الحياة الثانية لأرشيماج منعزل الفصل 18 — ذاكرة

اقرأ الحياة الثانية لأرشيماج منعزل الفصل 18 — ذاكرة باللغة العربية على مانجا تايم.

لعنة. كان عليه اللحاق بليرا وعدم توريط يا له من عناء. قطب جبينه. قال أدولين: "أحتاج إلى فحصهم فرداً فرداً لأتأكد". أومأ إيلدريتش برأسه: "تفضل". ظهرت في يده قوارير زجاجية صغيرة يتدفق فيها سائل أحمر. توجه أدولين نحو أقرب مصاب وجثا بجانبه. كان الرجل في أواخر العشرينيات من عمره. جسده ممزق ومجروح. كل جدار مغطى بالضمائد بالفعل. قام القرويون بعمل جيد للحفاظ على حياته. ألقى نظرة على عينيه. الشرر يذوي. لم يتبق للرجل سوى أقل من أربع ساعات. نقر أدولين بلسانه. فات الأوان لإنقاذه بجرعة. ستضيع الجرعة هدراً، ولكن... ما زال أمامه متسع من الحياة. صارع أدولين نفسه. وقفت عائلته بصمت وتطلعوا إليه وأعينهم تطفح بالأمل. لعن في سرّه. سأل إيلدريتش: "إذن؟" مد أدولين يده. "أمتأكد أنت؟" "نجل. لننتهِ من هذا". أومأ إيلدريتش وناوله جرعة. اقترب أفراد العائلة أكثر. قال أحدهم: "شكراً لك". أزلق أدولين يده تحت الرجل ملامساً ظهره، وألقى تعويذة النمو. تعويذة تغمر طاقة الحياة في النباتات أو المخلوقات. ألقى نظرة نحو إيلدريتش الذي تحرك فخطا بجانبه ورفع الرجل بالقدر الكافي لكيلا يسكبوا الجرعة. سحب أدولين السدادة وأفرغ الجرعة في فمه متأكداً من نزولها بالكامل. وضعت المرأة التي بجانبه -والتي ظن أدولين أنها زوجته- يديها على وجهها. بدا تعبيرها قاتماً لكنه مشحون بالأمل. فعلت الجرعة فعلها بسرعة مدعومة بطاقة الحياة الإضافية. استعاد وجهه الشاحب بعض لونه. التئمت الجروح غير المغطاة بالضمائد في لحظات. أعقب ذلك سعال خشن. اهتز جسده. أثبته إيلدريتش لكيلا تفاقم إصاباته. بعد ثوانٍ معدودة هدأ وفتح عينيه. تركه إيلدريتش وتراجع للخلف. فعل أدولين المثل. هرعت زوجته إليه محتضنة إياه ومجففة دمعها بغزارة أكبر من ذي قبل. وظلت تكرر عبارة: "شكراً لك"، مراراً وتكراراً. شعر أدولين بالارتباك فانتقل إلى المصاب التالي. سألت المرأة: "أسيصبح بخير؟" استمر إيلدريتش في طمأنتها. أبقى بصره مركّزاً على الأرض. كثرة الأبصار تحدق به. الساحة بأسرها. شعور مقيت. استمر في الشتم بداخله بينما كان يفحص المصابة التالية. كانت امرأة. لحقت بها إصابات لا بأس بها لكنها ستنجو. أسوأها عضة في ظهرها. قد ينتشر التلوث منها. ستكفي إزالة السموم للتخلص من أي فرصة للتلوث. ستمنحها أيضاً طاقة الحياة وتجدد شبابها. ستكون بخير بعد أسبوع أو أسبوعين من الراحة. شرع المحيطون به في توجيه الأسئلة. اكتفى بالإيماء حين سألوا عما إذا كانت ستنجو. ألقى تعويذة إزالة السموم بالطريقة ذاتها التي فعلها مع الرجل آملاً ألا يلاحظ أحد. ثم انتقل إلى المصاب التالي. تجاوز صاحب الإصابات الأسوأ. ومما عزى نفسه به أن جميع الإصابات الأسوأ تقريباً كانت قد ماتت بالفعل. لم يكن بحاجة لتحمل أي مخاطر لا مبرر لها. لاحظ إيلدريتش عدم رغبته في الكلام فجاء معه مطمئناً العائلات بينما كان أدولين يفحص الجرحى. احتاج معظم الجرحى في الساحة إلى إزالة السموم فحسب لكيلا تتحول العضات إلى نهايتهم. احتاج أربعة منهم إلى طاقة حياة إضافية للتعافي فمدّهم بها جميعاً. بدأ القرويون يتوترون محاولين الضغط عليه لاستخدام الجرعة الأخيرة على أحبائهم. لكنه تجاهلهم منتقلاً من مصاب إلى مصاب. استغرق الأمر ساعة للانتهاء منهم جميعاً. تكبد نفاذ مانا الخاص به تقريباً. تخطى القليل ممن يمكنهم النجاة دون مساعدته لكي تتوفر لديه كمية كافية للرجل صاحب الإصابات الأسوأ. الرجل ذاته الذي تخطاه في البداية. ظل إيلدريتش يسأل والشك يتسلل إلى صوته: "أمتأكد أنت أنهم سيكونون بخير؟" لكن مثلما تجاهل الجميع، تجاهله هو الآخر أيضاً. شعر بغمرة شعور طاغٍ، ورغب في التواري عن الساحة. غير أن هناك واحداً أخيراً. الأخير. ذاك الذي توجب عليه استخدام الجرعة بشأنه. جلس صبي صغير بجواره، لكن ما إن اقترب حتى سحب أحدهم الصبي بعيداً. جثا بجانب الرجل وتفرّس عينيه. كانت الشرارة أخفت. أخفت بكثير عما كانت عليه حين رآه للمرة الأولى. ما كان ينبغي للأمر أن يبلغ هذا السوء. ومض أمل ضئيل في أعين المحيطين به. تفقد جروحه. أربع علامات عض. جروح متعددة. و... سم. احتاج إلى استخدام التحليل ليتأكد لكنه افتقر إلى القدر الكافي من المانا. اللعنة. راجع تعويذاته فلم تكن أياً منها لتكفي لإنقاذه. لم يكن لديه ما يكفي من المانا. لو أنه لاحظ السم باكراً لاستطاع استخدام إزالة السموم والنمو. وبفضل الجرعة لكان قد شفي. استمر في لعن نفسه في سرّه. لم يكن هناك وقت لانتظار تعافي المانا الخاصة به. ولا قوارير مانا أيضاً. سيموت الرجل وليس في وسعه فعل حيال ذلك. شعر بغثيان في معدته. الشيء الوحيد الذي استطاعه لأجل الرجل هو تخفيف ألمه. ألقى تعويذة نقل العبء. ضربه الألم فوراً. صرخ جسده بأسره. بدا الأمر وكأن اللحم يُنتزع من المواضع التي عُضّ فيها الرجل. انحبست أنفاسه. تفصد عرق بارد. شحب وجهه. تمايل مكافحاً بالكاد للحفاظ على توازنه. بجانبه، تباطأ تنفس الرجل. زال التوتر عن وجهه. أطلق نفساً واهياً. ضغط أدولين على أسنانه وتحمل. استغرق الأمر ثوانٍ معدودة ليستعيد توازنه. نقر بلسانه ونهض. لكان الأمر أسوأ بكثير لو توفرت لديه المانا الكافية للتعويذة الكاملة، فلم يفلح سوى في تلقي نصف الألم. كان ذلك كل ما استطاعه. جزّ على أسنانه وتحمل. كان يكره الألم. مُلقياً نظرة على إيلدريتش، هز رأسه مشيراً نحو المرأة التي كان ينبغي استخدام الجرعة عليها. بوسعها النجاة من دونها، لكن بوجود الجرعة لن تظهر عليها أي آثار جانبية. لذا اختارها. تبدد أمل المحيطين به. هرع صبي صغير نحو الجريح محتضناً إياه. وانكسر صوتیه قائلاً: "لا تذهب..." ودفن وجهه فيه مرتجفاً. أومأ إيلدريتش وتحرك صوب المرأة. "أخبر ريفل أنني سألحق بهم غداً". لم يلتفت للوراء. مشى عبر القرية باحثاً عن نزل أو شخص من القافلة. ظلت القرية على حالها. كل ما أمله ألا يقع هجوم آخر ليلة، فقد فرغت طاقته من المانا. تمتم قائلاً: "الحالة". ألقى نظرة على المانا خاصته. المانا: ١ من ٢١٠. ثم أغلق النافذة. لقد ارتفع مستواه من معالجة الناس في الساحة، لكن طعم ذلك كان مراً. لم يشعر بهذا العجز قط من قبل. حتى حين كان شخصاً عادياً، كانت لديه عائلته ومعلمه ليعتمد عليهما. لو أنه لم يحاول إخفاء معالجته لتمكن من إنقاذ الرجل. وبسبب تلك الكنيسة اللعينة تركه يموتاً. بصق، متراكمة مرارة على لسانه. كان الظلام دامساً بالفعل. تتبع موضع الضوء. لا زال الألم قائماً، لكنه تجاهله. سيبقى حتى يموت الرجل، ولم يتبق له وقت طويل. ساعة، أو ربما أكثر قليلاً. كان تنفسه ضحلاً، لكنه بدأ يعتاد عليه. عثر على حارس من القافلة فقاده نحو الحانة حيث غرفهم. على طول الطريق، لاحظ أن القرويين لا زالوا يعملون بجد. يحصنون الأسوار. يضيفون المزيد من الدفاعات. خمن أنهم سيواصلون العمل طوال الليل. الخوف مخيم على كل وجه مر به. دخل غرفته. كانت ذات سرير مزدوج. لم يدرِ من سيشاركه إياها ولم يكبه الأمر. هوى على السرير وأغمض عينيه. طفحت الذكريات. كل مبنى أمامه يحترق. الجثث هامدة في كل مكان حوله. لقد كانت مجزرة قريته. ركض من جثة إلى أخرى آملاً رؤية شرارة. مهما كانت خافتة. بيد أنه لم يبق أحداً على قيظ الحياة. اقترب منزله، لكنه لم يرغب في الوصول إليه. قلبه يقرع بجنون وفمه جاف. بلع أدولين ريقه وعبر آخر منزل قبل منزله. مثل المنزل أمامه محترقاً كبقية القرية. نصفه قد زال -النصف الذي يضم غرفته. بخطوات مرتجفة خطا خطوة. ثم أخرى. ثلاث جثث ترقد أمام المنزل. غير ملامح. لكنه عرفها رغم ذلك. لقد كانت عائلته. سقط على ركبتيه أمامهما. أمه. أبوه. أخته الصغيرة. أجسادهم تحترق. تدفقت الدموع على وجنتيه. اهتزت يداه وهو يمدها. في اليوم الذي أصبح فيه ساحراً عظيماً رسمياً، كانت عائلته قد ولت. قُتلت. اضطربت المانا من حوله. تجمعت حوله. ثم انفجرت صوبة الخارج. انهارت المباني المحيطة به، وانطفأت النيران في القرية. واصلت المانا اضطرابها. شق البرق السماء. هاجمت الريح قاطعة النيران. اهتزت الأرض تحته. غدا الهواء ثقيلاً. أصبح ساحراً عظيماً، وعجز عن إنقاذ عائلته. اهتزت الأرض. انتشرت الصدوع تحته. أمام الجثث وقف رمز ذهبي. رمز الكنيسة والجمع السماوي. أطلق ضحكة مجنونة. تداعت الأرض. انهارت لاهوة في حفرة. غرق كل ما عداها. وبقي منزله وحيداً في المركز. استمر في الضحك. واشتد علواً. لمست يد كتفه. لم يلتفت. قال معلمه: "أدولين، أخرجها". بقيا هكذا لفترة طويلة. شدد معلمه قبضته على كتفه. "سنحرق كل شيء عن آخره".