كان نيكولاس يروح ويجيء في الغرفة المظلمة. لم يستطع الثبات ورجاله يُذبحون فوق السطح. نبض ضوء أزرق خافت من زاوية الغرفة، وكان مصدر الضوء الوحيد. أخذ نفساً عميقاً. لم يؤنسه سوى رائحة الأرض الرطبة. استلقى في الزاوية أثر قطعة أثرية زجاجية محطمة. لحسن الحظ لم تكن الوحيدة. استطاع عبر أخرى أن يراقب ما يجري في الأعلى. في آخر مرة نظر فيها، كان الصبي... الساحر يقاتل كبير سحرة. انتصر بطريقة ما.
لم يدرك نيكولاس كيف، لكنه انتصر. لم يبدُ أدولين في حالة جيدة بعد المعركة. كانت الملابس التي أعدها له نيكولاس بنفسه حين وصل إلى القصر ممزقة. ومع ذلك، تلاشت جراحه بعد لحظات. وجد نيكولاس صعوبة في تصديق أن ساحراً بهذه القوة الغاشمة يملك أيضاً قدرة الشفاء. قدرة الحياة. طرد الفكرة من رأسه وعاد يروح ويجيء حول الكرسي في وسط الغرفة. ينتظر اللحظة المناسبة لمغادرة المخبأ، والانضمام للمعركة، والثأر لرجاله.
كان هذا أصعب ما فعله في حياته. الانتظار. بعد دقائق، توقف وجلس على الكرسي. استقرت القطعة الأثرية على طاولة صغيرة بجواره، لكنه تجاهلها. لم يكن واثقاً من قدرته على متابعة مهمته إن رأى ما يحدث في الخارج. كانت الأرض تهتز كل بضع ثوانٍ. ومع كل هزة، شعر بحلقه يجف. استل رمحه من مخزونه وأسنده على ساقيه. أخرج قطعة قماش وبعض الزيت وبدأ بمسحه. كان ذلك الشيء الوحيد الذي يهدئ روعه ويمنعه من التفكير فيما يجري بالخارج.
مر الوقت ببطء. شعرت بكل ثانية كأنها دهر، وتصاعد غضبه. انضم الكرسي إلى القطعة الأثرية في الزاوية، محطماً إلى مئات القطع. ظل يختلس النظر إلى القطعة الأثرية على الطاولة، لكنه لم يملك الشجاعة ليلتقطها. فعل ذلك سيصعّب عليه إتمام مهمته، ولم يرد ذلك. عليه أن يفعل كل ما في وسعه لينجزها. لا يعني هذا أن عليه أن يحبها. ليست كل مهمة مما يحب، هكذا حدّث نفسه. المهام التي يكرهها هي الأحق بالإتمام حتى النهاية، لا التوقف قبل بلوغها.
بما أن سيده طلبه ليكون الورقة الرابحة الأخيرة، فسيكون كذلك. عاد يروح ويجيء واقترب من الجدار. كانت الشقوق قد ظهرت عليه بفعل القتال في الخارج. مهما كان ما يحدث على السطح، فهو أخطر بكثير مما توقعوا، و... ارتطم قبضته بالجدار. تناثرت قطع الحجر في أرجاء الغرفة الصغيرة حين اخترقت يده الجدار حتى كتفه. تألم، لكنه تجاهل الألم... لا. أراد الألم. جعله يشعر بشيء. شيء غير الحزن الذي يتراكم في أعماقه.
ثم ضرب الجدار مجدداً. ومرة أخرى. ومرة أخرى. سرعان ما انهار الجدار وتسرب التراب إلى الغرفة. لم ينهَر تماماً، إذ كانت الرموز لا تزال تمسكه، لكن لو استمر، ستفشل هي أيضاً، وسينتهي به الأمر بدفن نفسه حياً. في الجهة الأخرى من الغرفة، ومض ضوء أحمر، فأسرع نحوه. توقف بجانب الطاولة وحدق في الضوء الوامض. كان الأحمر لقطعة التواصل، بينما الأزرق للإشارة. عدّ الومضات بينما يترجم الرسالة في عقله.
لقد حُذّر الإمبراطور وغادر القلعة مع حاشيته. لأول مرة منذ حُبس في الغرفة، شعر بوميض من... الأمل؟ سيأتي الإمبراطور لمساعدتهم، وستنكشف المنظمة مرة واحدة وإلى الأبد. بعدها... لن يستطيع أي نبيل أن يغض الطرف، وسيجبر الإمبراطورية بأسرها على التحرك. سيتغير مجهود الحرب، ومع دعم أكبر من الإمبراطور، سيضطر كل نبيل لإرسال المزيد من الرجال والسحرة، والهدف الأهم. ستبدأ حملة اجتثاث المنظمة التي ابتليت بها الإمبراطورية.
لم يدرك تماماً ما يعنيه ذلك. لكنه لن يكون أسوأ من الوضع الحالي. مر وقت طويل منذ كانت الإمبراطورية موحدة، وحينها، لم يقف أحد في طريقها. وبالأخص ليس منظمة قامت على هدمها. وما إن عاد الأمل إلى صدره، حتى انتشرت ثلاث هالات واضحة في أرجاء القصر. كانت كل واحدة منها في رتبة كبير السحرة. انقبض قلبه. أغمض نيكولاس عينيه وأخذ نفساً عميقاً. تدمير المعدات التي كان يفترض أن تشير إليه بالتحرك لن يساعد في دفع العجز الذي ينهشه.
عاد يروح ويجيء حول الكرسي. ظل يراقب عن كثب كبار السحرة الثلاثة الذين دخلوا القصر، وظل يختلس النظر إلى القطعة الأثرية على الطاولة الصغيرة بجواره. ربما... يجب أن يلقي نظرة. لن يكون الأمر سيئاً جداً... أليس كذلك؟ لكن... ماذا لو كانوا في وضع سيئ، واندفع هو خارج المخبأ؟ لن يؤدي ذلك إلا لإفساد الخطة التي قضا سيده الشاب الأشهر الأخيرة في بنائها.
"تباً"، شتم بصوت عالٍ ووضع يده على صدره.
صلى في داخله للملكة. أن تمنحه القوة ليتحمل مهمته الصعبة، وأن... تمنح أسياده القوة ليغلبوا أعداءهم. كان هذا كل ما بوسعه فعله حتى يُطلب، وهدأ ذلك من روعه. مر الوقت، واستمرت الهزات في أرجاء القصر. انتظر النداء، ظل يكرر في عقله. سيأتي في أي لحظة. على الأقل، كان هذا هو المنطقي. هناك الكثير من التهديدات من رتبة كبير سحرة في الأعلى، أكثر بكثير مما كان يفترض بهم التعامل معه.
مما يعني أنهم سينادونه في أي لحظة. كل ما عليه فعله هو أن يكون مستعداً حين تأتي تلك اللحظة. أخرج رمحه مجدداً وبدأ في استعراض وضعياته القتالية. ظل يفشل في الأولى، أسهل الوضعيات. وضعية تدرب عليها آلاف المرات، والآن لا يستطيع إكمالها لمرة واحدة. ومع ذلك، استمر في المحاولة. مرة تلو الأخرى. ثم طرأت فكرة أخرى. إن كان النداء سيأتي في أي لحظة، فعليه دراسة الوضع في الأعلى ليكون مستعداً للرد فور مجيئه.
"أجل"، تمتم، وهو يسير نحو الطاولة ويعيد رمحه إلى مخزونه.
التقط نيكولاس القطعة الأثرية من الطاولة وضخ فيها مانا. تبدلت رؤيته، ونظر إلى القصر كأنه يراقبه من منظور طائر. كانت القطعة متطورة، وبمجرد تفكير، استطاع التركيز على أي منطقة في القصر والحصول على رؤية أقرب. أول ما لاحظه هو سيده الشاب، الذي كان يواجه محارباً من رتبة كبير سحرة. انقبض قلبه، وركز عليه. اقتربت الرؤية من القتال. كان سيده... في حالة مزرية. جسده كله مغطى بالجراح، وكان فيني، أحد أقوى فرسان الكونت، يسنده.
وعلى بعد أمتار رقد فارس آخر... ميت. الفارس الذي دربه منذ كان صبياً... تسارع تنفسه وهو يراقب القتال. انقبض قلبه مع كل لحظة تمر. كيف يفترض به أن يشاهد وينتظر؟ أراد الرحيل. كاد يندفع خارج المخبأ حينها، لكن الصوت في عقله أخبره بأن يتبع خطة سيده الشاب. كان هذا واجبه، أن ينفذ أوامره وينتظر الإشارة. وهكذا فعل. شاهد القتال. شاهد سيده يُجرح ويُضرب بينما ظل يكرر الكلمات نفسها في عقله.
انتظر. استغرق دقيقة قبل أن يدع القطعة الأثرية تعود لمنظور الطائر. مسح القصر بعينيه ووجد الكونت يقاتل عدوين وحده. كان لا يزال صامداً وقد نشر نطاقه بالفعل. بعد مراقبة المعركة لثوانٍ، أيقن نيكولاس أن الكونت سينتصر. سيستغرق الأمر وقتاً فقط. وقتاً لم يملكه سيده الشاب. بحث في القصر عن أدولين، لكنه لم يجده في أي مكان. هل غادر الصبي؟ لن يلومه حتى لو فعل. ما فعله سيده الشاب كان شيئاً لم يستطع نيكولاس تقبله.
لقد أجبر الصبي... على خوض معركة ليست معركته. حتى تسميتها معركة تبدو خاطئة. ستة أعداء من رتبة كبير سحرة ضد اثنين... وإدوارد والفارس الناجي. ركز نيكولاس مجدداً على قتال الكونت. لم يرد النظر إلى إدوارد لأنه علم أنه لن يتحمل ذلك طويلاً. سيتخلى عن مهمته ويهاجم قبل أن يعطوه الإشارة. وما إن اقتربت الصورة، ظهر شيء... شخص بجانب كبير السحرة المعادي وأمسك بذراعه. بعد لحظة، انهار كبير السحرة على الأرض، وسقط رأسه بعد لحظات.
أدولين. أخرج نيكولاس سلاحه، وشدت يده على مقبضه. شاهد أدولين والكونت يقاتلان المحارب، وفي غضون ثوانٍ معدودة، هزماه. سقط تهديدان من رتبة كبير سحرة هكذا ببساطة. في ثوانٍ... ربما لهذا لم يأتِ النداء بعد، فمن المحتمل أن سيده الشاب والكونت توقعا ذلك، ولا يزالان يبقيانه كورقتهم الرابحة. استمر في المراقبة بينما افترق الكونت والساحر. اتجه الكونت نحو إدوارد ليساعد ابنه، بينما الساحر...
اتجه نحو كبار السحرة الثلاثة. لم يكن واثقاً من نوع الاستراتيجية التي يستخدمونها، لكنه لم يستطع فهمها. واحد ضد ثلاثة لا تبدو شيئاً يجب أن يفعله أدولين... لا، كرر في عقله. كل ما فعلوه حتى الآن كان فعالاً، لذا لا سبب لديه للشك في الأمر. من بين المقاتلين السبعة من رتبة كبير سحرة الذين اقتحموا القصر، مات ثلاثة بالفعل. و... لم يتكبدوا أي خسائر من المستوى نفسه. ظل يحاول تبرير الاستراتيجية التي يستخدمونها، لكن مهما نظر إليها، كانت سيئة.
عليّ أن أثق بهم. أومأ نيكولاس وأخذ نفساً عميقاً. لطالما وثق بأسياده، ولم يكن هذا الوقت للشك فيهم. ركز القطعة الأثرية نحو الصبي والأعداء الثلاثة الذين سيواجههم. كانوا على بعد لحظات من بعضهم. ستكون تلك المعركة كافية لتكشف كل الخيوط ليرى نيكولاس الصورة الكبرى. على الأقل هذا ما كان يأمله. كان اثنان من الأعداء ساحرين، بينما كان الثالث محارباً يحمل سيفاً بكلتا يديه. صعد الساحران إلى الهواء، بينما بقي المحارب على الأرض.
سيلتقون في وسط الحدائق الرئيسية، خمن نيكولاس. كانت بعيدة عن القصر كي لا تقع أي خسائر غير ضرورية. بدأ أدولين بعشرات التعاويذ. لم تكن القطعة الأثرية بجودة بصره الطبيعي، لكنها أظهرت التعاويذ التي أُلقيت. أصابت التعاويذ السحرة، لكن كلاً منهما كان يملك حاجزاً نشطاً بالفعل، وردّا بعشرات التعاويذ من تلقاء نفسيهما. استخدم أحدهما سحر الرياح، بينما استخدم الآخر... لم يستطع التحديد.
كانت التعاويذ مظلمة، وكان هناك شيء أخضر يمتزج بها. رد الساحران بكليهما بسحر هجومي أساسي؛ استخدم أحدهما شفرات الرياح، بينما استخدم الآخر تشكيلات مانا من الرماح وأنواع أخرى من التشكيلات. بنى أدولين تشكيلات مانا تحت قدميه واستخدمها كمنصة لاستخدام مهارة حركة، وومض في أرجاء الحدائق... ساحة المعركة. ظل يلقي التعويذة نفسها، بينما كان الحاجز يدافع ضدها. حاول المحارب في مناسبات عدة الإمساك به، لكنه لم ينجح أبداً.
وما إن اقترب من أدولين، كان الصبي قد غادر ذلك الموقع بالفعل. راقب نيكولاس المعركة بعينين واسعتين؛ لم يستطع تصديق ما كان يراقبه بالضبط. لم تنجح أي تعويذة أو هجوم في لمس الصبي، بينما وجدت معظم التعاويذ التي ألقاها هدفها. ومع ذلك، كان أسلوب القتال... بدا وكأن الصبي يحاول كسب الوقت. راقب استمرار القتال. لم يحرز أحد أي تقدم. هل كان الصبي ينتظر عودة الكونت؟ استمر نيكولاس في الروح والمجيء حول الكرسي بينما أبقى عينيه مسمرتين على المعركة.
متى ستأتي الإشارة؟ ثم أصابت أول تعويذة أدولين، تلتها اثنتان أخريان. لم يبطئه ذلك. استمر الصبي في القتال بالسرعة والدقة نفسيهما. بعد لحظات، بدأ أدولين باستهداف المحارب وسمح للمزيد من تعاويذ السحرة بإصابته. استمرت المعركة بالوتيرة نفسها؛ الفارق الوحيد هو أنه غيّر أهدافه وركز كلياً على المحارب. أُعجب نيكولاس وهو يراقب القتال. شعر وكأنه يراقب معلماً يقاتل تلاميذه. الفارق الوحيد هو أن أدولين لم يملك مستوى القوة نفسه الذي يملكه من يواجههم.
كانت كل حركة دقيقة، وكل مراوغة تمت في اللحظة الأخيرة الممكنة. وكل هجوم جاء فقط حين استطاع ضرب هدفه مرات عدة. بعد لحظات، حوّل تركيزه إلى الكونت وإدوارد. كان إدوارد في وضع أسوأ مما كان عليه من قبل، وكان الكونت يقاتل العدو وحده. رقد الفارس الآخر على الأرض، بلا حراك. تجمد نيكولاس. حدق في الجثة، وظهر رمحه في يده. ارتجفت يداه وهو يشاهد الكونت يقاتل العدو. سينتصر، لكن هل سيكون ذلك في الوقت المناسب لمساعدة الصبي؟
شتم نيكولاس وهو يتوقف عن ضخ المانا في القطعة الأثرية واختلس النظر إلى الزاوية، حيث رقدت القطعة الأثرية التي كان يفترض أن تعطيه الإشارة. لا شيء. كانت القطعة ستتوهج حين تُعطى الإشارة، ومع ذلك لم يكن هناك شيء. لا شيء. ضخ المانا في قطعة الرؤية مجدداً وركز على أدولين. كان الصبي لا يزال يقاتل بالطريقة نفسها، لكن... كان هناك شيء مختلف. لم يكن واثقاً مما هو. استغرق بضع لحظات ليلاحظه.
كانت المانا حول ساحة المعركة تتصرف بشكل مختلف. قبل أن يدرك السبب... رفع الصبي عصاه، وتغير الهواء حول الحديقة. اهتزت الأرض.