راقب أدولين يورينوموس وهو يعجن العجين. فوحَت في مطبخ القصر رائحة الخبز الطازج والدقيق وبضع أعشاب وبذور. كانت غرفة واسعة يتولى أمرها عادة عدد غير قليل من الطهاة، لكن المطبخ صار بأسره تحت تصرّف أوري وحده الآن. استسلم أوري أخيرًا بعد إلحاح أدولين المستمر بضرورة توفر خبز طازج لقهر الزنزانة، وبدأ بإعداد بضع دفعات. خُبزت الدفعة الأولى بإكليل الجبل والملح الخشن. كانت إحدى مخبوزات أدولين المفضلة من عالمه القديم.
لم يقيد أوري فيما يخص باقي الدفعات. مُنِح الفتى كامل الحرية في صنعها. ملّ أدولين سريعًا من مراقبة الصبي وهو يخبز، وقرر جولة استكشافية في أرجاء المطبخ. احتاج إلى أنواع أخرى من الطعام لترافق الخبز. كانت وجهته الأولى المخزن الملحق بالمطبخ. احتاج إلى التقاط بضع جرار من المربى. كان المخزن أوسع من الغرفة التي نزِل بها في النُزُل الأول بمدينة ميث، تلك التي احتالت عليه وسلبت منه عملاته الذهبية.
عبقت الغرفة برائحة التوابل، إذ حُفظ معظمها هناك. استغرقه الأمر بعض الوقت لتفقد الرفوف بعينيه. تساءل في مرحلة ما عما إذا كانت عملية النبش هذه تُعد سرقة. أعرض عن هذه الفكرة بسرعة. كانا ضيفين في قصر إيلين، وللضيوف حق الأكل! عثر أخيرًا في نهاية الغرفة على الجرار المعبأة بالمربى. بلغ عددها ثلاثين جرة على الأقل، ومُصطفة بعناية فائقة على الرف الأوسط. وجد جرّته المفضلة ذات التوت الأحمر بسرعة.
قرر أن عشر جرار ستكفي، بعد لحظات من التردد. لم تكن هناك حاجة لتعبئة مؤونة لأيام قليلة فقط. بمقدوره الاحتفاظ بها في مخزونه، برفقة الخبز الطازج، متى شعر بالجوع. ثم التقط بعض الزبدة واللحم المدخن وبضعة مكونات أخرى لفتت انتباهه. عاد إلى المطبخ بمجرد انتهائه، وراقب أوري وهو يعمل. حسنًا، لقد كان يتحايل حقّاً على عملية الخبز بأكملها. يعجن العجين بنفسه، ويخرج الخبز من الفرن من تلقاء نفسه بينما تدخل الدفعة الجديدة وحدها.
ظل واقفًا في وسط الغرفة، ويكتفي أحيانًا بوضع اللمسات الأخيرة بينما تُنثر البذور والمكسرات فوق الخبز. كان يدير مخبزًا كاملاً دون أن يتحرك من زاويته الصغيرة. ندم أدولين شيئًا ما على استيلاءهما على المطبخ لأنفسهما. لو بقي الطاقم داخل المطبخ، لَأُجبر أوري على العمل بجد أكبر واستخدام يديه. لا هذا العبث.
قال أدولين: "أنهيت عملك؟"
حرّك يورينوموس اصبعه فانفتح الفرن، وطفحت منه صينية خبز مخبوز.
"دفعتان أخريان ونستطيع الذهاب."
قطب أدولين جبينه وتوجه نحو الطاولة التي تضمّ كل الخبز المخبوز. أودع الأرغفة التي لم تكن ساخنة جداً في مخزونه واحداً تلو الآخر. كان بحوزته بالفعل أكثر من ثلاثين رغيفًا طازج النضج داخل مخزونه، ومحفوظة في حالة تجميد تام تحافظ على حرارتها ونضارتها. انتهى يورينوموس بعد ساعة، وعُبّئ الخبز بأسره في مخزونيهما، مع احتفاظ أدولين بالنسب الأكبر.
سأل أدولين: "أيمكننا الانطلاق الآن؟"
لقد تسلل إليه السأم حقًا طوال العملية، بينما بدا أوري كمن يستمتع بوقته تمامًا. كان غريبًا مشاهدة ملك الشياطين يؤدي عملاً بمثل هذه... المحبة والاهتمام بأدق التفاصيل؟ أترى يورينوموس واقعًا في غرام فن الخبز... الصنعة؟ لم يرغب في معرفة الإجابة ومحا أفكاره بسرعة. تجاوز النهار معظمه وبدأت الشمس تغيب، عندما غادرا القصر أخيراً. ألقى أدولين نظرة على يورينوموس.
"حسنًا، نستطيع دائمًا الذهاب غدًا."
"سنذهب الآن. لم أقضِ الساعات الأخيرة في الخبز لتتهرب من عملك."
"ممم... لكن الوقت قد تأخر بالفعل. لا أريد لطفل أن يجوب الغابة ليلاً. الأمر ببساطة... غير مسؤول البتة."
"أيها اللقيط! لست طفلاً!"
أمال أدولين رأسه.
"لمَ تستمر في التمثيل؟ هل رأيت نفسك في مرآة من قبل؟"
وكاد ملك الشياطين يشرع في إثبات أنه ليس طفلاً، حين سمع أدولين وقع خطوات تقترب منهما، فرمق أوري بنظرة لتخرس. توقف كلاي إلى جانبه بعد لحظات.
"أخارجان؟"
بدا كلاي مجهدًا، وتربض هالات داكنة تحت عينيه.
أجاب أدولين: "شيء من هذا القبيل."
حسنًا، كان الموقف محرجًا حقًا... أو لعلّه هو من صنع هذا الإحساس. ما زال غير متأكد كيف يُقدّم ملك الشياطين اللعين، أو... كيف يتصرف أمامه. مهما فعل، فقد بدا المشهد غريبًا لا محالة. أومأ كلاي ببطء.
"أتمانعان انضمامي؟ أحتاج بشدة لمغادرة القصر لوهلة."
مانع أدولين، وبشدة حقًا. ومع ذلك، حين تأمل حالة الصبي، وجد صعوبة بالغة في الرفض. احتاج كلاي بوضوح للابتعاد قدر الإمكان عن ريفيل، وعمن تشاجر معهم أيا كانوا. المشكلة تكمن في اضطرار أدولين لمعرفة ما دار في حزبه. لقد تاقت نفسه للبقاء في جهل تام بما حدث. واحتج كذلك إلى إيجاد مبرر لتصرفاته قرب الفتى ذي الشعر الأبيض... ملك الشياطين. كانت حياته شاقة بحق. كان جديراً به البقاء في غرفته أسبوعًا كاملاً، أو ربما لفترة أطول.
سأل كلاي وهو يختلس النظر إلى أوري: "من هذا؟"
همّ أوري بفتح فمه والتلفظ بما لا يجب البتة، فبادره أدولين بالكلام.
"ضال أحمق عثرت عليه..."
"ضال؟ عثرت عليه؟"
رمقه كلاي بنظرة متسائلة.
"حسنًا، بدا الفتى... حزينًا؟ هزيلاً؟ ولم أستطع السماح له بالبقاء... جائعًا بعد اليوم!"
نعم، لم يكن متأكدًا حقًا من الهراء المتدفق من فيه، فقرر إنهاء الحديث هنا. فأي شيء آخر سيحطّ في ذهنه لن يُصلح الموقف. ولن يظل كلاي جاهلاً لفترة طويلة على أي حال. لم يبدو أوري كمن يستمتع بإخفاء قواه، لفترة طويلة على الأقل، لذا ستنكشف الحقيقة في نهاية المطاف. بأنه شخص غريب الأطوار، تمامًا مثل أدولين نفسه... فليكن. قهقه يورينوموس وأبدى مسحة من الحزن.
"يورينوموس"، مقدماً نفسه.
"كلاي."
شرعا في السير نحو البوابة، وواصل كلاي مشاكسة أوري. تحسنت نفسية الصبي بعد مغادرة القصر.
حسنًا، لم تتبدل كثيراً، لكن تعبير "لا تكلمني"
قد زال على الأقل. لم يسأل كلاي حتى عن وجهتهما. بدا وكأن غايته الوحيدة هي الابتعاد عن القصر قدر المستطاع. كانت الهررة الصغيرة نائمة عندما عاد أدولين للاطمئنان عليها، فتركها في القصر. الصغيرة تنمو بسرعة وتحتاج إلى الطعام والنوم أكثر من المغامرات العديمة الفائدة في الزنازين. حسنًا، هناك حقيقة أخرى... وهي أن أوري يرافقه، ولم يرغب حقًا في أن يمازحه ذلك اللقيط بشأن الهررة.
استغرقهما الأمر أكثر من ساعة لمغادرة المدينة. كانت المدينة مترامية الأطراف، لكن حلول الظلام دفع معظم السكان إلى منازلهم، مما جعل الرحلة أسرع بكثير. وسمع الحراس أيضًا يتحدثون عن نوع من المرض، لكنه لم يظفر بمعلومة مفيدة. ...
"أمن الذكاء حقًا التجوال في الغابة في مثل هذا الوقت؟"
سأل كلاي. كانت الغابة من حولهما مظلمة تمامًا، ولم تكن مترات قليلة مرئية أمامهما. وكلما توغلا أكثر داخل الغابة، تضاءل مدى الرؤية أكثر فأكثر.
وأضاف كلاي: "ونصطحب طفلاً معنا؟"
احتج أوري: "اسمعني يا كلاي! لست طفلاً، ومللت من تكرارك لهذه الاسطوانة!"
ضحك كلاي بخفة ونقر رأس أوري.
"حسناً، حسناً."
كاد أدولين ينفجر ضاحكًا. لقد كان مضحكًا حقًا رؤية كلاي وهو يعامل يورينوموس كطفل عادي. حسنًا، لم يكن الذنب ذنبه. لقد بدا الأمر طريفًا في نظره لا أكثر. لو عرف كلاي الحقيقة، أو... حين يكتشفها، كان أدولين واثقًا من أن كلاي سيخابره رعبًا ويحجم عن الاقتراب من أوري. تبدلت حالة كلاي المزاجية، وبدا أكثر حيوية. خلّفت النزهة القصيرة أثرًا إيجابيًا عليه بالفعل، وهو ما سرّ أدولين رؤيته.
مضى الوقت ببطء وهما يسيران، وكان أوري يرمقه بنظرات غريبة كل بضع دقائق. بدا سامدًا تمامًا. لم يستطع أدولين لومه حقًا، إذ جهل هو نفسه سبب سيرهما أصلاً. لم لوجودهما هنا أي مبرر حقيقي، باستثناء... حسنًا، لم يدرِ كلاي ما يفعله غير ذلك. وبعد ما سمح لكلاي باجتياز الزنزانة السابقة، لم يرغب في استعراض قوته، في هذه اللحظة على الأقل. ربما بعد أن يعوض كلاي... ويعلمه بعض المهارات، أو ما شابه.
ما زال مترددًا في كيفية تعويض الفتى، لكنه سيبذل قصارى جهده. كانت تلك أنسب طريقة لتصحيح أخطائه في نظره. بإمكانه الاكتفاء بالاعتذار... عفواً، لا. سيعلّم كلاي مهارات عديدة تضاعف طاقته. بدا هذا الخيار أفضل بكثير من اعتذار واهٍ. وكان بمثابة إعداد للوظيفة التي عُيّن فيها أساسًا: تعليم سحر الشفاء للسحرة. كان متأكدًا تمامًا من فشله كمعلم، وبأنه معلّم سيء للغاية. لذا سيمنحه هذا التمرين البسيط فرصة للتأقلم.
حال الظلام بشكل أكبر سريعًا، و بالكاد استطاعا رؤية ما أمامهم. لاحظ أدولين أن أوري يستعين بتعويذة تتيح له الرؤية في الظلام دون أن يشاركهما إياها. تذمر وألقى تعويذة النور. أنارت التعويذة كل شيء في محيط مائة متر بنور أبيض ساطع. وما إن انطلقت حتى تعثر أوري إلى الوراء مغطياً عينيه بيديه. وفي لحظات، تعثر بغصن وهوى أرضاً.
"أيها اللقيط..."
سارع كلاي نحو أوري وساعده على النهوض. ولم يتركه لدقيقة كاملة وهو يتفحص بحثاً عن أي إصابة. تابع أدولين المشي كأن شيئًا لم يكن.
قال كلاي وهو يساعد أوري في تنظيف الغبار عنه: "مهلاً يا داريث. كان بإمكانك تحذير الصبي على الأقل. انظر ما فعلته به."
"خطئي. لم أظن أن الفتى سيخاف من... النور."
أعقبت ذلك لعنات أخرى تجاهلها. لم يقترف خطأً جسيماً. بل كل ما فعله هو إنارة الدرب ليسهل على كلاي شق طريقه في الغابة. استغرقت الرحلة نحو الزنزانة أكثر من أربع ساعات. فكر أدولين بالاعتذار مرارًا، لكنه... أحجم. ما قيمة مسيرة بضع ساعات؟ تساءل. حاول أوري رد الجعر بإيقاعه عبر المانا مرات عديدة. ومع ذلك، لم يفلح ولا مرة واحدة. إذ توقع أدولين الانتقام مسبقًا واتخذ احتياطاته. وبقي كلاي غافلاً عن شجارهما الصغير، أو هذا ما تمناه أدولين على الأقل.
فكر أدولين في الزنزانة وما يُفترض فعله. عبث بالنواة الفاسدة مرارًا لكنه لم يظفر بفائدة تذكر. والآن، يفترض به بطريقة ما مساعدة يورينوموس في السيطرة على نواة زنزانة ما زالت مرتبطة بالزنزانة نفسها. كيف سيحقق ذلك؟ لم يكن لديه أدنى فكرة. تمنى لو أن أوري استوعب ما يكفي عن سير العملية، أو عن بدايتها على الأقل. وإلا فهما يضيعان وقتهما هباءً.
نادَى أوري مشيرًا بإصبعه: "من هنا."
كانا يتسلقان الجبل حاليًا، واقتربا من السفح في تلك اللحظة. ضجت المنطقة المحيطة بالأشجار، مع تشكيل صخري في الأمام يقود نحو إحدى القمم. أشار أوري نحو التشكيل الصخري، على بعد أمتار إلى يسارهما.
سأل كلاي: "هنا؟"
أجاب يورينوموس: "نعم. أترى العلامات؟"
وجّه أدولين بصره نحو البقعة التي يشير إليها أوري. كانت مغطاة بأغصان رُتبت على هيئة علامة إكس ورُبطت بأحد الصخور. حسنًا، كانت تلك إحدى طرق تعليم الزنازين...
سأل كلاي: "علامة إكس العملاقة؟"
أومأ أوري باعتزاز.
"يستحيل تخلفها!"
ضحك كلاي بخفة.
"حقّاً..."
"إذن، ماذا أرى أمامي؟"
سأل كلاي. توقف أوري تحت علامة إكس العملاقة، واعتدل في وقفته، ورمق ما يعلوهما بقليل.
"زنزانتي!"
قال كلاي: "انتظر... ماذا؟"
ومع تفكير أدولين بالأمر، لعلّه كان يجدر بهما إخبار كلاي بوجهتهما... نظراً لأن الصبي لم يحتفظ بتجربة طيبة في الزنزانة الأخيرة...