أضاء الضوء الأصفر الشاحب صفحات الكتاب البالية بينما قلب أدولين الصفحة التالية. كانت الشمعة مشبعة بالأعشاب، إذ تنشر عطراً منعشاً برائحة النعناع. عقد حاجبيه مجدداً. مر أكثر من شهر منذ أن منحته ليرا تعويذة صنع الشاي، وما زال لا يملك أدنى فكرة عن طريقة عملها. كانت التعويذة... ناقصة. علمه كتاب التعويذة أنماط المانا الأساسية، وكانت هي الأخرى ناقصة. علمه طريقاً مختصراً لإنتاج أنماط المانا بأقل جهد، تلاه تعويذ شفويّ أكمل التعويذة.
لم تكن تلك هي الطريقة التي تعمل بها التعويذات. كل خطوة معقدة كانت ضرورية لتسري التعويذة. تشكيل أنماط المانا، وتغيير طبيعة المانا ونوعها، ثم إضافة ما يكفي من المانا إلى النمط ليؤدي عمله. تبعاً للتعويذة، كانت هناك خطوات صغرى أخرى كثيرة ينبغي المرور بها لإلقائها. لم يعلم كتاب التعويذة شيئاً سوى أنمط المانا الأساسية التي تحتاج إليها التعويذة، وبطريقة ما، أكمل الترتيل الباقي.
ترك الكتاب على الطاولة وأسند ظهره إلى الوراء. كان الأمر... لم يكن متأكداً كيف يعمل. كان لغزاً بالنسبة إليه. أخرج أدولين فنجان شاي —الفنجان ذاته الذي استولى عليه من ضيعة الكونت— ووضعه على الطاولة. ركز على أنماط المانا التي تعلمها من الكتاب.
"يا أم الأرض والموقد، استيقظي يا ما يكمن في الورقة. دعي الماء يحمل جوهرها، والوعاء يأخذ شكله."
بينما كان الفنجان يمتلئ ببطء، تقبض جسده كله اشمئزازاً من التعويذة المنطوقة. لا عجب أن ليصاندرا تمتمت بها. لم يكن متأكداً من قدرته على استخدام تعويذة حقيقية على الملأ. حتى تلك التي اختلقها جعلته يشعر بشعور فظيع... تخلى عن قبضته على أنماط المانا وحدق في الشاي. لقد نجحت التعويذة... ولكن كيف؟ لم يكن مفترضاً لأنماط المانا وحدها أن تفعل شيئاً، ومع ذلك نجحت التعويذة. ألقى نظرة نحو الفنجان.
تصاعد البخار تحت ضوء الشمعة الشاحب، وملأت الغرفة رائحة أرضية زهرية. التقط الفنجان، وأدار السائل داخله بينما كان يشاهد السائل الكهرماني يرقص. بطريقة ما، نجحت التعويذة، وهو لا يدي لمَ حدث ذلك، الأمر الذي أزعجه كثيراً. أخذ رشفة وأغمض عينيه. كان الشاي مختلفاً عن ذاك الذي تناوله في منزل ليصاندرا. كان طعمه شبيهاً بشاي المفضل، أرضياً مع لمسة زهرية. أما الشاي الذي صنعته له ليصاندرا بالتعويذة نفسها فكان له طعم فاكهي.
ازداد عبوس أدولين عمقاً. أخرج فنجاناً آخر ووضعه بجانب الأول. شكل أنماط المانا وشرع في ترديد الكلمات ببطء بينما كان يركز على التعويذة. بدا أن كل كلمة تغير أنماط المانا وتعدلها. وحين نطق الكلمة الأخيرة، تغيرت طبيعة المانا، رغم أنه لم يكن متأكداً إلى أي شيء تحولت. امتلاء الفنجان بعد لحظات، حاملاً الرائحة ذاتها التي للآخر. أخذ رشفة من الشاي المثالي واستمتع بها لبضع لحظات قبل أن يقدأ ويمشي ذهاباً وإياباً في الغرفة.
كانا يقيمان في مزرعة صغيرة تبعد يومين عن مدينة فولك. ويا لحسن الحظ، فللمرة الأولى منذ بدء الرحلة، باتت لديه غرفة خاصة به. لم تكن شيئاً مميزاً، لكنه حظي بالخصوصية، وهي أهم ما بالنسبة إليه. ضمت الغرفة سريراً وطاولة واحدة؛ وكان هذا كل ما بداخلها. لقد استبدل مرتبة القش بتلك التي جلبها من مخزونه. من كل ما تعلمه عن التعويذة، كانت... لم يكن متأكداً كيف يصفها. كان الأمر كما لو أن الترتيل يكمل التعويذة، في حين أن كل ما احتج إلى فعله هو تشكيل نمط مانا أساسي يشبهها قليلاً.
كان هذا كل ما طُلب منه لإلقاء التعويذة، ولم يكن لذلك أي معنى لديه. لم يكن مفترضاً لإلقاء التعويذات أن يعمل بهذه الطريقة. استغرق الأمر أقل من دقيقة لتعلم نمط التعويذة الأساسي وأكثر من ساعة لتعلم الترتيل. كانت الكلمات تحمل خشونة في طياتها، وعندما رتلها، انتابه نوع من الشعور السحري. وكأن الكلمات... لم يكن متأكداً كيف يصف الشعور سوى بأنه سحري. جعل تعلم التعويذة يفهم سحرة هذا العالم بشكل أفضل.
الفرق بين تعلم التعويذات كما يُفترض بالسحرة أن يتعلموها وبين تعلمها بالتراتيل كان كبناء شيء من الصفر مقارنة بتلقي معظمه جاهزاً بالفعل. استغرقت بعض التعويذات شهوراً، بل سنوات، ليتعلم كيفية إلقائها بالشكل الصحيح. ومع التراتيل، لن يستغرق الأمر أكثر من بضعة أيام. ربما تستغرق الأصعب منها شهراً على الأكثر، اعتماداً على ما إذا كان الساحر يعرف أساسيات إلقاء التعويذات. لقد غیرت تعويذة صنع الشاي البسيطة نظرتَه للعالم بأكمله.
كانت شيئاً سيبقى يزعجه حتى يعرف سبب طريقة عملها وكيفيتها. احتاج إلى العثور على المزيد من كتب التعويذات ودراستها حتى يفهم كيف يعمل النظام بأكمله. وكلما اختبر المزيد من التعويذات، فهم أكثر ما تفعله التراتيل في الواقع. البركة، فكر. كان هناك احتمال كبير بأن كل شيء مرتبط بالبركة. أو ربما الزنازين؟ كان كتاب التعويذات الذي درسه قد عُثر عليه في إحدى الزنازين. وكلما فكر في الأمر، بدا أكثر فأكثر وكأن البركة والزنازين مرتبطتان بطريقة ما.
وربما كان مخطئاً تماماً في هذا الأمر بأسره، لكنه بدا منطقياً بالنسبة إليه بطريقة ما، رغم أنه لم يفهم السبب. كان تعلم التعويذات التي تتطلب تراتيل أسرع بكثير من الطريقة المتبعة في عالمه القديم، ومع ذلك كانت أسوأ شيء يمكن أن يفعله الساحر. لم تكن الطريقة صالحة إلا لتعلم التعويذات بسرعة وليس لأي شيء آخر. استغرق إلقاء التعويذة وقتاً طويلاً، وضاعت كل التفاصيل الدقيقة التي يتعلمها المرء من خلال ممارسة التعويذات إلى أن تعمل.
وحتى لو بدأ بتعليم طريقته في هذا العالم، سيجد السحرة صعوبة بالغة في تعلم أي شيء. من خلال الترتيل، تخطوا أهم الخطوات في إلقاء التعويذات، وهي خطوات عادة ما تستغرق من الساحر العادي سنوات لتعلمها. أخذ رشفة أخرى من الشاي وتابع التجوال في أنحاء الغرفة. غير هذا الاكتشاف كل شيء بشأن المهمة التي استأجره ريفل من أجلها. كيف يُفترض به أن يعلم الناس تعويذات الشفاء وهم لا يعرفون حتى أساسيات إلقاء التعويذات؟
ربما كان مخطئاً، وكان سحرة هذا العالم يتعلمون الأساسيات قبل العودة إلى ترتيل التعويذات، لكنه راوده الشك في ذلك بطريقة ما. إن كان على حق، فإن جلب سحر الشفاء إلى سحرة هذا العالم سيمثل صداعاً هائلاً. سيكون عليه تعليمهم كما لو كان يعلم الأطفال. مجرد محاولة تحطيم معتقداتهم بشأن السحر والمانا... لو أنه علم مسبقاً بكيفية عمل التعويذات في هذا العالم، لما كان متأكداً البتة من أنه سيقبل العمل.
هوى على المرتبة الناعمة وأطلق أنيناً.
تمتم: "مهما يكن."
على الأقل كان بإمكانه أخيراً صنع الشاي متى شاء. حدق أدولين في سقف الغرفة. كانت هناك أمور كثيرة تدور في خلدة. توقيعا المانا اللذان ظهرا خارج ضيعة الكونت قبيل انتقاله الآني مباشرة. كانا... بقوة تعادله على الأقل قوته في عالمه القديم، إن لم تكن أشد. التنظيم. المفسدون. كانت حياته تزداد تعقيداً حقاً. هذا لاحقاً. أما الآن، فقد حصل أخيراً على بعض الوقت لأخذ قسط من الراحة، وبعض الخصوصية، و...
مرتبة مريحة حقاً. نوى الاستفادة منها تماماً. حتى القط الصغير قد أُبعد عن طريقه. ابتسم وأغمض عينيه. أمامه يومان ليستمتع بوقته حتى يفرغ التاجر من أعماله في المرعة، ولم ينوه أدولين بمغادرة الغرفة حتى ذلك الحين.
تمتم: "أخيراً."
بينما كان يستمتع بنعومة المرتبة وصمت الغرفة الفارغة، قاطع طَرْقٌ عالٍ هدوءه. لا. لا بد أنني أتخيل أشياء. بعد لحظات قليلة، صدر طرقتان أخريان من الباب. استمر في تجاهلهما. سيصيبهما التعب في نهاية المطاف وينصرفان، آملأ أن يتركاه وشأنه طوال ما تبقى من إقامتهما في المرعة.
قال صوت امرأة من خلف الباب: "داريث."
حسناً، كان صوت ريفل، لكن ذلك لم يكن يهم. داريث، تمتم في سريرته. سيصبح ذلك مشكلة... أليس كذلك؟ لا سيما حين تتقدم قوات الكونت شمالاً. أطلق أنيناً. لمَ أعطى اسمه الحقيقي آنذاك؟ كيف سيوضح ذلك؟ هذا... أجل. لم تكن هناك طريقة يوضح بها الأمر. لم يكن هناك عذر سينقذه هناك. على الأقل، في الوقت الحالي، ربما سيتفتق عقده عن شيء قبل وصولهما. جاء طرق آخر، أعلى صوتاً هذه المرة.
قال: "ادخلي."
لم تكن هناك طريقة ستدعه وشأنه وحسب، وبهذه الطريقة يمكنه الانتهاء من الأمر أسرع. هذا ما تمناه. فتح الباب، ودخلت ريفل مغلقة إياه خلفها. ألقت نظرة نحوه.
"أأيقظتك؟"
قال عابساً: "شيء من هذا القبيل."
هزت ريفل كتفيها وجلست على الكرسي، متأملة الطاولة.
"تعويذة جديدة؟"
"شيء من هذا القبيل."
"أنهى السيد إيلدريتش التبادل أبكر مما كان مخططاً له. غداً عند الفجر، ستتحرك القافلة نحو فولك."
ألم يكن بإمكانه الحصول على استراحته المستحقة ليومين؟
"ممم... أيمكننا البقاء ليوم إضافي؟"
هزت ريفل رأسها.
"القافلة متأخرة عن جدولها أصلاً. لقد فقدنا أسبوعاً كاملاً بانتظارك."
تمتم: "حسناً. سأكون جاهزاً."
نهت ريفل وابتسمت.
قالت قبل أن تغادر الغرفة: "الطعام جاهز."
لم يرغبوا حقاً في إعطائه أي وقت لتصفية ذهنه. كان الأمر يزداد إزعاجاً. كل ما أراده هو يومان... يومان، وبدا أن ذلك طلب كبير للغاية. أخرج نفساً ببطء بينما واصل التحديق في السقف. في الشهر المنصرم منذ مغادرته ضيعة الكونت، لم يستطع رفع مستواه سوى سبع مرات فحسب، رغم استمراره في استخدام تعويذات جديدة كل يوم. صار رفع مستواه أكثر صعوبة، ولم تكن لديه فكرة عن عدد التعويذات الجديدة التي يحتاج إلى استخدامها الآن لرفعه.
لقد تتبع الأمر، لكن زيادات المستوى لم تكن منطقية. أول زيادة له، إلى المستوى الثاني والخسين، استغرقت سبع تعويذات. واستغرقت التالية عشراً، ثم التي تليها ثلاثاً فقط. وهناك زيادة في المستوى حدثت حتى حين ألقى تعويذة صنع الشاي للمرة الأولى. سيتعين عليه العثور على مزيد من المعلومات حول البركة قريباً. ألقى أدولين حاجزاً عازلاً للصوت داخل الغرفة واستخدم تعويذة أخرى لإقفال الباب.
لن يسمح لأحد بإزعاجه حتى الغد.
تمتم مغمضاً عينيه: "لا أحد."
... جلس أدولين في مقدمة العربة الأولى، وإلى جواره السيد إيلدريتش. تدحرجت عجلات العربة على الطريق، والحجارة تتكسر تحت ثقلها. اكتست السماء بلون برتقالي مع مسحة وردية في المنتصف. كانت التضاريس جبلية في الغالب، ويزداد الطقس برودة كلما سافروا شمالاً. قريباً، توقع رؤية أول تساقط للثلوج في العالم الجديد. وما إن تجاوزا طريق الجبل المرتفع، حتى أبصر مدينة فولك. كانت مستقرة بين جبلين في وادٍ، مع نهرين يتدفقان نزولاً من الجبال وخلال المدينة.
طوق سور كبير معظم فولك، بينما أحاطت بها عشرات المزارع والمباني. كلما اقتربا، لاحظ المزيد من العربات المتحركة باتجاه المدينة. كان هناك ما لا يقل عن عشرين منها.
قال السيد إيلدريتش: "إمدادات."
استدار أدولين نحو الرجل بنظرة متسائلة.
"منذ أن أصبح خط القتال أكثر نشاطاً، تضاعفت الحاجة إلى الإمدادات، وكل تاجر في الجوار يتجه شمالاً بحثاً عن فرص أفضل وتجارة أوسع."
أومأ أدولين برأسه.
"دائماً ما تُجنى القطع المعدنية في الحروب."
ابتسم السيد إيلدريتش.
"هذا صحيح."
كلما اقتربا من المدينة، شعر أدولين بشيء مألوف أكثر، رغم أنه لم يستطع تحديد ما هو بالضبط. محا المسار النهر قريباً، والمياه ترتطم ببطء بالصخور. كان للصوت تأثير مهدئ على عقده. ربما كان بإمكان إبناء منزله بجانب نهر. نهر يتدفق عبر حديقته سيكون أمراً لطيفاً حقاً. كان الحديث مع السيد إيلدريتش... لم يكن يمانعه حقاً كثيراً. لم يكن الرجل الطاعن في السن مزعجاً، وظل يمده بمعلومات جديدة عن العالم.
كانت تتعلق في الغالب بالتجارة، لكنها ضمت كماً هائلاً من المعلومات التي استطاع أدولين استخلاصها. كانت السلع التجارية إحدى أفضل الطرق لمعرفة ما يدور في منطقة ما. كانت البضائع المتدفقة شمالاً أسلحة وأغذية وأعشاباً كيميائية في الغالب. وكان ذلك عادة مؤشراً جيداً على الحرب. الشعور المألوف الذي استشعره ازداد قوة كلما اقتربا من قلعة المدينة. لقد كانت المانا. ولم يكن هذا الألف مأخوذاً من هذا العالم.
ركز على إدراك المانا الخاص به... كانت تلك آخر مانا استشعرها قبل انتهاء حياته في قلعة ملك الشياطين.