مشكلتان رئيسيتان كانتا توافران في تعاويذ قراءة الأفكار. الأولى أنها من الفئة العليا فما فوق، وفوق ذلك، كانت مقيدة بشدة، تماماً مثل تعاويذ محو الذاكرة. في اليوم التالي بمكتبها، أخبرت فاليريا أرييل بالسبب.
قالت: "معظم التعاويذ التي تكتشف العقل أو تعدله قد حظرت إلا باستعمال باحثي الحقيقة، أو بعض السلالات التي تحتكرها. لسبب وجيه. أسمعت يوماً قصة برج جاليون؟"
هزت أري رأسها.
"حسناً، قبل زمن طويل جداً، كان هناك لوكساريوم مفترض أن يحفظ ذكريات الموتى، تحرسه عائلة شين، أبناء عمومة لي. في الأرشيف كانت ذاكرة ساحر قوي، وبمجرد أن حاول المحققون في اللوكساريوم الوصول إليها، أفسدت عوضاً عن ذلك أرشيفهم بأكمله وأدت إلى فيروس هائل تسلل إلى أجساد بعض المحققين أنفسهم. كان يمحو الأفكار ويعدلها كيفما شاء في رؤوسهم، مفسداً ذكرياتهم حتى أفضى الأمر إلى مجزرة. لحسن الحظ، أغلقوا اللوكساريوم بإحكام قبل أن يتمكن أحد من الخروج، لكنهم انتهوا جميعاً إلى قتل بعضهم بعضاً هناك نتيجة لذلك".
أخرجت نفساً وعدلت نظارتها.
"تلك واحدة من أسوأ حوادث تلوث الذاكرة التي وقعت في العصر الحديث، لكن كانت هناك حالات أخرى أدى فيها قراءة الأفكار إلى الجنون أو حتى تعديل الذاكرة دون قصد فعل ذلك. لهذا السبب أصبحت مقيدة بشدة اليوم، خارج أمور مثل جرائم الجهل، وهي مرخصة، وبالطبع باحثو الحقيقة، الذين يبرعون للغاية فيما يفعلون وينجحون في فعله دون التسبب بأي ضرر للذكريات".
ردت أرييل: "أوه".
لقد وضع ذلك عصا في عجلة خططها. قراءة الأفكار ستكون الطريق الأسهل، لكنها الآن لم تكن تدري إن كان الأمر يستحق المخاطرة.
قالت فاليريا: "أقول لك هذا فقط تحسباً لوجود أي أفكار لديك حول صنع تعويذة كهذه. سيكون الأمر بالغ الصعوبة ومستحيلاً عملياً، لكنني لن استبعد أي شيء منك في هذه المرحلة".
عرضت على أرييل ابتسامة لطيفة، لكن أري لم تبادلها الابتسامة. لم تستطع الوثوق بأنها حقيقية. بدت فاليريا وكأنها لاحظت وسعلت بحرج بعدها، معدلة نظارتها مجدداً.
قالت: "على أي حال. أنصح بشدة عدم القيام بأي تجارب في قراءة الأفكار. لن يكون ذلك غير قانوني فحسب، بل سيكون خطيراً عليك وعلى الشخص الذي تقرأ عقله أيضاً. سحر العقل ليس بسيطاً كما يبدو، وليس من السهل محو الذكريات تماماً أيضاً، حتى مع جرائم الجهل. ثمة خطر صغير لكنه لا يُستهان به أبداً لتلوث الذاكرة وانتشارها، تماماً مثلما حدث مع الساحر".
عقدت أرييل حاجبيها. إذن عمَّ كان العميد يتحدث عندما قال إنه يستطيع مساعدتها في تحديد الأكاذيب بشكل أفضل؟ أم أكانت تلك كذبة أخرى؟ لم تكن تنوي سؤاله.
سألت فاليريا مخفضة ذقنها لتتفرس في أرييل من فوق إطار نظارتها: "أكنت تفكرين في صنع تعويذة كهذه، أرييل؟"
هزت أري رأسها، مؤدية عذرها المُمرَّن.
"لا. كنت فضولية ببساطة حول سبب عدم عثوري على أي تعاويذ لقراءة الأفكار في كتاب التعاويذ المتقدمة".
"أمتأكدة أن هذا كل ما في الأمر؟"
"نعم".
لمَ كانت فاليريا تسألها مجدداً؟ أكانت ستُبلغ العميد؟ أكان المجيء إلى هنا خطأ؟
سألت فاليريا بلطف: "كيف تشعرين؟ سمعت أنك قضيت يوماً عصيباً بالأمس".
قالت أري باقتضاب وهي تنهض على قدميها: "أنا بخير. شكراً لمساعدتك، البروفيسورة فاليريا".
"على الرحب والسعة، أرييل. أعلميني إن احتجت إلى التحدث عن أي شيء".
أومأت أري برأسها وخرجت. محطتها الثانية كانت المكتبة. ليس أنها لم تصدق ما قالته فاليريا، لكنها أرادت تأكيده بمفردها. فبعد كل شيء، هذا ما أخبرها به كتاب كيفية إغواء الملوك فعله. الحصول على المعلومات من مصادر متعددة لتعزيز صحتها. لقد نقبت في الكتاب مجدداً طوال الليل، متسائلة عما إذا كانت قد أغفلت شيئاً في داخله أدى بها إلى مأزقها الحالي. تذكرت معظم المعلومات من قراءتها السابقة.
غير أنه مع مرور الوقت، بدأت تتجاهل الدروس الواردة فيه. لقد استعملت الكتاب لتكوين صداقات، والآن بعد أن امتلكتها، صارت تستعمل النصيحة بشكل أقل قليلاً، خصوصاً وأن بعض النصائح الموجودة لم تكن تبدو وكأنها تعمل بالقدر نفسه مع أشخاص معينين، مثل ليرا، على سبيل المثال. أرادت أري شيئاً بمعدل دقة يبلغ مئة بالمئة. وستجده. حتى وإن لم تكن ستصنع تعويذة قراءة أفكار، كانت لا تزال هناك جوانب من التعويذة يمكنها دمجها لتعزيز [حس التعاطف].
استخدمت أوريون للبحث في أرشيفات المكتبة وتلقت في الغالب تحذيرات وحكايات عن كل الأمور السلبية التي يمكن أن تسببها تعاويذ قراءة الأفكار. لا شيء عن بناء التعويذة أو أي شيء من هذا القبيل. لقد تذكرت حقاً قول العميد إنه اختصاصه. لذا اختارت البحث في مكتبه أيضاً. كانت مقتصدة في استخدام كراتها، لذا قررت الاقتراب لإجراء بحثها. جلست في أسفل الدرج وحدقت في الطلاب المارين بينما كانت التعويذة تؤدي عملها.
نظر إليها عدة طلاب. ابتسم لوح البعض. وضع القليل منهم أيديهم حول أفواههم وهمسوا لبعضهم، وأصاب ذلك أرييل بالانزعاج. تجاهلتهم. إلى أن جاء ريوركي، الذي كان يمر بالمكان، فتوقف فجأة وألقى عليها نظرة غريبة.
سأل: "ماذا تفعلين؟"
"لا شيء. جالسة هنا فحسب".
"أجالسة هنا لا تفعلين شيئاً؟"
"نعم".
أمال رأسه وابتسامة تعبث بزاوية شفتيه.
قال وهو يغمز في طريقه مواصلاً مسيره: "أعتقد أن لكل قاعدة استثناء".
عقدت أرييل حاجبيها عندما لم يسفر بحثها عن نتائج كثيرة، لكنها عندما عادت إلى المكتبة، شرعت في العصف الذهني أكثر حول كيفية الارتقاء بـ [حس التعاطف]. المشكلة في [حس التعاطف] هي أنها كانت تمنحها معلومات سطحية، مثل ابتسامة تعني السعادة، وعبوس يعني الغضب. كانت تعمل عن طريق قراءة هالة الفرد لمعرفة الاتجاه الذي يميل إليه عاطفياً. لكنها احتجت إلى أكثر من ذلك. احتجت إلى فهم سبب شعورهم بالطريقة التي شعور بها.
احتجت إلى تقييم استجاباتهم العاطفية، ربما من خلال فهم تعبيرات الوجه الدقيقة. يقول كتاب كيفية إغواء الملوك إن طرفة عين واحدة يمكن أن تحكي حكايات الشياطين الداخلية التي يحملها المرء. ويمكنها فصل المذنب عن البريء والصديق عن العدو. أدركت أرييل أنهما كانا رمزيين، لكن ذلك أودع في فكرها فكرة. إذا دمجت أوريون مع تعويذة الهالة، في تكوين ما، لربما استطاعت الخروج بنظام يمكنه التنبؤ بدرجة من الدقة بأفكار شخص ما أو مشاعره تجاه أمر معين، لمجرد قراءة تعبيرات وجهه الدقيقة.
والأهم من ذلك، أنه يمكن أن يخبرها متى كان الناس يمارسون الخداع تجاهها، حتى وإن عجزت عن معرفة الأمر الذي كانوا يخادعون بشأنه. المشكلة في هذا هي أن تعويذة كهذه ستحتاج إلى مكونات متعددة متزامنة تعمل لتمنحها نتيجة دقيقة، مما سيجعلها تعويذة ثقيلة للغاية. ما لم.... تعلها تعويذة مستمرة مفصولة بدلاً من ذلك. نظرياً، يمكنها تشكيل تعويذتين متزامنتين، وستقوم نتيجة كل تعويذة بتنشيط الطبقة التالية من التعويذات، لتصبح شبكة من التوجيهات والحسابات التي تؤدي إلى نتيجة نهائية.
لذا يمكن للتعويذة الأولى قراءة الهالة وتعبيرات الوجه الدقيقة الأولى، وبناءً على نتائج ذلك، يمكن تنشيط آليات إضافية للوصول إلى ترجمة أعمق. عادة ما كان للتعويذات المستمرة تطبيقات أعلى في الفئتين البارعة والعليا، لكن ليس إن لم تربط التعويذات ببعضها. فبعد كل شيء، يمكنها مراقبة النتائج بنفسها وتنشيط الطبقة التالية بكل سهولة، لذا ستؤدي الخطوة الأولى إلى الخطوة الثانية، لكن لن يكون هناك ارتباط فعلي بينهما، مما يجعلهما سلسلة من التعويذات البسيطة بدلاً من تعويذة معقدة واحدة.
سيكون هذا أكثر صخباً ويتطلب منها تركيزاً أكبر، مما يجعل التعويذة أقل عرضة للاستخدام على غير هدى. لكن بخلاف ذلك، يمكن أن تعمل بشكل جيد للغاية من أجل تقييم شامل لمحادثة ما بعد وقوعها. لكنها احتجت إلى تحديد الخطوات أولاً. سيستغرقها الأمر أياما قليلة لمعرفة صيغة تعويذة كهذه، لكن لحسن الحظ، كان لديها الوقت. كان عرضها التقديمي لوودن واختبارات خطوط الطاقة الخاصة بها في نهاية الأسبوع التالي.
وكان تقييم جوهرها مع البروفيسورة لويد بعد ذلك أيضاً. مما ذكرها بأنها قررت تحذير إيلريك من أن لويد كانت تحقق معها. لقد صرحت بذلك في رسالة أرسلتها إليه، قائلة إنهما بحاجة لمناقشة أمور أكثر إلحاحاً لا تستطيع كتابتها. لم يرد إيلريك على الرسالة بعد. استدعاها العميد أيضاً إلى مكتبه في الصباح التالي، باعتذار وأسئلة حول شعورها. رفضت التحدث عندما كانت هناك، حتى عندما عرض السماح بزيارة من عائلتها، إن احتجت للتحدث إلى شخص ما.
ظلت صامتة حتى أومأ وأخبره بأنه يفهَم وسيمنحها الوقت. لم تنطق بكلمة وهي مغادرة. كان هناك أيضاً الاختبار المفاجئ الذي كان الجميع خائفين منه؛ إذ شكّل هذا الاختبار النسبة الأكبر من معدل التسرب. لم تكن أرييل قلقة سوى على أصدقائها، لا على نفسها. ما لم يكن هناك هجين متورط، كانت متأكدة تماماً أنها ستكون بخير. في النهاية، كان عليها أن تتعلم كيفية تجاوز قوى الهجين أيضاً، لكن تلك كانت مشكلة ليوم آخر.
بينما كانت تنتظر مجيئ إيلريك إلى الحرم الجامعي أو رده على رسائلها، عملت على تعويذة الكشف. واكتشفت أيضاً في المكتبة كتاباً عن السلوك البشري، كان مفترضاً أن يكون مخصصاً للطلاب الأكبر سناً المنتقلين إلى أعمال التحقيق والتحري. تحدث أحد الفصل عن العلامات الشائعة التي يصدرها الناس عندما يكذبون. درست أرييل تلك العلامات، واستخدمت أوريون في البرية بينما كان الناس يتحدثون إليها لمعرفة المزيد.
طلبت من ليرا أن تكذب عليها وعرفت أن ليرا كانت تكمش أنفها قليلاً عندما تكذب. لكن الأمر لم يكن ثابتاً. وكلما كانت الكذبة أكثر سخافة، بدا التجاعيد مبالغاً فيه أكثر. أحياناً كانت تطرف عينيها بقوة زائدة أيضاً. ربما لم تلاحظ أرييل ذلك من قبل، لكن أوريون ساعدها في تدوين كل هذه الأمور. لكن أري عرفت أن ذلك لم يكن كافياً. ستحتاج لمعرفة المزيد. ستحتاج لدراسة مزيد من الناس والمزيد من الآليات التي تكشف الخداع.
لم تعتقد ليرا أن كل ذلك كان ضرورياً. لقد أخبرت أرييل بذلك.
قالت ليرا: "أخشى أنك تتمادين كثيراً هنا. ما حدث كان مؤلماً، لكنك لسْتِ بحاجة لإعادة توصيل دماغك بأكمله لتحليل كل شيء طوال الوقت لتجنب التعرض للأذى مجدداً".
قالت أرييل بإصرار: "بل أنا بحاجة لذلك. لأنه حينها لن يتمكنوا من خداعي".
قالت ليرا: "الجميع يُخدعون من حين لآخر يا أري. ما حدث لم يكن خطأك. كان العميد هو من كسر ثقتك عمداً لأي سبب كان. وبحسب ما يظهر فإن الأكاديمية معروفة بمثل هذه الأمور، لكنك لست بحاجة لتعريض نفسك لكل هذا الضغط. لن يكون ذلك جيداً لك".
هزت أري رأسها بينما واصلت القراءة.
قالت ليرا: "أري".
"نعم؟"
"انظري إليّ".
أذعنت أرييل أخيراً، رافعة نظرها نحو تعبير القلق البادي على وجه صديقتها.
قالت: "لا أريدك أن تستمري في إيذاء نفسك بسبب شيء لم ترتكبيه".
"ما يؤلم هو الشعور بالغباء".
"نعم، لكن يجب ألا تشعري هكذا. كيف على وجه الأرض تكونين غبية؟ أنت واحدة من أذكى وأدق الأشخاص الذين أعرفهم. لقد تعلمت كيفية صنع الشاي بإتقان من مراقبتي وأنا أفعله مرة واحدة. تتعلمين التعاويذ على غير هدى، وتفهمين الروابط بين الأشياء التي لم أستطيع أبداً إدراكها. عقلك يعطي الأولوية لأشياء مختلفة فحسب، وليس في ذلك أي خطوء".
لم تكن لدى أرييل إجابة لها، لذا عادت إلى القراءة.
تمتمت ليرا وهي تخرج بينما واصلت أري العمل: "عنيدة جداً".
كتبت أري كل ما تعلمته، مالئة لفافة تلو الأخرى. ستحتاج إلى كتاب جديد قريباً. ومما زاد الطين بلة، أنها بدأت تنفد من كرات إلفهايم، مما يعني أنها ستضطر قريباً إلى الاعتماد على حصتها الطلابية مرة أخرى. لقد اعتادت كثيراً لدرجة امتلاك ما يكفي من الكرات للقيام بكل ما تريده حتى أنها لم تكن تدري كيف سيكون الأمر إن قيدت نفسها مرة أخرى. تمنت لو تستطيع الانتقال الفوري إلى عالم الجن والحصول على المزيد.
لكن لم يكن مفترضاً بها أن تقابل تيليب إلا بعد المحاكمات، وحتى في ذلك الحين، شككت في أنه سيساعدها في الانتقال الفوري في أي وقت قريب، خصوصاً بعد الأمر المتعلق بالرسمة التي صنعَتْها. لقد كان منزعجاً لأنها خدعته ليساعدها في صنع نقش قبل أن يشعر بأنها أصبحت جاهزة. لذا يبدو أنك خدعته أيضاً. تسللت فكرة إلى ذهنها. أيعجلك ذلك سيئة بقدر العميد؟ لا. لم تفعل ذلك للسخرية من تيليب أو إيذائه؛
بل فعلته لمساعدة ليرا. وبحسب العميد، فقد فعل هو ذلك لمساعدتك. وماذا عن فاليريا، التي كذبت عليها للتو في وقتลُ سابق من هذا الأسبوع؟ من كنت تساعدين حينها؟ نفضت الفكرة عن رأسها وتابعت بإصرار مسار أفكارها الأولي. لم تكن أكاذيبها تؤذي الناس. بل كانت تتعلق بحماية نفسها فحسب. أكاذيب العميد كانت... مختلفة. بطريقة ما. على أي حال، عودة إلى الانتقال الفوري. تساءلت باهتمام عما إذا كان بإمكانها الانتقال الفوري إلى إلفهايم باستخدام الطريقة نفسها التي استخدمتها في المعبد، باستثناء هذه المرة، بمفردها.
كانت فكرة سخيفة لأنها لم تكن تعرف حتى كيفية فتح هذه البوابة المفترضة، وحتى الآن كان الانجراف هو من أوصلها إلى هناك. ناهيك عن خطر العلق في البين مرة أخرى، والتي ما كان بإمكانها الخروج منها لولا كورنيليوس. على الرغم من أنها وصلت إلى هناك بطريقة ما دون علم المراقب باين أو إذنه. أخبرها كورنيليوس أن ذلك كان غير معتاد. لمَ؟ لمَ كانت طريقتها مختلفة؟ لمَ كانت هي مختلفة؟ الآن بعد أن فكرت في الأمر، خطر لها أن هناك الكثير من الأمور الغريبة عنها والتي تقبلتها ببساطة على أنها طبيعية.
ما الذي سبّب ذلك؟ أكانت هجيناً بعد كل شيء؟ أم أن هناك شيئاً آخر في الأمر؟ غُمِرت أرييل بأفكار حول أمور كثيرة للغاية. في ذلك الخميس، بينما كانت جالسة في الكهف مرة أخرى، أخبرت كرتها الزرقاء عن العميد وكيف كانت تشعر باختلاف شديد. وأخبرتهم أيضاً عن عملية توثيقها لكل ما تعرفه عن الناس وما يريدون. بدأت بأولئك الذين تعرفهم جيداً. ليرا كانت رفيقتها في السكن، لطيفة ومرتبة. أرادت أن تتحرر من لعنة عمتها، وأرادت أن تجعل عائلتها فخورة بها.
وأرادت أيضاً أن تكون صديقة لأري، على ما يُفترض. موس كان صديقاً لها، وكان عاملاً جاداً ينحني أحياناً وتنقصه الثقة. لكنه كان شجاعاً في أوقات أخرى أيضاً، رغم أن ذلك كان بغباء في بعض الأحيان. كان إيلريك صديقها وابن عمها المزعوم أيضاً. لقد اعتنى بها لأنه كان يهتم لأمرها. لم يعتنِ به أحد عندما التحق بالأكاديمية. لم تكن سطور المعلومات الموجزة كفيلة بالوفاء بالغرض. وحتى صفحات وصفحات لم تكن تكفي.
شعرت أنها لا تعرف ما يكفي عنهم. احتجت إلى معرفة المزيد. أسندت ظهرها إلى جدار الكهف وتنهدت.
"الأمر أصعب بكثير مما اعتقدت أنه سيكون. الناس أغراب ومعقدون جداً. أتمنى لو كانوا مثلكم يا شباب. أعني، أنا أفهمكم ضمناً لأنكم جميعا بسطاء للغاية".
تمايلت الكرة الزرقاء موافقة.
"إن كان فهم أصدقائي بهذه الصعوبة، فماذا سأفعل تجاه أشخاص مثل إيزولت والعميد؟ وحتى فيتوريا؟ كيف سأعرف متى يكذبون عليّ؟"
"أسمعتُ اسمي؟"
ارتجفت أرييل عندما ملأ الصوت الكهف، ونهضت على قدميها. ظهرت بوابة وألقت بفيتوريا التي ابتسمت عند هبوطها.
سألت أرييل في حالة تأهب فوري: "ما الذي تفعلينه هنا؟ ليس مفترضاً بك أن تكوني هنا".
قالت: "تقنياً، أخبرت إيلريك أنني لن أختطفك مجدداً دون إذنه، لا أنني لن أراك أبداً مرة أخرى. أنا هنا لأنني سمعتُك تتحدثين، وأعتقد أنني أستطيع الإجابة عن بعض أسئلتك. أنا هنا أيضاً مع تحذير".
"أي تحذير؟"
قالت: "إنه بخصوص إيلريك. أعتقد أنه في ورطة، وقد تكونين الوحيدة القادرة على مساعدته. حسناً، يمكنني مساعدته أيضاً، لكنني لن أعل فعل ذلك".
"لمَ لا؟"
"لأسباب لا يستطيع عقلك المراهق اليافع استيعابها نهائياً".
ضيقَت أرييل عينيها، فاتسعت ابتسامة فيتوريا.
"أمزح فقط. الأمر يرجع في الغالب إلى أنني أريدك أن تفعليه أنتِ. سأشرح السبب لاحقاً".
أرادت أرييل التحقق مما إذا كانت تكذب، لكنها لم تكن قد أتقنت تعويذتها بعد. ومع ذلك، استخدمت [حس التعاطف] للبحث عن الخداع وشرعت في استخدام أوريون لتقييم تعبيرات وجهها الدقيقة.
"إذا كنت تستخدمين تعويذتك الصغيرة عليّ، فدعيني أُوفّر عليك الجهد. أنا صادقة. يمكنني تناول جرعة حقيقة الآن إن أردتِ مني ذلك. بما أنك تقدرين الصدق كثيراً، فهذا يسهل الأمور كثيراً حقاً".
سألت أرييل: "لمَ تقولين لي هذا؟ أتريدين مني أن أثق بك مجدداً؟"
فقدت ابتسامة فيتوريا بعضاً من حدتها الساخرة.
"أعلم قد لا تصدقينني، لكنني أتفهم ما تمرّين به. أنا أيضاً اضطررت لتعلم الكذب عندما كنت في سنك، لأن الناس وجدوا شخصيتي الحقيقية الصادقة قاسية للغاية وهمجية. لقد فضلوا الأمر عندما خففتها وتحدثت بأدب مثل السيدة الحقيقية التي ربتني أمي لتكونها".
هزت كتفيها.
"كل هراء المجتمع يُلقى على المغفلين. وربما لهذا السبب أفضّل ألا أكون جزءاً منه بعد الآن".
كررت أرييل: "لمَ تقولين لي هذا؟"
لأنها شعرت أن هذه المحادثة لم تكن عادية تماماً.
"ماذا تريدين مني؟"
قيّمتها فيتوريا بنظرتها، قائلة: "لقد استمعت إلى معظم المحادثة التي أجريتها هنا مع نفسك".
اتسعت عيناها أري بوعي. كم يا ترى سمعت؟ لمست فيتوريا الجدار، ممررة إسبعها عبر شقوقه.
"اعتاد هذا الكهف أن يكون مميزاً لي أنا أيضاً. غالباً لأنني كنت أقع في المشاكل باستمرار وأُعاقب بكنس صغار المانا هنا. ثم أصبح المكان الذي أقضي فيه وقتاً في ممارسة التعاويذ وخلق أبواب خلفية حتى أتمكن من مغادرة الحرم الجامعي وقتما شئت. أغلق العميد ثلاثة من أبوابي الخلفية، لكنه لم يضبط البقية".
"ليس هذا ما سألتك عنه".
"أعلم. بصراحة، سيكون الأمر معقداً للغاية الآن للخوض فيما أريده منك. دعيني أقول فقط إنني فضولية بشأنك".
هزت كتفيها.
"سمعت ما قلتِه، ويمكنني تكوين تخمين عما فعله العميد ليضع تلك النظرة على وجهك. ذلك العجوز... يظن أنه مختلف جداً، لكن عند أدنى تلميح للإزعاج، يعود افتراضياً إلى القدر نفسه من الهراء المتلاعب الذي اشتهر به سلفه. إنه سمة الأكاديمية بعد كل شيء".
ظلت أرييل صامتة، ناظرة إلى فيتوريا بالشك نفسه الذي توليه لمعظم البالغين هذه الأيام.
"سأعترف بأنني قُلِقت عندما لم تكوني مرعوبة بعد اللقاء مع الهجين. معظم الناس سيكونون كذلك. ظننت أن ذلك يعني أنك لا تفهمين الموقف. أدرك الآن أنني أنا من لم يكن يفهم".
كانت أرييل على وشك استدعاء رافا، التي كانت في مكان ما على الجزيرة تنتظرها.
سألت للمرة الأخيرة: "ماذا تريدين؟"
"بصراحة شديدة، أريد شخصاً ما لتحطيم النظام الذي يستعبدنا حالياً. أعتقد، أرييل، أنكِ ذلك الشخص".
فكرت أرييل في الأمر وهزت رأسها.
"لست مهتمة بذلك الآن. أريد فقط حماية عائلتي وإيلريك".
"يا لها من مصادفة".
ابتسمت.
"هذان الأمران مرتبطان بالأمر. في الواقع، لهذا السبب أنا هنا. إيلريك يحتاج إلى مساعدتك الآن. إنه على وشك التعرض لكمين في طريقه إلى المجلس، ونحن نعلم جميعاً أنه ليس الأفضل في القتال".
"كمين ممن؟"
"عصابة من عابري الأطياف يُرجح أن إيزولت استأجرتهم، بما في ذلك أحدهم الذي يُعد أعجوبة. لا تسأليني كيف عرفت".
تسارع قلب أرييل.
"إذن أنت هنا لأخذي إليه؟"
"بالطبع لا. لقد أخبرتُه أنني لن أختطفك".
غمزت.
"لكنني متأكدة من أن تامسي لوس، ساحرة الصحراء، قد ترغب في الظهور؟"