أطال أدولولين التملّي بالصبي الممدد على الأرض. لا يزال أحد المخلوقات حياً، يطلق صريراً حاداً بينما تأكله النيران. ألقى ضربة قاطعة أنهى بها عذابه. كان كلاي مستغرقاً في نوم عميق، وترتسم على وجهه عبسة ألم. الصبي لا يزال يتألّم من التقنية لتجاوزه الحدّ المسموح. شعر أدولين ببعض الذنب حقاً، إذ علّم التقنية لصبي لم يكن في أفضل حالاته النفسية. كان عليه أخذ ذلك في الحسبان، لكن الأمر قد وقع.
وما من سبيل لإصلاحه الآن. لم تكن المشكلة في تقنية واحدة. بل في تعليمه اثنتين معاً. ركّز التركيز التام عقله على أعدائه، وفور القضاء عليهم، ظلّت التقنية مفعلة، فوجهت عقله نحو أهدافه... وبما أن الصبي يملك فن توسيع المسارات، فقد وفّرت له طريقة سهلة للنمو السوة مع تجاهل ما يرافق ذلك من ألم. نقر أدولين بلسانه. ربما كان التدريس أصعب بكثير مما ظنّ في البداية، خصوصاً حين يتوجب عليه التعامل مع مشاكل تلاميذه الشخصية.
لم يكن الأمر بالبساطة التي تخيلها، مجرد منحهم تقنية أو مهارة وتركهم وشأنهم. حسناً، كان حريّاً به أن يعي ذلك جيداً، إزاء كونه مصدر إزعاج كبير لمعلمه الخاص. لم يدر لمَ لم تخطر هذه الفكرة على بملك قط حين وافق على فعل هذا كله... أو بالأحرى، حين خطط له. كانت هناك أيضاً وظيفة التدريس، لكنها مفترضة لتكون أبسط، نظراً لكونه سيُعلّم سحرة حقيقيين لا مجرد صبية... على أرجح تقدير.
تمتم قائلاً: "مهما يكن".
لم يكن من نوع من يستسلم عند أول عقبة تافهة. تنهد وحمل كلاي طافياً وبدأ رحلته بحثاً عن مدخل الغرفة التالية. أراد الاستعداد للطابق القالت بالطبع، لا أن هناك... صندوق كنز بانتظاره. التفت أدولين إلى ورائه وراقب كلاي وهو يطفو على مسافة بضع بوصات منه. ذكّره الأمر برمته بالزنزانة الأولى. على الأقل، لم يكن يبقيه نائماً هذه المرة كي لا يزعجه. بل كان يبقيه نائماً لكونها الطريقة المثلى لتجنب الألم الناجم عن توسيع مساراته.
واصل أدولين السير طوال الدقائق القليلة التالية قبل أن يدرك قدرته على استخدام الطيران لجعل كل شيء أسرع. ألقى تعويذة الطيران وانطلق في الهواء. عثر على المدخل في أقل من خمس دقائق، وإلى جواره وقف صندوق. هبط على الأرض على بعد أمتار قليلة من الصندوق. كان الصندوق مفتوحاً قليلاً، ولمح لوناً ذهبياً يطلّ من الفتحة.
تمتم: "لا... لمَ؟".
لمَ يصرّ القبو على منحه أسوأ المكافآت؟ وها هو يمنحه محاكياً آخر!
"تبّاً لك أيها القبو!".
توقف بجانب الصندوق وأخرج عصاه من مخزونه، محيطاً إياها بحجز من المانا. كانت العصا الوحيدة التي يملكها، لذا لم يرغب في تحطيمها بلا سبب. كان متأكداً من أن الصندوق محاكٍ، لكن ماذا لو لم يكن كذلك؟ كان عليه التأكد قبل تحطيمه. نقر أدولين الصندوق بعصاه وانتظر. لا شيء. لم يستجب الصندوق. نقر ه مرة أخرى. لم يحدث شيء هذه المرة أيضاً.
تمتم: "ماذا لو...".
دفع بالعصا داخل فتحة الصندوق. وحين لم يحدث شيء، واصل دفعها إلى أعماق أبعد. تشكلت صلاة قصيرة للهمس في رأسه. أرجوك، ليكن هذا صندوق كنز حقيقيّاً! وما إن تشكلت الصلاة حتى انطبق صندوق الكنز بقوة هائلة. أعقب ذلك صرخ مروعةمزّقت الأحشاء، وسقطت بضعة أسنان على الأرض. بقيت العصا سليمة، بينما تعرض الموضع الذي انطبق فيه الصندوق عليها للكسر والتلف. وكان الدم يتدفق منه. هزّ أدولين رأسه.
لمَ؟ لمَ فحسب؟ أكان طلب صندوق كنز عاديّاً أمراً مبالغاً فيه؟ انفقت رشقة مانا من طرف العصا، وتناثر المحاكي في كل اتجاه. انزلق المتبقي ببطء عن حاجز المانا المحيط به. لقد ألقى حاجزاً حول كلاي أيضاً قبل استخدام رشقة المانا. بدا من الخطأ تماماً السماح لكل أحشاء المحاكي بالهبوط على الصبي. وقف أدولين هناك طوال الثواني القليلة التالية، شاتماً في سرّه قبل أن يقلع مجدداً ويبدأ رحلة عودته باتجاه يوري....
أخذ يورينوموس قمة أخرى من الخبز. جلس هال وريفل إلى جواره، يأكلان الخبز الذي أخرجه من مخزونه، إلى جانب بعض اللحم المجفف الذي جلبه من مطبخ القصر. لم يشعر بالكثير من الذنب حيال ذلك، فقد حذا حذو الساحر. منذ أن داهم مخزن المؤن، التقط يوري بضعة أشياء لفتت انتباهه أيضاً. لا تزال زينيا جالسة بجانب الفتاة، تبدو كأم قلقة. وجد الأمر مضحكاً، إذ سبق وأخبرها أكثر من مرة أن الفتاة ستكون بخير وكل ما تحتاجه هو القليل من النوم.
حتى أنها رفضت الأكل. لم يفهم يوري ذلك، لكنه لم يتدخل أيضاً. كانت زينيا أذكى من أي شخص التقاه في العالم الجديد. وكان واقناً من أنها تدرك ما تفعله.
سأل ريفل: "ما الشياطين بحق الجحيم؟".
شعر يوري خلال الساعات القليلة الماضية أن جسده صار أخف وزناً. لم يدر لمَ، لكن منذ أن بدأ ريفل وهال محادثتهما معه بحرية أكبر، شعر بخفة في روحه.
"حسناً، لا أعرف كيف أشرح ذلك. إنهم... بشر في الأساس؟ فقط بجلد أخشى وقرون. أه، وهم أشد قوة بكثير!".
قال هال: "مثل الأقزام؟".
أمال يوري رأسه.
"مثل الأقزام؟ كيف تقارن الأقزام بنا نحن الشياطين؟ الشياطين طوال القامة تماماً!".
ثم أردف: "وأفضل مظهراً!".
ضحك هال خفيفاً، لكن ضحكته ظلت مكتومة إلى حد ما. لم تكن تشبه تلك التي أطلقها حين التقاه للمرة الأولى، أو حين عاملوه كطفل. حين فكر في الأمر، فضّل كثيراً معاملته كطفل. لم يكونوا متحفظين معه ويتحدثون بما في سجية عقولهم بحرية. أما الآن، فبدا وكأنهم يختارون كلماتهم بعناية أكبر وما شابه. لم يعجبه الأمر حقاً، لكنه بدا أفضل بكثير من طريقتهم في معاملته بعد القتال ضد الفاسد.
ربما، لو أنه لم يبالغ في ذلك الحين، لما حدث هذا. لكن لم يكن لديه خيار؛ فقد كان جسده أضعف بكثير، والسبيل الوحيد لإنقاذ فريقه كان بذل أقصى ما لديه. لم يكن مواجهة السحرة الكبار بعد إعادة تجسده في جسد جديد لشقر شهر ونيف بالشيء المثالي تماماً. ليس حين يكون لديه فريق كامل لحمايته على الأقل. واصلا المزاح، وهو ما استمتاع به يوري. كان عليه الإجابة عن أسئلة تتعلق بحياته القديمة والعالم الذي عاش فيه.
تجنب قول أي شيء عن السنوات القليلة التي سبقت إعادة تجسده؛ لم تكن شيئاً ينبغي لهم معرفته، ولا شيئاً أراد تذكر. وكلما تحدثوا، كلما بدا وكأنهم ينفتحون أكثر. لم يعد الأمر كالعهد القديم، حين التقاهم لأول مرة، لكنه كان يتحسن ببطء. نأمل ألا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يتمكنوا من الثقة به مجدداً. حسناً، ربما لم تكن الثقة هي ما ينقصهم، بل المجهول في الغالب. لذا، إن شاركهم ما يكفي، فسيُصلح ذلك الأمور بما يكفي على الأرجح.
تساءل أيضاً عما إذا كان الغرباء شائعين هنا، أو لمَ لم تكن ردة فعلهم سيئة كما توقع في البداية، لكنه لم يجرؤ على السؤال. لم يكن متأكدًا مما إذا كان الوقت مناسباً، أم أن ذلك سيزيد الأمور سوءاً فحسب. عبر حس المانا لديه، شعر ببصمة مانا تقترب. إنه الساحر والطفل. طار الساحر فوقهم ومسح المنطقة. أملق يوري إليه بعبسة على وجهه. كان الأمر فظّاً. ألم يستطع الهبوط كشخص عادي؟ هزّ رأسه بينما استمرت المحادثة.
لم يكن أي شخص آخر واعيًا لأدولين وهو يطفو في الهواء مثل... حسناً، لم يدر كيف يصيغ مقارنة فظة. على الأقل، لم ينطق بها بصوت عال؛ وإلا لساخر منه الساحر الأحمق. كان الصبي معه... يطفو إلى جواره، نائماً. راوده الفضول بشأن ما فعله الساحر به. بعد ثوان قليلة، طار الساحر لمسافة مئة متر تقريباً قبل أن يهبط على الأرض. ثم بدأ يسير باتجاههم، كأنه لم يكن يطفو فوقهم قبل قليل. توقف الساحر بعد ثوان، وفعّل يوري عينيه الشيطانيتين ليرى ما يجري.
كان الصبي قد استيقظ وكان يمسك رأسه وكأنه يتألم. تحدثا لدعقائق معدودة، وهي محادثة لم يستمع إليها يوري. لم يبدو الأمر صائباً بالنسبة للطفل... كلاي. وليس للساحر حقاً. استغرق الأمر أكثر من نصف ساعة للعودة، وراقبهم يوري طوال الوقت تقريباً، يشعر بالملل باستمرار. وما إن لاحظهم الجميع، حتى نهض يوري وسار باتجاههم.
"ما الذي أبطأكم إلى هذا الحد؟".
كان فضولياً فحسب بشأن ما سيجيب به الساحر وما إذا كان سيقول شيئاً عما حدث للصبي. كان لدى يوري بضعة تخمينات، لكنه لم يكن متأكداً من صحتها.
قال أدولين مشيراً نحو كلاي: "حسناً، كلاي هذا. قرر تطهير الزنزانة بمفرده".
وهز كتفيه مستخفاً: "وأنا مجرد تبعته في الجوار".
أدار يوري عينيه بملل. قد يكون ما قاله الساحر صحيحاً، لكنه لم يكن السبب الحقيقي لمغادرتهم. مع ذلك، لم يرغب في مواجهته، ليس أمام الجميع على الأقل. لم يرد حقاً أن يقول الساحر شيئاً لا ينبغي قوله عن حياتهم القديمة ويفاقم علاقته المعقدة بفريقه. بطبيعة الحال، بذل قصارى جهده ألا يقول أي شيء لا ينبغي قوله أيضاً. لقد نادى الصبي الساحر باسم داريث، لذا لا بد أن هناك سبباً لذلك، وقرر ألا يناديه باسمه الحقيقي.
كان لقب الساحر بديلاً جيداً؛ وبدا وقعه أفضل على لسانه أيضاً. شرح كلاي لهم الغرفة، بينما أجبر يوري نفسه على الاستماع. كان مهتماً بما أخذوه من صندوقه. وإن أراد معرفة المزيد عن الغرفة — وهو ما لم يرده — فبإمكانه إرسال عينه الشيطانية للقيام بالمهمة عوضاً عنه. فور أن توقف كلاي عن الكلام، أمعن يوري النظر في وجه أدولين.
"ماذا وجدتم في صندوق المكافأة؟".
تمتم أدولين بسخط: "كان محاكياً".
حدق يوري في عينيه، لكن لم يبدو أن الساحر كان يكذب. بدا وكأنه يقول الحقيقة. ضحك هال وريفل بخفة، بينما رمق كلاي أدولين بنظرة سريعة. ضحك يوري أيضاً. استمتع برؤية التعبير على وجه الساحر. لم ينجح الساحر في سرقة أي شيء من زنزانته وانخدع بمحاكين.
وقبل أن يتسنى له إطلاق مزحة حتى — جاء صوت زينيا: "هدوء".
استدار يوري ورأى الفتاة ترفرف برموشها وهي ترمق زينيا. ومرت لمحة خوف عبر وجهها.
قالت الفتاة: "أ-أين أنا؟".
لاحظ يوري أدولين وهو يحدق في الفتاة. سيعرفان أخيراً ما حدث.