تمتد أراضي الكيتسوني بين حدود العالم المادي وعالم الأحلام. وصل قوم هيكاري إلى هنا في أعقاب الكارثة الخامسة، يَحُدُّهم اليأس بحثاً عن ملجأ آمن بعد إبادتهم الوشيكة على يد النجم المنفي أولاً، ثم أولئك الذين كرهوهم لدورهم في استدعاء المخلوق البغيض من الظلام الأعظم. هناك، التقى قومها بأغنية الأحلام. كان بوسع تنين الإلهام إبادتهم بسهولة. فهي في النهاية تنين أزلي، كائن شهد أمجاد العصر الأول ورهبة الملك المحطّم.
لكن عوضاً عن ذلك، احتضنتهم أغنية الأحلام تحت جناحيها. آوتهم، ودربتهم، وبذلت قصارى جهدها لمساعدتهم على التعافي من أخطاء العصر الخامس. وحينئذٍ خانتها والدة هيكاري لتغدو الكارثة السادسة. وحينها أيضاً، عجزت أغنية الأحلام عن رفع يدها ضدها، فقد أحبت والدة هيكاري كأنها ابنتها. وقع عبء القضاء على الوالدة على عاتق آخرين، ومهما كان صواب فعلهم، ظلّ جزء من هيكاري عاجزاً عن منع نفسه من كرههم.
لا تزال تتذكر تلك الأيام البعيدة، حين كانت يافعة للغاية وموقنة تماماً بأن العالم مكان للأمل والروعة والبهجة. كانت كتفا أبيها عريضتين لدرجة جعلت الشيب في شعره يبدو جذاباً لا متعباً. كانت تلك أياماً طيبة، ولعلها أفضل أيام حياتها قط. ذلك القصر المحاذي للبحيرة مع أمها وأبيها وجميع أصدقائها... حتى الآن، لا تزال تمر بها أيام تتمنى فيها لو تستطيع العودة إلى هناك لتعيش في تلك السنوات الذهبية للأبد.
لكن تلك الأيام ولّت. اختارت والدتها طريقها، واختار آخرون الوقوف في وجهها. آخر مرة رأت فيها عمها جناح الهلاك، كان التنين الجبّار يصارع البقاء، جريحاً حد الموت برمح من معدن الملوك استطاعت والدتها الحصول عليه بطريقة ما. دمر الرماح وأطاح بوالدتها، لكن الجهد المبذول كاد يودي بحياته. وقف عمها ماركوس حارساً عليه، باذلاً كل ما بوسعه لشفائه. أرادت هيكاري الذهاب إليهما، لتقدّم ما تستطيع من عون، لكن كل ما رأت هو الغضب في مقلتي مصاص الدماء، وحشه الشرس وهو يستنفد من نفسه وسيفه كل قطرة قوة مستطاعة.
ليس بعيداً عنهما، وسط جبال من الموتى، كان أبوها. رأته يسوى بالأرض، رأته ضريراً ومجرداً من أي سلاح سوى قبضتيه. لا يزال منظر ذلك يطارد أحلامها بين الحين والآخر. وماذا فعلت هي خلال تلك المعركة الأخيرة؟ لا شيء. لم تفعل شيئاً. لقد أحبت والدتها، أحبتها ووجدت فيها قدوتها ورأت فيها الشخص الأعظم والأبدع في العالم بأسره. ورؤية ما آلت إليه، ورؤية الخيارات التي اتخذتها... ظلت هيكاري تتساءل دائماً عما إذا كان هناك ما تستطيع فعله.
أأفلتت منها أي إشارة لهوس أمها المتنامي؟ أكانت هناك لحظة، مهما عابرة، تكفي فيها الكلمات لكبح يدها؟ لم تستطع حمل نفسها على قتال أمها، بغض النظر عن طبيعة الشخص الذي تحولت إليه. ومع ذلك لم توافق هيكاري على مسلك والدتها. وحتى حين استشاط أهلها الكيتسوني غضباً لدعم الأم ونبذ سيرتهم المؤذية لكن المسالمة لصالح الحرب والخيانة، لم تنضم إليهم. بل توارت وهربت. كانت أجبن من أن توقف أمها، ولم تستطع ابتلاع فكرة الانضمام إليها.
وبدل ذلك، راقبت أمها وهي تمزّق العالم، لتصطدم بتحالف قاده أبوها وأصدقاؤه. في النهاية، مات والداها، وجُرح الكثير من أصدقائها، وكل ما فعلته هي كان المشاهدة. عار ذلك... العار المطلق الذي لا يُطاق... قادتها أفكارها نحو مسالك مظلمة حينها، إلى أن تمددت أغنية الأحلام نحوها في خضم كابوس آخر. كان التنين ممزقاً بالحزن. لقد رأت من حسبتها ابنة تموت، وخشيت ضياع هيكاري أيضاً.
توسلت بها: "تعودي إلى المنزل".
وأردفت: "الكيتسوني بحاجة إليك".
ظل ما لم يُقل هو مدى حاجة أغنية الأحلام إليها - ومدى حاجة هيكاري للتنين. وهكذا عادت هيكاري إلى الديار. فوصلت لتجد أراضي الكيتسوني في فوضى عارمة. كانت كاغامي زعيمة الكيتسوني، وقد أدت وفاتها إلى تناحر إخوة هيكاري غير الأشقاء على حقخلافتها. أثار الأمر غثيانها. سبق أن انجبت أمها أكثر من عشرة أطفال، ولا غرو في ذلك نظراً لقدم عمرها. لم يبق منهم سوى أربعة، بما فيهما هيكاري.
هلك الباقون جميعاً، إما بجانب أمها أو قتالاً ضدها. كان إخوتها غير الأشقاء الثلاثة قد شكلوا بالفعل أحزاباً وينهش بعضهم بعضاً كالآباء وهي تتصارع على الفتات الذي تركه الأسد. خططت هيكاري للبقاء بمنأى عن نزاع الخلافة، لكنها رמت حينئذٍ الجنونَ القابع في أعين إخوتها غير الأشقاء. لقد رأته من قبل، في عيني أمها. تحدثوا عن حشد ما استطاعوا من قوة والضرب بينما يصارع بقية العالم من أجل التعافي.
كانوا قليلين في العدد، نعم، لكن أعداءهم تكبدوا خسائر فادحة. وها هي ذي المملكة العظيمة التي شيدها أبوها تتفكك بالفعل بينما يتقاتل إخوتها غير الأشقاء الآخرون تحدياً لوصيته وعهده. اتخذت هيكاري قراراً حينها لعجزها عن العيش مع نفسها إن فشلت للمرة الثانية. تحدت الجميع على الزعامة، وبمساعدة أغنية الأحلام وتوجيهها، انتصرت. أرغمت إخوتها غير الأشقاء على الركوع، وأُجبروا على الطاعة.
كانت أصغر منهم جميعاً، نعم، لكن الدماء التي جرت في عروقها كانت جبارة. لم تدرِ من كان آباؤهم، فلم تخبرها أمها أبداً رغم أنها اعتادت ترك القرابين لهم في ذكرى وفياتهم، لكن أباها كان إيليون الباسل، أعظم الملوك البشر وبطلاً يُعرف في العالم أجمع. تتحدد قوة الكيتسوني بعدد الذيول التي تمتلكها. امتلكت أمها تسعة، وجعلتها قوتها المطلقة منيعة ضد مرور الزمن. لم تشخ أمها يوماً خلال آلاف السنين، ولم يضع حدا لحياتها سوى الموت في المعركة.
امتلكت هيكاري ذيلين حين انقلبت أمها على العالم. وحين ماتت الأم وانتهى العصر السادس، امتلكت ثلاثة. خلال نزاع الخلافة الذي استغرق إتمامه قرناً كاملاً تقريباً، سمحت هيكاري لأغنية الأحلام بتدريبها بصورة أشد قسوة حتى مما دربت به أمها. أصبحت أصغر كيتسوني تبلغ خمسة ذيول، ومنحها ذلك القوة اللازمة لإجبار إخوتها غير الأشقاء على الاستسلام. لقد صاروا كسالى ومغرورين، واثقين تماماً من عجز أي كان عن مقاومتهم.
هلكت المراتب العليا للكيتسوني - بما فيها إخوتها الأكبر والأقوى - جميعاً في معركة العصر السادس الأخيرة. لقد مر ألف عام تقريباً منذ رحيل والدتها، ولم تتخاذل هيكاري في تدريبها أو سعيها خلف القوة. احتجت إلى أن تكون قوية بالقدر الذي يمنع أحداً من تحدي قيادتها. فلن تسمح بتكرار أخطاء الماضي. وستضمن حين يغادر الكيتسوني عزلتهم أخيراً ويعودون إلى العالم، أن يكون ذلك كقوة خيرة تحترم الإرادة الحرة وحق الآخرين في اختيار مصائرهم.
لن يرفعوا أنفسهم فوق الآخرين بل سيرونهم شركاء. لم يكن تغيير موقف الكيتسوني بالأمر السهل، وما زال قيد الإنجاز. لكن هيكاري كانت جبارة، وكان لديه كل وقت العالم. قبل قرن من الزمان، حصلت أخيراً على ذيلها التاسع. لم يعد العمر يرهقها، ولم يوجد كيتسوني حيّ يجرؤ حتى على التفكير في تحديها والظفر بالنصف. في العادة، كانت هيكاري تقضّي أمثال هذه الظهيرة في أكاديمية الصغار. كان تعليم الصغار أسهل دائماً من تغيير عقول الكبار، وبذلت ما بوسعها لتعريفهم بأخطاء الماضي وكيف يمكنهم فعل ما هو أفضل في المستقبل.
مات الكثير ممن عارضوا وجهات نظر هيكاري على مر السنين، مستسلمين للشيخوخة. وأدرك القلائل الباقون أن نصرها محتوم كمثل المد والجزر فاعتزلوا، غير راغبين في مواجهتها وعاجزين عن تحدي حكمها. لم يمنحها الأمر أي بهجة لرؤية غيوم المرارة المظلمة المحيطة بهم، فهي مألوفة تماماً بمثل هذه المشاعر. لكن في هذه الظهيرة، استدعتْها أغنية الأحلام. نادراً ما طلب التنين حضورها بمثل هذه الرسمية، والأندر أن يصر التنين على لقاء فوري.
على ديدن أغاني التنانير الأولية، لم تنظر أغنية الأحلام إلى الوقت بالطريقة ذاتها التي ينظر بها الآخرون. فبالنسبة لها، لم يكن العقد والقرن بالشيء المختلف تماماً، وانتقلت من فترات نشاط عظيم إلى سبات لسنوات متتالية. وبينما اقتربت هيكاري من المدخل المزخرف الذي يحدد أحد المواضع التي تبدو فيها الحدود بين العالم المادي وعالم الأحلام دقيقة للغاية، حياها الحراس. كان أحدهما ذكراً طاعناً في السن بينما كانت الأخرى أثنى شابّة.
امتلك اثناهما ثلاثة ذيول.
"سيدتي".
انحنى الذكر.
"أسترين أغنية الأحلام؟"
رفض التنين الألقاب تماماً، لعدم حاجتها إليها. وحد اسمها كان كافياً. فمن ذا الذي لا يعرف أغنية الأحلام، نساجة الأحلام، وراشدة الذكريات، وسيدة الإرادات؟
"نجل".
أومات هيكاري للحراس.
"لن أتاخر. إن غبت لأكثر من ساعة، فأرسلوا الخبر إلى القصر. فهم يعلمون ما ينبغي فعله".
كان الوقت في عالم الأحلام مفهوماً غريباً. إنه موجود، حقاً، لكن سريانه قد يتخذ طابعاً غريباً ومضطرباً. لم يكن قضاء أكثر من ساعة في عمق الأحلام حيث تقطن أغنية الأحلام بالآمن، حتى بالنسبة لها. إن حدث ذلك، فلديها تعليمات لأتباعها بقرع الجرس الكبير الموجود في القصر. هبة من جناح الهلاك، صُنعت لأمها التي غالباً ما مكثت طويلاً في عالم الأحلام. حين يُقرع، يسمع نداؤه حتى في عمق الأحلام، وستفتح أصداؤه درباً تسلكه هيكاري للعودة إلى التخوم حيث تقع رقعة الكيتسوني.
تجعدت شفتاها. بالنسبة لشخص سيئ في السير بالأحلام، أثبت جناح الهلاك براعة فائقة في ابتكار تدابير مضادة له. أخذت هيكاري نفساً عميقاً وعبرت البوابة - إلى عالم الأحلام. تلاشى العالم من حولها، وداهمتها فوراً جدارية من الأحاسيس والذكريات والأوهام. تأثر عالم الأحلام بكل من حلم، ومكن تشبيهه بالبحر. تستطيع تيارات الرغبة جرّ الغافل بسهولة، أما الظلال الكامنة تحت أحلام البشر العادية العابرة والزائلة فقد تكون كائنات مرعبة حقاً، وحوشاً صِيغت من الكوابيس العتيقة والأهوال الخالدة التي تطارد كل الحالمين.
لكن ليس كل قاطني عالم الأحلام أشراراً. وُجدت أضواء أمل ساطعة، كائنات إشراق ومجد صِيغت من أحلام الحرية والتطلعات النبيلة. وكان غيرها دنيوياً أكثر، مجاميع هائمة من الأفكار والرغبات المملة - نبتة متدحرجة من الأحلام تخص أحذية جديدة أو كروم طموح عمل تنمو فوق جدار من السأم الرتيب. كانت هيكاري حاكمة الكيتسوني، وليست حالمة ساذجة. أطلقت قوتها، فتصلب عباب عالم الأحلام المتغير والمتبدل باستمرار أمامها ليغدو طريقاً من حجار مفروشة ذكرتها بالطرق الموثوقة التي طالما افتخر بها أبوها.
تقدمت مشياً، فامتد الطريق أمامها بينما ارتفعت جدران حجرية على الجانبين لحجب الأحلام أو الكوابيس التي تصارعت طلباً للانتباه وسعياً للتغذية على قوتها النفسية. توغلت أكثر في عالم الأحلام حتى استحال طريق إرادتها المفروش مكاناً للضباب والظل حيث لا تعيش سوى أقدم الأحلام وأعظمها. هذا هو عمق الأحلام، اللاوعي الجمعي المغذّى بأحلام جميع الكائنات الحية. هنا، شوهد جبابرة الماضي، هيئات السبعة ملوك الشاهقة الماكثة طويلاً، طويلاً، طويلاً بعد رحيلهم، والهيئات مستدامة بفضل الذكريات الراسخة والإرادات الثابتة للتنانير الأولية والقلة الأخرى التي عاشت في ذلك العصر السحيق.
أبعد في الأفق بدا ظل شجرة متلوّ ومستمر التدفق تبدو فروعها كأنها تحوي عمق الأحلام بأكمله. كانت هذه ذكرى الأم الشجرة، ذكرى غذتها التنانير الأولية ولفيفها بل والابنات الأوليات اللواتي ورثن ذكرياتها أيضاً. هناك، منطوية إلى جانب جذع تلك الشجرة الضخمة، استلقت أغنية الأحلام - وما دل على الحجم الهائل للأم الشجرة هو أن تنيناً بطول ميل تقريباً بدا ضئيلاً بجانبها. التقت هيكاري عدة تنانير أولية في حياتها.
لقد كانت كلها عظيمة بلا حدود، لكنها تستطيع قول الحق إن أياً منها لم يكن بجمال أغنية الأحلام. كان التنين طويلاً ومتلوياً، وأنحف بكثير من جناح الهلاك، لدرجة بدت معها شبه زائلة. كانت حراشفها نهراً متبدلاً بلا توقف من درجات الأرجوان، من البنفسجي الساطع إلى الجمشت اللامع، والليلكي المتلألئ، والنيلي الغائر. وبدا جناحاها شيئين شبحيين، أشبه بالغيوم منه بالأشرعة، وكانت عيناها بحدقتين ورديتين خارقتين.
ومع اقتراب هيكاري، نهضت أغنية الأحلام على قوائمها الخلفية. انحنى عنقها الطويل نحوها، واشتعلت عيناها الورديتان في الشفق المخيف لعمق الأحلام. رداً على ذلك، فرت الأحلام من حولهما، ولم يبق سوى ظل الأم الشجرة، ساكناً وصامتاً، لكنه يشع مع ذلك دفئاً ومودة. أخبرت أغنية الأحلام هيكاري عن كيفية سقوط الأم الشجرة، لكن الدال في أحلامهما هو أنها ورفاقها التنانير لم يروا عدوهم الأعظم.
وبدلاً من ذلك، رأوا الأم الشجرة كما كانت من قبل، شجرة آوت فروعها العظيمة صغرهم وعزاهم لمسها حين قتل الملك المحطم الكثير من ذويهم.
سألت هيكاري: "كيف حالك؟"
"..."
استغرق الأمر لحظة كي تركز عينا أغنية الأحلام عليها حقاً هنا والآن. كانت تيارات عمق الأحلام مستحيلة القراءة بالكامل، حتى بالنسبة لها، لكن أغنية الأحلام كانت أبعد حتى عن هيكاري ببعد جناح-الهلاك عن أعظم السحرة البشريين. بوسعها لمس المستقبل المخبأ في تيارات عمق الأحلام وانتزاع نُتف صغيرة من النبوءة منها بين الحين والآخر.
"أنا بخير".
رفعت هيكاري حاجباً.
"أرسلت في طلبي".
أومأت أغنية الأحلام، وتغير الفراغ من حولهما. ومضت ومضات من الياقوت والأزرق لتدرك هيكاري أن التنين كانت تعرض عليها تياراً جديداً، تياراً صار بارزاً حديثاً في عالم الأحلام.
"لقد استيقظ مرة أخرى، لكنني لا أظنه ينوِي الخلود إلى النوم مجدداً كما فعل في الماضي".
لم يحتج "هو"
الذي قصدته إلى شرح. فكائن واحد فقط في العالم امتلك حراشف بهذا الأزرق والأحمر الساطعين.
سألت هيكاري: "ماذا كان يفعل جناح الهلاك؟"
نظرت أغنية الأحلام إليها لكنها رأت ما هو أبعد.
"يسعى لبناء إمبراطوريته الخاصة، شأنه شأن ماركوس في أقصى الشمال".
سألت هيكاري بهدوء: "لأي سبب؟ أيكون قد... سقط؟"
إن وقع جناح الهلاك فريسة لـ... الأخطاء ذاتها التي ارتكبتها أمها، فسيكون ذلك كارثياً. ضحكت أغنية الأحلام بخفة.
"لا. الملل".
سألت هيكاري بعدم تصديق: "الملل؟ يبني إمبراطورية لأنه يشعر بالملل؟"
"نعم... ولأنه يود تفوق ماركوس".
رغم خطورة الموقف، لم تستطع هيكاري منع نفسها من الضحك.
وقالت ونبرتها محملة بالحنان: "هذان الأحمقان".
في مكان آخر، ربما حاولت إخفاء مشاعرها، لكن ليس هنا. هنا في عمق الأحلام، تُكشف كل الرغبات سافرة. وحتى بلا نظر، علمت هيكاري أن خلفها وقفت خطوط ضبابية لأمها وأبيها وأصدقائها - بقايا تلك السنوات القصيرة حين كان العالم نقياً ومثالياً.
"هذا يشبههما تماماً".
"ظهر حجاب مظلم في أقصى الشمال. أظن أن ماركوس ينوِي إقامة مملكة هناك، وطناً جديداً لمصاصي الدماء يعوض ما ضاع".
سألت هيكاري: "ألم يفجّر جناح الهلاك أوطان مصاصي الدماء القديمة؟"
أومأت أغنية الأحلام.
"دفاعاً عنه، وافقنا جميعاً على ذلك. كان الخيار الأمثل آنذاك".
"أهذا صحيح؟"
من حيث القوة التدميرية الخالصة، ربما كان جناح الهلاك الموهوب أكثر بين التنانير الأولية بمجرد أخذ سحره في الحسبان. بوسع ناب الصقيع فعل ذلك. نادراً ما غادر تنين الشتاء أقصى الشمال نظراً لقدرته على تجميد ممالك بأكملها إن لم يكن حذراً. وُجد أيضاً قلب الرماد. كان تنين الصفيحات التكتونية الأكبر بين التنانير الأولية، وربما بلغ حجمه ونصف حجم جناح الهلاك، لكنه كان الأبطأ والأسوأ في الطيران أيضاً.
ومع ذلك، كانت قوته هي قوة قلب الأرض المشتعل، وسبق أن حدثها جناح الهلاك عن كيفية قدرته بقوته على رفع الجبال أو شق صدوع عظيمة في الأرض تستطيع ابتلاع ممالك بأكملها. نعم، استطاع كل تنين أوليّ تدمير أوطان مصاصي الدماء، لكن ربما وحد جناح الهلاك استطاع فعل ذلك بالسرعة والشمولية تلك. لقد تحطم الحجاب المظلم الذي حمى تلك الأراضي كالزجاج، ومزق سحره الهواء والأرض وحتى الماء، قاطعاً ومحطماً، ومقتلعاً الجذور والأغصان، ولم يترك في أعقابه سوى الصمت والدمار المطلق.
حدث ذلك في نهاية العصر الرابع. استمر الأمر حتى منتصف العصر السادس كي ينمو أي شيء هناك مجدداً، وحتى حينها، اقتصر النمو على الأعشاب الضارة الأكثر تقزماً والتواءً. ومن واقع ما أخبرتها به أغنية الأحلام، تجذرت عدة دريادات مغامرات هناك مؤخراً، ونجحن بنجاح ما في إعادة الأرض إلى شبه طبيعتها رغم احتمال استغراق الأمر ألف عام أخرى كي ينمو أي شيء ذي قيمة هناك بدون عونهم.
"كانت الكارثة الرابعة أقوى مما تتخيلين وأكثر شراسة. لقد تعلم استمداد القوة من الأرض ذاتها، رابطاً نفسه بأوطان مصاصي الدماء ليعزز بها قواه الملعونة أصلاً. كان تدميرها الشامل ذاك وسيلة هامة لإضعافه والتعامل مع العديد من أتباعه".
تحولت نظرة أغنية الأحلام إلى البعيد.
"رغم أن إيلامي كان كبيراً لرؤية جزء من عالم الأحلام يصمت. مصاصو الدماء يحلمون، تعلمين، ولم تكن كل أحلامهم قاسية".
قالت هيكاري: "إذن يؤسس جناح الهلاك إمبراطورية لنفسه، وماركوس يفعل المثل. أهذا كل ما رغبتِ في إخباري به؟"
"يقترب الوقت الذي ستكشفين فيه الكيتسوني للعالم مجدداً".
لم تسألها أغنية الأحلام عن الأمر، لكنها عرفته على أي حال. ففي النهاية، لم تحلم هيكاري بغيره مؤخراً.
"ستحتاجين إلى حلفاء في العالم، أشخاص يشهدون لك ولقومك".
"وتريدين مني قصد جناح الهلاك وماركوس؟"
تصلبت هيكاري.
"أنا..."
عاشت لأكثر من ألف عام، ومع ذلك جعلتها فكرة رؤية الاثنان مجدداً تشعر كطفلة صغيرة - طفلة ارتكبت خطأ ولا ترغب في مواجهته.
"لا أدري إن استطعت. أنا... لم أقف معهما".
قالت أغنية الأحلام بصوت منخفض ومحزون يشبه اصطدام المد والجزر بشاطئ بعيد من صخور متساقطة وأحجار مكسورة: "ولا أنا فعلت. ومع ذلك إن تحدثت إلى جناح الهلاك الآن، فأنا أعلم أنه لن يردني خائبة".
"تعرفينه منذ العصر الأول. أما أنا فعرفته لأقل من عقدين".
"رغم تصرفاته وما يقوله، حظي جناح الهلاك بالعديد من الأصدقاء على مر السنين".
تلألأت حلقات أغنية الأحلام ببريق أرجواني في الشفق، وللحظة، كانتا في مكان آخر، وافترش كنز التنين العظيم حولهما. كانت أعظم كنوزه ذكريات وأحلاماً التُقطت واستحالت بلورات يمكن مشاهدتها وتجربتها بنزوة. مرّت اللحظة، وصارتا مجدداً بجانب ظل الأم الشجرة، واضطرت هيكاري للمقاومة كي لا تطلب ذكريات الأيام الطيبة، والبلورات التي احتوت لحظات ضاعت للأبد مع مرور الزمن.
"لكن معظم أصدقائه ماتوا يا هيكاري. أظنه سيُسرّ لمعرفة أن فرداً آخر منهم لا يزال حياً وبخير".
"أنا..."
أخذت هيكاري نفساً عميقاً، عميقاً. إن كانت ستعيد الكيتسوني إلى العالم، فعليها في مرحلة ما مقابلة جناح الهلاك وماركوس.
"سأفكر في الأمر".
قالت أغنية الأحلام: "إنه يدرب أحداً. شابة بعيني أبيك وأحلامه. حتى إنها كسرت ساقها وهي تركل مجسمه من شدة الإحباط".
ضحكت هيكاري. حدث ذلك لأبيها، ولم يتوقف يوماً عن التذمر منه.
"أتكون...؟"
"سليلة بعيدة، لكن دمه يجري فيها بأصالة يفوق الكثيرين غيرها".
"كما قلت، سفأكرر التفكير".
التفتت هيكاري، لكن ليس قبل أن تلمح طيف تيار الرغبة المتذيل أغنية الأحلام.
"وربما يجدر بك مغادرة هذا المكان لفترة أيضاً. لقد مر وقت طويل منذ رأيتِ بني جنسك".
سكنت أغنية الأحلام، ثم تحركت هيئتها المتلويّة، منزلقة عبر الأرض بطريقة أشبه بالأفعى.
"ربما الشمال. توجد هناك أحلام جديدة من صغار بقلوب من جليد الشتاء. سيكون من التقصير ألا أزورهم مرة واحدة على الأقل قبل أن يكبَروا ويغادروا العش".
ما إن غادرت هيكاري عالم الأحلام وعادت عبر المدخل المزخرف حتى أدركت معنى كلمات أغنية الأحلام.
"لناب الصقيع صغار؟"
أطلقت شخير غير أنيق، متجاهلة نظرات الذهول من حارسي الكيتسوني الواقفين.
"حظاً سعيداً يا ماركوس. أتمنى ألا يسببا لك أي متاعب".