تغيّرت البيئة المحيطة بأدولين فور عبوره مدخل الغرفة الثالثة. وقف في أرض قاحلة تعجّ بالصخور الضخمة، وتناثر الحصى في كلّ مكان. غاب الخضار تماماً، باستثناء بضع نبتات نتوءاتٍ خرجت من التربة هنا وهناك. حمل الهواء رائحة جافة وغبارية، فألقى رقية التطهير. سرعان ما غمّرت المكان رائحة عطرية زكية. كان كلاي على بعد خطوات قليلة، يتأمّل إحدى النبتات.
تمتم الفتى: "هذا مستحيل".
سأل أدولين بينما سمع وقع خطوتهم من خلفه، إذ عبر الآخرون بدورهم: "ما المستحيل؟"
حافظ كلاي على صمته ومطّ عينيه في النبتة بتركيز. كره أدولين انتظار الإجابة، فقرر استخدام رقية التحليل على إحدى النبتات. أيقن عجزه عن اكتشاف شيء بنفسه، لكن المباركة كانت تمنحه الأجوبة أحياناً مع استخدام التعويذة. لا ضير إذن من التجربة. توقف عند أقرب نبتة وألقى التحليل.
[اكتمل التحليل.][زنبقة جرداء خضراء][ملاحظة: نبتة قادرة على العيش في أقسى الأراضي قحولة. تتمتع بقوة حياة وتحمّل مذهلتين، مما يتيح لها البقاء في بيئات تعجز عنها جلّ الكائنات الحية.][تلميح: مفيدة لصنع جرعات شفاء فائقة النقاء.]
اتسعت عيناه وهو يحدّق في شاشة المباركة. لماذا ارتأت المباركة منحه معلومات إضافية وحتى تلميحاً؟ لم تكن المرة الأولى، لكن الأمر ظلّ يثير حيرته. تعلّقت المعلومات أيضاً ب... نبتة. بعد لحظات، أقلع عن إهدار أفكاره فيما لن يظفر بجواب له. وقف كلاي على مسافة قريبة، وبدا الفتى دارياً بما يراه.
قال يورينوموس: "يُذكرني هذا المكان بالمنزل".
وافقه أدولين الرأي، باستثناء النبتات المنتثرة عند مدخل الغرفة الثالثة. فضلاً عن ذلك، بدا المكان ساطعاً أكثر من اللازم مقارنة بالقارة الشيطانية. كره ذلك المكان مقتاً شديداً. لم ينشرح صدره قط أثناء وجوده هناك. عبر الباقون بدورهم، وانشغلوا بدراسة التضاريس. رغم تأهبهم الشديد وقبضاتهم المحكمة على أسلحتهم. لم يمل أدولين إلى لومهم. مغامرون عاديون يجتازون زنزانة للمرة الأولى.
هذا ما أخبره به يوري على الأقل.
سأل أدولين حين اقترب كفاية من كلاي: "ما تلك؟"
تمتم الفتى: "هممم. لست متأكدًا تمامًا، لكنها تُذكرني بإحدى النبتات التي رأيتها في كتاب النباتات المنقرضة الذي أجبرني معلّمي على قراءته".
تمتم أدولين: "أه. وأي نبتة هذه؟"
قال كلاي: "تُذكرني بزهرة حياة المَلك. رغم أن لها أسماء عدة داخل الكتاب. أطلق المؤلف عليها ذلك الاسم استناداً إلى أساطير سمعها".
واصل تأمل النبتة، بينما حلّقت يده على بعد بضع بوصات فقط، كأنه أُخيف من مجرد لمسها.
"ماذا قال الكتاب عنها؟"
"ذكر أنها قادرة حرفياً على النمو في أي مكان، وأنها تحتضن أكبر قوة حياة مقارنة بأي نبتة أخرى على وجه الأرض. حسناً، كان ذلك مجرد تكهّن من المؤلف، إذ انقرضت النبتة قبل كتابة الكتاب بمدّة طويلة".
اكتفى أدولين بالايماء برأسه. ألهذا السبب منحته المباركة تلميحاً؟ ليُخرج النبتة من الزنزانة ويعيدها إلى العالم الحقيقي؟ ربما كان الأمر أبسط من ذلك بكثير. أبدى اهتماماً بصنع جرعة فائقة النقاء، وبما أنه عثر على مكون سيساعده على تحقيق ذلك، منحته المباركة تلميحاً. أم ثمة سبب آخر؟ شيء مرتبط بالفساد؟ منذ وطئت أقدامه العالم الجديد، ارتبط جلّ ما حوله بالفساد بطريقة أو بأخرى.
بدءاً بالمدمنين الذين صادفهم في يومه الأول، مروراً بإدوارد والكونت بعد ذلك بوقت قصير.
تمتم: "أياً يكن".
لم يكن في نياته تنفيذ ما خططت له المباركة أو أرادته منه. حسناً... ما زالت مشكلة الففساد داخل جوهره تؤرقه وتحتاج إلى التخلص منها. لم تشكل خطراً بعد، لكن إبقاءها طويلاً سيحولها إلى معضلة قريباً.
سأل كلاي بينما حوّل بصره أخيراً عن النبتة: "ماذا قلت؟"
سأل أدولين: "أنا؟ لا شيء... إذن... كيف نحصد النبتة؟ هل أتى الكتاب على ذكر شيء بخصوص ذلك؟"
أجاب كلاي: "لا أذكر شيئاً. قرأتها لأن معلّمي أجبرني. لم أستمتع بقراءتها حقاً".
قال أدولين عاقداً حاجبيه: "كان معلمك ذكياً! ابدأ بالاستماع لمن يكبرونك سناً".
تجاهل كلاي تذمره وعاد إلى النبتة.
"إذا كان ما ذكره الكتاب صحيحاً، وكانت النبتة حقاً كما وصفها، فأنا على يقين من أن اقتصاد مكونات الخيمياء سيتغير إذا أخرجناها وبدأنا زراعتها".
"لماذا ترجح ذلك؟"
"ورد سطر يشير إلى أن النبتة تُعد الكأس المقدسة للخيمياء".
عاد أدولين وانحنى بجوار النبتة التي رآها سابقاً. بدت النبتة كَساق زهرة زنبق، تحيط بها أشواك صغيرة. كانت خضراء زاهية وتعلوها لبّة زهرة. لم تزهر بعد، أو ربما كانت مجرد لبّة. حدّق فيها لبرهة وأدرك أن التمعن فيها لن يأتيه بمعلومات إضافية. من خبرته، اختلفت طرق حصد كل نباتات الخيمياء. والسبب الرئيسي وراء ذلك هو تمكين النبتة من الاحتفاظ بمعظم خصائصها. بعضها، مثل زنبق الزهرة الزرقاء — أفضل مكون لصنع جرعات المانا في عالمه القديم — تطلب حصادها فور تفتح الزهرة.
وتطلبت أخرى تعويذة لإبقائها على حياة، بينما أفسدت التعويذات الخصائص الطبيعية لأخرى. باختصار، بدا حصد مكون خيمياوي أمراً معقداً. في عالمه القديم، اعتاد حمل مجلد سميك عن مكونات الخيمياء أينما ذهب. لم تقتصر التعقيدات على حصد المكونات، بل امتدت لتجهيزها قبل العملية. أفظع ما في الخيمياء غياب التعويذات المساعدة في حصد المكونات. اقتصر الأمر برمته على التجربة والخطأ.
صاح يوري: "ما هذا التباطؤ؟ الزنزانة لن تُفتح تلقاء نفسها!"
تجاهله أدولين والتقط سكين زبد أخذها من قصر الكونت. استخدم تعويذة لزيادة حدة نفلها وقطع النبتة من قاعدة ساقها، تاركاً بوصة واحدة على أمل أن تنبت زهرة أخرى. أمسك النبتة بيده، فذبلت في غضون لحظات. تسرّبت قوة الحياة بأسرها من جرح النبتة. قطّب أدولين جبينه. حسناً، لم يتوقع النجاح من المحاولة الأولى. مع ذلك، آلم قلبه إهدار مكون مماثل.
حدّقه كلاي وضحك خفيفاً: "لا أظن أن تلك هي الطريقة".
تجاهله أدولين وتوجه إلى النبتة التالية. تطابقت مع سابقتها. جعل التربة حولها أكثر ليونة، وحالما اطمأن وتأكد من سلامة النبتة، اقتلع النبتة بأكملها من الأرض. بدت جذور النبتة بدقة خصلة شعر واحدة. كما بدت شديدة المرونة. حدّق في النبتة بين يديه، متمنياً سرّاً للملِكة أن تنجو النبتة. وما إن مرت عشر ثوانٍ، حتى ذبلت النبتة بدورها. نقر أدولين لسانه ضجراً. حتى الدعاء للمقدس لم يجدي نفعاً...
حسناً، كانت تجربة تستحق المحاولة. وبما أن المباركة منحته التلميح، فقد عزم على تجربتها. لم يكن ليخسر شيئاً... كانت هناك كرامته، ولكن من يكترث لتلك التفاصيل التافهة. تابع أدولين محاولات حصد النبتة بينما انطلق يوري وفريقه لاستطلاع الغرفة. آثر كلاي البقاء بجانبه ومراقبته عن كثب. أزعجه الأمر، لكن ليس للحد الذي يدفعه للتلفظ بشيء. كرّر في البداية الخطوات الأولى للقطع والقلع، لكنه ألقى هذه المرة تعويذة للحفاظ عليها، و...
ذبلت على أي حال. بدت المحاولة التالية أكثر تعقيداً من سابقتها. عزل المنطقة المحيطة بالنبتة. أشبه بما فعله في قصر الكونت حين عزل غرفة الكونت عن اللعنة. ثم شرع في الكشف عن النبتة بتعويذة خلق الأرض، مبقياً قدراً كافياً من التراب على الجذور. ...ذبلت مجدداً. شتم سرّاً، رافضاً فقدان رباطة جأشه أمام كلاي، وحدّق في قشرة النبتة. غدا حصدها عويسًا حقًا. نجحت معظم الطرق التي استخدمها حتى الآن مع عدد كبير من نباتات الخيمياء في عالمه القديم.
مع ذلك، ملك الكثير من الطرق لتجربتها، لكن بعد إحصاء النبتات حوله، تملكه الحذر من إتلاف معظمها. تبقى نحو خمسين نبتة في محيطه، وربما بضع أخريات في أعماق الغرفة، لكن إن تشابهت مع الغرفة الأولى، فستقتصر على البداية وحدها. لم يكن هذا العدد ضخماً كما بدا، إذ جهل عدد مرات إخفاقه إلى حين بلوغ الطريقة الصحيحة للحصد. قد يتطلب الأمر ثلاثين محاولة أو أكثر، وبعدها، إن أراد مواصلة استخدام النبتة، توجب عليه إيجاد سبيل لزراعتها.
ورغم علمه بأنها أشد النباتات مرونة، لم يعني ذلك خلو زراعتها من الإخفاق. بناءً على عدد الإخفاقات القادمة، احتمالية عزوفه عن استخدام النبتة كلياً كانت واردة، وهو ما رغب في تفاديه. بعد دقيقة أو نحو ذلك، عزم على منحها عشراً أخرى من المحاولات. فإن باءت تلك الطرق بالفشل، سيعزف عنها مؤقتاً ليجري بعض الأبحاث في المدينة قبل إعادة المحاولة. السبب الرئيسي لقراره ارتبط بأن دزينة أو نحو ذلك من النباتات الأندر في عالمه القديم امتلكت طرق حصد غريبة.
اقرب للطقوس منها للحصد. كان جذر شجيرة الثلج أحدها. تمثل ...طقوس الحصد في إجرائها ليلة بدر قمرية مع غمر محيط الجذر بالمانا. ثم بعد انتظار سبع دقائق ونصف، وجب اقتلاع الجذر بقوة. وحتى يومنا هذا، جهل سبب نجاح أمر مماثل أو كيفية توصل البشر للطريقة السليمة لحصدها.
وما إن همّ بالشروع في محاولته الثانية، حتى صاح يوري من بعيد: "أيها الساحر!"
التفت معقداً حاجبيه ليلمح يوري وفريقه ينحدرون من تل.
صاح أدولين بنبرة منزعجة: "ماذا؟"
صاح يوري: "وجدنا وحوش الطابق! إنها سرطانات وما شابه!"
توقف يوري لحظات.
"أراهن أنها ستكون لذيذة!"
اكتفى أدولين بهز رأسه وهو يحدق في يوري. هرع يوري صوبه بخطى أسرع وابتسامة عريضة تعلو محياه. ثم داس على حجر ضخم فانزلق ساقه. ولم تمض لحظات حتى تدحرج هبوطاً من التل بينما استقر الحجر على بعد بضع أقدام خلفه. ضحك أدولين حين شاهد يوري ينهض فور توقفه عن التدحرج ويركل الصخرة. غدا خطأً فادحاً إذ تجعد وجهه ألماً، لكنه تدارك الأمر بسرعة. واصل التصرف كأن شيئاً لم يكن بينما غدا لون الحجر داكناً لبرهة وانشطر بدقة إلى نصفين من خلفه.
أفرز الجزآن عن حجر يشم أخضر فاتح اللون ومثالي. بدا فريق يوري على وشك الانفجار ضحكاً، لكن ما إن تبدلت ملامح وجوههم حتى عاودت طبيعتها كأن شيئاً لم يحدث.
تمتم أدولين: "ما الذي فعله يوري بهما؟"