب. لكان أُلقي في السجن، أو نُفي، أو قُتل لعصيانه أباه. ولعده شعبه خائناً. رد الأمير بأنه على الأقل لكان احتفظ بشرفه".
سألت هيكاري: "وما آلت إليه حاله؟"
كان الجرح القاسي قريباً من القلب.
"طلب رئيس الدير من الجلاد كف سيفه، قائلاً إن ما من سيف في العالم يقطع بعمق الندم. توسل الأمير للجلاد أن يضرب ليتحرر من ثقل شعور بالذنب أثقل كاهله. لكن رئيس الدير عاد فأمر الجلاد بالتوقف. ما نفع قتل الأمير؟ عائلته بأكملها ميتة ومملكته خراب. أي ضرر قد يسببه إن عاش؟ حتى الأحمق يرى انتفاء رغبته في شن حرب أو إيذاء الآخرين. إن عُفي عنه، فلربما استطاع البدء في إصلاح ما أفسده".
قالت هيكاري: "اتسم رئيس الدير بالرحمة".
رد الجناح المهلِك: "كان رجل غراب عجوزاً يملك الكثير من وقت الفراغ. لكنه تمتع بحكمة على طريقته. ولحظوة رئيس الدير الكبيرة، سلمه المجلس الأمير، طالباً منه تنشئته راهباً. أضعف الإيمان، قضاء ما تبقى من عمره داعياً لأرواح الموتى. هكذا اصطحب رئيس الدير الأمير إلى ديره. كان مكاناً مسالماً، أُقيم عند سفح جبل قرب بحيرة لا تختلف كثيراً عن هذه. عمل الرهبان هناك باحثين ومعالجين، وحظوا بالترحيب في ممالك عديدة. لم يطلبوا أجراً لمساعدتهم، متطلعين فقط للطعام والمأوى لتجاوز الوقت ريثما يعالجون ويقدمون ما استطاعوا من مشورة. واشتهروا كذلك بنذرهم عدم سلب حياة قط، باستثناء وحيد للطعام، لوجود من بينهم كالأمير ممن تطلب بقاؤهم أكل اللحم".
حدق الجناح المهلِك جنوباً.
"مكث الأمير هناك طويلاً. وتماشياً مع تقاليد الرهبان، نبذ اسمه القديم واعتمد آخر جديداً. دَعَوه الأخ نمر، لأنه وحده بين الرهبان جمعيها كان رجل نمر. تعلم الأخ نمر على يد رئيس الدير نفسه، فبرا فنون العلاج وغدا باحثاً ذائع الصيت. رغم ازدراء كثر له بسبب ماضيه الدמים، عمل بلا كلل لمساعدة الآخرين. شفى كثيرين، وتلقى عدد أكبر مشورة حكيمة. أحب الناس الأخ نمر كثيراً في الأراضي المحيطة بالدير، لعدم رده محتاجاً لمساعدة ولعدم ترَفُّعه على غيره. مع ذلك بقي الوجع في قلبه ولم يزل ثقل كتفيه يخف. ذهب أخيراً إلى رئيس الدير ليسأله عما ينبغي فعله للتخلص من عبئه".
سألت هيكاري: "وماذا قال رئيس الدير؟"
لم يدفها الفول وحد لتطرح السؤال. أدركت جيداً شعور الأخ نمر المفترض.
"أثنى رئيس الدير على مساعي الأخ نمر، لكنه ذكره بالكلمات التي تفوه بها يوماً. ما من سيف في العالم يقطع بعمق الندم. مات من أخطأ بحقهم الأخ نمر أكثر من غيرهم. عجزوا عن منحه المغفرة التي ابتغاها. وفوق كل شيء، عجز الأخ نمر عن مسامحة نفسه، لذا فلن يتضاعف ثقل كتفيه إلا أكثر".
همست هيكاري: "الذنب لا يقل بمرور الوقت. بل لعله يزداد ححدة".
"أمر رئيس الدير الأخ نمر بالهيام في الأرض. قضى سنيه منذ العفو عنه حبيس الدير أو مساعدة القاطنين في الأراضي المجاورة. لن يجد إجابته إلا بعيداً جداً. لكنه حذره من توخي الحذر. سيشهد الأخ نمر شروراً جمة في العالم، ويهتز قلبه للتحرك. تذكر العهود التي قطعها عند ترهبه والسعي لصون نهجها. مع ذلك، تذكر أيضاً أن الفعل خيار... لكن عدم فعل أي شيء خيار كذلك. اخترقت تلك الكلمات الأعماق، لكون عجزه عن الفعل هو ما ندم عليه الأخ نمر أشد الندم".
ابتسم الجناح المهلِك بابتسامة خافتة.
"وهكذا غادر الأخ نمر الدير وبدأ يطوف. فعل الصالحات حيث استطاع، معالجاً وناصحاً ومقدماً العون لكل محتاج. مرت سنوات طويلة منذ الحرب التي خاضها شعبه، فقل من تذكر هويته بعد. علاوة على ذلك، تغير كثيراً. لم يعد رجل نمر شاباً. باهت فراه الساطع بفعل الشيخوخة، وغدا بنيانه القوي سابقاً نحيلاً وبالكاد هشاً. صار عجوزاً، وأعجبه أن رئيس الدير ــ الذي شاخ أصلاً حين طلب العفو عنه ــ ما زال يترأس الدير. مازحَه قبل رحيله باحتمالية تجاوز رئيس الدير لعمره. ابتسم رئيس الدير ابتسامة مريرة، فعين الغراب شبه الأعمى ترى بعيداً أيضاً".
"طاف الأخ نمر طويلاً قبل لقائه بتنبيناً. في يوم مطير، بلغ الأخ نمر جسراً مكسوراً. حذر التنين أهل البلدة مراراً بحاجة الجسر للإصلاح والصيانة، لكنهم تجاهلوا كلامه رغم امتلاكهم أموالاً تفوق حاجة إصلاحه. الآن، توسلوا التنين المساعدة، راجين استعمال سحره لإعادة الجسر لئلا تتأثر أرزاقهم".
رمشت هيكاري.
"كنت ذلك التنين، أليس كذلك؟"
"كنت. وباعتباري أكثر رأفة منه، استعطفني الأخ نمر لإصلاح الجسر. لم يأت متسولاً بل عرض مقايضة. ينقل إلي بعض الحكمة والمعرفة التي كسبها من الدير وأثناء أسفاره. سمعت به وعلمت بأنه باحث معتبر فوافقت. لن أزعم إعجابي بحكمته ومعرفته. بل اختلفت بشدة مع بعض آرائه. مع ذلك لم يكن الأخ نمر أحمق يردد كلام غيره. تفكر عميقاً في هذه الأمور، واختار التمسك بموقفه، مجادلاً ضدي ومستجوباً أفكاري الخاصة".
قهقه الجناح المهلِك.
"ما زلت أظنه مخطئاً، لكني أُعجبت بذكائه. رغب في السفر عبر الأراضي التي وراء الجسر، فقررت مرافقته، لعلنا نواصل الحديث. لا يليق بباحث مرموق الرحيل برأي خاطئ".
عضت هيكاري على ابتسامة كابحة. أجاد الجناح المهلِك الجدال متى طاب له المزاج، وأظهر عناداً مفرطاً في الدفاع عن رأي يحبه. أكثر من مرة، استغرقت في النوم على وقع أصوات جداله وماركوس، لتستيقظ وتجدهما مستمرين في الجدال صباحاً. بدا الأمر مهدئاً بطريقة غريبة، كالإصغاء لتكسر الأمواج على الشاطئ.
"سافرنا معاً لسنوات، وبطريقة ما صرنا صديقين".
عاد نظر الجناح المهلِك ليتيه جنوباً مجدداً.
"خضنا مغامرات عديدة، رغم إنجازي معظم العمل. ورغم ظني خطأه في أمور شتى، أقر باستمتاعي الدائم بنقاشاتنا. وجدت رفقة الحمقى مزعجة دوماً، حتى لو وافقوني الرأي. الأفضل بمراحل مشاركة باحث حقيقي، وإن تصادف اختلافه. انتقل من مكان لآخر، متعلمًا ما تيسر ومعالجاً المحتاجين. ناقشنا ما تعلمه ولاحظه، ودوّن ملاحظاته. وجد أفكاري رائعة ــ كما ينبغي ــ وأرب رغبته في مشاركتها مع رهبان ديره".
"لكنه خالفك الرأي، أليس كذلك؟"
"أه، بلى. خالف العديد من أفكاري متى تعلق الأمر بأمور الضمير والفلسفة. لكنه احترم سعى للدفاع عن تلك الأفكار بالعقل لا بالههام، وأقر بنفسه بأن اضطراره للدفاع عن أفكاره ضدي ساعد في صقل فهمه أكثر وتقريبه من الاستنارة".
قهقه الجناح المهلِك بحبور.
"ذلك الأحمق. اعتدت إخباره بأنه إن بغى الاستنارة، فحسبه سؤالي لأمنحه إياها".
أمكن لهيكاري تخيل المشهد: رجل نمر عجوز يجلس قرب نار بينما يلوح تنين ضخم فوقه، جبل حي يظله من الريح والمطر وهما يتجادلان بسعادة حول تفاصيل فلسفية دقيقة.
قال الجناح المهلِك: "تلك كانت أياماً جميلة. ظل السحر حبي الأول دائماً، لكنني لم أدرك كم تعلمت من الفلسفة وغيرها من الأمور حتى سألني عنها الأخ نمر. ذكرني بالعصر الثالث حين سألني صديق لي عن شعور الطيران. كدت أعجز عن وصفه لعدم تفكري فيه البتة، لكن محاولة صياغته بكلمات ساعدتني على فهمه أفضل وجعلتني طياراً أمهل. لكن تلك الأيام الجميلة... بلغت نهايتها".
"ماذا حدث؟"
"الكارثة الخامسة. استدعى حمقى كان حرياً بهم معرفة الأفضل ــ حذرت بعضهم مسبقاً ــ شراً عظيماً إلى هذا العالم من وراء الظلام الأعظم. النجم المنفي. اسأل دريمسونغ عنه إن أردت المعرفة، لكن لا تلتمس حتى أضعف ذكرى له في أراضي الأحلام. مهما بلغت من قوة، ستشكل حتى ذكرى عنه خطورة بالغة لمواجهتها".
ارتجفت هيكاري. سمعت عرضاً بالنجم المنفي، لكن دريمسونغ لم تكثر الحديث عنه، مكتفية بوصفه خصماً ذا بأس فظيع كاد يدمر العالم لولا الجهود المجتمعة للتنانين البدائية وحلفائها. غدت والدة هيكاري الكارثة السادسة، ومع ذلك بدت طريقة حديث دريمسونغ عن النجم المنفي واضحة في ظن التنين بأنه الأقوى بين الاثنين، وبفارق ليس باليسير أيضاً.
"وجد من عبد النجم المنفي كملك، وبمساعدته استدعوا أهوالاً أخر إلى عالمنا. تعامل البشر الوحشيون مع بعضها، لكن سواها تجاوزهم بمراحل. ذهبت يوماً لمواجهة أحد تلك الأهوال. أمرت الأخ نمر بالانسحاب إلى الأمان بانتظار عودتي. وعدني بفعل ذلك، لكنني علمت لاحقاً بكذبه".
عابت ابتسامة الجناح المهلِك المرارة والفخر.
"بدل الفرار، توجه الأخ نمر لمساعدة أهالي بلدة قريبة. عند عودتي من المعركة، فتشت عنه. عجزت عن إيجاده، وكانت البلدة خرابا. قادني سحري أخيراً إلى الجبال حيث هرب القرويون التماساً للملجأ في مملكة مجرورة. أملت إيجاد الأخ نمر بينهم".
"لكنه لم يكن هناك، أليس كذلك؟"
"كلا. أتاني القرويون بكتاب مليء بالملاحظات التي دونها صديقي عن نقاشاتنا، إضافة إلى الرداء الذي ارتاده عادة، ذاك الذي ميزه كعضو في جماعته. سألتهم عما جرى فأخبروني. اجتاح أتباع النجم المنفي البلدة. هربوا حسب استطاعتهم، مع قيادة الأخ نمر لهم عبر الجبال. لكن بوجود الأطفال والشيوخ والمرضى، عجزوا عن مجاراة مطارديهم. بدل تركهم، أمرهم الأخ نمر بالمضي بينما عاد هو لإمساك ممر الجبل أطول فترة ممكنة".
هدر الجناح المهلِك.
"لم يكن أحمق. في شبابه، عُدَّ محارباً عظيماً، بيد أنه شاخ ولم يحارب لسنوات طوال. أدرك اتجاهه نحو حتفه. منح كتابه للقروين لئلا يضيع".
سألت هيكاري: "والرداء؟ لما أعطاهم إياه؟"
"ليشتري للقرويين الوقت اللازم، توجب عليه كسر نذر عدم القتل. كسر ذلك النذر يعني الطرد من الجماعة، ولم يشأ إلحاق العار بالجماعة أو برئيس الدير الذي أحسن إليه بتلويث ردائه بدماء أعدائه. وهكذا مضى لمواجهة العدو، مختاراً جزءاً ضيقاً من الممر ليقف وقفته. كان يبتسم أثناء ذهابه، هكذا زعم القرويون، وكانت تلك آخر مرة رأوه فيها".
قالت هيكاري: "مات بالفعل حين بلغت المكان. وإلا لأدركت حضوره بسهولة".
"نعم. قصدت مكان قتاله ووجدت جثته. كدت أعجز عن التعرف عليها لجسامة الجراح التي تلقاها. رغم ذلك ارتسمت ابتسامة على شفتيه وغابت أي جراح عن ظهره. حتى في النهاية، لم يسع للفرار. بل أسند ظهره إلى حجر صلب وقاتل حتى خذلته جسده، لثقتي بأن روحه لم تهتز أبداً".
انقبض فك الجناح المهلِك.
"سُد الممر بجثث القوتى، من كثرة من قتل، وبلغ من شدته أن الناجين هربوا عوض محاولة اقتحام الممر ثانية. حملت جناحاي ومشطت الأرض مطهراً إياها من العدو. ثم حملت جثة صديقي، مع كتابه وردائه، وطرت إلى الدير".
أطلق الجناح المهلِك أزيزاً.
"أزبدت وأفرغت جام غضبي أثناء طيراني. لمَ لم يهرب وقد سنحت له الفرصة؟ أمرته بالفرار. لمَ، من بين كل الأوقات، اختار تلك اللحظة لتجاهل كلامي؟ لمَ اختار الموت لأناس لا يكاد يعرفهم؟ ولمَ مات وحيداً؟ لم يستحق أولئك القرويون الجبناء شجاعته. وُجد شباب بينهم بظهور قوية وأذرع شديدة، فلمَ مات وحيداً؟ لمَ لم يرافقه واحد منهم؟ مات صديقي وحيداً منقذاً من لم يفعلوا شيئاً يستحق تضحيته! لم أدرك الأمر إلا لاحقاً، حين اقتربت من الدير وتأملت كتابه. هناك، في النهاية، كتب شيئاً أخيراً، لا عن نقاشاتنا، بل لي".
أخذ الجناح المهلِك نفساً عميقاً.
"لن أنطق بالكلمات الدقيقة التي كتبها، فهي تخصني وحدي. لكنه كتب عن ندمه العظيم، وعن كيفية مطاردة عجزه عن الفعل له طوال حياته. لكن ليس هذه المرة. هذه المرة، سيفعل. سيتخلى حتى عن نذور ترهبه ليفعل ما رآه صائباً ويستعيد الشرف المفقود منذ زمن طويل حين اختار الصمت وعدم فعل أي شيء. سيفعل ما كان حرياً به فعله قبل كل تلك السنين وينقذ الأبرياء، حتى بثمن حياته".
اشتعل اللهب في فكي الجناح المهلِك.
"ذلك الأحمق! الأحمق المثالي! قال إنه أدرك أخيراً سبب طلب رئيس الدير العفو عنه. تلك فرصته لرد الدين عن كل تلك الأرواح التي عجز عن إنقاذها سابقاً. دين؟ أي دين؟ كم أنقذ بالفعل؟ أي دين توجب عليه سداده قد سُدد منذ أمد بعيد! ومع ذلك مضى مبتسماً، وقلبه متحرر لأول مرة يتذكرها، وقد زال ثقل كتفيه واستحال حرية حلم بها فحسب".
عبس الجناح المهلِك.
"أردت بغضه لفعلته تلك، لذاهبه المعتز بموته لأناس لم يعرفهم حتى رغم سهولة انتظاره فحسب. لو أنه انتظر فقط... ومع ذلك عجزت عن بغضه. كان صديقي، ودرت جيداً حجم ثقل ندمه وذنبه. تلك فرصته، ولربما الأخيرة لرمي ذلك الثقل جانباً والتحرر قلباً وروحاً. تمنيت فقط لو حاربت جنبه، وألا يموت وحيداً، وأن يشهد تضحيته من يقدرها ويكرمها!"
صمتت هيكاري. أدركت الآن سبب عودة دريمسونغ إلى أراضي الأحلام بتلك الحالة.
"حين بلغت ديره، أخبرت رئيس الدير بما جرى".
ضاقتا عينا الجناح المهلِك لشقين ذهبيين.
"نظر رئيس الدير إلى جثة الأخ نمر، وبدا الحزن جلياً على وجهه. لكنه رفض قبول الكتاب أو الرداء، لانتمائهما لمن بات خارج الجماعة إثر نكثه لنذوره. بل رفض حتى دعوته بالأخ النمر، فالمطردون من الجماعة يفقدون أسماءهم أيضاً. استشطت غضباً. لولا مكانة رئيس الدير والدير العزيزة لدى الأخ نمر، لأحرقتهما رماداً. أهم بهذا القدر من الجمود، عاجزين عن التفهم لدرجة تجاهل تضحية الأخ نمر؟ لكن مع تنامي غضبي، قال رجل الغراب العجوز ما خفف غضبي".
سألت هيكاري: "وماذا قال؟"
"طلب مني أخذ جثة الأخ نمر، لخلوّه من عضوية الجماعة. وللسبب ذاته، يجدر بي الاحتفاظ بكتابه وردائه أيضاً. ثم أردف قائلاً إنه رغم دخوله الجماعة شاباً وغيابه عن إنجاب أطفال، لو لم يترهب لتشرف بدعوة الأخ نمر ابناً له. وباستئذانه بانحناء، تمنى مني أخذ الأخ نمر وأغراضه لعلمه بتقديري لهما أكثر من الدير. سيموت مع الوقت، ويندفع كل العارفين بالأخ نمر في ظل الزمن والذاكرة. سيتحول في الدير إلى مجرد راهب آخر ــ منبوذ نكث نذوره. لكن ليس بالنسبة لي. سأبقى وأتذكر. أخبرني كذلك أنه رغم إحراق أناس النمر غالباً بعد موتهم، يُدفن الرهبان عادة تحت الأشجار لتغذية المستقبل بالموت كما فعلوا بالحياة. قال بإمكانية التصرف بالمعلومات كيفما شئت، ثم أمرني بمغادرة الدير. بحسب قوانين جماعتهم، لن يتحدثوا عن الأخ نمر مجدداً، لكنني لم أكن عضواً في جماعتهم. إن أردت الحديث عن الأخ نمر، فلن يمنعني".
قالت هيكاري: "كانت الرأفة الوحيدة التي أمكنه منحها. أحب الأخ نمر أيضاً".
قال الجناح المهلِك: "لا أظنه أحبه في البدء. أظنه أشفق عليه. لكن الأخ نمر غدا رجلاً صالحاً، فأحبه رئيس الدير كالابن العاجز عن إنجابه. وفي النهاية، رغم عجز رئيس الدير عن إكرام خيار الأخ نمر، استطاع منح جثته وأغراضه لمن يفعل. وجدت شجرة قرب الجسر حيث التقينا أول مرة، فدفنته تحتها. أتذكر بوضوح، لقربها من مرج أزهار الخزامى البنفسجية. لم أهتم بالزهور سوى لاستخدامها في الخيمياء، لكن الأخ نمر أخبرني بدلالتها على الإخلاص والندم. رأيت مناسبة موته حيث يراها، فقد أفسح ندمه الطريق أخيراً للإخلاص".
سألت هيكاري بهدوء: "أما زالت تلك الشجرة قائمة؟"
"نجت من الكارثة الخامسة، لكنني لم أزرها سوى مرة خلال العصر السادس. وُجدت قرية هناك، بُنيت حول الشجرة، واختفت الزهور بأكملها. لكن القرويين بدا سعداء مبتسمين، وتطوق الشجرة التعاويذ. عدوها مقدسة، لغفران الهاربين من الأيام الصعبة ملاذاً آمناً وحظاً حسناً بعد قدومهم القرية والدعاء تحت أغصانها".
"أصار روح حراسة؟"
احتمال بقاء شظية من روح الراهب وارد.
"كلا. لكن حلت بركة على الأرض. غابت عند دفني له، لكنها حضرت عند عودتي".
أطرفت هيكاري رأسها.
"شكراً لإخباري عن الأخ نمر".
قال الجناح المهلِك: "هواة رواية القصص. آمن بتسهيلها للتعلم البشري. أتدري لما أخبرتك؟"
خطر لهيكاري أسباب عدة.
"أرى التوافقات".
"عجزت عن منع والدتك. كنت صغيرة وضعيفة للغاية. لاستعبدتك كبقية الباقين. لكنك لم تنضمي إلينا أيضاً".
"لم أفعل".
انقبضتا قبضة هيكاري.
"تمنيت قدرتي على ذلك".
رد الجناح المهلِك: "كانت والدتك. وقرارك مفهوم بالنسبة لي، حتى وإن خالف ما كنت لاتخذه. اسألي دريمسونغ عنه. أخبريها بسماحي لك بالمعرفة".
سألت هيكاري: "أتكرره؟"
لا زالت لا تخشى الجناح المهلِك حتى الآن. أكان ذلك غباء؟ ربما. لكن جزءاً منها استمر في تذكر الأمان المانح لحضوره، والثقة المطلقة لطفلة حمقاء في تنين قادر على سحقها بأقل من تفكير ولم يؤذها قط.
"كلا".
حدق الجناح المهلِك فيها.
"أدرك برؤيتك الآن كلمات رئيس الدير. ما من قول أو فعل مني ليدنو من عمق الندم الذي تشعرين به. ما حاجتي لمعاقبتك وأنت تفعلين ذلك بنفسك؟ أخبريني، أصدقت دريمسونغ بشأن نواياك تجاه الكيتسونه؟"
هزت رأسها بحدة.
"أقصد إعادتهم إلى العالم، لكنني نذرت كل ما أملك لتحسينهم. لسنا كيتسونه الماضي. نأتي طالبين الصداقة والتعاون. أنوي مواصلة حلم أبي ــ السلام والازدهار. نقف مع الآخرين كأنداد، لا نحكمهم كفاتحين".
حدق فيها وفيه، وعلمت تعرضها للوزن والحكم.
"لست راهباً. قلبي ليس مفعماً بالرحمة. لكن الأخ نمر مثّل أحد أفضل أصدقائي، ومنحتني الرحمة فرصة لقائه. منحه رئيس الدير فرصة أخرى، ورُد إيمانه بالنهاية. سأمنحك ودريمسونغ فرصة أخرى".
كشف الجناح المهلِك عن أسنانه.
"لكن لن توجد ثالثة. أنا تنين، لست رجل غراب عجوز فضولي".
شعرت هيكاري بانزياح جزء من الثقل المحمول طويلاً عن كتفيها.
"شكراً لك".
"هناك ما أود منحه لك. لمانحته لك منذ زمن طويل، لكنني غبوت بلا حال لاستقباله، وغبت أنت عن التلقي".
تلألأ المكان بجانب هيكاري، وظهر شيء. اتسعت عيناها، ومدت يدها عاجزة تقريباً عن تصديق المرئي. علم أخضر وذهبي، توسطه سيف ومحراث متقاطعان.
"هذا..."
"راية الملك ــ راية الملك الأعلى إيليريون".
غدا صوت الجناح المهلِك حنيناً.
"لم تلتقي بها، لكن والدته كانت خياطة بارعة. سألتها صنعها عند تتويجه ملكاً، وحُملت في كل معركة خاضها تالياً".
همست هيكاري: "حملها العم فاليريوس. طلب منه أبي التقاعد، لكنه أصر، مبيناً حمله لها حتى عجزه".
"نعم. عُدَّ أحد أقدم أضاف والدك وابن إسكاف. اعتاد فاليريوس مرافقته بمغامراته قبل تملكه الملك. وحين ارتقى الملك، سأله حملها لغياب من يثق في مرافقته بمحاذاته أكثر منه".
همست هيكاري: "ظننتها ضاعت. حضرت نهاية المعركة. عجزت عن مقاربتك أو العم ماركوس، لكنني رأيت أبي بلا راية".
"كان فاليريوس بين آخر رجال والدك سقوطاً. عمي بصره حينها، وانكسر سيفه ودرعه مسبقاً. رفع فاليريوس الراية عالية حتى سقط بدوره، لتدوس الأعداء الراية في الوحل والدماء عند سقوطه. قاتل أبوك لبلوغ آخر موضع سمع فيه صوت فاليريوس، راجياً كون صديقه العجوز مجرحاً لا ميتاً. لكنه لم يسمع صوت فاليريوس مجدداً، وقاتل هناك، بجنب صديقه الميت ورايته المدوسة، حتى لاقى حتفه".
توضحت الدموع بمآقي هيكاري. كان حرياً بها القتال بجنب أبيها. لربما ماتت، لكن أكانت لتلك الميتة أن تسوء؟ لكنها وقفت متفرجة بلا حراك. مثّل قيادة الكيتسونه صحيحة التكفير الوحيد الممكن.
"عجزت عن استرجاعها بعدها، وماركوس كذلك. وصعب العثور عليها لاحقاً لتحول كامل ساحة المعركة إلى ندبة في العالم، لم تزل باهتة بعد. لكن ماركوس استعادها أخيراً. بدت بحال مزرية، لكنني استطعت استعادتها. فكرت بإعادتها لأحفاد أبيك، لكن انعدام جدارة أي منهم تبين فيما علمته بلحظات استيقاظي. مع ذلك استيقظت الآن، وأنت هنا... آخر أطفال صديقي العجوز".
"أنا..."
قال الجناح المهلِك: "خذيها. فهي حق لك، لكن تذكري... قوة أبيك من جعلت الممالك تركع، لكن حلمه من ألهمها المتابعة. تملكين قوة حكم الكيتسونه. فتأكدي من كونه حلماً جديراً بالمتابعة، لا كابوساً".
أخذت هيكاري الراية وضمتها لصدرها. رأت عديد المرات سابقاً. سمح لها أبوها بإمساكها مرات. ما أبهاه بذرعه وفوق جواده مع علو رايته جنبه. بدا منيعاً تماماً، كمجابه ودفع كل شرور العالم. عادت الراية بين يديها واكتسحها شعور بالفقد. غاب أبوها عن تقديم النصيحة أو العزاء أو المديح. لقد مات... لكن حلمه عاش. حدقت في الجناح المهلِك. هدية وتحذير، وعد والتماس. أقبلت الكلمات راسمة صواب نطقها.
"أقسم. تحطمت أحلام عديدة بنهاية العصر السادس. لن تتكرر".
رفعت الراية عالية، فالتقطها النسيم. بدت طفلة صغرى للحظة، وكل شيء متاحاً بالعالم. عبرت اللحظة وبقي الشعور. إن استطاع ابن فلاح بلوغ الملك، فمن ينفي عجزهم عن إيجاد مستقبل أشرق؟ حاولت والدتها اقتناص المستقبل، مبدية الاستعداد لربط العالم بمشيئتها فعلاً. لكن والدها سعى لقيادة الدرب آملًا اتباع الآخرين. كررت والدتها تشابه هيكاري بأبيها دائماً. قادت هيكاري الكيتسونه لهذا الحد.
إنهم بشر صالحون. تدرك ذلك. ويجدر بها منحهم مثالاً للاقتداء به.
قالت: "أيها الجناح المهلِك. أرغب بلقاء أتباعك".
"ما الذي يدور بخلدك؟"
"إن أراد الكيتسونه مساعدة أهل هذا العالم، فقد آن أوان لقائهم".
"فهمت".
أومأ الجناح المهلِك.
"حسناً".
التوت شفتاه.
"يجدر بك تخصيص وقت لماركوس أيضاً. سيغضب بلا شك لإنفاقك وقتك كله حولي".
قهقهت.
"هتمني بالتحيز مراراً".
"أصاب في ذلك. لقد كنت، وبفارق، الأكثر تفضيلاً بين أعمامك الكثيرين".