الحياة الثانية لأرشيماج منعزل الفصل 49 — جوهر الزنزانة

اقرأ الحياة الثانية لأرشيماج منعزل الفصل 49 — جوهر الزنزانة باللغة العربية على مانجا تايم.

ضغط إيدرين بيده على كتفه في محاولة لإبطاء النزيف. شعر كأن كتفه تشتعل بالنيران. وهناك أيضاً ألم داخل صدره لا يستطيع تجاهله. لُبّه، هكذا أدرك. كان التلوث يفعل به شيئاً ما، لكن كل جزء في جسده كان يؤلمه مما يصعّب عليه تحديد السبب بدقة. مع ذلك، كان متأكداً من أن الألم حول لُبّه ناتج عن التلوث. الجروح الجسدية لا تؤذي اللُّب. وحدها التعاويذ أو اللعنات أو الأشياء القادرة تحديداً على التأثير فيه تستطيع فعل ذلك.

نظر إلى أدولين الواقف على الطرف الآخر من المنصة بينما كان الجنرال يندفع نحوه. كان الفتى شيئاً فريداً حقاً. ومع ذلك لم يكن إيدرين متأكداً بعد من أنهما سيخرجان من الزنزانة حييْن. الأمر برمّته يعتمد على الفتى. إن كانت تخميناته الأكثر جموحاً صحيحة فسوف ينجوان. التخمينات نفسها التي دفعته إلى التعمق أكثر في الزنزانة. قريباً سينتهي كل هذا وسيعلم إن كان قراره معيباً، أو أكثر عيباً مما ظنّ.

كان التعمق في الزنزانة خطأً غبياً. خطأً ما كان له أن يرتكبه قط، لكنه حدث وانتهى. كانت هناك أربع قرى قرب الزنزانة ستصبح في خطر إلى جانب القوافل والمسافرين المتجهين نحو العاصمة. ترك الزنزانة وشأنها كان سيؤدي إلى مقتلهم. لذا اتخذ القرار السيئ بمحاولة التعامل مع التهديد بنفسه. لم يكن الشعور بالذنب من أجل حياته هو، بل من أجل الفتى. كان أدولين أقوى بكثير من أن يُغامر به على هذا النحو.

حسناً، لم يكن إيدرين متأكداً بعد ممّا إذا كان فتى حقاً أم أنه ساحر عظيم عجوز عاد شاباً. شذوذ لا شك فيه. هزّ رأسه. لقد حدث ما حدث ولا يمكنه فعل أي شيء حيال ذلك الآن. ظهر أدولين بجانبه بينما كان الدم يقطر على المنصة بجوار يده. كان الجنرال يندفع نحوهما. اكتسب مجال رؤية إيدرين صبغة حمراء جعلت الرؤية بوضوح أمراً صعباً. كان عليه فعل شيء لمساعدة الفتى. لم يبقَ الكثير من الخيارات سوى دفع لُبّه إلى ما بعد حدوده وإطلاق هجمة أخيرة.

ربما يمنح ذلك التلوث مدخلاً إلى لُبّه لاحقاً، لكن ذلك لم يكن مهمّاً. عليهما النجاة أولاً قبل التمكن من التعامل مع التلوث. بدأ العملية بينما بدأ المانا يتدفق من لُبّه إلى قنوات ذراعه. وهنا جاء الجزء الصعب. تلويح بسيفه بقوة كافية لإطلاق طاقة السيف. شدّ يده على مقبض السيف وببطء وبألم رفعه عابساً. تدفق المانا عبر ذراعه ليغمر حدّ النصل الحاد. لم تكن الكائنة الملوثة سوى لحظات وتبلغه.

لم يكن لديه وقت طويل. جزّ على أسنان متألماً ودفع المانا لتزداد حدة. ثم هوى سيفه. انطلق قوس هائل من طاقة السيف إلى الأمام بينما انفجر ألم لا يُطاق داخل صدره. قبّض على صدره وانهار على المنصة الساخنة. من مكانه الراقد لم يستطع إيدرين سوى رؤية النصف العلوي من جسد أدولين. كانت ابتسامة عريضة تعلو وجهه وهو يرفع عصاه باليد التي تتوسطها فجوة غائرة. لم تتغير ملامحه بتاتاً كأنه حصين ضد الألم.

عرف إيدرين أنه ليس كذلك. إنه ببساطة لا يتفاعل معه. حينها تغير الهواء داخل الغرفة. ارتفعت الحرارة أكثر. تدفق المانا من أدولين منتشراً أمامهما. بدا الهواء مشحوناً كأن الغرفة نفسها تستعد للضرب. انفجر الريح في الغرفة مهدداً بإطاحته من على المنصة. اهتزت الأرض بعنف كأن عملاقاً يمشي بجانبهما. ثم اشتعلت السماء.. لا، السقف.. بنيران بنفسجية حارة بما يكفي لصهر الفولاذ. ترددت ضحكة مجنونة في أنحاء الغرفة قبل أن يبدو كأن السماء نفسها على وشك التداعي.

ثم.. هوى كل شيء نحو الكائن الملوث في وسط المنصة. انحدرت النار نحوه كإعصار متكوّن. غذّت الرياح النيرات بينما هبت بسرعة تكفي لتمزيق اللحم. صار الضوء ساطعاً للغاية والهدير مصماً لدرجة فقد معها إيدرين معظم حواسه واضطر إلى إغلاق عينيه. لم يعلم كم من الوقت مضى قبل أن يتمكن من فتحهما مجدداً. كان الضوء الساطع لا يزال يحرق بصره وتحول سمعه إلى رنين مستت. استغرق وقتاً حتى صفا بصره بالقدر الكافي لاستيعاب المشهد أمامه.

اختفى أكثر من نصف المنصة. مُحي تماماً. تحطمت الخدعة التي تغطي الغرفة أيضاً كاشفة الصخر المنصهر المختبئ خلفه. رائحة الحجارة المحروقة.. وشيء آخر.. ملأت الهواء. ولم يكن الجنرال موجوداً في أي مكان. كانت المنصة مسودة ومنصهرة جزئياً، بيد أن الدمار توقف على بعد خطوات قليلة منهما. كأن شيئاً ما منع التعويذة من بلوغ أبعد من ذلك، رغم تخريب بقية الغرفة. التفت إيدرين ببطء برأسه نحو أدولين.

كان الفتى على ركبتيه يتنفس باضطراب بينما يقطر الدم من جرحه على المنصة. لا تزال الابتسامة على وجهه رغم اختلاطها بعبوس طفيف. أفلتت منه ضحكة خافتة. لم يتفاعل الفتى معها. استنتج إيدرين أنه ربما فقد سمه أيضاً. استغرق وقتاً ليهدأ. كانت التعويذة التي استخدمها أدولين من المستوى العاشر على الأقل. وربما أعلى حتى. تعويذة ساحر عظيم. لقد كان تخمينه صحيحاً. جعل هذا الإدراك عقله يدور.

أي نوع من الساحر العظيم يكون؟ أهو وحش عجوز ترك عزلته؟ أم لعله أصغر ساحر عظيم في التاريخ حقاً؟ كانت أفكاره لا تزال مشوشة بينما استمر الألم الحاد من كتفه ولُبّه في الانتشار عبر جسده. ثم توقف فجأة. التلوث. هل يمكنهما التعامل معه أصلاً؟ رمق أدولين بنظرة أخرى. كان الفتى.. لا، الساحر العظيم.. قد اتخذ بالفعل وضعية التأمل مغمض العينين. إن كان لأحد أن يفعل شيئاً حيال التلوث فهو هو.

وكلما فكر إيدرين في الأمر بدا واضحاً أكثر فأكثر. خبرة الفتى، مقاومته لنية القتل، غرائزه القتالية، وكل شيء فيه يشير إلى النتيجة نفسها. أدولين ساحر عظيم عجوز. لا توجد فرصة لأن يفعل فتىً عادٍ ما فعله. سيكتشف الأمر لاحقاً بمجرد خروجه من الزنزانة. الخطوة التالية هي العثور على لُب الزنزانة وتدميره قبل أن تُرديه جروحه صريعاً. كافح لكنه نجح في النهاية بالوقوف. ظلت إحدى يَديه ضاغطة على الجرح العميق في صدره.

لم يكن متأكداً إن كان قد فقد كل هذه الكمية من الدماء من قبل. وبدأ بصره يترنح مجدداً.

قال إيدرين: "أدولين".

اخترق الصوت الطنين في أذنيه. كان أدولين قد فتح عينيه ويراقبه.

سأل: "أبخير أنت؟".

تمكن إيدرين من القول: "نجل. اللُّب. علينا إيجاده وتدميره".

خانته قدماه فكاد ينهار، و بالكاد نجح في إبقاء نفسه منتصباً. وقف أدولين ومشى نحوه.

قال مساعداً إياه على الهبوط ليجلس على المنصة: "اجلس. امنحني بعض الوقت لاستعادة مانا خاصتي".

عبس إيدرين وأومأ. حدق الفتى في عينيه مباشرة كأنه يحاول سبر أغواره. انطبقت شفتاه في خط رقيق وضاقت عيناه.

تمتم أدولين: "تباً، علي إهدار جرعة الآن".

إهدار جرعة؟ ظهرت جرعة في يد أدولين فناولها لإيدرين.

قال أدولين متنهداً: "اشرب".

لم يُضيّع إيدرين وقتاً. نزع سدادة الجرعة وتجرعها. انغلقت جروحه سريعاً رغم أنه لا يزال يشعر بدوار. تستطيع الجرعات صنع المعجزات بشفاء أي جرح تقريباً، لكنها لا تستطيع تعويض الدماء المفقودة.

سأل إيدرين: "وما أمرك أنت؟".

هزّ الفتى كتفيه ثم عبس متأثراً بالحركة.

سأل أدولين متفرساً في الغرفة المدمرة: "أين اللُّب الآن؟"

وأردف بعد لحظة: "كيف يبدو؟".

قال إيدرين: "لكل زنزانة لُبّ مختلف. لكن في أغلب الأحيان يكون كرة بحجم قبضة اليد".

"أهو أحمر؟".

"قد يكون. تأتي لُباب الزنزانات بألوان مختلفة. كألوان قوس قزح".

تمتم أدولين: "همم. أعليه عروق خضراء؟".

هزّ إيدرين رأسه نافياً.

"لا".

"حسناً، هذا عليه".

التفت إيدرين نحو الموضع الذي يحدق فيه أدولين. انغرسة في الجدار حيث كانت الخدعة قائمة سابقاً كرة تتأجج حمرة كالنار المشتعلة داخل الكريستال. ثم جاء الجزء غير الطبيعي. عروق خضراء تنبض عبر النيران بداخلها. كان لُب الزنزانة ملوثاً.