كان لزاماً عليها قتل أَبادون. لم تكن المسألة خياراً بين القدرة على ذلك أو عدمها. حتى لو وُجد سبيل للهروب بلا قتله لما سلكته. موت إلياس في المبنى باء وتضحية ليبريس وقعا لأنها ركضت فحسب. قالت الملكة إن بموسمها تجاوز هذا الاختبار بلا إهراق دماء أهلها، لكنها خالفتها الرأي؛ كان عليها اجتياز الأمر هكذا… وإلا لما أدركت قط مدى ضعف إرادتها في الواقع. انتهى اختبار إيمي الآن، وجمع الفريق أخيراً إحدى الكرات السبع لفتح المكتبة.
ولم يبقَ إلا أن يؤدي الآخرون اختباراتهم. كانت في الفضاء الأسود حالياً. اختفت نسخة موطنها السابق وحلّ محلها فراغ وباب أصفر وحيد أمامها.
وما إن تعبره حتى تعود إلى "الأكاديمية".
حامت كفها فوق مقبض الباب الأصفر النحاسي، وارتفعت كفها الأخرى أيضاً لكن لتنسج ضوءاً ذهبياً؛ حاجزاً. طارادتها قُبيل دخول الاختبار حشرة الفوضى الصغيرة، بما في ذلك عنكبوت شديد البشاعة. يعني ذلك بالأساس أن أَبادون وجد سبيلاً لاختراق دفاعاتهم. افترضت إيمي أن المخلوقات كانت تُخلق مباشرة داخل الأكاديمية عوضاً عن تسللِها عبرها. بيد أن ذلك لا يعني أنه لم يفلح في اقتحام المكان طوال إقامتها في الاختبار.
إن فشل الحاجز الموصول بكراو، وإن اجتاحتا المخلوقات الجميع— احتجتُ إلى الاستعداد. تصلب الحاجز الذهبي من حولها. لم يكن شيئاً يُذكر. لم تستعد احتياطات مانا خاصتها بالكامل بعد، لذا فضّلت عدم الإفراط. لكنه يظل أفضل من العدم. قالت لنفسها مهيئة إياها، تحسُّباً لأي طارئ. استعدي للأسوأ. اشتّد قبضتها على المقبض حتى احمرّت مفاصل كفّها. انتقلت كفها الطليقة إلى حقيبتها، لتلامس أصابعها غلاف ليبريس المتضرر.
همست للكتاب: "أنا عائدة الآن. وعدتك بأن أتعامل معه… لذا احرص على النوم جيداً".
لم يُجب ليبريس. بداهةً. تنفست إيمي. ثم تنفست ثانية. تقسّى نظرا إيمي. وتصلّب فكّها. أخذت نفساً أخيراً. ثم أدارت المقبض. انفتح الباب. وفوراً، اندفع الضوء والهواء البارد ليلاقيانها. ضاقت عيناها في وجه الإضاءة المفاجئة وضخت طاقة أكبر بقليل في الحاجز. استغرقت عيناها بضع ثوانٍ ربما ريثما اعتادتا الظلام وتأملت المشهد أمامها. القاعة ذات الأبواب السبعة، التي امتلأت حرفياً بالحشرات والعناكب قبل قليل، تجمدت في مكانها…
حرفياً. اكتسى كل شيء بالجليد؛ الجدران والأرضية بل وحتى السقف. هبطت الحرارة لدرجة جعلت إيمي ترى بخار نفسها يملأ الهواء. بعد التركيز قليلاً، لاحظت إيمي أن المخلوقات التي طاردتها سالفاً تقبع داخل الجليد. طقطقة. في الواقع، لم يقتصر الأمر على الجليد، بل ظهرت شقوق صغيرة على الجدران السبجية وفوهات عملاقة على الجليد أوحت لإيمي بأن أحدهم تقاتل هنا. أترى كان هذا سحر لاين… لا بد أن الفوهات صُنعت على يد أّش أو أيريس.
نظراً لأن أيريس هي من تقاتلت ضد المخلوقات قبل أن يفترقا، فغالباً هي. طقطقة. وفقاً للمظهر، انتصرن جلياً، غير أنها لم تتيقن. للوهلة الأولى، لم يكن الوضع سيئاً بالقدر الذي خافته، لكن ذلك لا يعني تفريطها بيقظتها. أولاً، كان عليها التأكد من عدم وجود أي شيء أو أحد قريباً— طقطقة. تجمدت إيمي. قطّبت حاجبيها. كان صوتاً خافتاً يكاد لا يُسمع حجبه دماغها لسبب ما، لكنه ما إن علا قليلاً حتى أدركت فوراً أنه ظلّ هناك دوماً.
ولا حتى بعد ثانية، لامس شيء حاجزها. بالكاد.
استدارت إيمي على عقبيها، وسط وهج الضوء الذهبي وهي تستدير بكامل جسدها بينما وثب قلبها إلى حنجرتها— "الآنسة ستيك".
"آه!!!"
أطلقت صيحة بلا قصد وتراجعت نصف خطوة.
"ما اللعنة—"
وقف أمامها شاب وسيم أسود الشعر ذو عيوني كهرمانتي اللون. زيد. أمسك فنجان شاي خزفي في إحدى كفّيه. وارتفعت كفه الأخرى في إشارة بدت اعتذارية.
قال وهو يُنظف حلقه بقهقهة محرجة بدت شاذة بعض الشيء مقارنة به: "لم أرد إفزاعك، معذرة".
ومض حاجزها لكنه صمد. ظلّ قلبها يخفق، لكنها أرغمت نفسها على التنفس طبيعياً.
تمكنت من قول: "زيد".
وخرج صوتها مشدوداً أكثر مما قصدت.
"ماذا—"
قال زيد وهو يخفض كفه: "كنت أستريح. مستخدماً سحري 'الخاص' لأواري نفسي عن الأخطار المحتملة ريثما أستعيد بعض طاقتي".
وأشار بابهام نحو الممر المتجمد حولهما.
"كانت الآنسة لاين والآنسة أيريس دقيقتين للغاية في إبادتهما، لكني وجدت من الحصافة البقاء متخفياً، للحيطة".
تألّت إيمي المحيط، ثم سرى شعور بالارتياح في جوارحها حين أدركت أن مخاوفها لم تكن في محلها — أو أغلبها على الأقل. بدا أن الأمور لم تتطور نحو منحى سيء غيابها. أرخت حاجزها قليلاً، وإن لم تُلغه تماماً. وتتبعت عيناها مظهر زيد بعناية أكبر الآن. بدا متعباً — متعباً بحق. ظهرت هالات تحت عينيه لم تلحظها سابقاً، وانحنت قامته طفيفاً.
قالت ببطء: "حسناً".
وما زال عقلها يستوعب الوضع. سقطت عيناها على الشاي في كفه، مما جعلها ترفع حاجباً صغيراً. بدا زيد ملاحظاً نظراتها إليه.
"أنا… أنام بشكل أفضل وفنجان في كفي".
"..."
تجاهل زيد نظرتها الحائرة واحتسى رشفة.
"جلبت المزيد في خاتم تخزيني. أتريدين بعضاً منه لعلّك تحتاجينه؟"
عقب ثوانٍ، أجابت إيمي أخيرً.
هزّت رأسها وقالت: "أكلت للتو. علاوة على ذلك، أعمل بشكل أفضل حين أكون متوترة. لكن شكراً…"
"مثير للاهتمام. العكس لدي؛ تساعد المشروبات الساخنة في صفاء ذهني. ظننت أنني قد أحتاج إليه لـ..."
توقف، والتفت برأسه نحو أحد الأبواب، الباب الأحمر.
"من أجل دوري".
"دورك؟"
رمشت إيمي، ثم أدركت بعد ثانية.
"أوه، صحيح. أنت التالي..."
"بالتأكيد".
أومأ زيد وهو يلتفت إلى إيمي.
"بحسب الخطة التي وضعناها، كان عليّ تولي الدور الثاني. أفترض أن اختبارك أُنجز بنجاح؟"
تزحزحت كف إيمي إلى حقيبتها، حيث ترقد الكرة الذهبية.
قالت وهي تفتح الحقيبة وتُري محتوياتها لزيد المومئ برأسه: "أجل. انتهى".
أعلن زيد بعد وقفة: "إذن حان دوري حقاً الآن…"
ظل تعبيره محايداً، لكن ثمة تردد طفيف في صوتِه. احتسى رشفة أخرى من الشاي، ثم نظر إليها بما بدا ارتياباً.
"كنت أترقب عودتك قبل الدخول. أردت سؤالاً"، توقف مرة أخرى، وبدا كمن ينتقي كلماته بعناية.
"كم بلغ عناء اختبارك ذهنياً؟ لم أحظَ باستراحة ملائمة منذ فترة طويلة، ولست متأكداً مما إن كانت حالتي الحالية تليق بما ينتظرني".
حدقت إيمي فيه لحظة، تستوعب السؤال. فكرت في اختبارها خاصتها: القرية المثالية، العائلة المزيفة، كل ما تمنتته يوماً. ثقل إحراق كل ما بغته قط، مع علمها التام بعدم واقعيته.
قالت ومشاعرك تتحول نحو المرارة لسبب ما: "كان…"
بحثت عن الكلمة الملائمة لبضع ثوانٍ، حتى انبثقت في ذهنها فجأة من تلقاء نفسها.
"سهلاً".
ارتفع حاجبا زيد طفيفاً.
"سهلاً؟"
كررت إيمي وصوتها محايد: "سهلاً".
عدلت وضعيتها، ومسحت حقيبتها.
"لم يكن صعباً سوى لأنني كنت غبية بما يكفي لأجعله صعباً. ما إن أدركت الإجابة، علمتُ أنني لو كنت جادة منذ البداية لربما أتممته بسرعة أكبر".
أطال زيد النظر إليها، فحصت عيناه الكهرمانتان وجهها.
"أمتأكدة…؟"
صعب قراءة التعليق الذي خطّ وجهه حينها، لكن إيمي تكهنت بوجود نوع من المشاعر هناك.
أجابت إيمي بنبرة لا تقبل جدلاً: "أنا متأكدة".
"أرى ذلك".
احتسى زيد رشفة أخرى من شايه قبل أن يومئ.
"أفترض أن هذا متوقع إذن".
"ما المتوقع؟"
"طريقة حديثك عن الاختبار أوحت وكأنك مكثتِ هناك ساعات. ومع ذلك، قضيتِ نحوَ خمس وعشرين دقيقة في الداخل فحسب".
رمشت إيمي.
"ماذا؟"
كرر زيد: "خمس وعشرون دقيقة. تزيد أو تنقص ثوانٍ. كنت أراقب الوقت بعناية، إذ احتجت لمعرفة متى أستعد لدوري الخاص".
خمس وعشرون دقيقة؟ الركض عبر القرية. المدرسة. الغداء مع ميرا والملكة. العودة للمنزل. الحديث مع أمها. ترقب الوقت المناسب. ترتيب كل شيء. الحريق… بدا كل ذلك كأنه ساعات. يوماً كاملاً، كحد أدنى. لكنها لم تتعدَ نصف ساعة. عرفت من المانغا أن الأمر هكذا، لكن عيش الواقع… هذا التافه، هها… إنه وهم برمته بعد لم أرتكب خطأً. إنه مجرد وهم. إنه ببساطة… قتلهم جميعاً… الصراخ وهم يحترقون لدرجة بلغتني أصداؤه الخافتة حتى من مسافة بعيدة…
كان كله مجرد زيف… كل ما شعرت به مزيف… عليّ تذكر ذلك.
"من خلال رد فعلك، أفترض أنه بدا لك أطول".
أيقظ زيد، الذي كان يناظرها بميل في رأسه وتعليق تساؤلي، إيمي الغارقة في أفكارها لحظياً.
أجابت بعد هنيهة: "أجل. بدا وكأنه يوم كامل…"
"أرى هذا"، أومأ زيد.
عقب كلامه، عمّ صمت. لم تفارق نظراته وجهها، وطال الصمت لدرجة مزعجة. تأزمت إيمي تحت وطأة التفحص.
قالت أخيراً: "أتحتاج إلى شيء؟"
بدا زيد كمن يزن أمراً ما بينما نقرت أصابعه بخفة ضد فنجان الشاي.
تكلم أخيراً: "أيمكنني طرح سؤال؟"
دفع شيء في نبرته حذر إيمي للارتفاع فوراً.
"يعتمد على السؤال".
استطرد زيد ببطء، ليبدو منتقياً كل كلمة باهتمام: "أثناء اختبارك، أتاحت لك مسارات متعددة؟ طرق عديدة لإتمامه؟"
شدّت إيمي فكها طفيفاً، وتحركت كفها نحو حقيبتها. ترددت كلمات الملكة في عقلها: كان بموسمك اجتياز هذا الاختبار بلا موت أحد. مع أن من هم على شاكلتك واجهوا صعوبة بالغة في تجاوزه بتلك الطريقة في فترة زمنية ملائمة.
قالت بعد وقفة: "نعم. توفرت خيارات أخرى".
"أتؤمنين باختيارك المسار الصحيح؟"
ضاقت عينا إيمي.
"لمَ تسألني هذا؟"
لم يجب زيد فوراً. احتسى رشفة بطيئة أخرى من شايه، مستتراً بتعبير مبهم. وحين نطق أخيراً، انخفض صوته درجة، مما أجبر إيمي على التركيز حتى تتمكن من السماع.
تحدث بهدوء: "لدي فكرة عما قد يشتمل عليه اختباري. وأردت فهم… كيف اتخذتِ قرارك".
عقدت إيمي حاجبيها وأحكمت قبضتها على الحقيبة، ومع ذلك ردت.
قالت بصراحة: "اخترت المسار الذي يخرجني بأسرع وقت. ربما لم يكن 'الصحيح' بحسب معيار أخلاقي ما. ولكنه المسار الذي سأسلكه مجدداً".
توقفت، وما زال حذرها يقظاً.
"لا يجيب هذا عن سؤالي. لمَ يعني لك الأمر شيئاً؟"
هدأت أصابع زيد على فنجان الشاي. حدق في السائل طويلاً قبل أن يجيب.
كان صوتاً ليناً: "قلتِ إن الاختبار سيُفصّل بناءً على ما يؤذينا أشد الأذى، أليس كذلك؟ بصفتي، كنت دائماً سجيناً، الآنسة ستيك. سجين القدر. عائلتي. المسار الذي عُدَّ 'صحيحاً' لمن هم مثلي".
رفع بصره، ملاقياً عينيها مباشرة.
"تمركزت حياتي طراها حول اتخاذ الخيارات السليمة. اتباع المسار الأمثل. فعل ما يُتوقع، وما يُعد ضرورياً، وما يسفر عن أفضل نتيجة".
راقبت إيمي صامتة.
استمر زيد، بابتسامة مريرة لامست شفتيه: "الشيء الذي يؤذيني أكثر يبدو جلياً… لا شك أن الاختبار سيطرح عليّ 'مساراً' صحيحاً آخر. خياراً مثالياً آخر".
توقف.
"وددت لو أستطيع أن أكون مثلك".
ارتفع حاجب إيمي.
وقالت بصوت شابه الشك: "مثلي؟"
أكد زيد: "نعم، مثلك. شخص يسلك المسار الذي يشتهيه. ليس المسار الصحيح. ليس المسار الأمثل. بل… المسار الذي يبتغي السير فيه. أحسدك بشدة يا آنسة ستيك. أود أحياناً اقتلاع عينيك ووضعهما فيّ لأتمكن حتى من رؤية جزء يسير مما تراه هاتان… بلا أدنى شك، أنتِ الشخص الذي أُغبطه أكثر..."
فتحت إيمي فاها، ثم أغلقته. لم يخطر ببالها ما تجيب به. ثم مرة أخرى، كيف يُجاب عن شيء كهذا؟ بدا زيد مستشعراً حيرتها فهز رأسه.
"معذرة. استيقظت للتو، وما زال ذهني مشوشاً بعض الشيء".
استقام قليلاً، عائدة له هيبته.
"ما أحاول قوله هو… السبب في وجودي، في هذا الكابوال، ومواجهة هذه الاختبارات — هو أنني تتبعتك".
"تتبعتني؟"
قال زيد بابتسامة خالية من الأسنان: "نعم. حين علمتُ بخطة مجموعة كراو للمجيء إلى هنا وتورطك فيها… لكان الخيار المنطقي والصحيح والآمن هو تجاهلها وعدم المجاطرة بإغضاب الأكاديمية".
توقف.
"لكني ما عدت أرغب في اتخاذ الخيار الصحيح. وللمرة الأولى في حياتي، أردت سلوك المسار الخاطئ".
حدقت إيمي به، مستوعبة كلماته.
"لم أخبر الآخرين، لكنهم ربما اشتبهوا في الأمر بالفعل نظراً لرؤيتهم إياي أستخدم سحر العقيق بينما كنا نهرع نحو الانتقال الآني. لكنني بالحقيقة عضو في قبيلة العقيق".
اتسعت عيناها طفيفاً، وتسربت مفاجأة حقيقية فوق ملامحها قبل أن تكبحها.
"تخبرني بهذا؟"
لم تكن مصدومة بالمعلومة بذاتها؛ فقد علمت بارتباط زيد بقبيلة العقيق منذ فترة. لكن إفصاحه بها علانية وهما يدركان مدى خطورة تلك المعرفة… راقبت زيد رد فعلها، فتحولت ملامحه نحو شيء بدا كالتسلية.
"علمتِ بالفعل، أليس كذلك؟"
ترددت إيمي. شدت كفها على حزام الحقيبة. وبعد هنيهة، أومأت ببطء.
"أجل. علمت".
أومأ زيد ليبدو غير آبه: "اشتبهت في ذلك، رغم رغبة جزء مني بعدم علمك. كيف اكتشفتِ الأمر؟ أقدرتك هي؟"
"ليس تماماً".
عدلت إيمي وضعيتها، موازنة كمية ما ستكشفه. من ناحية أخرى، ائتمنها لتوّه على سرّه الأعظم. أقله تستطيع التحلي ببعض الصدق حيال هذا.
"علمت بالمصدفة. أرانِي كتابي… بينما كنت أستخدامه".
توقفت، ثم أردفت بهدوء أكبر: "كان ذلك في نفس اليوم الذي أقمنا فيه حفلة الشاي تلك، في الواقع".
ارتفع حاجب زيد طفيفاً.
"إذن تعلمين منذ ذلك الحين".
"أجل".
"ولم تبلغي الأكاديمية عني، وربما التاج الملكي أيضاً… لمَ؟"
"أنا… لا أعلم؟"
كيف أخبره أن الخيار لم يخطر حتى ببالي؟ سيظنني غبية! عبثت أصابع إيمي بحزام حقيبتها بينما عمل عقلها بأقصى طاقته. دفاعاً عن نفسي، إنه الشخصية الغامضة الأنموذجية في المانغا؛ كما أنه أحد الأبطال الرئيسيين، ورغم تأديته دور البطل المضاد لم يرتفع منه سوى الخير حقاً. مَن سيبلغ عنه؟؟
بدأت إيمي: "أنا…"
ثم توقف. أطلقت نفساً خائناً ونظرت إلى الأرض، مححرجة قليلاً.
"أظنني وثقت أنك لست معهم لا لتطابق غاياتكم، بل لكونه المسار الوحيد الذي يمنحك ما ترغب… بالأساس، لا أعتقد أنك عدونا…"
رمشت إيمي. مرّت هنيهة صمت بينهما. ثم أطلق نفساً هادئاً ربما كان ضحكة.
"أرى هذا. هذا… مراعٍ بشكل غير متوقع منك يا آنسة ستيك".
تصلّب فك إيمي.
وقالت وهي تعيد عينيها إلى وجهه: "لم أتوقع إفصاحك لي بالفعل. لمَ الآن؟"
ازدادت ملامح زيد جدية. أدركت إيمي أن فنجان شايه اختفى خلال محادثتهما. وحين عاد لينظر إليها، لمعت في عينيه هشاشة لم ترَها قط من قبل.
"أردت فحسب أن تعلمي ثقتي بحكمك. حتى لو — وخاصة لو — قادنا ذلك نحو مسارات ليست 'صحيحة'. لم أكن متأكداً مما أصنعه معك، لكن تلك القدرة المتحدية للقدر بذاته، فضلاً عنك كشخص، أرانِي أن ما حلمت به طوال حياتي ربما يكون قابلاً للتحول شريطة بقائي بجانبك".
فتحت إيمي فاها. تخبطت الكلمات في عقلها، لكن شيئاً لم يصدر، والحقيقة بسيطة: لم تجد نفعاً سوى في خيبة الأمل.
بدأت إيمي: "يا زيد، أنا…"
ثم توقفت. أشاحت ببصرها، ويعمل فكها.
"ينبغي علمك بأنني سيئة حقاً في هذا تاريخياً. أعني تلبية التوقعات. عادة ما ينتهي المطاف بالمنادين بالإيمان بي خائبين".
لا والداها، ولا ميرا، ولا ليبريس، ولا حتى نصفها طوال الوقت. فكرة وضع زيد ثقته فيها لترشدهم جميعاً نحو الحرية بطريقة ما… لو اقتصر الأمر على قدرتها الخاصة ل استوعبت، لكن هي… دفعتها للرغبة في الضحك. أو ربما التقيؤ. يصعب تمييز أيهما.
استمرت بصوت مسطح: "لستُ من تظنينني عليه. أنا أفعل فحسب ما أظنه مابقياً لنا أحياء. هذا كل ما في الأمر. تنجح أحياناً. وأحياناً لا تفشل".
أطال زيد النظر إليها. ثم ابتسم بصمت. ابتسامة مزيفة للغاية.
قال بعد وقفة: "على أي حال، لدي طلب. ما إن تهدأ الأمور، حتى أود سؤالك شيئاً".
رمشت إيمي، متربصة ببعض الذهول، لكنها لم تلبث أن أومأت بتردد طفيف.
"إن كان معقولاً وفي حدود قدرتي، فإذن أجل، بالطبع".
أومأ زيد، ثم مدّ يده داخل معطفه. وحين برزت كفّه، أمسكت شيئاً صغيراً ودائرياً — بوصلة ربما؟ لا، ليس تماماً. صُنعت من معدن داكن حُفرت على سطحها رموز غريبة، ونبضت بوهج كهرماني خافت.
قال عارضاً إياها عليها: "خذي هذه. إنها أقطاب إخفاء. شبيهة بما استخدمته لإخفاء نفسي الآن. متى فُعّلت، فستحجب حضورك عن الاكتشاف — سواء أكان بصرياً أم سحرياً أم غير ذلك. يستمر التأثير قرابة عشرين دقيقة قبل الحاجة لإعادة الشحن وتعمل مع شخص واحد فقط".
تناولت إيمي الأثرة بعناية، تقلبها في كفها. كانت دافئة الملمس.
"أنت… تعطيني هذه هكذا؟"
أجاب زيد: "أستخدمها حصراً في حالات الطوارئ حين ينفد مانا الخاص بي. نظراً لظروفنا الراهنة، لعلّك بحاجة إليها أكثر مني. المسار العائد حيث ينتظر الآخرون ليس آمناً. قد تكون مخلوقات الفوضى مجمدة الآن، لكن المزيد قد يظهر في أي لحظة".
توقف.
"علاوة على ذلك، أظن أنك ستحتاجين إلى كل ميزة ممكنة لما هو آتٍ".
انطبقت أصابع إيمي على الأثرة. رفعت بصرها إليه، متأكدة من خلوّ قامته من التردد قبل أخذها.
قالت بهدوء: "شكراً".
أمال زيد رأسه.
"لا داعي للامتنان يا آنسة ستيك. فقط… حاولي ألا تموتي ريثما أكون منشغلاً باختباري. سيكون ذلك مزعجاً للغاية".
رغم كل شيء، الإرهاق، شعرت إيمي باهتزاز شفتيها طفيفاً.
"سأبذل قصارى جهدي".
"هذا جلّ ما أطلبه".
استدار زيد نحو الباب الأحمر. تحركت كفه نحو المقبض، ثم توقفت. التفت بكتفه للخلف مرة أيرة أخيرة.
"الآنسة ستيك؟"
"أجل؟"
قال زيد بهدوء: "حظاً سعيداً".
قابلت عيناه وأومأت.
"وأنت أيضاً".
بلا كلمة أخرى، أدار زيد المقبض ودفع الباب الأحمر مفتوحاً. مهما حاولت، لم تستطع إيمي رؤية ما وراءه؛ لم يظهر سوى الظلام. نظر زيد للخلف مرة أخرى قبل أن يجتاز العتبة بخطوة مضطربة. انغلق الباب خلفه بنقرة هادئة، وليختفي بعدها. وقفت إيمي وحدها في الممر المتجمد، تحدق في الباب الأحمر لحظة أخرى. ثم استدارت، معدلة حقيبتها ومتحققة من أمان أثرة الإخفاء في جيبها. حان وقت العودة.
-————- ■ -————-
كانت الممرات خالية. تردّد صدى خطوات إيمي في الأروقة المغطاة بالجليد، ووجدت نفسها تمشي بحذر أكبر، مع أن القطعة الأثرية كان من المفترض أن تخفي حضورها تماماً. لا تزال مخلوقات الفوضى المتجمدة هناك، مغروسة في الجليد على طول الجدران والسقف. كان لين وإيريس دقيقين للغاية. دقيقين للغاية حقاً. لكن هذا الصمت أقلقها. تحركت يد إيمي إلى حقيبتها اليدوية. لامست أصابعها غلاف ليبريس عبر القماش.
كان الكتاب لا يزال دافئاً، ولا يزال نائماً. استمرت في المشي. لا حركة بعد الآن. ولا صوت سوى صوت تنفسها. تصاعد شعور إيمي بجنون العظمة. تسارعت خطواها قليلاً. وسرعان ما ظهر شيء في الرؤية. كان شيئاً، على تناقض مع طبيعته، جعل دفاعات إيمي تسترخي. تعثرت خطواها، وبطأ نبض قلبها. ربما كان شعورها بجنون العظمة مجرد وهم، جنون عظمة بحت. تتداخل حواجز الجليد في الممر على شكل طبقات، وكل منها يحمل علامات تحذير بدائية محفورة في الجليد.
كُتب على إحداها: "احذر، فخاخ في الأمام".
وكُتب على أخرى: "عُد أدراجك إن كانت لك أعضاء تثمنها"، بخط يرجح أنه لإيريس، حُكمًا من سوء كتابته والرسم البدائي الصغير لشخص عصوي يخترقه رمح.
ورت الحواجز، استطاعت إيمي رؤية الفخاخ الفعلية. تبرز رماح حجرية من الأرض. وُضع بعضها على ارتفاع الكاحل، وأخرى عند مستوى الصدر. وتدلى القليل منها من السقف مثل الهوابط. عبرت إيمي وسطها بحذر، ولا تزال قطعة الإيذاء الخاصة بها نشطة. تخطت أسلاك التعثر، وانحنت تحت شفرات الجليد المتدلية، وعصرت نفسها عبر الفجوات في الحواجز، مستخدمة قدرتها أحياناً تحسّباً لأي شيء ربما فاتها.
اقتربت من المدخل الفعلي للقاعدة، الغرفة التي أعدوا فيها موقعهم الدفاعي وحيث يرتبط كراو بالباب الرئيسي، وسمعت أصواتاً.
"—سخيف! لا يمكنك قول أشياء كهذه هكذا بساطة!"
"لم لا؟ إنه صحيح."
"ليس صحيحاً على الإطلاق!"
"ليرا، وجهك بلون الطماطم حرفياً الآن."
"هذا لأنني غاضبة، وليس لأن—أف! أنتم مستحيلون!"
تجاوزت إيمي الحاجز الأخير ووجدت مصدر النقاش. وقف آش وليرا عند المدخل، في وضعية الحراس، مع أن أياً منهما لم يبدُ متيقظاً بشكل خاص في هذه اللحظة. كان آش يستند إلى الجدار ويداه متقاطعتان وابتسامة على وجهه. في هذه الأثناء، وقفت ليرا مقابلة له وذراعاهما تلتفان حول جسدها بدفاعية وخدّاها حمراوان حقاً.
تابع آش، مستمتعاً بوضوح: "أنا أقول فقط، لقد كنت تحومين حوله مثل دجاجة أم منذ أن وصلنا إلى هنا. تفحصين نبضه كل خمس دقائق، وتعدلين وضعيته، وتتأكدين من أنه 'مرتاح'—"
ردت ليرا بحدّة: "إنه يفتقر إلى ذراع كاملة. بالطبع أتأكد من أنه مرتاح! هذا يسمى لياقة بشرية أساسية، وليس—وليس أي شيء مما تلمح إليه!"
قال آش ببراءة: "أنا لا ألمح إلى شيء. أنا أقر بحقيقة ملاحظة. لديك إعجاب ضخم، وواضح، وشفاف تماماً—"
"يا آش، أقسم بالملكة—"
حنحنت إيمي. انتفض كلاهما، والتفّا حولهما بدرجات متفاوتة من الذعر. رفع آش يده بينما اشتعل ضوء شفاء ليرا للحياة حول أصابعها. ثم رأيا أنها هي، وانكسر التوتر بتنهيدة جماعية.
"إيمي!"
تحول تعبير ليرا فوراً من الحذر إلى المفاجأة.
"شكراً للملكة، لقد عدتِ. كيف سارت الأمور؟ هل أنت مصابة؟ هل—"
توقفت عن الكلام، وبدت وكأنها تذكرت شيئاً.
"هل رأيت ليرا وإيريس في طريقك؟ لقد ذهبتا لتطهير قسمك بعد أن بدأت كل المخلوقات في الظهور."
هزت إيمي رأسها.
"رايت النتائج. الكثير من الحشرات المتجمدة. بعض الحفر. لقد قامتا بعمل جيد."
توقفت.
"لكن لا، لم أرهما. ربما أخطأتهما بينما كنت مشغولة."
"أرى."
أومأت ليرا برأسها، ثم بدت وكأنها تفحص إيمي بعمق.
"وكيف حالك أنتِ؟ لقد عدتِ بسرعة فائقة. هل أكملت الاختبار؟"
"أنا بخير، و أجل، لقد فعلت ذلك."
"بخير، أها؟"
دفع آش نفسه بعيداً عن الجدار، وتلاشات ابتسامته.
"هذه إحدى طرق وصف الأمر. تبدين سيئة للغاية."
قالت ليرا بصوت خافت: "يا آش..."
"ماذا؟"
بدا آش مرتبكاً لفترة وجيزة قبل أن يوسع عينيه قليلاً متفهماً.
"اهدئي، لا أعني ذلك بطريقة فظة. أنا فقط أقول إنها تبدو سيئة للغاية، سيئة جداً..."
أشار إلى وجه إيمي. شعر إيمي برعشة في عينها. لم يكن لديها وقت لهذا.
"انتهى الاختبار. هذا كل ما يهم."
"صحيح، صحيح."
"على أي حال، ماذا حدث أثناء غيابم؟"
أصبح تعبير آش أكثر جدة قليلاً وكأنّه تذكر.
"أصبحت الأمور صعبة بعض الشيء أثناء غيابك، لكننا تدبرنا الأمر. زايد، بتنبؤاته، حمانا من الكمائن، ولين حول هذا القسم بأكمله إلى حصن متجمد. وفي هذه الأثناء، أنا وإيريس..."
أطلق صفراً خفيفاً.
"دعنا نقول فقط إن مخلوقات الفوضى تعلمت سبب عدم العبث مع شخص يمكنه اللكم عبر السبج الصلب. كانت ليرا هناك أيضاً، أظن."
حدقت ليرا في آش بوجه منزعج لكنها لم تعقب، بل حرصت فقط على إظهار استيائها الواضح من التعليق الأخير.
قالت إيمي بعد فترة توقف: "إذن..."
"لقد فزتم بسهولة إذن؟"
"نسبياً? نجل."
خدش آش مؤخرة رأسه.
"كان هناك عدد أكبر بكثير مما توقعناه. صغيرة الحجم، في الغالب. مثل أن الحاجز يصفي الكبيرة لكنه يترك الصغار الأوغاد يعبرون بطريقة ما."
توقفت.
"كان لزايد بعض النظرية حول ذلك قبل أن يختفي. شيئاً ما عن حدود الاختراق القائمة على الحجم؟ لم أكن منتبهاً حقاً."
رمقتها ليرا بنظرة.
"كان يجب أن تكون منتبهاً. فهم كيف يعبرون قد يكون حاسماً لـ—"
"ليرا، كنت مشغولاً بإعداد فخاخ المسامير. تقسيم العمل."
"تقصد أنك كنت كسولاً—"
"أعني أنني كنت استخدم مواهبي بكفاءة—"
تنهدت إيمي، ثم استرخيت أخيراً. بدا أن الأمور سارت بشكل جيد حقاً في غيابها. كانت تقلق بلا داع حقاً. هؤلاء هم الأبطال بعد كل شيء، وكلهم أكثر حيلة وفائدة بكثير مما كانت هي عليه. يجب أن تثق بهم أكثر على الأرجح. بينما استمر آش وليرا في التجادل، تجاهلتهما إيمي، وانزلق نظرها متجاوزاً إياهما نحو مدخل الغرفة الرئيسية. استطاعت رؤية وهج المزيد من الهياكل الجليدية في الداخل، والمواقع الدفاعية المرتبة بعناية، و— ظهر سؤال فجأة.
"هل ما زال كراو...؟"
توقفت عن الكلام، غير متأكدة تماماً كيف تنهي السؤال. ما زال فاقداً للوعي؟ ما زال يعمل كدرع لحم لهم؟
"أه!"
اشرق وجه ليرا فوراً، ثم، عندما رأَت آش يمنحها ابتسامة منتصرة، احمر وجهها.
"في الواقع، هذا هو—أعني، إنه—"
بدت وكأنها تصارع الكلمات للحظة.
"لقد استيقظ بالفعل."
رمشت إيمي، وبدا وجهها بوضوح طالباً المزيد من المعلومات.
أضافت ليرا بسرعة: "لقد كان غائباً عن الوعي تماماً في البداية. مرتبكاً بشأن مكان وجوده، وما حدث."
نما تعبيرها المؤلم.
"شرحنا كل شيء، وتقبل الأمر بشكل جيد بشكل مدهش، بكل ما أُخذ في الاعتبار. أفضل مما كنت سأفعله لو أخبرني أحدهم أنني خضعت لنوع من الطقوس وأنا فاقد للوعي."
قال آش ببهجة: "هذا لأن كراو ممسحة أرجُل مخفية. لا إهانة لبطلنا المقيم، لكن الرجل ربما يشكرك على طعنه إذا كان لديك سبب وجيه بما فيه الكفاية."
بدأت ليرا تحتج: "هذا ليس—"
ثم بدت وكأنها تنكمش قليلاً.
"حسناً، ربما هناك بعض الحقيقة في ذلك. ولكن مع ذلك! إنه متفهم للغاية بشأن الأمر برمته."
شدت أصابع إيمي قليلاً على حزام حقيبتها.
"أين هو الآن؟"
قالت ليرا وهي تشير نحو الغرفة الرئيسية: "حيث تركناه، بجوار الباب الرئيسي للأكاديمية. يستريح، في الغالب. أخبرناه أن يبقى صامتاً نظراً لأن الطقوس لا تزال نشطة، لكنه كان مستيقظاً لمدة..."
ألقت نظرة على آش. هز آش كتفيه.
"عشرين دقيقة؟ ربما عشرة؟ ليس لدي ساعة، لذا لا أعلم."
أومأت إيمي برأسها، وكانت تتحرك بالفعل متجاوزة إياهما.
"إذا احتججتم إلي، فسأكون هناك أستريح؛ مانا الخاصة بي ناقصة بعض الشيء."
نادته ليرا: "أه، انتظري—إيمي؟"
توقفت إيمي، والتفتت للوراء. كان تعبير ليرا قد تحول إلى شيء أكثر تردد.
"هو، اممم... لقد سأل عما إذا كان بإمكانك التحدث إليه. عندما تعودين، أعني. قال إنه أمر مهم."
تصلبت معدة إيمي بلا تفسير.
"مهم بأي طريقة؟"
"لم يقل."
عضت ليرا شفتها.
"لكن بدا مصراً جداً على ذلك. أعتقد..."
توقفت، ثم أضافت بهدوء أكبر، "ربما يريد أن يشكرك أنت وكتابك على إنقاذنا...؟"
أضاف آش بمساعدة: "أو يصرخ في وجهك لاستخدامك إياه طعماً. احتمالات خمسين-خمسين حقاً."
تصلب فك إيمي قليلاً. لم تكن تريد التعامل مع أي من الاحتمالين الآن على وجه الخصوص. لكنها لم تستطِع تجنب ذلك للأبد أيضاً.
قالت بعد لحظة: "حسناً. سأتحدث إليه."
قبل أن تتمكن حتى من خطو خطوة، أمسكت يد ليرا بذراعها. رفعت إيمي حاجبها متسائلة. بدت ليرا منزعجة، لكنها تكلمت أخيراً.
"فقط... كوني حذرة معه. حسناً؟ لقد مر بالكثير."
حدقت إيمي في تعبير ليرا الحزين ثم في آش، الذي كان يعض شفتيه بقوة. في النهاية، أومأت برأسها وتجاوزت الاثنتين أخيراً ودخلت الغرفة الرئيسية. كانت الغرفة تماماً كما تركتها، مطروحاً منها إضافات المزيد من حواجز الجليد والهياكل الدفاعية. رقد كراو في نفس الوضع بالقرب من الباب الرئيسي للأكاديمية، لا يزال عاري الصدر، بينما تنبض الخطوط الحمراء المتوهجة لدائرة الطقوس بشكل خافت عبر بشرته بانتظام مع ضربات القلب.
لكن عيناه كانت مفتوحتين الآن. كانتا تبتعدان عن أي شيء معين—ليس السقف، ولا الجدران، فقط... مكان ما بعيد. لم يتابع حركتها عندما اقتربت. لم يمنح أي رد فعل حتى كانت تقف بجانبه مباشرة. وجدت إيمي نفسها تبطئ على الرغم من بذل قصارى جهدها للحفاظ على خطوة ثابتة. توقفت على بعد قدمين، معدلة حقيبتها مرة أخرى من عاتقة عصبية.
"كراو؟"
تحولت عيناه نحوها، وكانت الحركة بطيئة. عندما تحدث، خرج صوتاً مسطحاً وأجش، وكأنه كان يصرخ لساعات.
"...لقد عدتِ."
لم تكن تحية. مجرد تقرير بحقيقة، أُلقي دون ذرة واحدة من الطاقة. حدقت إيمي فيه. تحركت يدها إلى ليبريس عبر قماش حقيبتها. امتد الصمت بشكل مزعج. كان بصر كراو قد ابتعد بالفعل عن وجهه، عائدًا إلى التحديق في لا شيء.
تمكنت إيمي من القول أخيراً: "أردت التحدث معي...؟"
"...نعم."
أومأ كراو برأسه بشكل خافت؛ وخرجت الكلمة بالكاد فوق الهمس.
"أريد ذلك."