فنون اصطياد الذهب الفصل 53 — حرب استنزاف

اقرأ فنون اصطياد الذهب الفصل 53 — حرب استنزاف باللغة العربية على مانجا تايم.

منحتْ إيمي تلك الثواني الثلاثين لتعود إليها كل حاجة لها. قادتها مهارة خفيّة، لا تفكير واعي، بخيط ذهبي في أطراف بصرها. تعثرت إيمي في الردهة؛ بعدما استنفدت آخر قطرة من مانا خاصتها، حتى إنها عجزت عن الركض. بلغت غايتها في خمس ثوانٍ من مهلتها. كانت الفتاة لا تزال ملقاة على الأرض حيث تركتها ليرا، تسند ظهرها برفق إلى قاعدة الجدار. تنفسها منتظم وعيناها مغلقتان. قرفصت إيمي قربها.

نادت: "لاين."

لا رد. مدت إيمي يدها وضربت خافقها برفق، لكن شيئاً لم يتغير. فعادت تفعلها مرة بعد أخرى، بخشونة أكبر قليلاً. تجعّد حاجبا لاين.

تمتمت: "دقيقتان أخريان..."

حدقت فيها إيمي بصمت للحظة. ثم صفعتها مرة أخرى، هذه المرة بقوة أكبر قليلاً. انفتحت عينا لاين على مصراعيها. رمشت مراراً وهي تُمطِر الفتاة التي أمامها بنظرة تجمع بين الحيرة والإهانة. ثم بدا أنها أدركت لمن يعود هذا الوجه. تيبس جسدها، انطبق فكها بصوت خافت، وتسللت الحمرة إلى وجنتيها. على الرغم من المأزق الحالي، لم تستطع إيمي إلا أن تجد هذا المشهد غير المعتاد طريفاً للغاية.

عقبه صمت قصير ومحمّل بالمعاني. حدقت لاين في السقف، ثم خفضت نظرها تدريجياً نحو إيمي.

قالت لاين أخيرًا بصوت هادئ للغاية: "...الموقف. ما هو؟"

قررت إيمي، من باب الشهامة، التظاهر بأنها لم تلاحظ ارتباك الفتاة الواضح.

"نحن نقاتل أبادون، ونوشك على الخسارة."

تفرست لاين أرجاء الغرفة. راقبتها إيمي وهي تستوعب المشهد: كرو وآريس يضغطان على أبادون من جهتين، وكلاهما ينزف بالكاد، وآش يقف بصعوبة بالغة قرب الجدار البعيد، وليرا تجلس بجمود تام ويداهما منبسطتان على الأرض وعيناها شبه مغمضتين، وأخيراً زيْد شاحب ويتنفس بصعوبة بينما يتلألأ هالة مظلمة حول يديه. استيقظت لاين بالكامل، وبدأت تنهض من على الأرض فوراً، مستعدة للاندفاع إلى قلب المعركة.

بيد أن إيمي أمسكت بيدها. توقفت لاين، ناظرة إلى أصابع إيمي التي تحيط بمعصمها، وأمالت رأسها.

قالت إيمي: "أفضل لو بقيتِ هنا. هناك ما أريدكِ أن تفعليه."

حدقت لاين في عيني إيمي الصفراوين المتوهجتين لثانية، ثم أومأت برأسها بعد تأخير طفيف وبتعبير مبهم.

قالت إيمي: "أحتاج منكِ أن تستعدي لصنع جدار بالسمك والحجم الأقصى الممكن."

"أين؟"

"ستعرفين. فقط احرصي على أن يبدو الأمر وكأنكِ تحضرين لهجوم ضخم."

قطبت لاين حاجبيها، وبدت غير سعيدة البتة بهذا الرد الغامض، ولم تكن إيمي تلومها؛ فهي نفسها تمنَت لو سألت مهاراتها عن السبب. لم تكن تعرف سوى النتيجة في نهاية المطاف، لا السبيل إليها. تركت لاين لتستعد لإطلاق قدرتها، فاستقامت إيمي، والتفتت نحو المعركة، وملأت رئتيها بالهواء.

صرخت فجأة بأعلى صوتها: "زيْد!"

التفت إليها زِيْد فوراً.

نادَت: "افعلها الآن!"

تلا كلماتها صمت مطبق. حدق فيها زِيْد بقطب حاجبين، متسائلاً بوضوح عن مغزى كلامها، لكن يحسب له أنه أدى الدور ببراعة شديدة إذ أخفى تعبيره وارتدى ملامح الفهم، ثم أومأ برأسة مرة واحدة، قبل أن يلتفت ليواجه أبادون. تراجع أبادون خطوة ونصف الخطوة عن كرو وآريس بعد سماع كلمات إيمي. تحولت عيناه لمراقبة زِيْد بحذر بينما استقر نصله مائلاً لأسفل وإلى الجانب قليلاً، مستعداً للتحرك في أي اتجاه تقريباً.

كان مستعداً لأي هجوم قد يباغته. بيد أن الهجوم لم يأتِ. أصيب أبادون بالحيرة فباتت وقفته أكثر تحوطاً. انزلق بصره نحو إيمي، متوقعاً منها شيئاً على الأرجح — لكنها لم تكن هناك. نظر إلى الموضع الذي كانت تقف فيه إيمي — حيث تقف لاين وحدها الآن لتلقي نوعاً من التعاويذ — فتحولت ملامحه إلى عبوس عميق. بينما كان يتفادى هجمات كرو وآريس، شرع يتلفت في كل مكان: نحو مدخل الممر المحصن، ثم الأبواب، ثم السقف للحظة وجيزة، وكأنها قد تكون فوق السقف بطريقة ما.

مسح بصره أرجاء الغرفة للمرة الثانية، أسرع من الأولى، ثم تحولت الحيرة على وجهه إلى هلع. عبر الغرفة، قطّب زِيْد جبينه بدوره لاختفاء إيمي، وبدا في غاية الحيرة أيضاً.

لم يكن يعرف ما تعنيه إيمي بقوله "افعلها".

وربما لم يكن يعري تماماً، وبدقة، ما فعلته أو إلى أين ذهبت. لكن حين راقب عيني أبادون وهما تمسحان الغرفة للمرة الثالثة بإلحاح، بدا أن إدراكاً ما تسلل إليه فابتسم طرف فمه. التقط أبادون تلك الابتسامة فانطبق فكه. وبدا لفترة قصيرة وكأنه أقلع عن الهجوم تماماً إذ ركز كلياً على الدفاع. لكن في لحظة ما بعد مضي خمسة عشرة ثانية على اختفاء إيمي، بدا وكأن صبرو قد نفد على توخي الحذر.

أشرقت الشقوق الممتدة على جسده بضوء أسطع، مما جعل ملامحه تتلوى ألماً، لكنه ما لبث أن محا ذلك الأثر. لقد تغيرت هيمئته بأكملها في أقل من ثانية. بدا أن الجميع استشعروا ذلك، فبدأوا يفسحون مسافة بينهم وبينه. إذ اختفت إيمي الآن، صبّ جلّ تركيزه على التعامل مع حزب الأبطال. انقض على كرو أولاً لأنه الأقرب ولا يزال مسلحاً. كانت المتبادلة تالية وحشية وقصيرة. صدّ كرو ضربتين ثم عجز حين التقى مرفق أبادون بعظمة ترقوته بقوة أرسلته مترنحاً جانباً ليصطدم بآريس التي كانت تتقدم من اليسار.

تلقفت آريس كرو بذراع واحدة ودفعت به خارج نطاق ضربات أبادون، مما يعني أنها تلقت الضربة التالية بدلاً منه. أصابت راحة أبادون كتفها المصابة، فهوت آريس على ركبة واحدة تعلوها ملامح الألم. وبينما كان مشغولاً بالتعامل مع آريس، باغتهم آش من الخلف. لم يكلف أبادون نفسه عناء الالتفتات حتى. خطا جانباً فاندفع آش بفعل قوة دفعه متجاوزاً إياه، ليمسك أبادون برقبة قميصه من الخلف ويطرحه أرضاً بقوة كافية لتصدع الأرضية تحت وطأة الارتفاع.

وفي اللحظة التي همّ فيها بقتل آش بسيفه، انفجرت لهيب زِيْد المظلمة للأمام. استدار أبادون ليواجهها وتلقاها على ساعده بدلاً من أن تدعها تصل إلى وجهه. اتسعت الشقوق على بشرته أكثر — لدرجة بات معها عسيراً الجزم أهي شقوق حقاً أم مجرد جلده — وأصدر صوتاً منخفضاً وحاداً بين أسنانه، لكنه ظل واقفاً. ثم تقدم بخطى حثيثة نحو زِيْد. وبدون إيمي لتمدّه بالمعلومات، باتت قدرات زِيْد محدودة للغاية فيما يمكنها فعله؛

ومع ذلك، حاول. تنازل عن الأرض وتراجع باستمرار، مرسلاً اللهب المظلم وأحياناً يتحول إلى ظل نحو مكان آخر، مما جعل تنفسه أبعد ما يكون عن المنتظم. وفي تلك الأثناء، دفع كرو نفسه للوقوف مجدداً رغم ارتعاش ذراعه المتبقية. عاد فتناول نصل الدم (بلودإدج) وضغط على أبادون من اليمين بينما نهضت آريس، الماثلة على ركبة واحدة، على قدميها بإرادة خالصة وتقدمت من اليسار رافعة ذراعها السليمة.

سددوا ضربات أصابت أهدافها. بعضها أصاب بدقة تامة. واصلت شقوق أبادون الانتشار، متسلقة عنقه الآن لتبلغ فكه. لكن على الرغم من كل شيء، كان لا يزال منتصراً بطريقة صامتة، بالتقسيط. ببطء ومنهجية، لم يكن يستنزفهم فحسب، بل كان يمزقهم إرباً. سقطت آريس أولاً. ركلة على ركبتها المصابة مسبقاً فاصطدمت بالأرض واستقرت هناك، تتنفس بعنف، عاجزة عن إيجاد الزاوية للنهوض. لحق بها كرو بعدها بعشر ثوانٍ.

تلقى أبادون نصل الدم على سطح نصله المظلم، فلتوى، وأدت القوة إلى التواء معصم كرو متجاوزة حدوده. انفلت قبضت كرو وسقط جانباً، فهوى السيف متزلجاً عبر الأرضية. خمدت أصوات القتال في الغرفة أخيراً، لكن المعركة لم تنتهِ بعد إذ ظل كل من زِيْد ولاين واقفين، وكلاهما ينظرات بنظرات صارمة نحو رفاقهما اللذين تعرضا للضرب المبرح. التفت أبادون ليواجههما. ورغم موقفه المهيمن بوضوح، لم ترتخِ ملامحه قطرة واحدة.

ثم نظر إلى لاين التي كانت لا تزال تجمع مانا خاصتها. ثم إلى ليرا وكرو وآش وآريس، الذين باتوا عاجزين الآن. تنقل بصره بينهم جميعاً. وبدلاً من مهاجمة المهاضعين أو العاجزين، استدار. استدار ليواجه الجدار البعيد للردهة، حيث لا يزال الحاجز الجليدي يئن تحت ثقل وحوش الفوضى الدافعة من الطرف الآخر؛ لم تتوقف الصرخات المكتومة قط، وتكاثرت الشقوق على السطح طوال الوقت الذي استغرقته المعركة.

أخذ أبادون نفساً عميقاً وكأنه يوطد عزيمته، ثم رفع يده المتبقية — تلك التي لم تتحول إلى نصل — نحو الحاجز الجليدي، دون أن يحيد بعينيه عن زِيْد. تجمعت الطاقة في ظلام كان أشد سواداً بطريقة ما من حجر السج المنتشر في الردهة. كان الضغط الناجم عنه هائلاً لدرجة صعّبت حتى التنفس. لكن السحر، ورغم قوته، استنزف الكثير من أبادون إذ واصلت أنات الألم الانطلاق من شفتيه، وامتدت الشقوق الآن تماماً إلى وجهه لتغطيه كلياً.

حاول زِيْد إيقاف التعويذة بإطلاق دفعات من اللهب، لكن أبادون التهمها جميعاً دون توقف، وبشرته تحترق الآن بينما واصل الإلقاء. ولما رأى أن شيئاً لم يعد يجدي نفعاً، تراجع زِيْد خطوة للوراء فخانته ساقاه وأسند نفسه إلى الجدار. كان كرو جاثياً على يديه وركبتيه ورأسه مطرق. وكانت آريس تطبق على فكيها وعيناها مفتوحتان لكن جسدها كان يرفض رفضاً قاطعاً تلقي المزيد من الأوامر. ولم ينهض آش بعد من الأرض، ولا ليرا كذلك.

ودون مقاومة تذكر من أحد، أطلق أبادون العنان لطاقته. عبرت الطاقة المظلمة الردهة في لمح البصر واصطدمت بالحجارة الجليدية. كان الصوت هائلاً وقصيراً، وتصاعدت كمية هائلة من الغبار أو البخار منها. وعلى الرغم من كل شيء، صمد الحاجز، واقترب من حد التصدع، لكنه ظل صامداً. تلك الملامح الذهنية والمبلهة تماماً التي ارتسمت على وجه أبادون الذي بالكاد كان يقف في تلك اللحظة كانت لا تنسى ببساطة.

لم يكن هو وحده؛ لقد أصيب الجميع في تلك اللحظة بصدمة عارمة — الجميع باستثناء لاين المنهكة بالطبع. كان أبادون يراقب زِيْد طوال هذا الوقت، لذا لم يلحظ كيف أن هجومه، في اللحظة الأخيرة، لم يقتصر على الحاجز فحسب، بل اصطدم أيضاً بحاجز جليدي مستحدث. لو كان في ذروة قواه، لما استطاع ذلك الحاجز البسيط أن يوقف هجومه قط، ولكن هيهات، فهو كغيره، يلفظ أنفاسه الأخيرة. سقطت لاين على الأرض وقد استنفدت معظم مانا خاصتها مجدداً، وظلت واعية، لكنها فقدت آخر ذرة قوة.

كان الصمت الذي أعقب ذلك، رغم هدير المخلوقات في الخلف، أعلى صوت سمعته إيمي على الإطلاق. وعلى عكس الصمت المعتاد، لم تشعر حيال هذا الصمت بأي غرابة؛ بل على العكس، أرادت أن تطلق ضحكة مجلجلة. وقف أبادون بالكاد وذراعه لا تزال مرفوعة وراحتها مفتوحة وخاوية، والشقوق على جسده تتوهج بسطوع شديد على الحواف بحيث تعذر النظر إليه مباشرة. كان يتنفس في مقاطع طويلة ومتذبذبة، وركبتاه ترتجفان بوضوح وهو يحاول جاهداً كبح ذلك.

خطا خطوة واحدة — مبدياً استعداداً للتضحية بحياته إن كان في ذلك قتل للمراهقين — ثم توقف. كانت خطوة واحدة أقصى ما استطاعه. دوى صوت اصطدام شيء صلب بشيء آخر. إن كانت إيمي تتوق يوماً لمعرفة صوت اصطدام كتاب مؤخرة جمجمة بشرية، فقد تلقت الإجابة الآن. لقد كان صتوأ مكتوماً، مسطحاً، ومجوفاً قليلاً لا يحمل أي تميز، لكنها لم تستطع إلا مقارنته بالحلويات. ما تلا ذلك هو هوى أبادون لالأمام على ركبة واحدة، متلاشياً يده الحاملة للسيف إلى العدم، واتجاه يده الحرَّة نحو مؤخرة رأسه.

وقفت إيمي خلفه. من منظوره، ربما ظهرت من العدم، لكنها هي نفسها لم تغادر قط. كانت تمسك في يدها اليمنى (ليبريس) مع أثار دماء على حافتها، وفي يسراها الأثر الذي منحها إياه زِيْد تحسباً لأي طارئ فور إتمامها لاختبارها؛ كان لا يزال متوهجاً ودافئاً بشكل خافت من الاستخدام. كانت إيمي تتنفس بصعوبة؛ وكما حدث قبيل مغادرتها، كانت هناك دماء على شفتها العليا ولم تكن يداها ثابتتين تماماً.

أدار أبادون رأسه ببطء ورفع نظره إليها. ألقت إيمي نظرة متبادلة عليه، على ملامح الدهشة والغضب فيه، وعجزت عن السيطرة على تعبير وجهها. انبثقت الابتسامة الخبيثة من تلقاء نفسها. كان هناك أمر طريف بصدق وبشكل مظلم في حقيقة أنهم — رغم كون أبادون أقوى بفضل مئة مرة من جميعهم، ورغم نجوه من هجوم (ليبريس) الجنوني، وكيف قضوا طوال الكابوس في محاولة التعامل مع وحوشه الحشرية التافهة — قد انتهى بهم المطاف هنا؛

في هذا الموقف، وفي هذه الردهة، وهو جاثٍ على ركبتيه بعد أن طرحه أرضاً الكتاب الذي أدخله في غيبوبة.

"أوقعيه يا ستايك! حطمي هذا اللعين!"

سمعت إيمي صوت آريس الخافت من الجهة الأخرى للغرفة، لكنها تجاهلته، فكان تركيزها منصباً بالكامل على أبادون.

قالت إيمي وهي تحدق في عينيه مباشرة: "أخبرتك. أخبرتك أنني سأقتلك."

فتح فمه ليقول شيئاً، لكن قبل أن يفلح، عاودت ضربه. هبط كتاب (ليبريس) في قوس محكم وأصاب بقوة، دافعاً مرفق أبادون نحو الأرض بصوت مرضٍ للغاية. وحين حاول رفع ذراعه، ضربته على رأسه مجدداً. سقطت ذراعه فضربته مرة أخرى. في مكان ما خلفها، قال صوت ما قفْ. ضربته مرة أخرى. كرر الصوت الكلمة بصوت أعلى، وأدرك عقلها المشغول أخيراً أنه صوت ذكر. ومع ذلك لم تتوقف. ثم التئم شيء حول ذراعها.

كانت اليد التي لمستها ترتجف بخفيف، ولم تكن قبضتها قريبة بأي حال من القوة التي تمتلكها منذ ساعة. لقد زحف صاحبها مسافة معتبرة عبر أرضية من حجر السج ليصل إلى هنا، إذ التفتت إيمي فوجدت كرو على الأرض بجوارها، ركبة مثنية والأخرى مسندة تحته، وذراعه الباقية تحيط بمعصمها. كان منظره فظيعاً — وكذلك حال الجميع — ومع ذلك بدا أسوأ بكثير من بقيتهم.

قال مجدداً: "توقفي."

نظرت إليه إيمي، ثم إلى أبادون الممدد فاقداً للوعي شبه كامل، يتنفس ببطء ورطوبة، ثم عادت بنظرها إلى كرو.

قالت بصوت خالٍ تماماً من المشاعر: "لماذا؟"

انطبق فك كرو.

قال: "يجب أن نسلمه للسلطات. أو ربما للمديرة إيلندرا."

كان يحملق بها بثبات، محاولاً بوضوح زرع الصدق في صوته قسراً.

"لقد قال في المقصورة إنه كان يوماً أحد طلابها، أليس كذلك؟ هي أولى بـ..."

قالت إيمي: "كرو."

توقف عن الكلام.

"لقد بذلنا كل ما في وسعنا لنطرحه أرضاً — كل فرد منا، بما في ذلك (ليبريس)، رفيقي الأثري. ومع ذلك، لا يزال يملك ما يكفي لقتلنا جميعاً تقريباً."

خفضت بصرها نحو أبادون.

"إن حاولنا نقله أو حبسه، ففي اللحظة التي يستعيد فيها ولو جزءاً ضئيلاً مما خسره الليلة، سننتهي."

"أنتِ لا تأكدين ذلك."

قطبت إيمي جبينها وألفت بنظرها إليه.

"أنا متأكدة."

"أنتِ لم تستخدمي قدرتكِ. أنتِ تطلقين تكهنات مجردة الآن."

قالت إيمي، وقد خرج صوتها أشد قسوة وعلواً مما قصدت، وربما كان ذلك ملائماً: "ما تكهنته هو ما جعلنا نفوز من الأساس. وما أتوقعه الآن هو أننا إن غادرنا هذا المكان وهو ينفس، سنندم على ذلك. هذا ليس تخميناً. هذا نمط مكرر."

قال كرو: "لن نقتله."

جعلت تلك الكلمات عيني إيمي باردتين تماماً وتشددت قبضتها على الكتاب بعنف.

سألت: "لماذا تريد له أن يعيش، أخبرني؟"

لم يرد كرو، مما زاد من حدة الضيق في صدرها.

"أنسيت كيف تتكلم أم أنك تبحث عن عذرة أخرى؟"

"لقد أخبرتك بالفعل—"

"أتظنني غبية!؟"

رفعت إيمي صوتها لا إرادياً.

عضت شفتها، وأخذت نفسين عميقين وتحدثت مجدداً: "إنه خطير للغاية. لا يمكننا أن نسمح له بأدنى احتمال للهروب. إنه يموت اليوم، حتماً وبلا مفر."

تمدد التوتر الذي أعقب كلماتها بينهما. اشتدت يد كرو حول معصمها وتحولت عيناه وملامحه إلى غضب حقيقي.

قال بصوت منخفض: "إيمي، استمعي إليّ هذه المرة فحسب، أرجوكِ."

قالت إيمي بنبرة تعذر معها الجزم أهي سؤال أم تقرير: "أنت لا تزال تكترث لأمره."

"إيمي، انظري، استمعي إلي—"

"بعد كل ما فعله بك وبالجميع؟ فقط لأنكما تشتركان في الدسم؟"

كانت قبضتها اليسرى المطبقة ترتجف الآن؛ وشعرت لسبب مجهول باضطراب هائل وهي ترى هيئة كرو تتداخل مع فتاة سمراء تعرفها. لثانية واحدة، كادت إيمي ترى بوضوح نسختها الأصغر وهي تحدق بشخص تحبه وترفض رؤية العقل حيث لا يزال هناك تعلق. أثار ذلك قرفها.

قالت بصوت أخفض الآن: "لقد قطع ذراعك."

و"لقد تحكم بحياتك، وصاغك كما يروق له، محاولاً إيهامك بأن ذلك لمصلحتك، ومع ذلك تقف هنا تدافع عنه كأي عبد."

أطلق كرو نظرة غاضبة بوجه إيمي وفكه مطبق: "أنا لا أدافع عنه."

هجمت إيمي: "إذن ما الذي تفعله؟ لأن ما أراه يبدو تماماً هكذا."

"لا يزال مفيداً. إنه نبيّ، بعد كل شيء. وفوق ذلك، ما زلنا بحاجة للتعامل مع ما قد يحمله المستقبل. لا يمكننا فعل ذلك وحدنا."

توقفت إيمي، ثم أطلقت ضحكة قصيرة وحادة تخلو من أي مرح.

"هذا هو العذر الذي اخترته؟"

"إنه ليس عذراً."

"لقد عذبك منذ أن كنت طفلاً."

أدار كرو وجهه بعيداً. تقدمت إيمي خطوة فوراً، مجبرة إياه على النظر إليها مجدداً.

"لقد جلب لك النكبات تلو الأخرى."

ظل صامتاً.

"لقد خطط لقتل كل من أحببته يوماً إن كان ذلك سيجعلك أقوى."

اشتدت قبضة كرو على معصمها بألم، لكنها لم تحفل بذلك.

"وسيقتلك دون تردد إن كان في ذلك حصوله على ما أراده دوماً."

"أنا أعلم ذلك!"

تردد صدى الصرخة المباغتة في أرجاء الردهة. تجمدت إيمي وحدقت في كرو. بات تنفسه غير منتظم، واختفت تماماً هيمئته الرصينة السابقة.

هس بالقول: "أنا أعلم تماماً ما هو عليه. أتظنني لا أذكر كل ما فعلته؟"

سألت إيمي فوراً: "إذن لماذا؟"

فتح كرو فمه — — ثم أطبقه مجدداً. كان هذا التردد كافياً. التوى معدة إيمي بعنف، لا لعدم فهمها — فهي فهمت حقاً — بل بسبب الكم الهائل من احتقار الذات والارتباك مع عودة كل ذكريات توسلها طلباً لمغفرة أبيها. تيبست ملامحها فوراً، وغمر القرف صدرها بقوة كادت تدفعها للتقيؤ.

"أنت حقاً بهذا القدر من اللعنة والضعف."

لحظة، حدق فيها كرو فحسب. ثم تبدلت ملامحه إلى عبوس قاسي — لا علاقة له بما سبقه؛ كان غضباً حقيقياً. اشتدت قبضته حول معصمها أكثر، وشعرت إيمي بكمية ضئيلة من المانا تضطرب بعنف حوله رغم إرهاقه.

قال كرو بصوت منخفض: "لا يحق لك قول ذلك لي."

ضاق عيناء إيمي فوراً.

أجابت ببرود: "ولا يحق لك الوقوف في طريقي."

لأكثر من ثوانٍ عديدة، بدا حقاً وكأن أحدهما على وشك مهاجمة الآخر. شرع كرو ينهض بكل جسده رغم الدماء المتدفقة على جنبه، ورفعت إيمي كتاب (ليبريس) قليلاً، مستعدة لأي طارئ. تأزم الهواء بينهما. ثم — انفصلت يداهما؛ قفز آش ليتوسطهما مباشرة قبل أن يتحرك أي منهما أبعد من ذلك، ماداً ذراعاً نحو إيمي والأخرى نحو كرو.

نباح بصوت عالٍ: "أتمازحان بجدية في هذه اللحظة؟ ألا يمكننا حتى الاحتفال بالانتصار؟"

لم يجب أحد منهما. بدا آش في حالة مزرية بدوره — ثياب محترقة، دماء تسيل من صدغه، عين واحدة مفتوحة بالكاد — ومع ذلك غرس نفسه هناك وكأنه ينوي تماماً إيقاف الاثنين جسدياً إن لزم الأمر. من تحته، أطلق أبادون سعالاً رطباً آخر. فوراً، انزلقت عينا إيمي إلى الأسفل، ومثلهما فعلت عينا كرو. وازداد التوتر سوءاً بشكل ما.

قال آش: "حسناً."

لم ينظر أي من إيمي أو كرو إليه حين تحدث.

قال مجدداً: "حسناً. لدينا رجل مهشام للغاية ملقى على الأرض، وجدار لن يصمد للأبد، وأنتما تفعلان هذا الآن؟"

انطبق فك إيمي. تحدقت بغضب في كرو بينما كان هو ينظر إلى الأرض. لم يتحرك أيهما. قطعت خطوات الحركات الصمت المؤقت الذي تشكل. وصل زِيْد أولاً، محاولاً التقاط أنفاسه. ثم تلت ليرا ضاغطة بيدها على جنبها. وعرجت آريس خلفها. وأخيراً، لاين، التي وقفت بفضل ما بدا عناداً محضاً، تماماً مثل بقيتهم. نظموا صفوفهم في شبه دائرة تقريبية؛ لم يتفقوا على تكوينها، لكن هندسة الموقف جعلت الأمر حتمياً.

تطلع الجميع بين إيمي وكرو، ثم نحو أبادون الملقى على الأرض. استمر الصمت نحو أربع ثوانٍ.

قالت آريس فجأة متسببة في التفات الأنظار إليها: "لنصوت."

التفتت ليرا لتنظر إليها.

"عذراً؟"

كررت آريس: "صوتوا. اقتلوه أو لا تقتلوه. الجميع يختار."

بدأت ليرا تقول: "نحن لسن—"

قاطعها آش مستحوذاً على أنظار الجميع: "في الواقع، لقد أدخلنا التصويت في هذا الكابوس، ويبدو ملائماً تماماً بالنسبة لي أن يخرجنا التصويت منه."

رفعت آريس ذراعها السليمة وقالت بابتسامة: "سأصوت قبل الأخيرة لأنني أحب هذه الكلمة. من الأول؟"

لم يتطوع أحد، مما جعل آش يزفر من أنفه.

"حسناً. أنا أولاً."

تنقل بصره بين إيمي وكرو، ثم تحولت ملامحه لتصبح عبوساً حين استقر بصره على إيمي.

قال: "أنا مع كرو. آسف، ستايك."

لم تقل إيمي شيئاً. بل اشتدت قبضتها على (ليبريس). نخس آش ذراع ليرا. نظرت ليرا إلى إيمي للحظة بنفس تعبير آش تماماً.

قالت أخيراً بصوت هادئ: "كرو."

اثنان لصالح كرو. عضت إيمي داخل شفتها بقوة تسمح لها بتذوق الدم؛ وانتشر الطعم المزعج على لسانها فوراً، لكنها رحبت به. فقد ساعدها الوخز على استقرار الضغط العنيف المتراكم في صدرها بينما ظلت كل العيون مثبتة عليها وعلى كرو على حد سواء. صوتان لصالح كرو بالفعل: آش وليرا. تمنت إيمي لو تستطيع القول إنها تشعر بالخيانة، لكنها بصراحة كانت تتوقع ذلك. لم يبدُ على كرو أي رد فعل ظاهري تجاه الاثنين، لكن إيمي لاحظت مع ذلك الانقباض الطفيف في قبضته.

شددت أصابعيها على (ليبريس) حتى صرير الغلاف الجلد بخفة تحت كفها. تجنب آش النظر إليها مباشرة الآن ومثله فعلت ليرا. استنشقت إيمي هواءً عبر أنفها وحاولت جاهدة ألا تفقد صوابها.

كسرت آريس الصمت: "زيْد، دورك."

تحول انتباه الجميع الآن نحو زِيْد، الذي أطلق زفيراً حاداً من أنفه قبل أن يتكلم.

"أنا مع الآنسة ستايك في هذه."

التفت عينا كرو نحوه فجأة. لاحظ زِيْد ذلك فقطب جبينه فوراً.

"بلا إهانة، لكن منطقكم جنوني."

تصلبت نظرة كرو.

"تطلبون منا إبقاء الرجل الذي تسبب في هذه الفوضى حياً لأنه قد يساعدنا في المستقبل رغم عدائه الواضح لنا. هذا قرار عبثي، لدرجة أؤمن معها بقوة أنه ليس السبب الحقيقي. أتشفقون عليه إلى هذا الحد؟"

أجاب كرو ببرود: "الأمر لا يتعلق بالشفقة."

رد زِيْد فوراً: "إذن فالأمر أسوأ. لأنه يعني أنك تراهن بأرواح الجميع."

تصاعد التوتر مجدداً في أعقاب كلمات زِيْد.

تدخل آش قائلاً: "نحن لا نعرف ما يحدث بعد موته. على حد علمنا، قد يظهر عدو أكبر وأكثر خطورة. أبادون يريد نفس ما نُريده: إنقاذ العالم. إن لم نترك له خياراً سوى العمل معنا، فسيعمل معنا."

رد زِيْد: "أنت تفترض كثيراً. نحن نتحدث عن شخص لن يتذردد في تعذيب ابنه إن كان في ذلك تحقيق لأهدافه. إن قررنا عفوه وإخراجه من هذا الكابوس، وتمكن بطريقة ما من الههرب، أيمكنك تحمل المسؤولية؟"

ساد صمت طويل. ثم هز زِيْد رأسه ناظراً باتجاه إيمي.

"إذن نعم، أنا مع الآنسة ستايك."

لم تقل إيمي شيئاً، واكتفت بنظرة جانبية بادلها إياها بإيماءة. ورغم كونها على وشك الخسارة، انفك شيء ما طفيفاً في صدرها لدعم زِيْد. صوت ثلاثة؛ ولم يبقَ سوى اثنين.

رفعت آريس يدها بكسل وابتسمت: "أظن أنه دوري."

ألقت ليرا نظرة عليها بتردد.

"آريس، رغم أنه قد يبدو أن أبادون—"

أعلنت آريس مقاطعة ليرا مما أدى إلى تلوّي ملامح الجميع: "أنا أثق بإيمي."

قطبت إيمي جبينها بعمق؛ لقد فاجأها التصريح بصدق. أآريس تثق بها؟ إن كانت هناك من يشكك فيها أكثر من غيرها فهي آريس. تبادلت إيمي وآريس النظرات. حاولت إيمي أن تسأل بعينيها سبب مساعدتها، لكن آريس اكتفت بغمزة. أربعة أصوات. اثنان مقابل اثنان. تطلع الجميع نحو لاين. وقفت لاين ويداهما مستقيمتان إلى جانبيها ووجهها هادئ ظاهرياً. تنقل بصرها من كرو إلى إيمي إلى أبادون على الأرض ثم عادت.

امتد الصمت متجاوزاً حدود الراحة، كما حدث مراراً وتكراراً طوال المحادثة برمتها. نظرت إيمي إلى وجه لاين محاولة قراءته فعجزت، ليس هذه المرة، لذا خفضت بصرها إلى الأرض وحدقت في حجر السج وفكرت أنه لو صوتت لاين ضدها، فقد تقدم على فعلها בכל מקال، الآن، قبل أن يمنعها أحد، وتتحمل كلفة ذلك. لقد تجاوز هذا الأمر برمته حدود ما تحب؛ كان تقارب القارئ مضموناً بالتغير بأي شكل. لكن إن كان في ذلك قتل أبادون...

وفي اللحظة التي فكرت فيها بهذا، تردد صوت عبر الردهة.

قالت لاين: "إيمي."

تجمد الجميع تماماً، ولم تعد إيمي تسمع حتى صوت هدير المخلوقات القادم من الطرف الآخر للحاجز. رفعت رأسها. كانت لاين تنظر إلى الأرض، متجنبة نظرات الجميع. أطلق كرو صوتاً حاداً. استدار رأسه نحو لاين بعينين واسعتين وتعبير يجمع بين الحيرة والخيانة. خطا خطوة نحوها — تحركت كل من ليرا وآش أمامه قبل أن يكمل خطوته. نظر إليهما كرو، ثم إلى لاين، ثم التقت عيناه بوالده للمرة الأخيرة، قبل أن يستدار ويمشي مبتعداً نحو الزاوية البعيدة للغرفة.

إيمي التي عجزت عن تصديق الأمر، حادت ببصرها عن كرو، وعادت إلى لاين التي بقيت ساكنة تماماً، ثم إلى أبادون مجدداً. أعادها صوت تصدع قادم من الجليد إلى صوابها. لم يعد هناك وقت للضيع في أفكار عقيمة. شددت قبضتها على (ليبريس)، ثم هبطت فوق أبادون. التقت عيناهما. وبدلاً من التسول لأجل حياته، أو شتمها، حدق فيها أبادون بصمت، ثم أغلق عينيه، كأنه يتقبل موته. أزعج هذا إيمي بشدة.

هبطت الضربة الأولى، ثم الثانية والثالثة. وسرعان ما كانت تتنفس بصعوبة وفقدت تماماً عدّ المرات التي ضربته بها. ومع استمرارها، راح عقلها يشرد. ظنت أن الأمر سيكون أصعب. لكنه بصراحة لم يختلف عما فعلته طوال الاختبار. ربما كان أكثر دموية بقليل، لكنه أبسط أيضاً. لم يكن صعباً بالقدر الذي توقعته. توقفت للحظة لتتأمل وجهه. ربما بسبب الشقوق، لكن رأسه كان يكاد يتحطم كمرآة ممزوجة باللحم.

تماماً مثل رأس إلياس المهشم في المبنى بي. ذكرها ذلك المنظر أيضاً بكتاب (ليبريس)، الذي بات في حالة شبه غيبوبة بسببه، مما يعني أن أقرب موعد لاستيقاظه سيكون، في أفضل الأحوال، بضع ساعات، وفي أسوأها، أسبوعاً... رفعت الكتاب مجدداً. كان شخص ما خلفها يقول شيئاً. لم تسمعه. هوت بملحقها، مساعدة إياهما في الانتقام، مرة، ومرة، ومرة أخرى. في نقطة ما تحولت الأصوات من صدى خشن إلى صوت ارتطام رطب، لكن إيمي واصلت حتى عجزت عن الاستمرار.

مع تنفسها المقطع بأبشع صورة، ومسحها بكمها للدموع التي لم تدرك أنها انهمرت، استقامت وفتحت يديها الملطختين بالدماء متجاهلة المنظر البشيع أدناه. لقد هزُمنا الكابوس. انتهى الأمر. وصلت الفكرة دون ذلك الشعور بالارتياح الذي تخيلت أنه سيرافقها. انتهى الأمر. انتهى كل شيء... صدر صوت تشقق من الجهة الأخرى للردهة، وانهار جزء من الحاجز الجليدي للداخل؛ وكانت وحوش الفوضى تكاد تطؤهم.

التفتت إيمي. كان الآخرون ينظرون إليها، الجميع باستثناء كرو الذي بقي في زاويته، بظهره المستدار. نظرت إليهم، ثم مدت يدها صامتة إلى حقيبتها واستلت المفتاح. رفعته عالياً، وأطبقت كفها عليه، وفي اللحظة التالية مباشرة ذابت الردهة، والدماء، والأبواب، والضجيج، وكل شيء، في بياض ناصع. لقد رحلوا.