لم تكد أرييل تسمع ما قال الأرشيماج إيلْرِك. كانت منشغلة جداً بالنظر إلى رفيقه والهالة المنبعثة منه. لم تُواجه أري قط شيئاً يشبه هذا، لكنها عرفت ما هو. كان يقطر هيبةً، بكل بساطة. إنها مباركة السماويّ، إقرار بالرتبة العليا لمتصاعد بلغ مستوى المعلم أو تجاوزها. تلمع في الهواء كحرارة خانقة.
"أرييل؟ أرييل".
طرفَت أري لتنظر إلى إيلْرِك الذي أشار بيده.
"عليك تحية المعلم فِينِياس. إنه زميل دراسة قديم لي ومن أفضل السحرة وأطيبهم وأكثرهم انفتاحاً في جيلنا. رجل بروحيّة الحارس نفسه حقاً".
"قدرتك على التملّق الوقح تكاد تكون مرعبة، إيلْرِك".
لم يتغير تعبير الساحر فِينِياس، وعيناه تفحصان أري بدهاء.
"لا سيّما وأنت تطلب مني خدمة".
"بالتأكيد. ففي النهاية، ما فائدة الأصدقاء الأعزاء إن لم يتملّقوا بعضهم ويتبادلوا الخدمات؟"
آه. إذن كنت محقّة. هذا هو معنى الصداقة. لم تستطِع أري تملّق أحد بيقين، لكنها استطاعت تقديم الخدمات للناس. نظرت إلى الفتيان الذين بقوا منحنِينَ. تساءلت عن السبب للحظة قبل أن يدركها الواقع. أحد الأمور التي عُلِّمت إياها في دروسها المتأخرة بساحة المدرسة هو أنه، عند لقاء متصاعد من رتبة معلم فما فوق، مفترض بها أن تنحني بعمق ولا تستقيم حتى يسمح لها المتصاعد بذلك. لم تفعل ذلك مع إيلْرِك، بفضل ألفتهما، لكن هذا الرجل ربما توقع شيئاً كهذا.
بلا تمطّي، نهضت أري على قدميها وأدت انحناءة عميقة.
"أوه، لا حاجة لذلك"، قال الرجل الآخر، لكن عندما نظرت لأعلى، جعلتها نظرته الثاقبة تشيح بوجهها مجدداً.
كانت تواجه عناء كافياً في الحفاظ على التواصل البصري يومياً، لكنها استطاعت تدبر أمرها بشكل أفضل مع الأرشيماج إيلْرِك الذي امتلك عيْنَيْن دافئتين والذي، رغم قوته، لم يقطر بمثل ذلك القدر من التحكم. تساءلت لماذا بدا إيلْرِك، على الرغم من امتلاكه الواضح لقوة أكبر من هذا الرجل، أكثر قابلية للترابط. كما لم يمتلك إيلْرِك مباركة السماويّ تقطر من مساماته. مع ذلك، أكدت الشارات والزخارف على ردائه أنه أكثر براعة من فِينِياس.
"أهي بخير؟"
تمتم الرجل لإيلْرِك.
"نعم. إنها خجولة فحسب وتشتت انتباهها بسهولة. أري، يمكنك التوقف عن الانحناء الآن".
استقامت أري في الوقت المناسب لرؤية فِينِياس يرمق إيلْرِك بنظرة ساخرة.
"بالطبع، لا بد أن يكون بها عيب ما. فهي ابنة عمك في النهاية".
"آه، فِينِياس"، وضع إيلْرِك يداً على صدره.
"أنت تجرحني".
"ابنة عم؟"
استفسرت أري. منحها إيلْرِك نظرة حادة.
"نعم، ايتها الحمقاء السخيفة. نحن أبناء عمومة".
ثم فعل شيئاً أغرب. غمز لها. عبست أري. غمض لها مجدداً. ظعت ربما أنها تعاني مشكلة في عينها. أوه انتظر. أرسل لها شخها إشارة مشابهة مراراً عندما أراد منها أن تكذب لأجله. أهذا ما أراده إيلْرِك؟ أكان يطلب منها مجاراة كذبته؟ لماذا؟ ولماذا كذب من الأساس؟ لحسن الحظ، لم يكن فِينِياس يحدق في إيلْرِك الغامز أو أري الحائرة. عوضاً عن ذلك، نظر إلى الفتيان.
"لماذا ما زلتما هنا، كولِن؟"
"عذراً، المعلم فِينِياس"، تلعثم الأشقر.
"كنت أنتظر والدي فحسب".
"والدك مشغول. عليك العودة إلى الحرم الجامعي. مجرد أن تقديم بازيليكا قدراً فاحشاً من أذونات الغياب لا يعني أن تنفقوها كلها هنا".
"بالطبع، سيدي"، قال كولِن.
"سأرحل الآن".
لكن بينما هرس وصديقه ذو الشعر الداكن في الابتعاد، نادى من فوق كتفه: "وداعاً، أري!"
"وداعاً"، ردت أري، ملوحة من بعيد.
شعرت بحزن طفيف لأن محادثتهما قد قُطعت. كان يسعها استكشاف مفهومه عن الصداقة أكثر بقليل.
"إذاً"، سأل فِينِياس.
"كلاكما ابنا عمومة".
تجمدت أري وكادت تمنع نفسها من النظر إلى السقف. ماذا تفعل الآن؟ إن قالت نعم، ستكشف الأمر لأنها لم تكن كاذبة بارعة. لكنها لم ترد أيضاً خيانة إيلْرِك بإنكار ما قاله للتو.
"نعم"، أجاب إيلْرِك قبل أن تستطيع.
"سأخبرك بكل شيء لاحقاً، لكن أيمكننا المضي قدماً في الاختبار، إن لم تمانع؟ هددتني شقيقتها بتسميمي إن لم أعدها إلى المنزل في الوقت المحدد".
أطلق فِينِياس خخرة واستدار مجفلًا بردائه، مشياً بخطى حثيثة دون انتظار أن يتبعا هما.
"جاريِ الأمر فحسب"، أخبرها إيلْرِك عندما ابتعد الرجل الآخر عن نطاق السمع.
"سأشرح لاحقاً".
هزت أري رأسها وتبعت إيلْرِك، الذي كان بدوره يتبع المعلم ذي الرداء الأخضر الداكن. نزلا في درج حلزوني طويل نهاية الممر، ربما قادهما تحت الأرض كأنهما خلدان. رغم أن هذا لم يكن منزل خلد. ظهرا في قاعة مركزية فخمة، حجرة شاهقة ولامعة ذات أرضيات غرانيتية مصقولة وبلاط أخضر داكن. وقفت تماثيل ذهبية في كل زاوية، خلف رموز نُقِت في الأرض. تلاقى هذا مع مكاتب جلس فيها سحرة، يظهر حبر أسود ويختفي تلويحة يد بينما تثرثر أحيانا ويكتبون على اللفائف.
نقطة المركز في الغرفة كانت دائرة جوفاء، تحيط بنقطة ذهبية مفردة. صفق فِينِياس مرة واحدة، وتوقف النشاط بأسره.
"الرجاء إخلاء الغرفة"، قال، ولم يحتج لتكرار نفسه.
نهض بقية السحرة فوراً وبدأوا في التدفق خارجاً بطريقة منظمة.
"أَسَعيدٌ أنت؟"
سأل فِينِياس إيلْرِك حين خلت الغرفة.
"نعم"، قال إيلْرِك.
"شكراً لك".
"حسنأ، يا سيدتي"، حول فِينِياس انتباهه إلى أري.
"أصر ابن عمك على إفراغ قاعة التقييم لاستخدامك اليوم. قال إنك خجولة جداً بحيث لا تتحملين إجراءه أمام الناس، وحثني على أنه بما أنني طيب القلب، فيجب علي استيعابك".
رفع حاجبه.
"لقد عطلت للتو إنتاجية هذا القسم بأسره من أجلك، لذا آمل حقاً ألا تخيبي ظني".
أومأت أري. لم ترغب في إخبات ظنه هي الأخرى.
"حسناً. دعيني استعرض الأمر، كي لا تتبلبللي. ستخضعين للتقييم بواسطة النظام اليوم. ستقفين تماماً على تلك النقطة..."
أشار إلى النقطة بمركز الدائرة.
"وسيرحب بك النظام على متن المنظومة، وسيبدأ في قراءة إحصائياتك. إحصائيات معظم المبتدئين متطابقة. ستكونين إما في رتبة المبتدئ أو المتدرب، وستكونين غالباً في أي مكان من المستوى 1 إلى 20. نادراً ما يتخطى طالب جديد ذلك، بغض النظر عن مقدار تدريبك. أه، وسنقراءة ميلك اليوم أيضاً".
أشار لأعلى، ولاحظت فجأة كتل سوداء متطابقة مدمجة في الجدران من الجهات الأربع، والخطوط الأرضية تتلألأ هابطة منها.
"ستصدر تلك طاقات نقية، ومهمتك هي التركيز ببساطة على استنشاقها حتى تملأ مراكز طاقتك. ينبغي أن يكون الأمر بلا مجهود من جانبك أساساً. الآلات تفعل معظم العمل. بمجرد أن تبلغي حد مركزك، ستتوقف الآلة من تلقاء نفسها، وسأخذ تلك القراءة في الاعتبار عند تعيين إحصائياتك النهائية. أَمَفْهُومٌ؟"
"نعم، سيدي".
"حسناً. سأشرح لك كل شيء آخر بعد انتهاء التقييم. والآن، لو سمحتِ".
تابعت أري اتجاه إصبعه المشير وذهبت لتقف على النقطة. انتقل فِينِياس وإيلْرِك حينئذ إلى الطرف الأقصى من الغرفة، حيث وُضع مكتب على منصة مرتفعة بفصل زجاجي عزلهما عنها. لمحت أرييل جهازا اسطوانيا متحركا على المكتب، لواه فِينِياس بينما كانت تنتظر.
"لا تجهدي نفسك كثيراً، أرييل".
نادى المعلم فِينِياس بصوت مكتوم قليلاً بالزجاج.
"أنت لست المسيطرة هنا. استنشقي فقط. وازفري. تواصلي فعل ذلك، وينبغي أن تمتليء مراكز طاقتك طبيعياً وببطء، حتى تنتهي، حسناً؟"
أومأت.
"حسناً. لنبدأ".
تنفست دخولاً وخروجاً، لكن حدث مقاطعة أخرى.
"أيمكنك إغلاق عينيك أثناء فعل ذلك؟"
سأل إيلْرِك.
"لا داعي لإغلاق عينيك"، قال فِينِياس.
"بل يجب عليها".
"أنا من يُدير التقييم هنا. ينبغي أن أعرف ما إذا كان يجب عليها إبقاء عينيها مغلقتين أم لا، وهو، في الواقع، ما لا يجب".
"أنا أحاول رؤية شيء ما فحسب".
"أي فرق يصنعه ما إن كانت عيناها مغلقتين أم لا؟"
"إن كان لا يصنع فارقاً، فلماذا تظهر بمظهر قاسٍ هكذا حيال الأمر؟"
طرفت أرييل نحو الكرات العائمة بينما تنتظر الساحرين لإنهاء مشاتمتهما. لم تحب الجدالات، لكن هذا كان أهدأ بكثير من تلك التي تجريها عائلتها، وكان بوسعها الانفصال ذهنياً عن هذين بسهولة أكبر. همهمت الكرات لها. تخيلتها تقدم نفسها.
"أنا أرييل"، أخبرتهما خلسة.
"حسناً! يا للهول، نسيت كم أنت مزعج".
أطلق فِينِياس تنهيدة، ثم أعلن.
"أرييل، يمكنك إغلاق عينيك لهذا الجزء التالي إن شئت".
لم تشأ ذلك، لكن بدا أن الساحر إيلْرِك أراد، وفي نهاية المطاف، لم تمانع. ربما كان يحاول اختبار توافقها من دون ميزة إضافية لرؤيتها الطاقية. لذا أغلقت عينيها وأخذت نفساً عميقاً.
"حسناً. أنا جاهزة".
"سنبدأ".
بدأت أرييل تمارين التنفس. ما زال بوسعها استشعار الطاقات العابرة لداخل مراكز طاقتها، وكادت تصورها ذهنياً حتى مع إغلاق عينيها. بالإضافة إلى ذلك، تلقت رسالة لطيفة يصدح صدى صداها في أذنيها [أهلاً بكِ، أرييل بلاكسويل، في نظام سحر الستويشيومانسي. يُرجى الانتظار بينما نقوم بتقييمك...]
* * *
بينما استمر الاختبار، راقب فِينِياس إيلْرِك، مرتاباً من تعبير وجهه وهو يراقب الفتاة الصغرى تستنشق وتزفر.
"أَتُريد إخباري الآن بما يدور حوله هذا؟"
"ماذا؟"
رفع فِينِياس حاجبه.
"تتصل بي في هزيع الليل، مقاطعاً تأملي لأتوسل إليك لتنسيق تقييم في اللحظة الأخيرة من أجلك. ثم في يوم التنفيذ، تجعلني أطرد مساعدي من الغرفة من أجل ابنة عمك. والآن تأمرها بالتقييم وعيناها مغلقتان".
لم يجب إيلْرِك.
لم يزل ينزع عينيه عن الفتاة، وحين نغزه فِينِياس، طرف ببصره وحسب وقال، "عذراً، لم أكن أصغي. أيمكنك إعادة السؤال؟"
قاوم فِينِياس رغبة خنق الأرشيماج. لكي نكون منصفين، كان ينبغي أن يعتاد غرابة إيلْرِك بحلول الآن. ظل الأرشيماج غريباً دوماً، حتى حين كانا في الأكاديمية. حينها، أصر بحماقة على مساعدة الناس حتى حين كان الجميع يرمي بعضهم تحت الحافلة تنافسياً. حتى إن إيلْرِك شجع ودعم المرشحين اليائسين الذين كان يجب أن يرسبوا عن جدارة خارج الدورة مبكراً لأنهم ببساطة لم يمتلكوا ما يلزم.
لم يعجب فِينِياس أنه مكّنهم. فإصراره على المساعدة لم يقم سوى بإطالة أمد فشلهم وجعلهم يهدرون وقتاً أطول، مما جعل قمعهم اللاحق للقوة أكثر إيلاماً. مع ذلك، لم يرى إيلْرِك الأمر على هذا النحو. قال إنه يجب أن يمنح الجميع فرصة، أياً ما كان ما يعنيه ذلك. لم يكن العالم عادلاً، لكن إيلْرِك أراد بوضوح وبستماتة أن يكون كذلك. كان ذلك على الأرجح لأنه سيّدي على يدي شخصين عاديين غير متصاعدين.
لذا أيضاً، وبصفته أرشيماج، كان يعمل في أسوأ الأقسام في الوزارة. دهش فصل تخرجهم بأكمله باستمرار من الأخبار. كان الأمر أشبه بأن أميراً قرر يوماً التخلي عن لقبه مطاردةً لحياة التهريج.
"أنت تتصرف بغرابة"، أخبره فِينِياس.
"أغرب من المعتاد. ألهذا أي صلة بالشائعات المحيطة؟"
"أي شائعات؟"
"حول جفاف قواعد الماسّا وترقق الماسّا".
بينما أبلغ معظم جغرافيي الخطوط الأرضية المعتمدين أن التوازن البيئي قد أُنجز بأمان لسنة أخرى على التوالي، كانت هناك شائعات عن تقرير لمبلغ يفيد بأن هذا كذب. لا تزال الماسّا العنصر الأكثر استخداماً بإفراط في الغلاف الجوي، لأن الماسّا كانت أسهل عنصر مثبت سالب الشحنة يمكن استخدامه. يميل الفاكو نحو الاعتلال، وكان من الصعب على أي شخص ليس معلماً استخدامه. كما يتطلب رونقاً أكثر بكثير من أي عنصر آخر.
لذا تجنب معظمهم التعاويذ المهيمنة والداعمة للفاكو. كانت الماسّا آمنة وسهلة وغالباً ما أصبحت مطلوبة أكثر من أي عنصر آخر تقريباً، مما وضع ضغطاً على مناجم ومصافي الماسّا.
"لم أسمع بتلك الشائعات"، قال إيلْرِك.
"أهذا صحيح؟"
لم يصدق فِينِياس ذلك ولو للحظة.
"إنه كذلك. يجب أن تتوقف عن الاصغاء للقيل والقال، فِينِياس. الماسّا وفيرة بقدر ما كانت دائماً".
كاذب. تنهد فِينِياس ونظر مجدداً إلى لوحة التحكم الخاصة به. توقع أن ينتهي التدفق أو يكون قريباً على الأقل من نقطة التنقيط، حيث يمكنهم رؤية مراكز طاقة أرييل المهيمنة. لكن ما رأاه جعل فكّه يسقط. أطلق صوتاً مخنوقاً جعل إيلْرِك يحدق في لوحة التحكم.
"ماذا؟ ما الأمر؟"
لم يستطع فِينِياس الرد. كل ما استطاعه هو هز رأسه. ما رآه كان صادماً أكثر من أن يُوصف بكلمات. أولاً، لم يتوقف التدفق. في الواقع، كان لا يزال مستمراً بقوة منقطعة النظير، كما لو أن مراكز طاقتها لم تكن ممتلئة حتى النصف. كيف كان ذلك ممكناً؟ لم تبد الفتاة أكبر من خمسة عشر عاماً. كيف امتلكت سعة ساحر يناهز عمره قرناً؟
"أكنت تدربها؟"
سأل إيلْرِك، لكن إيلْرِك لم يجب. حدق فِينِياس في الشذوذ الآخر على عرض الفتاة. كانت مراكز طاقتها في حالة توازن تام. عادة، في هذه المرحلة، وحتى من دون بلوغ نقطة التنقيط، كان بوسع المرء بالفعل رؤية اختلافات طفيفة في سرعة التدفق تلمح إلى الهيمنة. لكن ليس هنا. كان كل مركز يمتلئ بسرعة متساوية، وصولاً إلى أخر خانة عشرية. توازن تام. لم يره قط شيئاً مثله. الوحيدة التي اقتربت كانت سيلينا غريغور، أميرة الكالور وعبقريّة جيلها.
كانت في سنتها الأخيرة في إيرينوول وكانت بالفعل معلمة. قيل إنه يُرجح أن تصبح أصغر أرشيماج عرفوه منذ ألف عام. موهبة لا تتكرر إلا مرة في العمر. مع ذلك، حتى هي أظهرت اختلافات طفيفة في مراكز طاقتها. لم تفعل أرييل. كان أمراً غير طبيعي. فرك فِينِياس عينيه، متسائلاً إن كان يرى أموراً، لكن ذلك لم يغير الأرقام على الشاشة. التفت إلى إيلْرِك، ثم إلى الفتاة، ثم إلى إيلْرِك مرة أخرى.
لم يبدُ الأرشيماج مصدوماً. بل مندهشاً فحسب. الآن، أدرك فِينِياس لماذا طلب إيلْرِك السرية التامة. كان اكتشاف كهذا مرعباً أكثر بقليل. كان مغيراً للعالم.
"ما الذي تكونه بحق الجحيم؟"
همس.
"هذا ما أود معرفته"، قال إيلْرِك بابتسامة واهنة.
"قلت إنها ابنة عمك؟ كيف عثرت عليها؟"
لم يجب.
عوضاً عن ذلك قال، "في موقف كهذا، ماذا نفعل؟ لا يمكننا مجرد ترك العداد يستمر، أليس كذلك؟ أيمكننا إيقافه؟ أهناك أي طريقة لتعديل النتائج؟ لا إهانة لنزاهتك، لكنني سمعت أن تعديلات تحدث أحياناً، ورغم أنني عادة لن أطلب، أريدها أن تجتاز الأمر بشكل طبيعي قدر الإمكان".
عضّ فِينِياس شفته. حتى لو أراد ذلك، لم تكن هناك طريقة لتطبيع نتائج كهذه. كانت معظم التعديلات تحولات طفيفة لمنح ميل مختلف أو نتيجة أعلى. في الوقت الحالي، كانت النتائج خارج المدى بشكل مفرط يمنع خداع النظام للامتثال. التفت فِينِياس مجدداً إلى لوحة التحكم. كان التدفق يندفع باندفاع عارم. كانت سعة مراكز طاقتها في مستوى المعلم الآن وما زالت تتدفق بقوة. ماذا كانت؟ أرشيماج؟ ساحرة أسطورية؟
معاذ السماوات... ساحرة خرافية؟
"لا أعلم"، قال.
"لا أعلم إن كان بإمكانك تمرير هذا كأمر عادي".
"أرجوك، فِينِياس. عليك فعل شيء. إن اكتشفوا، سيؤذونها".
"أنا لا.."
لم يكن دماغه يعمل بشكل جيد كفاية لتكوين جملة.
"أنا لا أعلم..."
"أرييل، توقفي"، قال إيلْرِك، ففتحت الفتاة عينيها وتوقفت عن الاستنشاق.
بشكل صادم، توقف العد عند تلك النقطة. ما كان ينبغي له. فالآلة هي التي تحكمت بالتدفق، لا الفرد. لم ينبغي لها أن تكون قادرة على التوقف بينما الآلة لا تزال تعمل. لكنها نجحت بطريقة ما.
والأكثر صدمة، قال إيلْرِك، "حاولي ببطء إفريغ مراكز طاقتك".
فتح فِينِياس فمه ليخبر إيلْرِك أن ذلك مستحيل. صُممت الآلة لإبقاء الطاقات مستقرة التحرك داخل مركز طاقتك، ولم يمتلك أحد تحكماً دقيقاً جداً بمراكز طاقته لمقاومتها. ولخزي فِينِياس، أُثبت خطؤه مرة أخرى. لأن العداد بدأ في التناقص. ارتخى فمه. كيف للجحيم.... أكانت... أكانت في الواقع تزيل الطاقات بنشاط من مراكز طاقتها؟ كان ذلك... كان ذلك.... عقله لم يعد قادراً على تكوين كلمات.
"حسناً، هذا رقم جيد، أري. يمكنك التوقف هناك".
أشار إيلْرِك نحو فِينِياس.
"هذا مستوى متدرب، أليس كذلك؟ يمكننا فقط تسجيل ذلك لها ونسيان كل شيء آخر سبق".
ابتلع فِينِياس لعابه. فتح فمه، ثم أغلقه دون نطق. ما كانت الفتاة عليه... كان مرعباً. لم تكن مجرد قوة غير مرخصة؛ بل كانت تهديداً يجب الإبلاغ عنه. لكن إن أبلغ، فسيقومون على الأرجح بأشياء لا تُوَصَف للتخلص من تلك القوة. ما زالت طفلة، بريئة. فتاة تطرف في الهواء وتبتسم بغموض. حدق فِينِياس في إيلْرِك. حدق إيلْرِك فيه بالمقابل. أحنى رأسه أخيراً، وأطلق إيلْرِك تنهيدة ارتياح.
"كنت أعلم أنه يمكنني الاعتماد عليك".
عضّ فِينِياس لسانه. لم يكن متأكداً بعد إن كان إيلْرِك يستطيع الاعتماد عليه إطلاقاً. لم يُكوّن رأيه بعد عما سيفعله.
"الآن المشكلة هي أن مراكز طاقتها ما زالت في محاذاة تامة"، قال إيلْرِك.
"لكن علينا اختيار ميلها. أأسألها عما تريده؟"
فكر إيلْرِك في الأمر وهز رأسه.
"لا. علينا تدوين شيء ما الآن. لا أظن أن لها تفضيلاً على أي حال. سنمنحها ميلاً لوكسّا-ماسّا. هيمنة طفيفة للوكسّا لأنها تحب القراءة. ستستمتع بذلك".
"أظن ذلك"، قال.
"سيحافظ ذلك أيضاً على قوتها في مستوى معقول. بقدر معقولية الأمر على أي حال. سنحاول إبقائها تحت السيطرة بهذه الطريقة. بقوة مثل قوتها، تخيل الكارثة التي ستسببها بتركيبة فاكو-كالور".
"لا، بالتأكيد ليس تلك".
ارتعش فِينِياس. كان آخر من حمل تلك التركيبة شيطاناً بحرفية ومعنى، وحتى هو لم يكن موهوباً بالفطرة مثل هذه الفتاة.
"لوكسّا-ماسّا خيار جيد"، قال فِينِياس، مطهراً حلقه ومحاولاً استعادة بعض رباطة جأشه.
"لكن كيف تأكد أنها لن تغييره لاحقاً؟ ماذا لو اكتسبت في الأكاديمية اهتماماً بتعويذات مهيمنة بالكالور أو الفاكو؟"
تنهد إيلْرِك.
"علينا فقط الأمل ألا تفعل. وإلا فليساعد الحارث الجميع".
علق توتر في حلق فِينِياس. كان الأمر أشبه بأن شفتيه اندمجتا، لكنه أراد الصراخ. أراد أيضاً الضحك هستيرياً أو الاستلقاء فحسب. لم يعتقد حتى أنه يستطيع إكمال بقية التقييم هكذا.
"قبل أن أتحدث إليها، يجب عليكما منحني لحظة لأجمع نفسي"، قال فِينِياس.
"ربما تعودان بعد ساعة لتوجيهي الكامل".
"بالتأكيد".
أخذ إيلْرِك قنينة من جيبه وقال، "شيء آخر".
"ما—"
لم يُتح لفِينِياس إنهاء فكرته قبل أن ينفخ إيلْرِك المسحوق في وجهه. عاد فِينِياس إلى وعيه، عاطساً ومفركاً عينيه بسبب أي شيء دخل فيهما. عطس مجدداً.
"ما هذا؟"
"حساسية، على الأرجح"، قال إيلْرِك.
قطب جبينه. كان هناك شعور مزعج في زاوية عقله، لكنه لم يستطع تحديد ماهيته. بعد التقييم العادي تماماً لأرييل ابنة عم إيلْرِك، شعر عقله بغرابة. نظر إلى إيلْرِك، ثم إلى أرييل، وعاد إلى إيلْرِك. ثم إلى اللوحة. كان شعور الارتباك الغامض مألوفاً.
"أاستخدمتَ جرعة النسيان عليّ؟"
"لن أُقدم على ذلك أبداً"، قال إيلْرِك.
"أيها النذل. لقد فعلتَ، أليس كذلك؟ ما هي؟ ماذا أجبرتني على نسيانها؟"
"لاشيء. مجرد إهانة ربما جرحت مشاعرك".
ربت إيلْرِك على كتفه.
"شكراً لك، صديقي القديم. سنعود بعد ساعة".
* * *
بعد مغادرة قاعة التقييم، أكد إيلْرِك لأري أنها قامت بعمل جيد وأن إحصائياتها ستظهر قريباً. عادة ما يكون هناك تأخير لبضع دقائق بين التقييم وعرض الإحصائيات على شاشة نظامها، كما قال، لكن في غضون ذلك، بوسعها تقييم الإحصائيات الأولية لمن حولها ممن هم أضعف منها. أراها كيف تفعل ذلك على ساحر عابر بينما أخذها إلى الخارج نحو السوق الصاخب. شقا طريقهما بكفاءة وسط الحشود، بينما صاح التجار بسلعهم وعروضهم.
كانا بصدد الحصول على مثلجات في أحد المتاجر الزاوية، ولاحقاً سيذهبان للتسوق من أجل مستلزمات المدرسة. تطلعت أري لكلا الأمرين. كانت تلك الخطة على الأقل قبل أن يهز انفجار الأرض. انتفض كل من أري وإيلْرِك بينما استدار الناس للتحديق. جاء من مسافة بعيدة نوعاً ما، لذا لم يكن أحد في وضع ذعر بعد. كانوا جميعاً فضوليين فحسب ومعتادين على الأرجح على الانفجارات هنا وهناك، نظراً لقربهم من الوزارة.
تمتم إيلْرِك، "[رؤية عين الطائر]"
وحدق في ذلك الاتجاه.
"أيّاً ما رآه جعله يقطب جبينه بعمق. "ابقي مكانك، أرييل"، قال. "لا تتحركي". أومأت بينما اختفى فوراً. بينما عاد الناس في السوق إلى أعمالهم، وقع انفجار آخر قادم من الاتجاه المعاكس. هذه المرة، كان قريباً بدرجة كافية تجعل الناس يصرخون ويتدافعون بحثاً عن مأوى. تمنت أري لو استطاعت استخدام تعويذة إيلْرِك لترى ما يجري، لكنها لم تمتلك أي طاقات لفعل ذلك الآن. مع ذلك، لم يكن ذلك مهمًا. لم يمض وقت طويل حتى أتت المشكلة إليها. رأت ذلك من مسافة بعيدة، اندفاعاً من النيران متجهاً نحو طريق السوق، وانفجارات تحطم المباني المجاورة، واللهب يزداد قوة مع كل واحدة. فوق النيران، طفا رجل على وجهه قناع باسم. "إنه عابر طور!"
صاح الرجل في متجر المثلجات.
"ليوقفه أحد!"
لم يفعل أحد ذلك. صرخ معظم الناس وركضوا بشراسة، متصادمين ومتزاحمين فوق بعضهم للخروج من الطريق. أري، بالطبع، مكثت مكانها، لأن ذلك كان ما طلبه إيلْرِك منها. أيضاً، كانت فضولية حيال ما يعنيه كون المرء عابر طور. كان يحدث ضرراً كبيراً في الطرق التي سلكها، وسيبلغها قريباً، رغم أن الوقت ما زال متسعاً أمامها لمقاطعة تقدمه. هي، بالطبع، لم تملك أي طاقة لإيقافه. لكن ربما... استطاعت سرقتها منه.
استطاعت رؤية الشبكة المعقدة التي التفت حوله وحول سحره بوضوح. تحركت الروابط حولها، بخلاف أي تعويذات أخرى رأتها أري. فاتن. لكن كان عليها فقط جذب إحدى الطاقات من مكانها ليحفز ذلك ارتداداً ويدمر تعويذته المعقدة. وجب عليها الانتظار حتى يقترب قليلاً، وانشغلت أيضاً بشأن الطبيعة العامة لكل ذلك. حذرها إيلْرِك بشأن استخدام السحر غير المصرح به. لم يكن أحد ينتبه إليها، حالياً، لكن أيمكنها كشف قواها في مكان عام كهذا؟
أعليها ألا تفعل شيئاً سوى الاختباء؟ أم عليها منع تقدمه؟
بينما صرخ الناس وركضوا، تمتمت أري، "ما العمل... ماذا أفعل..."