سارت ريفل في شوارع المدينة رفقة ليرا وأربعة حراس من قصرها. قرر المعلم إيلدريك إنهاء مهمة المرافقين مبكراً، مما يعني أن أيام مغامراتها قد انتهت، وبات عليها الشروع في تصرفات وريثة موركان. السبب الحقيقي الكامن خلف ذلك يتمثل في الرسالة التي وافتها من أبيها. المعلم إيلدريك تاجر يعمل بإمرة أبيها. استغرقها الأمر يومين قبل أن تفلح في حسم أمرها، ومع كل ما يدور حولها، شعرت بالإرهاق.
تيقنت من أنها ستفتقد أيام مغامراتها السالفة، رغم أنها لم تكن مغامرة سوى لبضعة أشهر فحسب. المقاطعة وعائلتها يأتيان أولاً، ولم تكن حال أي منهما على ما يرام هذه الأيام.
قالت ليرا وبوجهها ابتسامة دافئة: "إنها تليق بك بحق".
أمالت ريفل رأسها.
اتسعت ابتسامة ليرا: "فستانك!".
قالت ريفل: "أه... شكراً".
كانت تلك المرة الأولى التي ترتدي فيها شيئاً سوى رداء السحرة الخاص بها. أما الآن، فكانت ترتدي فستاناً أسود بنقوش فضية على المقدمة. كان عليها صيانة معايير مقامها. كانت تفضل رداء السحرة بأشواط، بيد أن الفستان لم يكن سيئاً بالقدر الذي حسبته في البداية. كما بدا حضور الحراس حولها غريباً. سار اثنان منهما بضع خطوات أمامها، بينما تواجد الاثنان الآخران في الخلف. لم يسمحا لأي أحد بالاقتراب.
أفرغت زفرة ببطء. في غضون دقائق معدودة، بعد أن تجاوزا الحي التجاري... حسناً، لم يكن سوى شارع في الغالب. كانت لا تزال تعتاد على أسلوب تسمية العاصمة. تغير الهواء حولها. غدا أقرب إلى هواء الأحياء الفقيرة مقارنة برائحة الزيت والأعشاب السابقة. كما ظهرت لمحة من التعفن... ذكّرتها برائحة الفساد، لكنه كان تشابهاً واهياً فحسب. فور اجتيازهما نقطة التفتيش الفاصلة بين الجزء الأفضل من المدينة وحي العمال، تبدل الجو بأسره.
راقبت ريفل الشوارع المكتظة بلا حصر من البشر. بدا معظمهم مرضى وهزيلين، طريحين على الأرض. وظهر آخرون بحالة أفضل، غير أن المصير ذاته سيلاقيهم قريباً أيضاً. تواجد المئات في الشارع الأول وحده، وما لا يحصى غيرهم ستجدهم في الشارع التالي. بدا المكان أشبَه بالأحياء الفقيرة في العاصمة منه بحي العمال الذي عرفته فيما مضى. كل شيء تغير إثر تزايد هجمات المفسدين واستيلائهم على شطر كبير من أراضي عائلتها.
غالبية المحيطين بها كانوا لاجئين، أُرغموا على الفرار من ديارهم بسبب المفسدين ليطئوا مدناً مكتظة بالأصل أكثر من اللازم، بلا عمل متاح. أجبرت ريفل نفسها على إبقاء ناظريها عليهم. لم تكن المرة الأولى التي تشهد فيها هذا المنظر، لكنها آنذاك كانت مجرد مغامرة، وعجزت عن فعل حيال الأمر. وما إن سُمح لها بخوض المغامرات، حتى كأن كل ثقل حملته قد رُفع، مما منحها فرصة لبدء حياة جديدة.
لكن الآن، وحتى قبل وصول الرسالة، كانت تغرق تحت طائلة ذلك الثقل مجدداً. لقد كانوا مسؤوليتها، وعليها إيجاد سبل لتوفير العمل للجميع كي لا يضطروا للعيش في الشوارع، فضلاً عن تشييد المزيد من الملاجئ للعجز عن العمل وإعالة أنفسهم. سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً، لكنها كانت مستعدة للمضي قدماً حتى النهاية. الخطوة الأولى تكمن في اهتداء طريقة للبدء، وهي الجزئية الأصعب. مسحت ليرا مؤخرة عنقها، جارة قدميها.
تبدل مزاج الفتاة منذ عبورهما نقطة التفتيش. اقتربت ريفل منها.
"ما الأمر؟"
تلعثمت ليرا: "أنا... هذا المكان فحسب... لست متأكدة كيف أفسر ذلك. أشعر وكأنه يستدعي ذكريات سيئة، لكن... ليس لدي ذكريات سيئة عنه حقاً".
لم تدر ريفل بما ترد على ذلك. كانت تعلم نبذاً عن ماضيها وإدمانها؛ كما علمت أن داريث شفاها بطريقة ما، لكنها جهلت الكيفية.
قالت ريفل: "أيمكنني إعادتك؟"
"ل-لا... سأكون بخير. أحتاج لدقيقة أو دقيقتين فقط..."
اكتفت ريفل بالايماء، وما إن أبصرت مكاناً ملائماً غير مزدحم، حتى توقفت. ناولتهما زجاجة ماء من مخزونها بينما أخرج أحد الحراس كرسياً لها. جلست ليرا على الكرسى وحدقت في الأرض، ممسكة بذقنها بيديها.
قال فيليون مشيراً نحو فتاة على الجانب الآخر من الشارع: "سيدتي".
كانت الفتاة جالسة على الأرض، مسندة ظهرها إلى جدار المبنى.
سألت ريفل: "الفتاة؟"
شغل فيليون منصب قائد حراس حامية مدينة فولك. مقاتل في رتبة فارس رفيع المستوى.
"ذراعها اليسرى".
حولت ريفل ناظريها نحو ذراع الفتاة. اكتست بنقاط سوداء امتدت من كفها وصولاً إلى كتفها، حيث تمزق قميصها وبدت بشرتها.
"المرض؟"
أومأ فيليون برأسه: "قد يكون كذلك. هكذا يشير إليه التقرير على الأقل".
استغرقت الاستراحة أكثر من خمس عشرة دقائق قبل أن تنهض وتومئ نحو ريفل. استمرت رحلتهما بعدها. أثناء الاستراحة، لاحظت ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص آخرين تحمل أجسادهم العلامات السوداء ذاتها. ارتأت عدم فعل أي شيء حتى تسمع ما سيقوله معالج المدينة في هذا الصدد.
"أتفترين تحسناً؟"
أجابت ليرا ورأسها منخفض: "أجل... لقد ذكر داريث أن هناك أعراضاً جانبية محتملة، لكن... لم أتوقع حدوث هذا. أنا آسفة لإضاعة وقتك".
ربتت ريفل على رأسها ببطء.
"لا تقلقي حيال الأمر. لا شيء يذكر".
قضيا بقية الرحلة في صمت. وكلما اقتربا من مركز العلاج، تصاعد عدد المرضى بلا توقف. لقد وجدوا في كل مكان حرفياً. سحر الحراس بضع خطوات أبعد، مباعدين بين أنفسهم وبين المحيطين بهم. تيقنت ريفل من رغبتهم في الحيلولة دون اقتراب أي مصاب منها أو من ليرا.
قال فيليون: "سيدتي، لا أظن أن زيارتك للمركز آمنة بالقدر الكافي. يمكنني جلب كبير الجراحين إلى هنا".
"لا... أريد أن أرى بنفسي".
بدا فيليون مستعداً للاعتراض، بيد أنه استسلم عقب نظرة حازمة منها.
قال أحد الحراس مشيراً نحو مبنى أضخم: "سيدتي، قد وصلنا".
كان مبنى أطول من أغلب المباني، كما اتسم بطول ملحوظ. وشغل مساحة تكفي لثلاثة مبان تقريباً بحجم متوسط في حي العمال. أومأت ريفل برأسها مع شرائهما في الاقتراب. تفحصت الناس حول المبنى. ارتدى معظمهم علامات سوداء على أجسادهم، في حين عانى البعض عيوناً محتقنة بالدماء. تعالت أصوات السعال من كل صوب، وفوحت بالهواء رائحة التعفن. توقف الحراس، بينما تحرك فيليون نحوها موجهاً إشارات للآخرين.
شكل الحراس حلقة صغيرة حولها في غضون لحظات.
قال: "سيدتي، حدرنا الانسحاب إلى القصر. لا أرى ذكاءً في البقاء هنا. مهما يكن هذا الشيء، فهو ينتشر يقيناً".
"أنا..."
قال فيليون واقفاً أمامها وساداً طريقها: "أرجوكِ، سيدتي".
واصلت ليرا الالتفات حولهما ممسكة بكميها.
تمتمت: "هذا... هذا أكثر بكثير مما توقعت".
استمر السعال من حولهما بلا انقطاع. عجزت ريفل عن تبيّن ما ينبغي لها فعله. لم تشأ المغادرة، وفي الآن ذاته، رأت في البقاء والتقاط ما يعانيه القوم أمراً غير محمود للمدينة. فلن تقدم عوناً يُذكر إن رقدت طريحة الفراش، مستنزفة كافة موارد المدينة للتعامل معها عوضاً عن إيجاد علاج للمرض.
"من تلك؟"
"أظنها سيدة المدينة. لكنها تبدو أصغر من أن تكون هي".
دارت الحوارات من حولها، بينما صارعت ريفل لتثبيت قرارها. أدركت غباء ذلك، لكن... لسبب ما، رغبت في الاستمرار ودخول المبنى. أيُّ سبب هذا؟ أكان لأنها حسمت أمرها أخيراً لإحداث تغيير؟
سمعت صوت ليرا: "ريفل. علينا الذهاب"، وهي تشير حولها.
شرع الكثير من المرضى في الاقتراب منهم.
صاح حارس: "إلى الوراء!".
شرنغ! استل الحراس سيوفهم ورفعوا دروعهم.
صاح صبي صغير: "رأيت الليدي إلين مرة، وتبدو مثلها حقاً!".
صاحت امرأة مسنة وهي تقترب منهم: "يا سيدة! متى سيهب الكهنة للمساعدة؟"، دالكة عينيها.
"ابني... ابني مريض و..."
أطلقت سعالاً جافاً استمر ثواني معدودة. مسحت المرأة المسنة فمها وأخذت نفساً عميقاً.
توسلت: "أرجوكِ، أيمكنك إشراك الكهنة؟".
صاح آخر من الحشد المتجمع: "أجل!".
واصل الحشد الصياح والاقتراب، بينما دأب الحراس على الصراخ مطالبين إياهم بالتراجع. غدت الفوضى عارمة. لم تدر ريفل الفعل الصائب. لقد رأوها سيدة فولك—إلين. تنفست بعمق وشعرت بيد ليرا على كتفها.
"يا سيدة، علينا الذهاب".
أرادت ريفل التفوه بشيء، أو إطلاق وعد ما. لكن... استحال عليها ذلك. خلت من نفوذ كافٍ مع الكهنة، وبالنظر لعدد المرضى، تيقنت من عجزها عن دفع أجور الكهنة للمساعدة. سبق وأن خططت لزيارة المعبد، لكن ماذا إن رفضوا؟ برق داريث في خلدها. إن كان... ما ظنته بشأنه صحيحاً، وحتى إن لم يكن، فقد أبان سلفاً عن قوة جبارة في الشفاء. إنه الوحيد القادر على إعانتهم إن تنصلت الكنيسة.
"تراجعوا!".
تلفّتت ريفل حولها ملاحظة اقتراب الناس منهم. وفي اللحظة التي همّت فيها بالكلام، أحست بيد قوية على كتفها قبل أن يسحبها فيليون بسرعة. أمامها، دفع الحراس الحشد المعترض لطريقهم. ركضت ليرا بجانبهم بينما تأخر الحارس الأخير بضع خطوات مسبلاً أي محترز يقترب منهم من الخلف. استسلمت لأخذها من قِبل فيليون. لقد... جهلت السبب. بدا الأمر أيسر بطريقة ما. عبرت ثوانٍ معدودة، وخفتت سرعتهما حتى توقفا.
صاح الحارس ناغزاً سيفه بدرعه: "افسحوا الطريق!".
واصل الحارس الصياح، بيد أنهم لم يتحركوا لثوانٍ. أفلت فيليون يدها.
قال: "ابقي هنا. عليَّ تفقد ما يدور في المقدمة".
أومأت ريفل برأسها بينما التفت فيليون خلفهم ميمماً شطر الأمام.
سألت ليرا: "ما الذي يجري؟"
"لست متأكدة".
انبعثت أصوات من الخلف لمعالجة الحارس الخلفي لبعض المدنيين المقتربين منه. اقترب بضعة مرضى محادثين الحارس. حما الرجل نفسه بدرعه محاولاً حثهم على التراجع. أعادت ريفل تركيزها نحو الأمام، محاولة سبر أغوار سبب التأخير.
"سيدتي"، جاء الصوت من جانبها.
التفتت مبصرة امرأة مسنة تقترب منها، محتضنة طفلاً صغيراً بين ذراعيها. اكتسى معظم جسدها باللون الأسود، واحمروت عيناها. بدا الصغير فاقداً للوعي، مغطىً هو الآخر بالعلمات. ارتجفت يدا ريفل مسمرة ناظريها على المرأة. عجزت عن فهم سبل انتشار المرض هكذا دون إبلاغها. أدركت أنها... لم تملك أي سلطة حتى الأمس القريب، لكن مع ذلك... كان حرياً بها العلم قبل المجيء. أو... ربما لم يُدرك أحد جسامة المرض.
تحدثت المرأة بصوت منخفض: "أرجوكِ. أنقذي حفيدي".
في لحظات، باتت على بعد خطوة أو خطوتين منها. وقفت ليرا جوارها، لكنها اكتفت هي الأخرى بالتحديق في الطفل المحمول بين ذراعي المرأة.
كررت قائلة: "أرجوكِ..."
قبل أن يهزها سعال حاد خشن. تحول السعال إلى دموي في لحظات مع إحساس ريفل بقطرات مبللة تغمرها. لا. التفتت نحو ليرا لتشهد عشرات النقاط الدموية تغطي وجهها. اتسعت عيناها. رفعت ريفل يدها مستلة العصا من مخزونها... لكن الوقت كان قد فات.