قضى إيلريك أياماً شديدة الانشغال. عاد إلى الطائفة الشيطانية واستدعى مزيداً من الوثائق حول حادثة الاستدعاء تلك وحدها، بل وكل الهجمات الشيطانية الأخرى التي وقعت في ذلك الوقت تقريباً، إضافة إلى التحقيقات التي أجروها قبل سنوات وبعدها. تعثر الشيخ وتلعثم وبذل جهداً بطولياً لتجنب تسليم اللفائف، لكنه عجز عن الصمود طويلاً أمام إيلريك. ذهب إيلريك بنفسه إلى أرشيفهم وتأكد من حصوله على ما يحتاج إليه.
كانت معلومات كثيرة تستدعي التمحيص، وبدا واضحاً أن جزءاً منها محميّ، غير أن إيلريك استطاع تخمين طبيعة الأحداث من كل ما علمه حتى الآن. كان حجم الذكريات التي يتوجب عليه توثيقها فاحشاً. لعل من الأفضل له الاستعانة بمن يساهم في أمره، لكنه بذلك سيعرضهم للخطر أيضاً. لأنه كان يخوض لعبة خطيرة من الإفصاحات الحذرة والتحقيق الأكثر حرصاً، محاولاً الإيقاع بيسولت في الجرائم المختلفة التي ارتكبتها الطائفة عبر السنين.
تجاوز الأمر مجرد الاستدعاءات الشيطانية العشوائية قبل سنوات. سُجلت محاولات قليلة غير ناجحة قبل ذلك، نفذها قرويون عشوائيون. كلما أُلقي القبض عليهم، بكى المتهمون وادعوا أنهم أُكرهوا على الفعل. مع ذلك، لم يفصحوا قط عمن أكرههم. وحالما يقتربون من كشف الأمر، كانوا يموتون. ظن إيلريك أن أكثر من شيخ واحد ربما تورط في الأمر. ففي نهاية المطاف، سيبدو منطقياً رغبة الطائفة في استدعاء الشياطين، ربما لنيل نوع من القوة المحرمة، وبدل إراقة دمائهم، قد يستعينون بالأبرياء.
لم يُؤكد تماماً من كان يقف خلف الأمر، لكنه حدث مرات عدة، وشاهد إيلريك صورة واحدة على الأقل لأشخاص يقفون في دائرة بينما يحاول صدع بالتشكل. حتى الآن، لم ينجح أي من الاستدعاءات سوى ذلك الذي شاهدته فيتوريا، لكن مجرد إقدامهم على ذلك كان في حد ذاته جريمة، جريمة لا يمكن لأحد، ولا حتى السيد الأسمى، غض الطرف عنها. لم يكن يسولت جزءاً منها، لكنه علم بوقوعها ولم يفعل شيئاً سوى محاولة إيقافها، أو تجاهلها أحياناً.
لم يكشف عنها ق قط. امتلك إيلريك الآن ما يكفي من الأدلة الموثقة لعرضها في اجتماع المجلس اليوم. تحدث إلى سحرة أقوياء آخرين، أولئك الذين عرف يقيناً أنهم لا يتحالفون مع يسولت بأي شكل. كان حذراً للغاية بشأن مشاركة هذه المعلومات، إذ سمح لهم بمعرفة أن إفصاحاً كاملاً سيصدر تلقائياً في حال موته أو اختفائه. ومع ذلك، عرف أن يسولت ربما خبأ شيئاً في جعبته أيضاً. وحقيقة أنه لم يهجم بعدُ شهادة على مدى إحكام دفاعات إيلريك، ولحسن الحظ لم يكن لدى إيلريك أحباء كثر.
بعد موت والديه، حاول جاهداً قدر استطاعته عدم بناء روابط طويلة الأمد مع أي شخص، سيما البشر العاديين الذين ساعدهم. عرف أنهم قد يُستغلون ضده في لحظات كهذه. الشخص الوحيد الذي جمعته به أي صلة في الوقت الحالي هي أرييل، وعلى الأقل كانت محمية في الأكاديمية. هكذا أمل. مع تورط يسولت الآن، لم يكن متأكداً إن كان ذلك يكفي. راودته رغبة في إخراجها من الأكاديمية وإخفائها، لكنه قاوم تلك الرغبة.
لن تكره أرييل ذلك فحسب، بل إن قراراً أرعن كهذا قد يعرضها لخطر أكبر. لذا أبقى عليها في المدرسة، آمناً بأنهم قادرون على حمايتها ريثما يؤدي عمله. كان متعباً، لكنه أمل أنه بعد اليوم، سيلقى يسولت قمع مانا مؤقتاً أو دائماً وسجناً. كما كان إيلريك متأكداً إلى حد ما من أنه، وإن لم يشارك يسولت، فهو يحمي شخصاً متورطاً. لم يصحُ له معرفة هذا القدر دون الإفصاح عنه، خصوصاً بعد ما جرى في خور.
على ذكر ذلك، عاد إيلريك إلى خور واستخدم [كاتدرائية النضارة الحية] لإحياء مشهد اللحظات التي سبقت الهجوم. تفحص الصورة ليتأكد إن وُجدت أي مجموعة تقف في دائرة دون حراك. وسط الفوضى، رأى رجلاً قصير القامة عند طرف الموكب، وامرأة أخرى في الطرف المقابل، ورجلاً عند ذروة المثلث الذي شكلوه. اشتبه في كونهم من تسبب في الصصدع. حاول البحث عنهم، لكنهم اختفوا جميعاً كأنهم تبخروا في الهواء.
بدا أن اثنين منهم ضيفان استقلا قوارب مبتعدة عن الجزيرة عقب الحادثة. كان الرجل القصير هو الوحيد المنتمي إلى البلدة، لكن لم يُعرف الكثير عنه إذ انتقل إلى هناك مؤخراً وبقي منعزلاً. لم يكن له سوى صديق واحد، رجل يثرثر عن كل شيء ولا شيء، لكنه لم يقدم لإيلريك معلومات مفيدة في النهاية. ظن إيلريك أنه يستطيع معرفة المزيد عبر الحديث إلى قرويي الطائفة الشيطانية، لكنهم جميعا خضعوا لقسم قوي إلى حد ما.
سيطلب أن يرفع يسولت ذلك عنهم جميعاً اليوم، ولعله يؤدي إلى نهاية التحقيق وبداية تحرير القرويين مما كان الشيخ يخطط له. سيؤدي ذلك إلى تغيير جذري كامل، وتعديل بنيوي تام لعالم الأسياد كما عرفه. لم يعلم إيلريك ما سيحدث بعد اليوم، لكنه شك في أن تحظى بقية الطائفة بكثير من الحكم الذاتي من الآن فصاعداً. انتقل آنياً قبل ساعة إلى المكان الذي سينعقد فيه المجلس. ظهر على حافة درج مبنى الحجر الجيري الشاهق في ريترسال، والذي كان الفرع الرئيسي لوزارة القياسات الستوكيومترية.
هنا حيث كان المجلس يجتمع غالباً، وحيث أُجريت أهم المحاكمات. كانت ريترسال المدينة الواقعة في مركز العالم، حيث تتقاطع معظم خطوط القوى وتتجمع أغلب الجواهر بشكل متوازن. مدينة تمتزج فيها ثقافات سحرية مختلفة، وتتداخل الحصون الحجرية مع مباني الضوء الزجاجية العالية، وتحدها براكين ملتهبة من الجنوب، وكهوف جليدية مظلمة من الشمال. تنوعت أساليب أهلها أيضاً، فهي متروبوليس عالمية حقيقية.
على بعد أقدام قليلة منه كان سوق صاخب يزخر بسلع من أنحاء العالم كافة. بدا أنه يضم بشراً أكثر من المعتاد. المئات يشقون طريقهم بين صفوف الأكواخ الخشبية، التي عجّت بالتجار الصارخين بأسعارهم، وتخلل ذلك أصوات الحيوانات المعروضة للبيع. من هنا، استنشق رائحة الكستناء المشوية الحلوة وفطائر اللحم الساخنة. قرقرت معدته. لقد أفسده المتجر القريب من بيته، لكنه لم يأكل طوال اليوم، لذا ربما يجرب طعام المكان هنا أيضاً.
لكن ما جذبه حقاً إلى السوق كان رؤية فتاة مراهقة ترتدي فساتنا أصفر مشرقاً، تركض بغبطة واضحة، تحتضن زينة شعر في كفها. خطرَت أرييل بباله فوراً فابتسم. لم يسبق أن راها ترتدي أي زينة للشعر، لكنه لم يتيقن إن كان ذلك لعدم إعجابها بها أو لعجزها عن شرائها. حسن، باتت تستطيع الآن، لكن ربما لم يطرأ الأمر على بملكا بعد. من المضحك أنها في كل تعليماتها حول كيفية تبديد أموالها المكتسبة بطرق غير مشروعة، لم تطلب شراء أي شيء لها.
المرة الوحيدة التي طلبت فيها شيئاً كهذا منه كانت لشراء معدات صنع التعاويذ، وظلت تحاول رد ثمنها له. لم تحسن قط تلقي الهدايا. ربما سبب لها قبولها إزعاجاً. كثيراً ما شعور بالشعور ذاته. مع ذلك، وجد نفسه يتجول نحو السوق على أي حال، مقتفياً الأثر الذي جاءت منه الفتاة الصغيرة.
«دبابيس شعر! أمشاط! دبابيس تزيين!»
نادى بائع على الحشد المار، قبل أن تستقر عيناه عليه طعماً. ومضت الطمع في عينيها ثانية قبل أن تنحني.
«طاب يومك أيها السحر الأعظم. أترغب في شراء بعض مشابك الشعر لصاحبتك؟»
«ابنة عمي»، وضح، متسائلاً عن مدى سلاسة الكذب على لسانه الآن.
«أوه، ما أكرمك. كم عمرها؟»
«خامسة عشرة.»
افترض أنها ما زالت في العمر نفسه حين التقيا. لم تذكر عيد ميلاد قريب. لكن عليه معرفة متى سيكون ذلك.
«أوه، إنه لعمر رقيق لفتاة صغيرة»، قال البائع.
«العمر الذي تبدأ فيه بالشعور كأنها امرأة تقريباً، بهموم نسائية وربما خاطب أو اثنين يقعان في عينها.»
غمزت، فقطب إيلريك جبينه. لم يعجبه وقع ذلك، سيما وأن اللورد ويسلي كان مصرّاً على جمع أرييل بأحد أبنائه. سيتوجب عليه محادثة اللورد بشأن ذلك. لم تكن أرييل مستعدة لأي خاطب البتة.
«هذا»، قال البائع، رافعاً دبوساً نحيلاً بزخارف بنفسجية أنيقة رُتبت عناقيد لتشكل زهوراً.
«وردة الجمشت. إنها شائعة بين الفتيات النبيلات في عمرها. جلبت من مملكة ثيسولت على بعد أيام سفر عديدة، يا سيد. لكنها تستحق حقاً. بالكاد أحتفظ بها لفترة طويلة.»
تفحص الأحجار الكريمة باهتمام وقال: «كم سعر هذه؟»
«عشرون قطعة ذهبية فقط.»
رفع حاجبه. بدا المبلغ باهظاً. أكان يتعرض لعملية نصب، أم أن اكسسوارات النساء باهظة الثمن حقاً؟ حسن، لا يهم. لم يكن يوفر النقود على أي حال.
«حسناً. أيمكنك لفها لي؟»
كادت تقفز وتنتفض حماساً.
«بالطبع يا سيد. وأترغب في أي شيء آخر؟»
كاد يقول لا، ثم التقطت عيناه وميضاً خافتاً لزمردة في الزاوية، بنفس لون عيني أرييل تماماً.
«لف لي تلك أيضاً.»
أومأ بذقنه.
«أوه، يا لها من عين ثاقبة، يا سيدي الفاضل. تأتي تلك ضمن طقم متطابق.»
أشرقت ابتسامتها.
«مع أقراط وقلادة أيضاً. أترغب بها؟»
«بالتأكيد»، قال، محتضناً جيبه الداخلي.
وحالما مرر القطع النقدية، انقضت بقية النسور، مستشعرة جيفة على أرض يابسة. حُاصر إيلريك فوراً بتجار شتى يدسون بضائعهم في وجهه. لقد انحنوا بالطبع وحافظوا على مسافة محترمة نسبياً، لكن الحشد الذي تشكل حوله ظل مزعجاً بعض الشيء. حاولت البائعة التي تعامل معها المساعدة بطردهم، لكنهم تراجعوا قليلاً فقط وواصلوا الصراخ والتوسل. في النهاية، أُقنع بتفقد ما عرضوه أيضاً. كان أحدهم يبيع معاطف وأوشحة مصنوعة من فرو السمور واللينكس الغني العازل.
وآخر باع أحذية قيل إنها خيطت بأفضل صانع أحذية في القارات أجمع. قضى إيلريك ثلاثين دقيقة يستكشف سلعاً مختلفة ويفرط في التخلي عن العديد من القطع الذهبية، لكنه لم يمانع حقاً. كان يستمتع بوقته. لم يسبق أن اشترى هدايا لأحد منذ زمن بعيد. مات والداه قبل أن يتمكن من إفسادهما حقاً، ولم يكن قريباً من أي من إخوته غير الأبناء وأبناء عمومته. كانت هذه المرة الأولى التي يحظى فيها بمتعة شراء الهدايا.
أمل أن تنال إعجاب أرييل. بالنسبة للعباءات والأحذية، حاول اختيار الألوان الداكنة التي بدت مفضلة لها، لكنه انتقل أيضاً زوجين من الألوان المرحة ذات الكشكشات والطيات تحسباً لرغبتها في تجربة شيء جديد. ففي النهاية، وفقاً لهايدي، بائعة العباءات، بلغت أرييل عمراً قد تسعى فيه لتجربة أسلوبها. مع ذلك، أراد إيلريك احترام حدود راحتها. حين انتهى وحمل جيباً ممتلئاً بالمجوهرات وسلة مليئة بالملابس، توجه أخيراً إلى كشك فطائر اللحم واشترى واحدة ليستمتع بها.
لم تكن بجودة المتجر القريب من بيته، فقد كانت توليفة التوابل غريبة جداً على ذوقه، لكنها كانت مقبولة. خطط لاستكشاف المزيد من السوق نظراً لتبقي ثلاثين دقيقة حتى اجتماعه. مع ذلك، لم يخطُ سوى خطوات قليلة من كشك الفطائر حين سمع صوت انتقال آني لا يُخطأ يرافقه بعض اللهث خلفه. وقبل أن يتمكن من الالتفات للاستطلاع، أمسك أحدهم بمعصمه. التفت ليرى ساحراً يلهث، وقد تلطخ وجهه ورداؤه بالدماء، ولصق العرق تجاعيد البنية البنية بفروة رأسه.
كان منحنياً ليدعم نفسه على ركبتيه. تحت الدماء والأوساخ، بدا مألوفاً. جيرمين. تذكر إيلريك فجأة. ساحر محارب من إيفوارين نال لقباً ملكياً وإشادة واسعة لإنقاذه قرية بمفرده من هجوم قزم. كاد يفقد حياته لإنقاذ الآخرين.
«ما الذي حدث؟»
طالب إيلريك بمعرفة حين تعثر الرجل إلى الأمام، فالتقطه إيلريك قبل أن يسقط.
«وحش...»
لهث.
«في إيفوارين، قرب بحيرة إيزابو.»
«تبا.»
كانت إيفوارين في منطقة الساحرة العظمى لينور. كانت منطقة عالية الخطورة، وارجح غياب لينور عن الميدان لكثرة رحلاتها بين الأبعاد. لعنة.
«أُرسلت إلى هناك للتحقق من ضعف محتمل في الحدود»، لهث الساحر بينما شرع إيلريك في علاجه.
«لكن حين وصلت، تشكل صدع بسرعة، وهربت الوحوش. كادت تقتحم القرية. رفيقي ميت. نحتاج إلى مساعدة.»
«أي نوع من الوحوش؟»
سأل.
«كم عددهم؟»
«خمسة عمالقة على الأقل. المستوى ألفان.»
«عمالقة؟»
أولئك كانوا عمالقة شيطانيين. أخذ إيلريك ثانية لمراقبة الرجل. استخدم [حس التعاطف]، مما أوحى بأن الرجل كان صادقاً. لم تكن لجيرمين أي صلة بيسولت، على حد علم إيلريك، وكانت إصاباته حقيقية. بدا مريباً فحسب حدوث ذلك الآن. كان مريباً أن يقع هجوم شيطاني بينما كان إيلريك في طريقه إلى الوزارة، وأن يظهر جيرمين هنا وينادي إيلريك بالذات. قد يكون فخاً نصبه يسولت. لكن لأي غاية؟ لن يوقف موت إيلريك التحقيق.
على العكس، بالنظر إلى الأشخاص الذين أخبرهم، سيجعل ذلك يسولت يبدو أكثر ارتياباً. فما القصد هنا إذن؟ قبل كل شيء، لم يستطيع تجاهل المحتاجين بينما يقف هنا ليدرس إن كان فخاً أم لا. لم يستطع السماح لهم بالموت.
«ابق هنا واحصل على المساعدة»، قال إيلريك، تاركاً سلته عند كشك الفطائر.
«سينعقد المجلس في القاعة قريباً، لكن توجه إلى الوزارة أولاً واجلب أي شخص تستطيع.»
فعّل شخصياً استجابة الطوارئ في قائمة مهام النظام التي نبهت جميع السحرة المؤهلين بحالة الطوارئ في إيفوارين وأخبرهم بأنه يتولى الأمر. بإمكانه إيقاف العمالقة ريثما ينتظر وصولهم. ثم حصل على الإحداثيات الدقيقة وانتقل آنياً بالقرب من الموقع، مراقباً من بعيد أولاً. كانت هناك علامات هجوم شيطاني واضح. تلطخ العشب بالسواد والحمر، وتسرب الخليط إلى البحيرة اللامعة. لم ير أي جثث بعد، لكنها ربما وُجدت في مكان ما بالجوار.
كان الوقت مساءً هنا، والشفق المهدئ عادة بدا مشبوهاً ومؤسفاً. ثم سمع الزئير. رأى العملاق الأول، وحشاً هائجاً ضخماً للدمار الشامل يذكر بالتصايل. لم يكن له جلد، بل عضلات مخططة فوق عظام وفراغات داكنة حيث ينبغي أن تكون عيناه. لم يلقوا تعاويذ، لكنهم كانوا أقوى وأكثر غضباً من التصايل مع قرون ثور. كمعظم الشياطين، كانوا فوق المستوى ألفان، بفضل حجم الضرر الذي يمكنهم إحداثه، وبدوا أصعب بكثير في القتل.
وُجد خمسة منهم في الأفق، يركضون نحو صف الأكواخ فوق التل. مد إيلريك يداً، فانفجرت قطع من الأرض من التربة، محاصرة أرجل الوحوش. امتلكوا القوة الكافية لاختراقها، لكن إيلريك كرر التعزيمة وراكم المزيد من الأرض، مما دفعها للصعود فوق أجسادهم، ضاغطة وجعلتهم عاجزين عن الحركة.
«آآه!!»
زأرت الوحوش وحاولت التحرر من قيودها، لكن إيلريك صمد بأسنان مصطكة. لم تكن قواه ملائمة تماماً للقتال. لقد كانت ملائمة للاحتواء، وهذا تماماً ما تركز عليه ريثما ينتظر قدوم المساعدة.
«[تحكم بالمجطقة]»، قال، وانتشرت التعويذة، محددة الحدود السحرية لمطقته المعينة.
لن يتمكن شيء من الهرب، محاصراً إياه مع الوحوش، التي غضبت بوضوح شديد لإيقافه تقدمهم. تقاتلوا ضد الأرض، وأحدث إجهادهم شقوقاً وفجوات. صمد إيلريك. استخدَم اكتشاف المانا وتعويذة الموازنة لمسح القرية المجاورة بحثاً عن إشارات لمزيد من الشياطين، مقسماً ومغلقاً المناطق الآمنة، تحسباً لوقوع صدع آخر، أو في حال كسرت الشياطين قبضته. كانت تلك الدروع من الماس وستلتهم ماناه، لكنها لن تسقط إلا إذا مات.
أتم تلك التعاويذ في وقت واحد، لكنه تشتت بفعل فحيح أنذره بقذيفة مفاجئة من السماء. رمى درعاً بسرعة، لكن الانفجار هزه مع ذلك، وأرخى أعنة سجن الصخور خاصته. تحرر ثلاثة من العمالقة وهجموا عليه. فتح الأرض تحت أقدامهم.
«آرغ!»
تذمروا حين سقطوا في الداخل، ودفع الجانبين معاً، آمناً بتحطيمهم داخله. تحطمت الأرض حول أجسادهم بدلاً من ذلك. قبض عليها بقوة، مضيفاً ضغطاً، ضاغطة إياهم بينما صرخوا ألماً. تشققت الأرض نحو الخارج، وصولاً إلى حيث وقف. ثم دون إنذار، تغيرت الأرض. تحولت الصخور الصلبة التي أمسكها إلى طين ناعم، بقوام يشبه الوحل. ما الجحيم هذا؟ تحولت حتى التربة تحت قدمي إيلريك إلى زلقة. وانتشر التأثير بسرعة ضمن حدود المنطقة، وحالما طفا، حاول معرفة مصدر التعويذة.
وحدها شيطان عظيم أو سيد علوي، ساحر شيطاني قوي، يستطيع فعل ذلك. مع ذلك، ما الذي سيأفعلوه هنا؟ كانوا مخصصين عادة للغزوات الجماعية والحرب الفائقة، لا لهجوم عشوائي على قرية على حافة إيفوارين؟ لكن إيلريك لم يمتلك وقتاً للتفكير في الأمر لأن قذيفة أخرى أُطلقت عليه من اتجاه مختلف، بادية وكأنها تسقط من السماء تعسفياً. أطلق إيلريك النار مبتعداً، لكن البيئة تغيرت مرة أخرى.
ريح ومطر محليان طرحاه خارج مساره، وكادت صاعقة تضربه قبل أن يسقط. تفادى إيلريك الانفجار الثالث ووجه البرق السحر بدرع نحو العملاق الثاني، مقلياً إياه ومقتله فوراً. لم تكن المشكلة في القتل. كانت المشكلة فيما جاء بعده. كانت الأرواح الشيطانية مرنة للغاية، لذا فحتى بعد موت واحد، أمكنها البعث مراراً وتكراراً، اعتماداً على مستواها. على سبيل المثال، استطاع مستوى 2000 البعث حتى خمس وثلاثين مرة.
العمالقة، رغم افتقارهم لذكاء الشيطان المعتاد، بدوا أكثر مرونة من معظمهم. عنى ذلك أنه اضطر لقتلهم مرات عدة وبسرعة كافية لضمان بقائهم أمواتاً. ومع تعافي أحدهم، كسر العمالقة الباقون قيودهم ورعدوا مقتحمين. ضربه إيلريك بكل تعويذة في ترسانته. التلاعب بالكثافة. التحجير. استخدام عاصفة البَرَد التي أطلقها السيد العلوي. لابد أنه كان سيداً علويّاً، إذ تداخل التغير في البيئة بنشاط مع تعويذاته، ملغياً التأثيرات.
باستخدام هبات ريح مفاجئة لإبعاد حجارته. تحويل الأرض الصلبة إلى طين هريس. لكن إيلريك واصل القتال، قاصداً قتل شياطين قليلة فقط ليراها تبعث ويضطر لفعل ذلك مجدداً. فجأة، شعر بوخز إبرة في كاحله، تلاه حرارة. نظر أسفل ليرى شيئاً أحمر قرصياً، قبيحاً وصغيراً عند قدميه. حارس مقدس. كيف فاته ذلك؟ تسلل عفريت إليه. ابتسم حين سحقه في الأرض. لكن الوخز آلم. ربما سم. دفع أفكاره للتسابق أيضاً.
كان هجوم ثلاثة أجناس مختلفة من الشياطين معاً أمراً غير معتاد. ووجود السيد العلوي هنا بدا أكثر غرابة ومؤسفاً للغاية. والأمر الأكثر غرابة هو عدم وصول المساعدة بعد. تأكد من أن الرجل الذي استدعاه كان ينبغي أن يجلب أحداً الآن. حتى لو لم يفعل، كان ينبغي للتنبيه أن يستدعي الناس إليه. أين بحق الجحيم كانوا؟ لماذا لم يستجيبوا للطوارئ؟ لماذا عجز عن الانتقال الآني بعد الآن؟ كمين.
عرف أن هناك احتمالاً لكون الأمر كميناً، ولهذا ملأ تنبيه النظام شخصياً. لكن في الوقت ذاته، بدا من السخف المطلق أن يكون هذا كميناً. توقع أن يهاجمه يسولت، لكن ليس بأمر فاضح كهذا. هجوم قبل اجتماعه مع المجلس مباشرة؟ ناهيك عن رؤيته من الكثيرين في السوق، والرجل الذي قاده إلى هنا سيخضع للتحقيق على الأرجح. وقد أخبر أناساً كفايو وترك أدلة كافية لتبقي كل المعلومات تظهر على أي حال إن مات، وسيتورط يسولت في مقتله، وهو أمر خطير.
لماذا يفعل يسولت ذلك؟ إلا إن لم يفعل. إلا إن وُجد شخص آخر تجاهله في كل نظرياته. بينما صار إيلريك الوحوش في تضاريس متغيرة، وانتشرت الحرارة صاعدة ساقه، تمنى لو أنه قدم الهدايا لأرييل في وقت مبكر.